← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2742–2781 · переход к 2747.

стр. 2742

١٠٤٨ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن فِي الْجُمُعَة سَاعَة لا يسْأَل اللّه العَبْد فِيهَا شَيْئا إِلَا آتاهُ اللّه إِيَّاه قَالُوا يَا رَسُول الله أَيَّة سَاعَة هِيَ قَالَ هِيَ حِين تُقَام الصَّلَاة إِلَى الانْصِرَاف مِنْهَا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلَاهُمَا من طَرِيق كثير بن عبد اللّه بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب (١). قَالَ الْحَافِظ: كثير بن عبد اللّه واه بِمرَّة وَقد حسن لَهُ التِّرْمِذِيّ هَذَا وَغَيره وَصحح لَهُ حَدِيثا فِي الصُّلْح فانتقد لَهُ الْحفاظ تَصْحِيحه لَهُ بل وتحسينه (٢). وَاللّه أعلم. قوله: وعن عمرو بن عوف المزني هو أبو عبد اللّه عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضًا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى. كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول اللّه ﷺ ، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى:

стр. 2743

﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (١). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي ﷺ اثنان وستون وقال البرقي جاء عنه نحوا من ثلاثين حديثا. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (٢)). قوله ﷺ : "إن في يوم الجمعة ساعة لا يسأل اللّه فيها العبد شيئًا إلا أتاه اللّه إياه" قالوا: يا رسول اللّه: أي ساعة هي؟ قال: "هي حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها" قال الحافظ: كثير بن عبد اللّه واه بمرة وقد حسن له الترمذي هذا وغيره وصحح له حديثا في الصلح فانتقد له الحفاظ تصحيحه له بل وتحسينه. قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه فيما علمت إلا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، وليس هو ممن يحتج بحديثه (٣). ١٠٤٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ التمسوا السَّاعَة الَّتِي ترجى فِي يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غيبوبة الشَّمْس رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة وَزَاد فِي آخِره وَهِي قدر هَذَا يَعْنِي قَبْضَة وَإِسْنَاده أصلح من إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ (٥).

стр. 2744

قوله: وعن أنس، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس"، ورواه الطبراني (١) وزاد: "في آخره" وهي قدر هذا يعني قبضة، وفي حديث عبد اللّه بن سلام عند ابن ماجه "أو بعض ساعة" (٢) وذلك يدل على قصر زمانها وأنها ليست مستغرقة لما بين جلوس الإمام على المنبر وآخر الصلاة ولا لما بين العصر والمغرب بل المراد على هذين القولين وعلى جميع الأقوال أن تلك الساعة لا تخرج عن هذا الوقت وأنها لحظة لطيفة، وبهذا يقول أحمد وإسحاق، قال أحمد: أكثر الحديث أنها بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس (٣). ١٠٥٠ - وَعَن عبد الله بن سَلام ﵁ قَالَ: قلت وَرَسُول اللّه ﷺ جَالس إِنَّا لنجد فِي كتاب اللّه تَعَالَى فِي يَوْم الْجُمُعَة سَاعَة لا يُوَافِقهَا عبد مُؤمن يُصَلِّي يسْأَل اللّه بهَا شَيْئا إِلَا قضى اللّه لَهُ حَاجته قَالَ عبد اللّه فَأَشَارَ إِلَى رَسُول اللّه ﷺ أَو بعض سَاعَة فَقلت صدقت أَو بعض سَاعَة قلت أَي سَاعَة هِيَ قَالَ آخر سَاعَات النَّهَار قلت إِنَّهَا لَيست سَاعَة صَلَاة قَالَ بلَى إِن العَبْد إِذا صلى ثمَّ جلس لم يجلسه إِلَّا الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح (٤).

