← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2672–2711 · переход к 2677.

стр. 2672

بواجب لحديث أبي هريرة المتقدم في أول الباب: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت" (١)، وفيه: أنه يستحب التطيب، وفيه: وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع (٢)، والعلة: أنه يوم اجتماع ملائكة وآدميين فيغتسل لإزالة الرائحة الكريهة والتفث، ويتطيب ليذهب أذى عرقه إن كان، أو ليشم منه الملائكة والمؤمنون منه رائحة طيبة، ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والنساء والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة، قاله الكمال الدميري (٣). لطيفة: من تطيب يوم الجمعة، ونوى بذلك إتباع السنة وتعظيم بيت الله تعالى واحترام يوم الجمعة ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة، فقد أشار إلى ذلك ﷺ : "من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك؛ ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" (٤)، ومثال التطيب لغير الله: أن يقصد التنعم بلذته أو التفاخر بإظهار ثروته أو التزويق للنساء

стр. 2673

وإحداث الفساد، والله أعلم. قوله ﷺ : "ولبس من أحسن ثيابه" الحديث، قلت: التجمل في الصلوات كلها مندوب إليه، روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١) أنه كان يلبس ثوبا جميلا في الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: أتجمل لربي ؛ قال النووي (٢): هو الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة، أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، قال: و كان في زمنه أربع من الصحابة: أنس بن مالك وعبد الله بن أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم، وهو إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق، وسمع خلائق من التابعين، قال الخطيب (٣): وهو من أهل الكوفة، نقله أبو جعفر المنصورة إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف؛ وعن عبد الله بن عمرو الرقي قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رآه كذلك خلى سبيله، وقال أبو بكر بن عياش: ضُرب أبو حنيفة على القضاء، كان كل يوم يضرب ليدخل في القضاء، ويأبى، فسجنه أمير المؤمنين، وقيل:

стр. 2674

إنه قعد في القضاء يومين وبعض الثالث، فلما كان بعد يومين اشتكى فمرض ستة أيام، ثم توفي ﵁؛ وقال أبو جعفر لأبي حنيفة: عمن أخذت العلم؟ قال: عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال أبو جعفر: بخ بخ استوفيت يا أبا حنيفَة، قاله في مجمع الأحباب (١) وغيره، أ. هـ. تتمة: في مناقبه: وقال أبو نعيم (٢): كان أبو حنيفة حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح حسن المجلس كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه؛ وعن الفضيل بن عياض (٣) قال: كان أبو حنيفة فقيهًا معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع واسمع المال معروفا بالإفضال على من يطيق، صبورًا على تعليم العلم بالليل والنهار كثير الصصت قليل الكلام؛ وقال زافر بن سليمان (٤): كان أبو حنيفة يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن، وصلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان يبكي حتى يرحمه جيرانه، وختم في الموضع الذي مات فيه القرآن سبعة آلاف ختمه؛ وقال ابن المبارك (٥): صلى أبو حنيفة خمسًا وأربعين سنة الصلوات الخمس بوضوء واحد؛ وعن زائدة قال: صليت مع

стр. 2675

أبي حنيفة في مسجده العشاء ثم قام فافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ فلم يزل يكررها ويبكي حتى أذن المؤذن لصلاة الصبح؛ وقال علي بن عاصم: لو وزن عقل أبي حنيفة بنصف عقل أهل الأرض لرجح بهم، وقال رجل لأبي حنيفة: اتق الله! فانتفض أبو حنيفة انتفاضة رجت كيانه صُرِع واصفر لونه وطأطأ رأسه، وقال: يا أخي، نعم جزاك الله خيرًا بها كذا قل لي، ما أحوج الناس من يقول لهم مثل هذا كل وقت؛ وكان أبو حنيفة إذا سئل عن مسألة يقول: رب سلم رب سلم، وكان يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت، وأخوف ما أخاف من الفتوى وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: كَفَى حَزَنًا أَنْ لا حَيَاةَ هَنِيَّةٍ ... وَلا عَمَلٌ يَرْضَى بِهِ اللهُ صَالِحٌ (١) وقال عباد بن التمار (٢): رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت: يا أبا حنيفة، إلى ماذا صرت؟ قال: إلى سعة رحمة الله تعالى، قال: قلت: بالعلم، قال: هيهات، للعلم شروط وآفات، وقل من ينجوا منها، قلت: فبم؟ قال: بقول الناس فِيَّ مَا لَمْ أَكُنْ عَلَيْهِ، وقيل: إن أبا حنيفة رأى رب العزة ﷻ في المنام تسعة وتسعين مرة، قال: فقلت في نفسي: إن رأيته تمام المائة لأسئلنَّه:

стр. 2676

بم ينجو الخلائق من عذاب يوم القيامة؟ قال: فرأيته ، فقلت: يارب عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك، بم ينجو عبادك يوم القيامة من عذابك، فقال : مَنْ قَالَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: "سُبْحَانَ الأبَدِيِّ الأبَدْ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدْ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ الصَّمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ نَجَا مِنْ عَذَابِي" (١). ذكر ابن رجب في كتابه اللطائف: أن رسول الله ﷺ كان يلبس للخروج للعيدين أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها العيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بردين أخضرين، ومرة بردًا أحمر، وليس هذا الأحمر مصمتا (٢) كما يظن بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا (٣)، وإنما هو بخطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، وقيل: وقد صح عنه من غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة

