← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2707–2746 · переход к 2712.

стр. 2707

أن النبي ﷺ قال: "من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفر له ذنوب ثمانين سنة" قيل: يا رسول اللّه: كيف الصلاة عليك، قال: "يقول: اللهم صلى على عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي" وتعقد واحدة؛ قال الشيخ أبو عبد اللّه بن النعمان (١): أنه حديث حسن، أ. هـ، قاله الكمال (٢). وعليه، فيستحب الإكثار من الصلاة على رسول اللّه ﷺ في يوم الجمعة وليلتها كما رواه أبو نعيم في الحلية عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة ومعه نور، ولو قسم ذلك النور بين الخلق كلهم لوسعهم" (٣) أ. هـ، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "وفيه خمس خلال: خلق اللّه فيه آدم، وأهبط اللّه فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفي آدم" الحديث، وفيه: تقوم الساعة، وفيه: أهبط آدم إلى الأرض، أي: بوعد ربه حيث قال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

стр. 2708

فلما سبق الوعد به حققه له في ذلك اليوم وهو فضل عظيم (١). فإن قيل: فقد جعل لمحمد ﷺ يوم الاثنين، قلنا: يكون ذلك أيضًا فضلا مشتركا مع يوم الجمعة، ويبقى ليوم الجمعة فضله الذي أعطاه اللّه زائدا على سائر أيام الجمعة (٢). قوله: "وفيه تقوم الساعة"، فلأن يوم القيامة أفضل الأيام فجعل اللّه قدومه في أفضل الأوقات، وكان يوما مخصوصا بالفضل خصه اللّه بصلاة الجمعة لأن اللّه تعالى جمع فيه الصلاة عبادات الملائكة كلهم، إذ منهم قائم لا يبرح في قيامه وراكع كذلك وساجد كذلك، فجمع اللّه لبني آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة (٣)؛ وقد جاء في الحديث: "إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَامَ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللّهُ بِهِ مَلَاِئكَتَهُ، يَقُولُ: يَا مَلاِئكَتِي، انظروا عَبْدِي، رُوحُهُ عِنْدِي، وَبَدَنُهُ فِي طَاعَتِي" (٤) أ. هـ. فأخبرنا ﷺ أن خلق آدم كان يوم الجمعة، وأمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يدخل الجنة في يوم الجمعة بعد الظهر، واستمروا ساجدين إلى العصر، فصار ذلك وقتا للصلاة، قاله الكسائي (٥)، وصار أول

стр. 2709

وقت إجابة الدعاء، قال الثعلبي في قصص الأنبياء (١): وأكثر العلماء ذهبوا إلى أن المأمورين بالسجود جماعة من الملائكة لا كل الملائكة، وأول من سجد من الملائكة إسرافيل، ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ، قاله محمد بن الحسن النقاش (٢)، وفيه: أهبط اللّه آدم يعني من الجنة، قال سُليم الرازي في الغربيين (٣)، قال ابن عباس ﵄: "دخل أبونا آدم الجنة بعد العصر، وأهبط منها قبل غروب الشمس، وعاش أبونا آدم ألف سنة، وفي يوم الجمعة تِيب على آدم ﵇ (٤)، يعني: من خطيئته، وهذا ثابت قد نطق به التنزيل الذي لا يجوز عليه التحريف والتبديل، ولكن ليس في القرآن أن ذلك كان يوم الجمعة (٥)، وهذا من لفظ الحديث لأنه مُبين لكتاب اللّه مفسر له، وقال يحيى بن آدم: لا يحتاج مع قول النبي ﷺ إلى قول أحد، وإنما كان

стр. 2710

يقال سنة النبي ﷺ لأبى بكر وعمر ليعلم أن النبي ﷺ مات وهو عليها (١) واللّه جلت قدرته قد شرع على لسان رسوله ﷺ شرائع لم يبينها في كتابه منها: رجم الزاني المحصن وتحريم أكل ذي ناب من السباع وأشباه ذلك، ولذلك قال ﷺ : "أوتيت الكتاب ومثله معه" (٢) ومعناه: من السنن التي شرعها اللّه تعالى علي معه، أ. هـ، قاله في العلم المشهور (٣). في يوم الجمعة: توفي آدم ﵇ وفي يوم الجمعة تقوم الساعة، الساعة: هو يوم القيامة، والساعة في الأصل: تطلق بمعنيين، أحدهما: أن يكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءا وهي مجموع اليوم والليلة؛ والثاني: أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلست عندك جماعة من النهار، أي: وقتا قليلا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة (٤): قال الزجاج (٥): معنى الساعة في كل القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد: أنها ساعة حقيقية يحدث فيها أمر عظيم، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعة (٦)، واللّه أعلم.

стр. 2711

لطيفة: عن كعب أنه رأى رجلا يظلم رجلا يوم الجمعة فقال: ويحك تظلم رجلا يوم القيامة، والقيامة تقوم يوم الجمعة! (١)، ففيه من الفقه دليل على إباحة الحديث عما يكون ويأتي، وهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه مما كان فيه عن الأنبياء الذين يجوز عليهم إدراك بعضه من جهة الرسالة، قال اللّه : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقيام الساعة من الغيب الذي لم يطلع عليه أحد، ونحن الذين ثبت عندنا بما حدثنا العدول عن نبينا أن الساعة تقوم يوم الجمعة فلم يعلم نبينا وسيدنا وشفيعنا ولا نحن أي جمعة هي، وقد سأله الروح الأمين جبريل عن الساعة بمحضر أصحابه، فقال له رسول اللّه ﷺ : "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (٢) وقد قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ (٣) وقال تعالى جل من قائل: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (٤) (٥) وسميت ساعة لأنها، لم تعرف العرب في المدد أقصر من الساعة، وكانت عندهم عبارة عن أقصر جزء من الزمن (٦)، ذكره صاحب "العلم المشهور"، فيه: ساعة الإجابة، وسيأتي الكلام على ساعة الإجابة إن شاء اللّه تعالى قريبا.