стр. 2745

قوله: وعن عبد اللّه بن سلام، كان عبد اللّه بن سلام من بني إسرائيل، ومن ولد يوسف الصديق ﵇، وكان منشأه بالمدينة وبلاد الحجاز، وكان ﵁: فصيحًا، وقد بشره رسول اللّه ﷺ بالجنة، ذكر ذلك الإمامان البخاري ومسلم في المناقب (١)، وهذا اللفظ معروف في كلامهم موجود في أشعارهم (٢)، وسيأتي الكلام عليه مبسوطا إن شاء اللّه تعالى قوله: فأشار إليه رسول اللّه ﷺ أو بعض ساعة، فذكره إلى أن قال: "آخر ساعات النهار" الحديث، قال عبد اللّه بن سلام (٣): هي بين العصر إلى المغرب لأنه وقت تعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار، ووقت عرض الأعمال على اللّه تعالى فيوجب اللّه تعالى مغفرته للمصلحين من عباده، وَلِذَلِكَ شَدَّدَ رسول اللّه ﷺ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصرِ (٤). وقال الفقهاء: يكون فيها اللعان والقسامة (٥)، وروي أن عبد الله لما قال بذلك، قال له أبو هريرة: ألم تسمع قول رسول اللّه ﷺ : "وهو قائم يصلي"،

стр. 2746

فقال: ألم يقل رسول اللّه ﷺ : "من جلس ينتظر الصلاة فهو في الصلاة" فقال أبو هريرة: "بلى" (١)، فقال ذاك، قاله الكرماني (٢)، واللّه أعلم. ١٠٥١ - وَعَن أبي هرَيرَة ﵁ قَالَ قيل للنَّبِي ﷺ أَي شَيء يَوْم الْجُمُعَة قَالَ لِأن فِيهَا طبعت طِينَة أَبِيك آدم وفيهَا الصعقة وفيهَا الْبعْثَة وفيهَا البطشة وَفِي آخر ثَلَاث سَاعَات مِنْهَا سَاعَة من دَعَا اللّه فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٣). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: قيل للنبي ﷺ : أي شيء يوم الجمعة، قال: "قيل للنَّبِي ﷺ أَي شَيْء يَوْم الْجُمُعَة قَالَ: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم"؛ آدم: هو أبو البشر ﷺ ، كنيته: أبو البشر، ويقال: أبو محمد، خلقه اللّه بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، واصطفاه وكرم ذريته، وعلمه جميع الأسماء، وجعله أول الأنبياء، وعلم ما لم تعلمه الملائكة المقربون وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين، قال اللّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (٤)

стр. 2747

الآية، ثبت في صحيح مسلم عن رسول اللّه ﷺ عن اللّه تعالى قال: "خلق آدم يوم الجمعة" (١) واشتهر في كتب الحديث والتواريخ أنه عاش ألف سنة، وتقدم ذلك، وروينا معناه في حديث مرفوع، وروينا في تاريخ دمشق (٢) في حديث طويل عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقول: "أَنَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِأَبِي آدَمَ ﵇ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَخُلُقًا". فأما اشتقاق اسمه ﷺ ، فقال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (٣): قال ابن عباس ﵁: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، قال: وهكذا قاله أهل اللغة فيما حكاه الزجاج، قال الزجاج (٤): قال أهل اللغة: آدم مشتق من أديم الأرض لأنه خلق من تراب، وأديم الأرض: وجهها، قال: وقال النضر بن شميل (٥): سمي آدم لبياضه، وهذا كله تصريح منهم بأن آدم اسم عربي مشتق، قال أبو إسحاق الزجاج (٦): اختلفت الآيات فيما بدئ به خلق آدم، في موضع: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (٧)، وفي موضعٍ: ﴿مِنْ

стр. 2748

﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ (١)، وفى موضعٍ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢)، وفى موضع: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٣)، وهذه الأَلفاظ راجعة إِلى أَصل واحد، وهو التُّراب الذي هو أَصل الطِّين، فأعلمنا اللّه أنه خُلِقَ من تراب جُعِلَ طينًا، ثمّ انتقل فصار كالحَمَأِ المَسْنُون، ثمّ انتقل فصار صَلْصالًا كالفخّار. ولقد أحسن الزجاج ﵀؛ قال الإمام أبو إسحاق الثعالبي (٤) في قول اللّه إخبارًا أن إبليس قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٥) قال الحكماء: أخطأ عدو اللّه في تفضيله النار على الطين لأن الطين أفضل منها من أوجه، أحدها: أنه من جوهر الطين الرزانة، والسكون، والوقار، والحلم، والأناة، والحياء، والصبر، وذلك سبب توبة آدم وتواضعه وتضرعه، فأورثه المغفرة، والاجتباء، والهداية. وجوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب، وذلك سبب استكبار إبليس فأورثه اللعنة والهلاك. والثاني: أن الجنة موصوفة بأن ترابها مسك، ولم ينقل أن فيها نارًا؛ الثالث: أنها سبب العذاب بخلاف الطين؛ الرابع: أن الطين مستغن عن النار وهي محتاجة إلى مكان وهو التراب؛ الخامس: أن الطين سبب جمع الأشياء، وهي سبب