стр. 2677

الشديدة ثم يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهيته كراهية شديدة (١)، أ. هـ، والله أعلم. يستحب للإنسان أن يتزين في يوم الجمعة بأحسن ثيابه، ويستحب للإمام أن يزيد على سائر الناس في الزينة لأنه المنظور إليه والمقتدى به، وينبغي أن يتعمم ويرتدي كما كان النبي ﷺ يفعل؛ وأفضل الثياب البياض لقوله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" رواه الترمذي (٢)، فإن لبس مصبوغا فلا بأس؛ وفي الإحياء (٣): يكره له لبس السواد، وفي باب الأمر بالمعروف: يكره ولا يستحب؛ وقال في الأحكام السلطانية: ينبغي له لبس السواد (٤) والظاهر أنه أراد في زمنه وهي الدولة العباسية فإنه كان شعارهم. قال النووي: والصحيح: أنه لا يلبسه إلا أن يظن ترتب مفسدة على تركه. قال الشيخ عز الدين (٥): المواظبة على لبس السواد

стр. 2678

بدعة، فإن منع أن يخطب إلا به فليفعل، قاله الكمال (١) والله أعلم. قال شارح الإلمام: وأما لباس الخطباء السواد في الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض وإنما لبس العمامة السوداء بيانا للجواز. قوله ﷺ : "ثم خرج حتى يأتي المسجد ثم يركع ما بدا له"، وفيه: أن التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب؛ قال النووي (٢): وهو مذهبنا وهو مذهب الجمهور؛ وفيه: أن النوافل المطلقة لا حد لها لقوله ﷺ في الحديث الآخر: "فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ" (٣)؛ وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد والطبراني: "ثم ركع ما قضي له" (٤)، وفي رواية: "ما كتب له" (٥) أي: ما رزقه الله من

стр. 2679

صلاة السنة. لطيفة جليلة فيها بشرى: وقت استجابة الدعاء: روى الطبراني في كتاب الدعاء (١) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَشْرَ رَكَعاتٍ قَبْلَ خُروجِ الإمام يَقْرأُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ فِاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَيَقُولُ فِي آخِرهَا آمين، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ، يَقْرأُ فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكعَةٍ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحيم، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أثرِ: ذَلِكَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلهَ إِلَا الله وَاللهُ أَكْبَر، وَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَا بِالله، لَمْ يَسْأَلِ الله عَلَى أثر ذَلِكَ شَيْئًا إِلَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". قوله: ﷺ : "ولم يؤذ أحدًا" أي: بالتخطي، أي: وإذا حضر وقد سبقه القوم لم يتخط إلا أن يأذن له القوم، أو يجد أمامه فرجة، فله التخطي إليها بشرطين، الأول: أن يعلم أن من أمامه عند إقامة الصلاة، فإن علم أنهم يتقدمون إليها لم يجز التخطي، قاله في الشامل؛ الثاني: أن لا يتخطى إلا صفا أو صفين، فإن كان لا يصل إليها إلا بتخطي أكثر من صفين لم يجز، وطريقه أن يصبر إلى إقامة الصلاة فيأمر من أمامه بالتقدم، فإن لم يتقدموا تقدم لتقصيرهم بسد خلل الصفوف، فإن ضاق المسجد ولم يجد مكانًا يجلس فيه أمر من أمامه بالتقدم، وكذلك يأمر كل صف من أمامه بالتقدم إلى الفُرَج، فإن لم يتقدموا تخطوا وإن كانوا أكثر من صفين لتقصيرهم (٢)، انتهى.

стр. 2680

تتمة: ينهى الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيرها، عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة وظاهر كلام الأكثرين أنه كراهة تنزيه لا تحريم وإن كان إماما ولم يجد طريقا إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطي لم يكره لأنه ضرورة نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، وإن كان غير الإمام ورأى فرجة قدامهم لا يصلها إلا بالتخطي قال الأصحاب: لم يكره التخطي لأن الجالسين وراءها مفرطين بتركها وسواء وجد غيرها أم لا وسواء كانت قريبة أم بعيدة لكن يستحب إن كان له موضع غيرها أن لا يتخطى وإن لم يكن موضع وكانت قريبة بحيث لا يتخطى أكثر من رجلين ونحوهما دخلها وإن كانت بعيدة ورجا أنهم يتقدمون إليها إذا أقيمت الصلاة يستحب أن يقعد موضعه ولا يتخطى وإلا فليتخطّ (١). فرع: مذهبنا أن التخطي مكروه إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فلا يكره حينئذ وبهذا قال الأوزاعي وآخرون وحكى ابن المنذر كراهته مطلقا عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعطاء وأحمد بن حنبل، وعن مالك: كراهته، إذا جلس الإمام على المنبر ولا بأس به قبله؛ وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وعن أبي نصر: جوازه بإذنهم؛ وقال ابن المنذر (٢): لا يجوز شيء من ذلك عندي لأن الأذى يحرم قليله وكثيره كما جاء في الحديث الصحيح قال النبي ﷺ لمن يراه يتخطى: "اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ،

стр. 2681

وَآنَيْتَ" (١): (وَآنيْتَ) أي: أخرت المجيء؛ قاله في الديباجة. فرع: قال الشافعي (٢): إذا قعد إنسان في الجامع في موضع الإمام، أو في طريق الناس، أمر بالقيام، أ. هـ. فرع آخر: لا يجوز أن يقيم الداخل رجلا من صفه لما روى الشيخان (٣) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه"، ولكن يقول: "تفسّحوا، أو توسّعوا"، أ. هـ. قوله ﷺ : "ثم أنصت حتى يصلي"، وفيه: الإنصات للخطبة، قال القاضي عياض (٤): قال الإمام مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، أ. هـ. وليس مذهب الشافعي كذلك، وتقدم ذلك قريبا، قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور (٥): يلزمه،