стр. 2712

قوله ﷺ : "ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة"، الإشفاق: الخوف، يقال: أشفقت أشفق إشفاقا، وهي اللغة العالية، وحكى ابن دريد (١): شفقت أشفق شفقًا، قاله في النهاية (٢)، واللّه أعلم. ١٠٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق اللّه آدم وَفِيه أَدخل الْجنَّة وَفِيه أخرج مِنْهَا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٣). وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ مَا طلعت الشَّمْس وَلا غربت على يَوْم خير من يَوْم الْجُمُعَة هدَانَا اللّه لَهُ وضل النَّاس عَنهُ فَالنَّاس لنا فِيهِ تبع فَهُوَ لنا وَالْيَهُود يَوْم السبت وَالنَّصَارَى يَوْم الأحَد إِن فِيهِ لساعة لا يُوَافِقهَا مُؤمن يُصَلِّي يسْأَل اللّه شَيْئا إِلَا أعطَاهُ فَذكر الحَدِيث (٤). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" وهذا على الإطلاق والعموم، وفيه من الفقه: دليل على أن الأيام بعضها أفضل من بعض،

стр. 2713

والفضائل لا تدرك بقياس ولا تعرف إلا بتوقيف من الرسول ﷺ (١)، قاله في "العلم المشهور" (٢). وقال القرطبي (٣) في قوله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة" معناه: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه، ثم كون الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم لأن الأيام متساوية في أنفسها، وإنما يفضل بعضها بعضًا بما يختص به من أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خص من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة يجتمع لها الناس وتتفق هِمَمُهم ودواعيهم ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم في يوم عرفة فيستجاب لبعضهم في بعض ويغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال ﵇: "الجمعة حج المساكين" (٤)، أي: يحصل لهم ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يشهدونهم ويكتبون ثوابهم، لذلك سمي هذا اليوم: بيوم مشهود، ثم تحصل لقلوب العارفين فيه من الألطاف، والزيادات بحسب ما يدركونه من ذلك، ولذلك سمى بيوم المزيد، ثم إن اللّه تعالى قد خصه بالساعة التي فيه، وخصه بأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة، وهي خلق آدم الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والأولياء والصالحون، ومنها: إخراجه

стр. 2714

من الجنة الذي حصل عند إظهار معرفة الله تعالى وعبادته في هذا النوع الآدمي؛ ومنها: توبة الله عليه التي بها ظهر لطفه تعالى ورحمته لهذا النوع الآدمي مع إجترامه ومخالفته؛ ومنها: موته الذي وصل به إلى مأمنه ورجع إلى المستقر الذي خرج منه، ومن فهم هذه المعاني فهم فضيلة هذا اليوم وخصوصيته بذلك فحافظ عليه وبادر إليه (١)، أ. هـ، قاله في الديباجة (٢). قوله: "فيه خلق آدم"، فأخبرنا ﷺ أن خلق آدم كان يوم الجمعة يعني جمع فيه خلقه ونفخ فيه الروح، وهذا فَضْلٌ بَيِّن. قوله: "وفيه دخل الجنة، وفيه الخروج منها" الحديث. فائدة: وكان خروج آدم من الجنة خروج كرامة لا خروج طرد وندامة، أخرجه الله تعالى ليجعله خليفة في الأرض كما وعده لقوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقيل: إخراجه ليميز من أولاده الخبيث من الطيب، فإنهم لو ولدوا كلهم في الجنة لم يخرج منها أحد، واللّه أعلم. قال القاضي عياض (٣) رحمه اللّه تعالى: الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة لأن إخراج آدم ﵇ وقيام الساعة لا يُعَدُ فضيلة، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة اللّه، ودفع نقمه، هذا كلام القاضي.

стр. 2715

وقال أبو بكر بن العربي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي (١): الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية، وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين والأنبياء، ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أوطار ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب لتعجيل جزاء الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم وشرفهم؛ لأن قيام الساعة وهو يوم القيامة أفضل الأيام فجعل اللّه قدومه من أفضل الأوقات، وكان يومًا مخصوصًا بالفضل، خصه اللّه تعالى لأن اللّه تعالى جمع في الصلاة عبادات الملائكة كلهم إذ منهم قائم لا يبرح في قيامه وراكع كذلك وساجد كذلك، فجمع اللّه تعالى لبني آدم عبادات الملائكة في عبادة واحدة، وقد جاء في الحديث: "إذا نام في سجوده باهى اللّه به ملائكته فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي روحه عندي وبدنه في طاعتي" (٢) أ. هـ. وفي هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة ومزيته على سائر الأيام، وفيه: دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي: لو قال لزوجته أنت طالق في أفضل الأيام، وفيه: وجهان لأصحابنا، أصحهما: تطلق يوم عرفة، والثاني: يوم الجمعة، لهذا الحديث؛ وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا أراد أفضل أيام السنة فيتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع فيتعين الجمعة، ولو قال: أفضل ليلة

стр. 2716

تعينت ليلة القدر، وهي عند أصحابنا والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من لثمهر رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضي ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضي ليلة من العشر أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك الليلة من السنة الثانية؛ وعلى قول من يقول: هي منتقلة لا تَطْلُق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر (١)، واللّه أعلم. قوله ﷺ في رواية ابن خزيمة: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة" المشهور من مذهب الإمام الشافعي (٢): أن أفضل أيام السنة يوم عرفة، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة على أن يوم الجمعة أفضل من عامة الأيام لا أنه أفضل من كل فرد فرد، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "هدانا الله له، وضل عنه الناس، فالناس لنا فيه تبع"، التبع: جمع التابع، كالخدم والخادم. قوله: "فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد" الحديث، اختلف العلماء في أي يوم ابتدأ اللّه ، خلق السموات والأرض على ثلاثة أقوال:

стр. 2717

القول الأول: يوم السبت لما روى عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول اللّه ﷺ بيدي فقال: "خلق اللّه التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة أخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل"، هذا قول صحيح لا قول فيه ولا مقال، أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القيامة والجنة والنار (١)، و"خُلِقَ المكروهُ يوم الثَّلاثاءِ، وخُلِقَ النُّورُ يومَ الأرْبعاء" قال في النهاية (٢)، أَرادَ بالمَكْرُوهِ ههنا الشرَّ لقوله "وخلق النور يوم الأربعاء" والنور خيرًا، وإنما سمي الشر مكروهًا لأنه ضد المحبوب، أ. هـ. القول الثاني: يوم الأحد، قال ابن حبيب: قال ابن عباس (٣) وغيره: ابتدأ اللّه خلق الخلق يوم الأحد وفرغ منه كله يوم الجمعة، فاشتق جميع ما خلق من عظمته ومن تصاريف قدرته، كما قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٤) يعني: أن