стр. 2682

وقال النخعي والإمام أحمد وأحد قولي الشافعي (١): لا يلزمه، واللّه أعلم. ١٠٣١ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ "من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ لبس من أحسن ثِيَابه وَمَسّ طيبا إِن كانَ عِنْده ثمَّ مَشى إِلَى الْجُمُعَة وَعَلِيهِ السكينَة وَلم يتخط أحدا وَلم يؤذه ثمَّ ركع مَا قضى لَهُ ثمَّ انْتظر حَتَّى ينْصَرف الإِمَام غفر لَهُ مَا بَين الجمعتين" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حَرْب عَن أبي الدَّرْدَاء وَلم يسمع مِنْهُ (٢). قوله: وعن أبي الدرداء، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس من أحسن ثيابه ومس طيبا إن كان عنده" تقدم الكلام على هذه الألفاظ في الحديث قبله. قوله ﷺ : "ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة" الحديث، وفي حديث آخر: وعليه السكينة والوقار. والوقار بفتح الواو؛ وقيل: إنه والسكينة بمعنى واحد، وجمع بينهما تأكيدا، والظاهر: أن بينهما فرقا، هو أن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحوه؛ والوقار في غض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه وأمثاله، وهذا مستحب في الجمعة وغيرها لقوله ﷺ :

стр. 2683

"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار" (١) هذا إذا لم يضق الوقت، فإن ضاق .. ففي "الشرح" و"الروضة"، لا يبعد القول بالسعي، وقال في باب الصيد والذبائح: لا يكلف في هذه الحالة زيادة على طبعه، وقال الماوردي في الإقناع: يمشي بالسكينة وإن ضاق الوقت، قاله الكمال الدميري (٢)، واللّه أعلم. ١٠٣٢ - وَعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي ﵁ قَالَ كَانَ نُبَيْشَة الْهُذلِيّ ﵁ يحدث عَن رَسُول اللّه ﷺ إِن الْمُسلم إِذا اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ أقبل إِلَى الْمَسْجِد لا يُؤْذِي أحدا فَإِن لم يجد الإِمَام خرج صلى مَا بدا لَهُ وَإِن وجد الإِمَام قد خرج جلس فاستمع وأنصت حَتَّى يقْضِي الإِمَام جمعته وَكَلَامه إِن لم يغْفر لَهُ فِي جمعته تِلْكَ ذنُوبه كلهَا أَن يكون كلفَّارَة الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا، رَوَاهُ أَحْمد وَعَطَاء لم يسمع من نُبَيْشَة فِيمَا أعلم (٣). قوله: وعن عطاء الخراساني؛ هو: أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح، عطاء بن أبي مسلم، واسم أبي مسلم عبد اللّه، ويقال: ميسرة الأزدي الخراساني البلخي، سكن عطاء الشام وهو مولى المهلب بن أبي صفرة؛ وعطاء من التابعين الكبار؛ روى عن معاذ بن جبل وكعب بن عجرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد اللّه بن السعدي مرسلًا،

стр. 2684

وسمع ابن المسيب وابن جبير وعكرمة وأبا مسلم وأبا إدريس الخولاني وعطاء بن أبي رباح وغيرهم؛ وهو من التابعين العباد، متفق على توثيقه؛ روينا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: "كنا نغازي عطاء الخراساني يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً، فَإِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ نادى ونحن في فساطيطنا: يا عبد الرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، ويا هشام بن الغاز، قوموا فتوضؤا وصلوا، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب الصديد ومقطعات الحديد، الوحا الوحا ثم النجاء النجاء" (١). النجاء بالقصر التخلص، وكذا النجاة، وقد تمد فيقال نجاء. قال الجوهري (٢): نجوت من كذا نجاء ممدودا ونجاة مقصورًا، ونجوت أيضًا نجاء ممدودًا: أي أسرعت وسبقت وهو منصوب بفعل مضمر أي: أنجو النجاء، أ. هـ. قوله: كان نبيشة الهذلي يحدث عن رسول اللّه ﷺ : "إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة" الحديث، قال الأصحاب: يستحب مع الاغتسال للجمعة أن يتنظف بإزالة أظفار وشعر يحتاج إلى إزالتهما ووسخ ونحوه، وأن يتطيب ويدهن ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كما تقدم، وأفضل ثيابه البيض كغيره، هذا هو المشهور، وذكر الغزالي في الإحياء: كراهة لباس السواد، وقال مثله أبو طالب المكي، وخالفهم الماوردي في الحاوي، ويجوز للإمام لبس البياض

стр. 2685

والسواد، قال: وكان النبي ﷺ والخطباء يلبسون البياض، واعتم النبي ﷺ بعمامة سوداء (١)، قال: وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعارا لهم؛ لأن الراية التي عقدت للعباس يوم فتح مكة ويوم خيبر كانت سوداء، وكانت رايات الأنصار صفرًا، قال النووي (٢): والصحيح أنه يلبس البياض دون السواد إلا أن يغلب على ظنه ترتب مفسدة على ذلك من جهة السلطان أو غيره، قال: وهذه السنن ليست مخصوصة بالجمعة بل يستحب لكل من أراد الجمع من مجامع الناس أن يتزين ويتطيب، كذا نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، وسواء في ذلك الرجال والصبيان والعبيد إلا النساء فيكره لمن أرادت الحضور الزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة وإزالة الظفر والشعور المكروهة، واللّه أعلم (٣)، قاله في الديباجة. نبيشة: هو نبيشة بن عمرو بن عوف بن عبد اللّه الهذلي أبو طريف وقيل: نبيشة الخير بن عبد اللّه، يكنى أبا طريف، سكن البصرة ومن مناقبه: أنه دخل على النبي ﷺ وعنده أسارى، فقال: يا رسول اللّه، إِمَّا أَنْ تُفَادِيَهُمْ، وإِمَّا أَنْ تَمُنَّ عَلَيْهِمْ، فقال: "أَمَرْتَ بِخَيْرٍ، أَنْتَ نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ" (٤).