стр. 2718

جميع ما خلق مبدؤه ومنشؤه منه ، وما رواه ابن عباس أن اليهود سألت رسول اللّه ﷺ عن خلق السموات والأرض فقال: أن اللّه تعالى ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين (١)؛ قال الطبري: هذا أولى الأقوال، واللّه أعلم. القول الثالث: يوم الاثنين، قال ابن إسحاق (٢): وهو قول أهل الإنجيل، قال ابن الجوزي (٣): القول الأول هو الصحيح، لمكان الحديث الوارد، وكيف يقدم على حديث رسول اللّه ﷺ قول غيره وفرغ اللّه تعالى من جميع ما خلق في الأرض في السموات يوم الجمعة فجميع ما خلق اللّه تعالى من خلقه الذي أسكنه في أرضه وسمائه من ستة أشياء من التراب والماء والنور، فخلق الملائكة والشمس والقمر، وكل ما خلق اللّه في السموات من النور وخلق كل ما دب على الأرض أربع أو على رجلين من الثرى وخلق كل ما جار في تراب الماء وحيتانه من الماء، فلذلك سمي يوم الجمعة لأن اللّه تعالى فيه جمع خلقه وأتم فيه أمره، وكان آخر ما يخلق من خلقه آدم وزوجته حواء ﵉، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٤) يعني الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس

стр. 2719

والجمعة، وهي من الأيام التي قال اللّه تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١) ثم استوي على العرش يوم الجمعة حين فرغ من خلقه كله، ثم أخذ يوم السبت في تحميده وتمجيده، أ. هـ، قاله ابن الفرات الحنفي تاريخه (٢). تنبيه: فالقرآن يدل على أَن خلق الْأَشيَاء فِي ستَّة أَيَّام، وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنَّهَا فِي سَبْعَة. فالجواب: أَن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا خلق فِي ستَّة أَيَّام، وَخلق آدم من الأَرْض، وَالْأُصُول خلقت فِي سِتَّة، وآدَم كالفرع من بَعْضهَا (٣). ففي هذا الحديث الصحيح علوم جمة، منها: أن رسول اللّه ﷺ بين أن أول الأيام التي خلق فيها الخلق السبت، فآخر الأيام الستة إذا الخميس، فالجمعة سابع وهو وتر، واللّه يحب الوتر لأنه من أسمائه على ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، والوتر الذي لا شفع له من جنسه ولا من غير جنسه، فهدى اللّه له هذه الأمة، وكان اليهود إنما اختاروا السبت كأنهم اعتقدوه اليوم السابع، ثم زادوا في كفرهم أن الله استراح فيه، حكى ذلك عنهم جماعة منهم ابن قتيبة في المعارف (٤)، وكذبوا، قال اللّه العظيم جل ثناؤه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ

стр. 2720

لُغُوبٍ﴾ (١) لأن أول بدء الخلق عندهم الأحد، وآخر الستة الأيام التي خلق فيها الخلق الجمعة، وهو أيضًا مذهب النصارى فاختاروا الأحد لأنه أول الأيام بزعمهم، وَقَدْ شهِدَ رسول اللّه ﷺ على الفريقين بإضلال اليوم (٢)، وقد هدى الله له هذه الأمة لفضل نبيها محمد عليه أفضل الصلاة وأشرف التسليم. قوله ﷺ : "إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه" الحديث، سيأتي الكلام على ساعة الإجابة قريبا إن شاء اللّه تعالى. ١٠٤٠ - وَعَن أَوْس بن أَوْس ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق اللّه آدم وَفِيه قبض وَفِيه النفخة وَفِيه الصعقة فَأَكْثرُوا من الصَّلَاة عَليّ فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ يَوْم الْجُمُعَة معروضة عَليّ قَالُوا وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت أَي بليت فَقَالَ إِن اللّه وَعلا حرم على الأرْض أَن تَأْكُل أجسامنا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم وَله عِلّة دقيقة امتاز إِلَيْهَا البُخَارِيّ وَغَيره لَيْسَ هَذَا موضعهَا وَقد جمعت طرقه فِي جُزْء (٣).

стр. 2721

"أرمت": بِفَتْح الرَّاء وَسكُون الْمِيم أَي صرت رميما وَرُوِيَ أرمت بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْمِيم. قوله: وعن أوس بن أوس الثقفي، تقدم الكلام على أوس بن أوس قريبًا. قوله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه: خلق آدم، وفيه: قُبض، وفيه: النفخة، وفيه: الصعقة" فيوم الجمعة خير أيام الأسبوع. قوله: "وفيه: النفخة"، أي: النفخة الثانية. قوله: "وفيه: الصعقة" وهي: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله (١)، والمراد بها النفخة الأولى، وقيل: هي صعقة موسى ﵇، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في كتاب البعث وأهوال القيامة. فيوم الجمعة خير أيام الأسبوع، وعرفة خير أيام السنة، وخص بعظائم الأمور التي منها مبدأ النوع الإنساني وتكريمه بالجنة، وإخراجه إلى دار التشريف بخطاب التكليف، قاله في حدائق الأولياء (٢)، وروى فيه كعب الأحبار: سبعة أشياء: خلق آدم وإدخاله الجنة وإخراجه منها والتوبة عليه وقيام الساعة وبعث موسى وإخراج يوسف من السجن، ذكره في حدائق الأولياء (٣). تنبيه: في يوم الجمعة سبع فضائل، أولها: أن من حضر فيه إملاك رجل مسلم كان كمن صام يوما في سبيل اللّه، واليوم بسبعمائة، ثانيها: أنه أفضل من

стр. 2722

يوم عرفة في وجه؛ ثالثها: أن ليلته أفضل من ليلة القدر في رواية عن أحمد؛ رابعها: أن صلاته أحب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير من حج التطوع فيما رواه عنهما ابن عساكر بإسناده (١)؛ خامسها: أن من مات فيه أو في ليلته وُقِيَ فتنة القبر وعذابه ولقي اللّه لا حساب عليه واعتق من النار؛ سادسها: أن من صلى فيه على رسول اللّه ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة؛ سابعها: أن فيه ساعة الإجابة، وفيها سبعة وعشرون قولًا (٢)، وسيأتي الكلام على بعض هذه الأقوال، والحكمة في إخفاء هذه الساعة ليشتغل الناس بالعبادة في جميع يوم الجمعة رجاء أن يوافق دعاؤهم تلك الساعة كما في إخفاء ليلة القدر (٣)، واللّه تعالى أعلم. قوله ﷺ : "فأكثروا عليّ من الصلاة فيه"، قال الشيخ تاج الدين عمر بن الفاكهانى، روى ابن وهب بسنده أن النبي ﷺ قال: "من سلم عليّ عشرًا فكأنما أعتق رقبة" (٤)، قال: قلت: ومن أعتق رقبة أعتق اللّه بكل عضو منها

стр. 2723

عضوًا منه من النار حتى الفرج بالفرج، كما ثبت في الحديث؛ وعن أبي بكر الصديق: "أن الصلاة على رسول اللّه ﷺ أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، والسلام على النبي ﷺ أفضل من عتق الرقاب" (١). فإن قلت: وإنما كان أفضل من عتق الرقاب، واللّه أعلم؛ إن عتق الرقاب في مقابلة العتق من النار ودخول الجنة والسلام على النبي ﷺ في مقابلته سلام اللّه تعالى، وسلام اللّه تعالى أفضل من ألف حسنة. قوله ﷺ : "فإن صلاتكم معروضة عليّ"، ومعنى معروضة عليّ: موصلة إلى توصل الهدايا، وقد كان أشد الناس مكافأة، فماذا يكافئ، هكذا ذكره في الحدائق (٢)، وقال صاحب "العلم المشهور": فهذا من شرف المصلي عليه صلوات اللّه وسلامه عليه، وإنما تعرض على روحه المقدس. قوله [ ﷺ ]: (وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ)، قد ضبطه الحافظ وفسره، فقال (٣): بفتح الراء وسكون الميم أو صرت رميما، وروي (أرمت) بضم الهمزة وكسر الراء، وقال بعض العلماء: - لعله الكرماني - وَقَدْ أَرَمْتَ بِوَزْنِ ضَرَبْتَ، أَصْلُهُ أَرْمَمْتَ، فَحَذَفُوا أَحَدَ الْمِيمَيْنِ كَمَا قَالُوا

стр. 2724

أَحَسْتُ في أَحْسَست (١)، وقيل: يجوز أن يكون أرمت بضم الهمزة بوزن أمرت من قولهم: أَرَمِت الْإِبِلُ تَأرِمُ إِذَا تناَوَلَت العَلَف وقَلعَتْه مِنَ الْأَرْضِ (٢) " قُلْتُ: أَصْلُ هَذ الْكَلِمَةِ مِنْ رَمَّ الميّتُ، وأَرَمَّ إِذَا بَلِيَ. والرِّمَّةُ: العظْمُ البالِي، وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنْ أَرَمَّ لِلْمُتكلِّمِ والمُخاطب أَرْمَمْتُ (٣)، أ. هـ؛ وَحكى فِيهِ ابْن دحْيَة فتح الْهمزَة وَكسر الرَّاء من قَوْلهم أرمت الْإِبِل (٤)، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "إن اللّه حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء"، وفي رواية: "حرم على الأرض أن تأكل أجسادنا" (٥)، وعن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لن يصلي عليّ إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها" قال: قلت: وبعد الموت، قال: "وبعد الموت"، "إن اللّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله حي يرزق" (٦)، قال الشيخ تاج الدين عمر بن

стр. 2725

الفاكهى: لكن ثبت بالإجماع أن الأرض لا تعدوا على أجساد الأنبياء، زاد بعضهم: العلماء والشهداء والمؤذنين، وذكره السهيلي في شرح سيرة ابن هشام (١)، فقال: وهي زيادة غريبة لم تقع في مسند، ذكرها أبو جعفر الداوودي في "كتاب الناس"، قال: والداوودي من أهل الثقة والعلم. وفي المسند من طريق أنس قال: قال رسول اللّه ﷺ : الأنبياء أحياء يصلون في قبورهم (٢) انفرد به ثابت البناني عن أنس (٣)، والبُناني: بضم الباء منسوب إلى بنانة قبيلة معروفة، وَقَدْ رُوِيَ أَنّ ثَابِتًا اُلْتُمِسَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَمَا دُفِنَ فَلَمْ يُوجَدْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَبِنْتِهِ. فَقَالَتْ كَانَ يُصَلّي فَلَمْ تَرَوْهُ لِأَنّي كُنْت أَسْمَعُهُ إذَا تَهَجّدَ بِاللّيْلِ يَقُولُ "اللهُمّ اجْعَلْنِي مِمّنْ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ بَعْدَ

стр. 2726

الْمَوْتِ" (١)؛ وفي الصحيح أن رسول اللّه ﷺ قال: "مررت بموسى ﷺ وهو يصلي في قبره" (٢)، ذكر ذلك كله في الروض الأنف (٣) على السيرة المذكورة. سؤال: ما الحكمة في أن اللّه تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وأجساد الشهداء؟ قيل: لأن التراب يمر على جسد الإنسان فيطهره، والأنبياء لا ذنوب لهم فلم يحتاجوا إلى تطهير أجسادهم بالتراب، وكذلك الشهداء، ولهذا لم يحتج الشهيد إلى الصلاة عليه لأنه مغفور له (٤). حكاية تتعلق بهذا الحديث ذكرها الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه سير السلوك (٥): قال سفيان الثوري رحمة اللّه عليه (٦): بينا أنا أطوف يعني بالكعبة وإذا أنا برجل لا يرفع قدما ولا يضع قدما أخرى إلا وهو يصلي على النبي ﷺ ، فقلت له: يا هذا إنك تركت التسبيح والتهليل وأقبلت على النبي ﷺ ، فهل عندك من هذا شيء، قال: من أنت عافاك اللّه، قلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا أنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي ولا اطلعت

стр. 2727

على سيرتي، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت اللّه الحرام حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي فعالجته، فلما مات اسود وجهه، فقلت: إنا للّه وإنا إليه راجعون، وغطيت وجهه ثم غلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه ولا أنظف ثوبًا منه ولا أطيب ريحًا منه، فدنا من والدي وكشف عن وجهه وأمرّ يده عليه فعاد وجهه أبيض، ثم ذهب، فتعلقت بثوبه، وقلت له: يا عبد اللّه، من أنت الذي من اللّه بك عليّ وعلى والدي في دار الغربة، فقال: أما تعرفني، أنا محمد بن عبد اللّه صاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفا على نفسه ولكن كان كثير الصلاة عليّ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث من أكثر الصلاة علي، فانتبهت فإذا وجه والدي قد ابيض؛ فانظر وفقك اللّه لإجلاله وتعظيمه كيف أغاث من استغاث به حتى في البرزخ (١). حكاية تتعلق بحديث أوس بن أوس المذكور، قال صاحب "العلم المشهور": وهو كتاب جليل في فضائل الشهور، قال مؤلفه ذو النسبين: وقرأت هذا الحديث - يعني حديث أوس في فضل الجمعة وفي الصلاة على رسول اللّه ﷺ - بمدينة أصبهان في معجم الإمام أبي القاسم الطبراني، وعندي منه أصله في مائتين واحد وثلاثين جزءا يحتوي على ستين