стр. 2686

١٠٣٣ - وَعَن سلمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا يغْتَسل رجل يَوْم الْجُمُعَة ويتطهر مَا اسْتَطَاعَ من الطّهُور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بَيته ثمَّ يخرج فَلَا يفرق بَين اثْنَيْنِ ثمَّ يُصَلِّي مَا كتب لَهُ ثمَّ ينصت إِذا تكلم الإِمَام إِلَا غفر لَهُ مَا بَينه وَبَين الْجُمُعَة الأُخْرَى، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). وَفِي رِوَايَة للنسائي مَا من رجل يتَطَهَّر يَوْم الْجُمُعَة كَمَا أَمر ثمَّ يخرج من بَيته حَتَّى يَأْتِي الْجُمُعَة وينصت حَتَّى يقْضِي صلَاته إِلَا كَانَ كَفَّارَة لما قبله من الْجُمُعَة (٢). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن نَحْو رِوَايَة النَّسَائيّ وَقَالَ فِي آخِره إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لما بَينه وَبَين الْجُمُعَة الأُخْرَى مَا اجْتنبت المقتلة وَذَلِكَ الدَّهْر كُله (٣). وعن سلمان، تقدم الكلام على سلمان. قوله ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور" المراد بهذا الطهور: قص الشارب وقلم الأظفار وحلق العانة ونتف الإبط وتنظيف الثياب (٤).

стр. 2687

(قوله:) "ويدهن من دهنه" أي: يستعمل الدهن في شعره، وأراد الدهن الذي فيه طيب (١) (قوله) ويمس من طيب بيته، قيد بطيب بيته ليؤذن بأن السنة أن يتخذ الطيب لنفسه ويجعل استعماله عادة له، فيدخر في البيت (٢). قوله: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، هذا كناية عن التبكير أي: عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس (٣)، واللّه أعلم. ويجوز في "يمس" فتح الميم وضمها. قوله ﷺ : "ثم ينصت إذا تكلم الإمام" فيه: دليل على وجوب الإنصات والنهي عن الكلام، إنما هو في حال الخطبة؛ قال النووي (٤): وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجمهور، وقال الإمام أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام، واللّه أعلم. ١٠٣٤ - وَرُوِيَ عَن عَتيق أبي بكر الصّديق وَعَن عمرَان بن حُصيْن ﵄ قَالا قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كفرت عَنهُ ذنُوبه وخطاياه فَإِذا أَخذ فِي الْمَشْي كتب لَهُ بِكُل خطْوَة عشرُون حَسَنَة فَإِذا انْصَرف من الصَّلَاة أُجِيز بِعَمَل مِائَتي سنة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (٥).

стр. 2688

وَفِي الأوْسَط أَيْضا عَن أبي بكر ﵁: وَحده وَقَالَ فِيهِ: كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل عشْرين سنة (١). قوله: وروى عن عتيقٍ أبي بكر الصديق، اسمه: عبد اللّه، وسمى عتيقا لعتاقة وجهه، والعتيق الحسن، كأنه أعتق من الذم والعيب؛ وقيل: سمى عتيقا لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد، فنذرت إن ولد لها أن تسميه عبد الكعبة، وتتصدق به عليها، فلما عاش وشب سمى عتيقا كأنه أعتق من الموت (٢)، وكان ﵁: يسمى أيضًا عبد الكعبة إلى أن جاء الإسلام فسماه رسول اللّه ﷺ عبد اللّه؛ وقيل: سمى عتيقا لأن رسول اللّه ﷺ قال له حين الإسلام: "أنت عتيق من النار" (٣)؛ وقيل: كان لأبيه ثلاثة من الولد: مُعتِق ومُعَيْتِق وعَتيق وهو أبو بكر؛ وسئل ابن معين عن اسم أم أبي بكر، فقال: أم الخير عند اسمها (٤).

стр. 2689

وهي أم الخير بنت صخر بن عمرو، بنت عم أبي قحافة، واسمها سلمى، وتكنى أم الخير، وهي من المبايعات؛ وَأَمّا أَبُوهُ عُثْمَانُ أَبُو قُحَافَةَ فَأُمّهُ قَيْلَةُ - بِيَاءِ بِاثْنَتَيْنِ مَنْقُوطَةٍ مِنْ أَسْفَلَ - (١). قوله: وعمران بن حصين، وهو: أبو نجيد بضم النون وفتح الجيم عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي البصري، أسلم هو وأبو هريرة ﵄ عام خيبر سنة سبع من الهجرة؛ روى له عن رسول اللّه ﷺ مائة وثمانون حديثا اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة، فنزل البصرة وكان قاضيها؛ استقضاه عبد اللّه بن عامر إياها ثم استعفى فأعفاه بها سنة اثنتين وخمسين؛ وكان الحسن البصري يحلف باللّه: ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران؛ وغزى مع رسول اللّه ﷺ غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة؛ واختلف العلماء في والد عمران (٢)، هل أسلم وله صحبة أم لا؟ قال ابن الجوزي في التنقيح (٣): الصحيح أنه أسلم، ويؤيد ما قاله أن الترمذي روى في كتابه في جامع الدعوات بإسناده عن عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ لأبي: "يا حصين! كم تعبد اليوم إلاهًا؟ " قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: "فأيهم تعُدُّ لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء، قال: "يا

стр. 2690

حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك" فلما أسلم، قال: يا رسول اللّه علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: "قل: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي" قال الترمذي: حديث حسن غريب (١) (٢). قوله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة كفرت عنه ذنوبه وخطاياه" تقدم الكلام على الغسل، وتقدم الكلام أيضا على تكفير الذنوب والخطايا، وأن المراد بذلك الصغائر دون الكبائر؛ فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو عفو اللّه . قوله ﷺ : "فإذا أخذ في المشي كتب له بكل خطوة عشرون حسنة" تقدم الكلام على الخطوة في الصلاة. ١٠٣٥ - وَعَن أَوْس بن أَوْس الثَّقَفِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول من غسل يَوْم الْجُمُعَة واغتسل وَبكر وابتكر وَمَشى وَلم يركب ودنا من الإِمَام فاستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل سنة أجر صيامها وقيامها، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَصَححهُ (٣).