стр. 2728

ألف حديث وهو أكبر مسانيد الدنيا قرأته كله، وفيه هذا الحديث على الشيخ محمد بن أحمد بن نصر سبط حسين بن مندة، وقد قارب التسعين، والطبراني من طبرية الشام مجمع على حفظه وفضله وعمله وديانته وتحفظه وإتقانه ورزانته وحلمه وحسن سيرته واشتغاله بنشر ما سمعه من أحاديث رسولى اللّه ﷺ في المدائن والأمصار بعلو أسانيد الأخبار، ولد ﵁ سنة ستين ومائتين، وتوفي يوم السبت، ودفن يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وله مائة سنة، ودفن بباب جي بتيرة بجنب حُمَمَة بن أبي حُمَمَة صاحب رسول اللّه ﷺ (١). ١٠٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ لا تطلع الشَّمْس وَلا تغرب على أفضل من يَوْم الْجُمُعَة وَمَا من دَابَّة إِلَا وَهِي تفزع يَوْم الْجُمُعَة إِلَا هذَيْن الثقلَيْن الْجِنّ وَالإِنْس رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا (٢). وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره أطول من هَذَا وَقَالَ فِي آخِره: وَمَا من دَابَّة إِلَا وَهِي مُصِيخَةٌ يَوْم الْجُمُعَة من حِين تصبح حَتَّى تطلع الشَّمْس شفقا من السَّاعَة إِلَّا الإِنْس وَالْجِنّ (٣).

стр. 2729

"مصيخة": مَعْنَاهُ مستمعة مصغية تتَوَقَّع قيام السَّاعَة. قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "ولا تطلع الشمس ولا تغرب على أفضل من يوم الجمعة" تقدم الكلام على ذلك، وفي الإحياء في فضل الجمعة (١): يقال إن الطير والهوام يلقي بعضها بعضا في يوم الجمعة فيقول: سَلَام سَلَام، يَوْم صَالِح وهو كذلك في قوت القلوب أيضا، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَا وَهِي تَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِلَا هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ" وفي رواية أبي داود (٢) وغيره: "وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الإنس والجن" تقدم معنى الإشفاق أنه الخوف مسيخة بالسين ومصيخة بالصاد، معناه: مصغية مستمعة تتوقع قيام الساعة، أ. هـ. وقال في النهاية (٣): يروي بالصاد وهو الأصل، ومسيخة بالسين والياء آخر الحروف، والخاء المعجمة، يقال: أصاخ وأساخ بمعنى واحد، قال في "العلم المشهور": والدابة: هو اسم موضوع لكل ما دب، ثم غلب عليه عرف الاستعمال في نوع من الحيوان دون غيره، والإصاخة، أصل هذه الكلمة في اللغة الاستماع، والإصاخة في الحديث الكريم استماع حذر وإشفاق خشية

стр. 2730

البغتة وعموم الموت الذي هو مر المذاق، وفي قوله: هذا دليل على أن الإنس والجن لا يعلمون من معنى الساعة ما يعرف غيرهم من الدواب (١). قال ابن عبد البر في كتاب التمهيد (٢): وهذا أمر تقصر عنه أفهامنا، ومن هذا الجنس من العلم لم يؤت الناس منه إلا قليلًا. قال ذو النسبين: وقد نظرت في كتاب اللّه العظيم وحديث رسوله محمد الكريم فلاح لي السر في تخصيص الدواب دون غيرهم، فأقول واللّه الموفق للصواب، أما إصاخة البهائم توقيا للساعة التي في يوم الجمعة كما ثبت عن رسول اللّه ﷺ ، فإصاختها محمول على إلهام اللّه تعالى إياها في ذلك اليوم على ما جبلها عليه من توقيها لما يضرها وانقيادها لما ينفعها جبلة لا عقلا وإحساسا حيوانيًا لا إدراكا فهميا، وإليه أشار ﷺ بقوله في الحديث: شفقا من الساعة، والشفق الخوف، وإذا جبل اللّه النملة على حمل قوتها وإدخاره لزمن الشتاء محاذرة من مضرة تكون فيه على أجسامها، فجبلة البهيمة على الإصاخة لمحاذرة يوم تكون فيه الساعة المؤذنة بهلاكها وهلاك العالم أقرب وأولى، وهذا شيء لا يتكرر إلا يحمل بنظره في عجائب المصنوعات، ولم يطلع على حكمة اللّه تعالى في الموجودات، ولم يدر معنى قول خالق الأرض والسموات، ومن استقرأ أحوال الحيوانات رأى حكمة اللّه تعالى فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها والنافع

стр. 2731

وجبلها على أشياء، وألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم وتدقيق النظر، وقد ظهرت من البهائم الصنائع العجيبة والأفاعيل الغريبة، ولم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك والتلفظ به، ولو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (١). سؤال: ما الحكمة في إصاخة الدواب في يوم الجمعة دون الإنس والجن؟ الجواب: وإنما لم تصخ الإنس والجن، قال بعضهم: لأجل عمارة الدنيا، وقال ذو النسبين: وإنما لم يسمع الإنس لحكمة وهو أنهم لو سمعوا صار الإيمان بالغيب مشاهدة، وذهب معنى التكليف، فتبليغ الصادق ﷺ ينوب عن سماعنا، وهذه معانٍ لم أسبق إليها ولا هجمت من قبله الخواطر عليه (٢)، واللّه أعلم، أ. هـ. ١٠٤٢ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ تحْشر الأَيَّام على هيئتها وتحشر الْجُمُعَة زهراء منيرة أَهلهَا يحفونَ بهَا كالعروس تهدى إِلَى خدرها تضيء لَهُم يَمْشُونَ فِي ضوئها ألوانهم كالثلج بَيَاضًا وريحهم كالمسك يَخُوضُونَ فِي جبال الكافور ينظر إِلَيْهِم الثَّقَلَان لا يطرقون تَعَجبا حَتَّى يدْخلُونَ الْجنَّة لا يخالطهم أحد إِلَّا المؤذنون المحتسبون، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر فَإِن فِي النَّفس من هَذَا الإِسْنَاد شَيْئا (٣).

стр. 2732

قَالَ الْحَافِظ: إِسْنَاده حسن وَفِي مَتنه غرابة (١). قوله: وعن أبي موسى الأشعري، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "تحشر الأيام على هيئتها وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى خدرها" إلى قوله "ينظر إليهم الثقلان لا يطرقون تعجبا حتى يدخلوا الجنة" الثقلان في اللغة (٢): هما الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض، وقيل: لشرفهما وكل شريف يقال له ثقيل، وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب (٣)، واللّه أعلم. ١٠٤٣ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ إِن اللّه ﵎ لَيْسَ بتارك أحدا من الْمُسلمين يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا غفر لَهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَرْفُوعا فِيمَا أرى بِإِسْنَاد حسن (٤).