стр. 2691

وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس (١). قَالَ الْخطابِيّ قَوْله ﵊: "غسل واغتسل وَبكر وابتكر" اخْتلف النَّاس فِي مَعْنَاهُ فَمنهمْ من ذهب إِلَى أَنه من الْكَلَام المتظاهر الَّذِي يُرَاد بِهِ التوكيد وَلم تقع الْمُخَالفَة بَين المعْنيين لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَقَالَ: أَلا ترَاهُ يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث وَمَشى وَلم يركب ومعناهما وَاحِد وَإِلَى هَذَا ذهب الأثْرَم صَاحب أَحْمد وَقَالَ بَعضهم قَوْله غسل مَعْنَاهُ غسل الرَّأْس خَاصَّة وَذَلِكَ لِأن الْعَرَب لَهُم لمَم وشعور وَفِي غسلهَا مُؤنَة فَأَرَادَ غسل الرَّأْس من أجل ذَلِك وَإِلَى هَذَا ذهب مَكْحُول وَقَوله: واغتسل مَعْنَاهُ غسل سَائِر الْجَسَد وَزعم بَعضهم أَن قَوْله غسل مَعْنَاهُ أصَاب أَهله قبل خُرُوجه إِلَى الْجُمُعَة ليَكُون أملك لنَفسِهِ وأحفظ فِي طَرِيقه لبصره وَقَوله: وَبكر وابتكر زعم بَعضهم أَن معنى بكر أدْرك باكورة الْخطبَة وَهِي أَولهَا وَمعنى ابتكر قدم فِي الْوَقْت وَقَالَ ابْن الأنْبَارِي معنى بكر تصدق قبل خُرُوجه وَتَأَول فِي ذَلِك مَا رُوِيَ فِي الحَدِيث من قَوْله ﷺ باكروا بِالصَّدَقَةِ فَإِن الْبلَاء لا يتخطاها (٢). وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن خُزَيْمَة من قَالَ فِي الْخَبَر غسل واغتسل يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ جَامع فَأوجب الْغسْل على زَوجته أَو أمته واغتسل وَمن قَالَ

стр. 2692

غسل واغتسل يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ غسل رَأسه واغتسل فضل سَائِر الْجَسَد لخَبر طَاوس عَن ابْن عَبَّاس (١). ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح إِلَى طَاوس قَالَ قلت لِابْنِ عَبَّاس زَعَمُوا أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ اغتسلوا يَوْم الْجُمُعَة واغسلوا رؤوسكم وَإِن لم تَكُونُوا جنبا وَمَسُّوا من الطّيب قَالَ ابْن عَبَّاس أما الطّيب فَلَا أَدْرِي وَأما الْغسْل فَنعم (٢). قوله: وعن أوس بن أوس الثقفي؛ قال يحيى بن معين: أوس بن أوس، ويقال أويس بن أبي أوس وقال البخاري (٣): أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس، وأوس بن حذيفة، الثلاثة اسم لرجل واحد، ووافقه جماعة، وخالفه بعضهم فجعلوهم ثلاثة (٤)، نزل أوس هذا دمشق، وداره (٥) بها في درب وقبره بها؛ روى حديثين في الجمعة: "من غسل واغتسل" (٦) وحديث: "أكثروا

стр. 2693

من الصلاة علي في يوم الجمعة" (١) وحديثا في الصيام (٢). قوله ﷺ : "من غسل يوم الجمعة واغتسل" الحديث، قد فسره الحافظ ﵀ (٣)، ويروى: "عسَّل" بعين مهملة وبالتشديد، ومعناه: كالذي قبله، ومعنى بكَّر: أتى الصلاة في أول وقتها وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه. وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته، وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه، وقيل معنى اللفظتين واحد، فعل وافتعل، وإنما كرر للمبالغة والتوكيد، كما قالوا جاد مجد ومنه الحديث: "لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب" (٤) أي: أدوها أول وقتها، والحديث الآخر: "بكروا بالصلاة في يوم الغيم" (٥) الحديث، أي: حافظوا

стр. 2694

عليها وقدموها، قاله في النهاية (١)، وقوله في آخره: وزعم بعضهم أن قوله: "غسل" معناه: أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ليكون أملك لنفسه وأحفظ في طريقه لبصره (٢)؛ وقال بعضهم: والحكمة في المجامعة أن يذهب غاضا بصره إلى الجامع لانكسار شهوته بجماع أهله (٣)، فصلوات اللّه على من أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم. قوله ﷺ : "بكر وابتكر" قد فسره الحافظ (٤) ﵀: فمنهم من ذهب إلى أنه من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين. وقال ألا تراه يقول في هذا الحديث ومشى ولم يركب ومعناهما واحد، وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد وقيل: أول بدعة ظهرت: ترك التبكير إلى الجامع يوم الجمعة غير أنه يستثنى من ذلك الإمام، فلا يستحب له التبكير بل: يأتي حين يصعد المنبر كما كان يفعله النبي ﷺ ويستثنى من له عذر من مرض ونحوه، ولا يكره له الركوب إليها، هذا في الذهاب إليها؛ أما العود منها فصرح الرافعي وغيره بأن المشي فيه لا يستحب بل يكون مخيرا فيه إذا لم يحصل من الركوب ضرر مستدلين بأن العبادة قد انقضت، والصواب: أن الذهاب كالعود

стр. 2695

وهو وجه حكاه شارح التعجيز، أ. هـ، قاله الكمال (١). قوله: ودنا من الإمام، فاستمع الحديث، دنا من الإمام بمعنى قرب منه، والإمام هو الخطيب، فيستحب الدنو من الإمام بالإجماع ليحوز فضيلة القعود في الصفوف واستماع الخطبة جميعًا (٢). وقال ابن الأنباري: معنى بكر تصدق قبل خروجه. وتأول في ذلك ما روي في الحديث من قوله ﷺ : "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها" (٣) الحديث (٤)، وفي حديث آخر: "إن لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة" (٥) فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدعاء (٦)، والله أعلم.

стр. 2696

١٠٣٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من غسل واغتسل ودنا وابتكر واقترب واستمع كانَ لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها قيام سنة وصيامها، رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من غسل واغتسل ودنا وابتكر واستمع" الحديث، تقدم ذكر ذلك. ١٠٣٧ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ عرضت الْجُمُعَة على رَسُول اللّه ﷺ جَاءَهُ بهَا جِبْرِيل ﵇ فِي كَفه كالمِرْآة الْبَيْضَاء فِي وَسطهَا كالنكتة السَّوْدَاء فَقَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك لتكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك وَلكم فِيهَا خير تكون أَنْت الأول وَتَكون الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بعْدك وفيهَا سَاعَة لا يَدْعُو أحد ربه فِيهَا بِخَير هُوَ لَهُ قسم إِلَّا أعطَاهُ أَو يتَعَوَّذ من شَرّ إِلَا دفع عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ وَنحن نَدْعُوهُ فِي الآخِرَة يَوْم الْمَزِيد، الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد (٢). قوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على أنس.

стр. 2697

قوله: عرضت الجمعة على رسول اللّه ﷺ ، جاءه بها جبريل ﵇ في كفه كالمرآة البيضاء، الحديث. جبريل: اسم ملك يتوسط بين اللّه تعالى ورسله، واسم جبريل ﵇ سريانى، ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز، هكذا جاء عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا أيضًا، والموقوف أصح، وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اللّه، وهو: إيل، ذكره السهيلي (١)، وقال غيره: قيل: هو جبر بمعنى عبد، أضيف إلى أيل بمعنى اللّه، قال النووي (٢): قال جماعات من المفسرين وصاحب المحكم والجوهري وغيرهم من أهل اللغة في جبريل وميكائيل: إن جبريل وميكائيل: اسمان أضيفا إلى أيل وآل، قالوا: وأيل وآل اسمان للّه تعالى، وجبر وميك: معناه بالسريانية عبد، فتقديره: عبد اللّه، قال أبو علي الفارسي: هذا الذي قالوه خطأ من وجهين، أحدهما: أن أيل وآل لا يعرفان في أسماء اللّه تعالى، والثاني: أنه لو كان كذلك لم ير له وجه آخر في وجه العربية، ولكنا آخره مجرورا أبدا كعبد اللّه؛ (قال النووي) وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب، وما زعموه باطل لا أصل له (٣)، واللّه أعلم. فيه تسع لغات: حكاهن ابن الأنبارى وابن الجواليقى: جبريل، وجبريل بكسر الجيم وفتحها، وجبرئل، بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام،

стр. 2698

وجبرائل بعدها ياء، وجبراييل بياءين بعد الألف، وجبرئيل بهمزة بعد الراء وياء، وجبرئل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء، وجبرين وجبرين بفتح الجيم وكسرها، وهكذا ضبطها النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١). قوله: (في كفه كالمِرْآة الْبَيْضَاء فِي وَسطهَا كالنكتة السَّوْدَاء) والنكتة: بضم النون وبالتاء المثناة فوق هِيَ نقطة شبه الوسخ في المرآة. قوله ﷺ : "هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك "قال الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف (٢): للمؤمنين في الدنيا ثلاثة أعياد: عيد يتكرر كل أسبوع وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة من غير تكرر في السنة، فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مرتب على إكمال الصلوات المكتوبات، فإن اللّه فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلما كمل دور أسبوع من أيام الدنيا، واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم شرع في يوم استكمالهم عيد وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق، وفيه: خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها، وفيه: ينتهي أمر الدنيا فتزول وتقوم الساعة؛ فالجمعة من الاجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة، وجعل ذلك لهم عيدًا، ولهذا نهي عن إفراده بالصيام؛ وفي

стр. 2699

شهود الجمعة شبهٌ من الحج؛ وروى في الحديث: "إنها حج المساكين" (١)؛ وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة؛ والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السبق، فأولهم كالمُهدِي بدنة ثم بقرة ثم كبشا ودجاجة ثم بيضة، وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر، كما أن الحج المبرور مكفِّر ذنوب تلك السنة إلى الجمعة الأخرى، وقد روي: "إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام" (٢)، وقد روي: "أن اللّه تعالى يغفر يوم الجمعة لكل مسلم" (٣)؛ وفي المسند عنه ﷺ أنه قال في يوم الجمعة: "هو أفضل عند اللّه تعالى من يوم

стр. 2700

الفطر ويوم الأضحى" (١) فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبات وهو أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين (٢). قوله ﷺ : "ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، وتكون اليهود والنصارى من بعدك" الحديث؛ وإنما عرف النصارى بهذا الاسم؛ لأن مبدأ دينهم كان من ناصرة قرية بالشام، فاشتق اسمهم منها، كما اشتق اسم اليهود من يهود بن يعقوب ﵇ (٣)، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد"، فيوم الجمعة سيد الأيام؛ له أسماء كثيرة: يوم المزيد كما في الحديث، ويوم العيد، واليوم الأغر، واليوم الأزهر (٤)، ويوم الزينة، ويوم الجمعة، المشهور أن سبب تسميتها جمعة: لاجتماع الناس فيها (٥)، وتقدم ذلك في أول الباب، وقيل: لأنه جمع فيها خلق آدم (٦)، وقيل: لأن المخلوقات اجتمع خلقها وفرغ منها يوم

стр. 2701

الجمعة، حكاه في المشارق (١) "وقيل: لاجتماع آدم ﵇ مع حواء في الأرض، حكاه الحاكم في مستدركه؛ قال ذو النسبتين صاحب "العلم المشهور" (٢)، وروى فيه حديثًا مرفوعًا، وأنا أبرأ من عهدته لأنه موضوع ونصه: أنها سميت بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء، يعني في الأرض (٣)؛ وقيل: لأن قريشا كانت تجتمع فيه إلى قصي في دار الندوة، حكاه في المحكم عن ثعلب، فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بيوم الجمعة؛ واعلم أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه اللّه تعالى به (٤) قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 2702

آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، وكان يسمى في الجاهلية يوم العَرُوبَة بفتح العين المهملة، قال أبو جعفر النحاس: ومعناه اليوم الْبَيِّنِ الْمُعَظَّمِ، مأخوذ من قولهم: أعرب إذا بين (١)، أ. هـ. هو اسم قديم لها وكأنه ليس بعربي، يقال: يوم عروبة، ويوم العروبة، والأفصح أن يدخلها الألف واللام، وعروبًا اسم السماء السابعة، أ. هـ، قاله في النهاية (٢)، وقيل: يوم الرحمة، قال الشاعر: نَفْسِي الفِدَاءُ لأقْوَامِ هُمُ خَلَطُوا ... يَوْمَ العَرُوبَةِ أَوْرادًا بأَوْرادِ (٣) قال: ولم يزل يوم الجمعة معظما عند كل أهل ملة (٤)، قال بعض العلماء: لم تعرفه الأمم المتقدمة، وأول من هدي له هذه الأمة، ومن أسمائه أيضًا: حربة، حكاه أبو جعفر النحاس، أي مرتفع عال كالحربة (٥)، قال: وقيل من هذا اشتق المحراب، ومن أسمائه أيضًا حج المساكين سماه بعضهم بذلك (٦)، وورد ذلك في حديث ضعيف (٧).

стр. 2703

سؤال: ما معنى تسميتهم بأنها حج المساكين؟ قيل: لما فيها من الاجتماع والفضيلة، وقال اللّه تعالى في الحج: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقال في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾، وقال في الحج: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال في الجمعة ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، والحج لا يجب إلا في وقت خاص، وكذلك الجمعة، وكان الحج لا يجب إلا على المستطيع وكذلك الجمعة، ولأن الاجتماع فيها واجب كما أن الاجتماع بعرفة واجب والدعاء فيها في الخطبة واجب كما أن الدعاء بعرفة وغيرها مطلوب. واللّه أعلم. ١٠٣٨ - وَعَن أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن يَوْم الْجُمُعَة سيد الأيام وَأَعْظَمهَا عِنْد اللّه وَهُوَ أعظم عِنْد اللّه من يَوْم الأضْحَى وَيَوْم الْفطر وَفِيه خمس خلال خلق اللّه فِيهِ آدم وأهبط اللّه فِيهِ آدم إِلَى الأرْض وَفِيه توفى اللّه آدم وَفِيه سَاعَة لا يسْأَل اللّه فِيهَا العَبْد شَيْئا إِلَا أعطَاهُ إِيَّاه مَا لم يسْأَل حَرَامًا وَفِيه تقوم السَّاعَة مَا من ملك مقرب وَلا سَمَاء وَلا أَرض وَلا ريَاح وَلا جبال وَلا بَحر إِلَّا وَهن يشفقن من يَوْم الْجُمُعَة، رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه بِلَفْظ وَاحِد (١)، وَفِي إسنادهما عبد اللّه بن مُحَمَّد بن عقيل وَهُوَ مِمَّن احْتج بِهِ أَحْمد وَغَيره وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالْبَزَّار من طَرِيق عبد اللّه أَيْضا من

стр. 2704

حَدِيث سعد بن عبَادَة، وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (١). قوله: وعن أبي لبابة بن عبد المنذر البدري الأنصاري المدني صاحب رسول اللّه ﷺ ، اسمه: رفاعة، قاله أحمد بن حنبل ويحيى وابن إسحاق، وقيل: بشير، قاله ابن عقبة وابن شهاب وخليفة (٢)، قال الحاكم (٣): يقال شهد بدرا مع رسول اللّه ﷺ ، ويقال: رده رسول اللّه ﷺ حين خرج إلى بدر من الروحاء واستعمله على المدينة، وضرب له بسمهم وأجره، وكان كمن شهدها، ولهذا عده جماعة من البدريين؛ وقال أبو عمر (٤): شهد مع النبي ﷺ أحدًا وما بعدها، توفي أبو لبابة في خلافة عمر ﵁، قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند اللّه، وهو أعظم عند اللّه من يوم الأضحى ويوم الفطر" الحديث؛ السيد يطلق على الفاضل والشريف والكريم والرب والمالك والحليم، ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم، وأصله من ساد يسود فهو سيد، فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها، ثم أدغمت (٥)، ومثل هذه قوله ﷺ : "رمضان سيد

стр. 2705

الشهور" (١) وهذا الحديث جاء في معناه حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة" (٢) "سيد الأيام يوم الجمعة، هو شاهد" أى هو شهد لمن حضر صلاته، وقيل: في قوله ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ إن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، لأن الناس يشهدونه، أي: يحضرونه ويجتمعون فيه، ومنه: حديث الصلاة فإنها مشهودة، مكتوبة، أي: تشهدها الملائكة وتكتب أجرها للمصلي (٣)، أ. هـ فسيد الأيام يوم الجمعة يريد به الأيام السبعة، والأيام أيضًا الوقت قال اللّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٤) (٥)، ورسول اللّه ﷺ سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، وللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي: أن كل خير نالته أمته في الدنيا وفي الآخرة فإنما نالته على يده ﷺ ، يجمع اللّه لأمته بين خير الدنيا والآخرة، وأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في

стр. 2706

الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو عيدهم في الدنيا، ويوم فيه يشفعهم اللّه لطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأدنى القليل في حقه ﷺ أن تكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته (١). لطيفة فيها بشرى: في سنن البيهقي بإسناد جيد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ يوم الجمعة فمن صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا" (٢)، وقالله ﷺ : "أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاة عليّ، فأكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء أو اليوم الأزهر" (٣)؛ قال الإمام الشافعي (٤): الليلة الغراء: ليلة الجمعة، واليوم الأزهر يومها، قال أبو طالب المكي: وأقل ذلك ثلاثمائة مرة؛ وروى الدارقطني (٥) عن أبي هريرة