стр. 2733

قوله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه، ومن بعض مناقبه أيضا ما روى البخاري من حديث أنس ﵁: قال: قالت أمي خادمك أنس، ادع له، قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أتيته"، قال أنس: إن مالي كثير وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحدًا من رخاء العيش أصاب مثل ما أصبت، ولقد دفنت يداي هاتان مائة من ولدي، لا أقول سقطا ولا ولد ولد (١)، قال ابن قتيبة في المعارف (٢): ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كل واحد منهم مائة ذكر من صلبه: أنس بن مالك وأبو بكرة وخليفة بن بدر؛ روى البخاري في تاريخه (٣) عن قتادة قال: لَمَّا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ مُوَرِّق: "ذَهَبَ اليَوْمَ نِصْفُ العِلْمِ". قِيلَ: "كَيْفَ ذَاكَ؟ " قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفَنَا فِي الحَدِيثِ، قُلْنَا: تَعَالَ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وتوفي أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سعيد بن المسيب بعد بسنتين مات سنة خمس وتسعين، ومناقبه كثيرة ﵁. قوله: في آخر حديث أنس، رواه الطبراني في الأوسط (٤) مرفوعا فيما أرى، أرى: بضم الهمزة أي أظن.

стр. 2734

١٠٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة ﵄ قَالا قَالَ رَسُول اللّه ﷺ أضلّ اللّه ﵎ عَن الْجُمُعَة من كَانَ قبلنَا كَانَ للْيَهُود يَوْم السبت والأحد لِلنَّصَارَى فهم لنا تبع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة نَحن الآخرُونَ من أهل الدُّنْيَا والأولون يَوْم الْقِيَامَة المقضى لَهُم قبل الْخَلَائق رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَزَّار ورجالهما رجال الصَّحِيح إِلَا أَن الْبَزَّار قَالَ نَحن الآخرُونَ فِي الدُّنْيَا الأولونَ يَوْم الْقِيَامَة المغفور لَهُم قبل الْخَلَائق (١)، وَهُوَ فِي مُسلم بِنَحْوِ اللَّفْظ الأول من حَدِيث حُذَيْفَة وَحده (٢). قوله: وعن أبي هريرة وحذيفة، تقدم الكلام عليهما ﵄. قوله ﷺ : "أضل اللّه ﵎ عن الجمعة من كان قبلنا". الضلال: ضد الهدى، ففيه دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِضْلَالَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّهُ بِإِرَادَةِ اللّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِعْلُهُ خِلَافًا للمعتزلة. قوله: "كَانَ للْيَهُود يَوْم السبت والأحد لِلنَّصَارَى فهم لنا تبع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة"، الحديث؛ قال الكرماني (٣): قيل معنى الاِخْتِلَاف فِيهِ أَنه فرض يَوْم للْجمع لِلْعِبَادَةِ، ووكل إِلَى اختيارهم فمالت الْيَهُود إِلَى السبت وَالنَّصَارَى إِلَى الْأَحَد، وهدانا اللّه إِلَى يَوْم الْجُمُعَة الَّذِي هُوَ أفضل الْأَيَّام، أ. هـ.

стр. 2735

ومعنى قوله: (كان لليهود يوم السبت) أي: كان عندهم يوم السبت وللنصارى الأحد، قال القاضي أبو بكر بن العربي في الأحكام (١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٢) أي: في تعظيمه، وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى قَالَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: تَفَرَّغُوا إلَى اللّهِ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ تَعْبُدُونَهُ، وَلَا تَعْمَلُونَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا؛ فَاخْتَارُوا يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْجُمُعَةِ، فَأَبَوْا إلَّا السَّبْتَ، فَجَعَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ. رُوِيَ أَنَّ عِيسَى أَمَرَ النَّصَارَى أَنْ يَتَّخِذُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدًا، فَقَالُوا: لَا يَكُونُ عِيدُنَا إلَّا بَعْدَ عِيدِ الْيَهُودِ، فَجَعَلُوهُ الْأَحَدَ، وقالت اليهود يوم السبت أفضل الأيام؛ لأن اللّه فرغ من الخلق يوم الجمعة فهو يوم الراحة، وقالت النصارى أفضلها يوم الأحد، لأن اللّه ابتدأ فيه خلق الأشياء فرد النبي ﷺ بقوله: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أنَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللّهُ لَهُ (٣) " وهذا يدل على أن كل فريق منهما عرض عليه يوم الجمعة، فاختار كل واحد ما ظهر له، وَاخْتَارَ اللهُ لَنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقِبَلِنَا خِيرَةَ رَبِّنَا لَنَا، وَعَرَفْنَا مِقْدَارَ فَضْلِهِ أ. هـ.

стр. 2736

اختارت اليهود يوم السبت للاشتغال بالذكر والعبادة فيه لأنه يوم فراغ وقطع عمل فإن اللّه ﵎ فرغ فيه عن خلق السموات والأرض، فقالوا: ينبغي أن ينقطعن ينق الناس عن أعمالهم ويتفرغوا للعبادة والشكر، واختارت النصارى يوم الأحد أنه يوم بدء الخلق الموجب للشكر والعبادة وهدى اللّه تعالى المسلمين ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة وقالوا: إن اللّه تعالى خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة فكانت العبادة فيه أولى، ولما كان يوم الجمعة مبدأ دور الإنسان، وأول أيامه كان المتعبد فيه باعتبار العبادة متبوعا، والمتعبد في اليومين اللذين بعده تابعًا، فهم لنا تبع في ذلك (١)، واللّه أعلم، ذكره في شرح مشارق الأنوار (٢). قوله ﷺ : "نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة" قال العلماء: الآخرون من أهل الدنيا بكسر الخاء معناه: الآخرون في الزمان والوجود وإعطاء الكتاب، والأولون يوم القيامة أي: بالفضل ودخول الجنة وفضل القضاء، فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم، وقد صرح بذلك في قوله في رواية مسلم، "ونحن أول من يدخل الجنة" (٣)، وقال الخطابي (٤): نحن الآخرون، يريدون في الزمان من مدة أيام الدنيا، والسابقون في الكرامة

стр. 2737

والفضل في الآخرة، قال الكرماني (١): قال التيمي: يريد بقوله: "نحن الآخرون السابقون" أنه ﷺ خاتم النبيين، وأمته يسبقون سائر الأمم يدخلون الجنة فيوم الجمعة دخره لهذه الأمة، وهداهم لها ففضلت به على سائر الأمم، أ. هـ. ١٠٤٥ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن يَوْم الْجُمُعَة وَلَيْلَة الْجُمُعَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ سَاعَة لَيْسَ فِيهَا سَاعَة إِلَّا وَللّه فِيهَا سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار قَالَ فخرجنا من عِنْده فَدَخَلْنَا على الْحسن فَذَكرنَا لَهُ حَدِيث ثَابت فَقَالَ سمعتة وَزَاد فِيهِ كلهم قد استوجبوا النَّار رَوَاهُ أَبُو يعلى (٢). وَالْبَيْهَقِيّ بِاخْتِصَار وَلَفظه: للّه فِي كل جُمُعَة سِتّمائَة ألف عَتيق من النَّار (٣). قوله: وروى عن أنس، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "إن يوم الجمعة وليلة الجمعة أربعة وعشرون ساعة ليس فيها ساعة إلا وللّه فيها ستمائة عتيق من النار" الحديث. فائدة: مجموع الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، قال علماء المواقيت: والساعة على قسمين، زمانية ومستوية، فأما الزمانية: فهي التي تختلف باختلاف الزمان، وإنما يختلف مقدارها ولا تختلف أعدادها، وأما الساعة المستوية فهي ثلاث من الدور، وتختلف أعدادها، ولا يختلف مقدارها، وهذه الأربعة

стр. 2738

وعشرين ساعة وثلاثمائة وستون درجة، ومقدار إلى الدرجة بقدر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بالبسملة ستين مرة مع عدم العجلة تقريبا، وهي اتفاقية وقعت لبعضهم كما أخبر به بعض مشايخي أن لكل مرة من هذه القراءة يسمى دقيقة، وكل دقيقة ستون ثانية، يعني: تقسم الدقيقة ستين جزءًا، فكل جزء منها يسمى ثانية، والثانية: ستون ثالثة، يعني تقسم الثانية ستين جزءًا، فكل جزء منها يسمى ثالثة (١)، وهكذا على هذا الترتيب إلى ما لا نهاية، واللّه أعلم. ١٠٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول اللّه ﷺ ذكر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ فِيهَا سَاعَة لا يُوَافِقهَا عبد مُسلم وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي يسْأَل اللّه شَيْئا إِلَا أعطَاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يقللها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (٢). وَأما تعْيين السَّاعَة فقد ورد فِيهِ أَحَادِيث كثِيرَة صَحِيحَة وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهَا اخْتِلَافا كثيرا بسطته فِي غير هَذَا الْكتاب وأذكر هُنَا نبذة من الأحَادِيث الدَّالَّة لبَعض الأقْوَال. قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: أن رسول اللّه ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل اللّه شيئًا إلا أعطاه" وأشار بيده يقللها - الحديث؛ وفي رواية "وهي ساعة خفية" (٣)، ومعنى قوله ﷺ "وهو قائم

стр. 2739

يصلي" قال بعض أهل اللغة كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد (١)، ونقله من خطه: أن قائما قد يكون بمعنى مقيما، قالوا: ومن ذاك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ يعني: مقيمًا، أي: ملازمًا ومواظبًا، ومعنى قوله: "وهو يصلي" أي يدعو اللّه، الصلاة في اللغة: الدعاء، قال اللّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، أي: ادع لهم، والمراد بقوله: "قائم يصلي" من ينتظر الصلاة فكأنه في الصلاة، فإنه في صلاة. فيه من الفقه: أن هذه الساعة أفضل من غيرها، وإذا جاز أن يكون يوم أفضل من يوم جاز أن تكون ساعة أفضل من ساعة، فيه من الفقه: دليل أن كل مشتغل بسبب من أسباب أعمال الخير فله من الثواب عليه نحو الذي له منه على اشتغاله بعمله تفضلا من اللّه ﷻ على عبده. وقوله: "وأشار بيده يقللها"، أي: أشار بيده إلى أنها ساعة لطيفة خفيفة قليلة، ومنه حديث: "على أنك لزهيد" والزهيد القليل والضيق، وقال في "العلم المشهور" لابن دحية الكلبي (٢): "وأشار بيده يقللها" يزهدها، وقال في حديث آخر: "وقال بيده، ووضع أنملته على بطن السبابة الوسطى والخنصر" (٣) الأنامِلُ مُنتهى المفاصلِ الأوائلِ منْ كلِّ إصبعٍ من اليدينِ والرِّجلينِ، والواحدة: انملة بفتح الميم وضمها وجهان، وقال بعض العلماء:

стр. 2740

الأنملة بفتح الهمزة والميم، وضمها وفتح الهمزة، وضم الميم وكسر الهمزة، وكسر الهمزة وفتح الميم أربع لغات، أ. هـ، قال في "العلم المشهور" (١): قلت: والزهيد: القليل يقال قل الرجل إذا قل ماله، فمعنى يقللها تفسير قوله يزهدها، فالحديث ثابت بإجماع، أ. هـ. وقال بعض العلماء (٢): "وقال بيده" أي: أشار بها، ويحتمل أن يكون وضع الأنملة على الوسطى إيماء إلى أن تلك الساعة في وسط النهار، وعلى الخنصر إلى أنها في آخر النهار، ويزهدها من التزهيد وهو التقليل، أ. هـ. وقيل: هي مخفية في اليوم كله كليلة القدر، وقال القاضي عياض (٣): وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لها بل معناه أنها تكون في أثناء ذلك الوقت لقوله ﷺ "وأشار بيده يقللها" تفسير قوله: يزهدها فالحديث ثابت بإجماع، قال الحافظ ﵀ (٤): وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار، قال العراقي في شرح تقريب الأسانيد (٥): وقد بلغت الأقوال في ساعة يوم الجمعة إلى إحدى وعشرين قولًا، وتقدم أنه بلغت إلى سبع وعشرين قولا، ذكره في حدائق الأولياء (٦)، وتقدم ذلك قريبًا.

стр. 2741

١٠٤٧ - وَعَن أبي بردة بن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ ﵁: قَالَ قَالَ لي عبد اللّه بن عمر ﵄ أسمعت أَبَاك يحدث عَن رَسُول اللّه ﷺ فِي شَأْن سَاعَة الْجُمُعَة قَالَ قلت نعم سمعته يَقُول سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول هِيَ مَا بَين أَن يجلس الإِمَام إِلَى أَن تقضى الصَّلَاة رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ يَعْنِي على الْمِنْبَر وَإِلَى هَذَا القَوْل ذهب طوائف من أهل الْعلم (١). قوله: وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، بضم الباء الموحدة وسكون الراء وبالدال المهملة، اسمه: الحارث ويقال عامر، ويقال: اسمه كنيته (٢). قوله: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ" رواه مسلم وأبو داود، وقال: يعني على المنبر، أ. هـ. تقضى الصلاة: هي بالتاء المثناة فوق المضمومة، أ. هـ؛ وإلى هذ القول ذهب طوائف من أهل العلم، أ. هـ؛ وهو أصح حديث جاء فيها، وهو نص صريح وحديث صحيح فلا يعدل عنه إلى غيرها، وقد روى البيهقي (٣) بسنده عن مسلم ﵀ أنه قال: هذا الحديث أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة وهو القول الصحيح الذي صححه النووي في الروضة، وكذا في الأذكار وشرح المهذب (٤)، واللّه أعلم!