стр. 2707

أن النبي ﷺ قال: "من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفر له ذنوب ثمانين سنة" قيل: يا رسول اللّه: كيف الصلاة عليك، قال: "يقول: اللهم صلى على عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي" وتعقد واحدة؛ قال الشيخ أبو عبد اللّه بن النعمان (١): أنه حديث حسن، أ. هـ، قاله الكمال (٢). وعليه، فيستحب الإكثار من الصلاة على رسول اللّه ﷺ في يوم الجمعة وليلتها كما رواه أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة ومعه نور، ولو قسم ذلك النور بين الخلق كلهم لوسعهم" (٣) أ. هـ، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "وفيه خمس خلال: خلق اللّه فيه آدم، وأهبط اللّه فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفي آدم" الحديث، وفيه: تقوم الساعة، وفيه: أهبط آدم إلى الأرض، أي: بوعد ربه حيث قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

стр. 2708

فلما سبق الوعد به حققه له في ذلك اليوم وهو فضل عظيم (١). فإن قيل: فقد جعل لمحمد ﷺ يوم الاثنين، قلنا: يكون ذلك أيضًا فضلا مشتركا مع يوم الجمعة، ويبقى ليوم الجمعة فضله الذي أعطاه اللّه زائدا على سائر أيام الجمعة (٢). قوله: "وفيه تقوم الساعة"، فلأن يوم القيامة أفضل الأيام فجعل اللّه قدومه في أفضل الأوقات، وكان يوما مخصوصا بالفضل خصه اللّه بصلاة الجمعة لأن اللّه تعالى جمع فيه الصلاة عبادات الملائكة كلهم، إذ منهم قائم لا يبرح في قيامه وراكع كذلك وساجد كذلك، فجمع اللّه لبني آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة (٣)؛ وقد جاء في الحديث: "إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَامَ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللّهُ بِهِ مَلَاِئكَتَهُ، يَقُولُ: يَا مَلاِئكَتِي، انظروا عَبْدِي، رُوحُهُ عِنْدِي، وَبَدَنُهُ فِي طَاعَتِي" (٤) أ. هـ. فأخبرنا ﷺ أن خلق آدم كان يوم الجمعة، وأمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يدخل الجنة في يوم الجمعة بعد الظهر، واستمروا ساجدين إلى العصر، فصار ذلك وقتا للصلاة، قاله الكسائي (٥)، وصار أول

стр. 2709

وقت إجابة الدعاء، قال الثعلبي في قصص الأنبياء (١): وأكثر العلماء ذهبوا إلى أن المأمورين بالسجود جماعة من الملائكة لا كل الملائكة، وأول من سجد من الملائكة إسرافيل، ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ، قاله محمد بن الحسن النقاش (٢)، وفيه: أهبط اللّه آدم يعني من الجنة، قال سُليم الرازي في الغربيين (٣)، قال ابن عباس ﵄: "دخل أبونا آدم الجنة بعد العصر، وأهبط منها قبل غروب الشمس، وعاش أبونا آدم ألف سنة، وفي يوم الجمعة تِيب على آدم ﵇ (٤)، يعني: من خطيئته، وهذا ثابت قد نطق به التنزيل الذي لا يجوز عليه التحريف والتبديل، ولكن ليس في القرآن أن ذلك كان يوم الجمعة (٥)، وهذا من لفظ الحديث لأنه مُبين لكتاب اللّه مفسر له، وقال يحيى بن آدم: لا يحتاج مع قول النبي ﷺ إلى قول أحد، وإنما كان

стр. 2710

يقال سنة النبي ﷺ لأبى بكر وعمر ليعلم أن النبي ﷺ مات وهو عليها (١) واللّه جلت قدرته قد شرع على لسان رسوله ﷺ شرائع لم يبينها في كتابه منها: رجم الزاني المحصن وتحريم أكل ذي ناب من السباع وأشباه ذلك، ولذلك قال ﷺ : "أوتيت الكتاب ومثله معه" (٢) ومعناه: من السنن التي شرعها اللّه تعالى علي معه، أ. هـ، قاله في العلم المشهور (٣). في يوم الجمعة: توفي آدم ﵇ وفي يوم الجمعة تقوم الساعة، الساعة: هو يوم القيامة، والساعة في الأصل: تطلق بمعنيين، أحدهما: أن يكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءا وهي مجموع اليوم والليلة؛ والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلست عندك جماعة من النهار، أي: وقتا قليلا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة (٤): قال الزجاج (٥): معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد: أنها ساعة حقيقية يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة (٦)، واللّه أعلم.

стр. 2711

لطيفة: عن كعب أنه رأى رجلا يظلم رجلا يوم الجمعة فقال: ويحك تظلم رجلا يوم القيامة، والقيامة تقوم يوم الجمعة! (١)، ففيه من الفقه دليل على إباحة الحديث عما يكون ويأتي، وهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه مما كان فيه عن الأنبياء الذين يجوز عليهم إدراك بعضه من جهة الرسالة، قال اللّه : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقيام الساعة من الغيب الذي لم يطلع عليه أحد، ونحن الذين ثبت عندنا بما حدثنا العدول عن نبينا أن الساعة تقوم يوم الجمعة فلم يعلم نبينا وسيدنا وشفيعنا ولا نحن أي جمعة هي، وقد سأله الروح الأمين جبريل عن الساعة بمحضر أصحابه، فقال له رسول اللّه ﷺ : "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (٢) وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ (٣) وقال تعالى جل من قائل: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (٤) (٥) وسميت ساعة لأنها، لم تعرف العرب في المدد أقصر من الساعة، وكانت عندهم عبارة عن أقصر جزء من الزمن (٦)، ذكره صاحب "العلم المشهور"، فيه: ساعة الإجابة، وسيأتي الكلام على ساعة الإجابة إن شاء اللّه تعالى قريبا.
следующие страницы →