стр. 2742

١٠٤٨ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن فِي الْجُمُعَة سَاعَة لا يسْأَل اللّه العَبْد فِيهَا شَيْئا إِلَا آتاهُ اللّه إِيَّاه قَالُوا يَا رَسُول الله أَيَّة سَاعَة هِيَ قَالَ هِيَ حِين تُقَام الصَّلَاة إِلَى الانْصِرَاف مِنْهَا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من طَرِيق كثير بن عبد اللّه بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب (١). قَالَ الْحَافِظ: كثير بن عبد اللّه واه بِمرَّة وَقد حسن لَهُ التِّرْمِذِيّ هَذَا وَغَيره وَصحح لَهُ حَدِيثا فِي الصُّلْح فانتقد لَهُ الْحفاظ تَصْحِيحه لَهُ بل وتحسينه (٢). وَاللّه أعلم. قوله: وعن عمرو بن عوف المزني هو أبو عبد اللّه عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى. كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول اللّه ﷺ ، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى:

стр. 2743

﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (١). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي ﷺ اثنان وستون وقال البرقي جاء عنه نحوا من ثلاثين حديثا. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (٢)). قوله ﷺ : "إن في يوم الجمعة ساعة لا يسأل اللّه فيها العبد شيئًا إلا أتاه اللّه إياه" قالوا: يا رسول اللّه: أي ساعة هي؟ قال: "هي حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها" قال الحافظ: كثير بن عبد اللّه واه بمرة وقد حسن له الترمذي هذا وغيره وصحح له حديثا في الصلح فانتقد له الحفاظ تصحيحه له بل وتحسينه. قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، وليس هو ممن يحتج بحديثه (٣). ١٠٤٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ التمسوا السَّاعَة الَّتِي ترجى فِي يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غيبوبة الشَّمْس رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَزَاد فِي آخِره وَهِي قدر هَذَا يَعْنِي قَبْضَة وَإِسْنَاده أصلح من إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ (٥).

стр. 2744

قوله: وعن أنس، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس"، ورواه الطبراني (١) وزاد: "في آخره" وهي قدر هذا يعني قبضة، وفي حديث عبد اللّه بن سلام عند ابن ماجه "أو بعض ساعة" (٢) وذلك يدل على قصر زمانها وأنها ليست مستغرقة لما بين جلوس الإمام على المنبر وآخر الصلاة ولا لما بين العصر والمغرب بل المراد على هذين القولين وعلى جميع الأقوال أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت وأنها لحظة لطيفة، وبهذا يقول أحمد وإسحاق، قال أحمد: أكثر الحديث أنها بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس (٣). ١٠٥٠ - وَعَن عبد الله بن سَلام ﵁ قَالَ: قلت وَرَسُول اللّه ﷺ جَالس إِنَّا لنجد فِي كتاب اللّه تَعَالَى فِي يَوْم الْجُمُعَة سَاعَة لا يُوَافِقهَا عبد مُؤمن يُصَلِّي يسْأَل اللّه بهَا شَيْئا إِلَا قضى اللّه لَهُ حَاجته قَالَ عبد اللّه فَأَشَارَ إِلَى رَسُول اللّه ﷺ أَو بعض سَاعَة فَقلت صدقت أَو بعض سَاعَة قلت أَي سَاعَة هِيَ قَالَ آخر سَاعَات النَّهَار قلت إِنَّهَا لَيست سَاعَة صَلَاة قَالَ بلَى إِن العَبْد إِذا صلى ثمَّ جلس لم يجلسه إِلَّا الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح (٤).

стр. 2745

قوله: وعن عبد اللّه بن سلام، كان عبد اللّه بن سلام من بني إسرائيل، ومن ولد يوسف الصديق ﵇، وكان منشأه بالمدينة وبلاد الحجاز، وكان ﵁: فصيحًا، وقد بشره رسول اللّه ﷺ بالجنة، ذكر ذلك الإمامان البخاري ومسلم في المناقب (١)، وهذا اللفظ معروف في كلامهم موجود في أشعارهم (٢)، وسيأتي الكلام عليه مبسوطا إن شاء اللّه تعالى قوله: فأشار إليه رسول اللّه ﷺ أو بعض ساعة، فذكره إلى أن قال: "آخر ساعات النهار" الحديث، قال عبد اللّه بن سلام (٣): هي بين العصر إلى المغرب لأنه وقت تعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار، ووقت عرض الأعمال على اللّه تعالى فيوجب اللّه تعالى مغفرته للمصلحين من عباده، وَلِذَلِكَ شَدَّدَ رسول اللّه ﷺ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصرِ (٤). وقال الفقهاء: يكون فيها اللعان والقسامة (٥)، وروي أن عبد الله لما قال بذلك، قال له أبو هريرة: ألم تسمع قول رسول اللّه ﷺ : "وهو قائم يصلي"،

стр. 2746

فقال: ألم يقل رسول اللّه ﷺ : "من جلس ينتظر الصلاة فهو في الصلاة" فقال أبو هريرة: "بلى" (١)، فقال ذاك، قاله الكرماني (٢)، واللّه أعلم. ١٠٥١ - وَعَن أبي هرَيرَة ﵁ قَالَ قيل للنَّبِي ﷺ أَي شَيء يَوْم الْجُمُعَة قَالَ لِأن فِيهَا طبعت طِينَة أَبِيك آدم وفيهَا الصعقة وفيهَا الْبعْثَة وفيهَا البطشة وَفِي آخر ثَلَاث سَاعَات مِنْهَا سَاعَة من دَعَا اللّه فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٣). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: قيل للنبي ﷺ : أي شيء يوم الجمعة، قال: "قيل للنَّبِي ﷺ أَي شَيْء يَوْم الْجُمُعَة قَالَ: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم"؛ آدم: هو أبو البشر ﷺ ، كنيته: أبو البشر، ويقال: أبو محمد، خلقه اللّه بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، واصطفاه وكرم ذريته، وعلمه جميع الأسماء، وجعله أول الأنبياء، وعلم ما لم تعلمه الملائكة المقربون وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (٤)
следующие страницы →