стр. 2749

تفريقها وباللّه التوفيق، ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١). قوله ﷺ : "وفي آخر ثلاث ساعات، منها: ساعة من دعا اللّه فيها استجيب له "الحديث" في "ههنا تجريدية، إذ الساعة هي نفس آخر ثلاث الساعات، كما في قولك: في البيضة عشرون رطلا من حديد، والبيضة نفس الأرطال (٢)، وقال المحب الطبري: قوله: في آخر ثلاث ساعات يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأول، ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كل ساعة من الثلاث ساعة إجابة فيكون فيه تجوز لإطلاق الساعة على بعض الساعة (٣). قوله في آخر الحديث: رواه أحمد (٤) من رواته علي بن أبي طلحة عَن أبي هُرَيْرَة وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَاله مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح. ١٠٥٢ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ السَّاعَة الَّتِي يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء يَوْم الْجُمُعَة آخر سَاعَة من يَوْم الْجُمُعَة قبل غرُوب الشَّمْس أغفل مَا يكون النَّاس رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (٥). قوله: روي عن أبي سعيد الخدري: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الساعة التي يستجاب الدعاء فيها يوم الجمعة آخر ساعة من

стр. 2750

يوم الجمعة قبل غروب الشمس أغفل ما تكون الناس". (وهذا القول مال إليه ابن عبد البر). (١) ١٠٥٣ - وَعَن جَابر ﵁: عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ يَوْم الْجُمُعَة اثْنَتَا عشرَة سَاعَة لا يُوجد عبد مُسلم يسْأَل اللّه شَيْئا إِلَّا آتاهُ إِيَّاه فالتمسوها آخر سَاعَة بعد الْعَصْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَهُوَ كَمَا قَالَ (٢). قال التِّرْمِذِيّ: وَرَأى بعض أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم أَن السَّاعَة الَّتِي ترجى بعد الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق وَقَالَ أَحْمد أَكثر الحَدِيث فِي السَّاعَة الَّتِي ترجى فِيهَا إِجَابَة الدعْوَة أنَّهَا بعد صَلَاة الْعَصْر، قَالَ وترجى بعد الزَّوَال ثمَّ روى حَدِيث عَمْرو بن عَوْف الْمُتَقَدّم. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْمُنْذر (٣) اخْتلفُوا فِي وَقت السَّاعَة الَّتِي يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء من يَوْم الْجُمُعَة فروينا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ هِيَ من بعد طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس وَمن بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة هِيَ عِنْد زَوَال الشَّمْس وَفِيه قَول ثَالِث وَهُوَ أَنه إِذا أذن

стр. 2751

الْمُؤَذّن لصَلَاة الْجُمُعَة رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وروينا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هِيَ إِذا قعد الإِمَام على الْمِنْبَر حَتَّى يفرغ وَقَالَ أَبُو بردة هِيَ السَّاعَة الَّتِي اخْتَار اللّه فِيهَا الصَّلَاة وَقَالَ أَبُو السوار الْعَدوي كانُوا يرَوْنَ الدُّعَاء مستجابا مَا بَين أَن تَزُول الشَّمْس إِلَى أَن يدْخل فِي الصَّلَاة وَفِيه قَول سَاج وَهُوَ أَنَّهَا مَا بَين أَن تزِيغ الشَّمْس يُشِير إِلَى ذِرَاع وروينا هَذَا القَوْل عَن أبي ذَر وَفِيه قَول ثامن وَهُوَ أنَهَا مَا بَين الْعَصْر إِلَى أَن تغرب الشَّمْس كَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَبِه قَالَ طَاوس وَعبد اللّه بن سَلام ﵁ وَاللّه أعلم. قوله: وعن جابر، تقدم الكلام على جابر. قوله ﷺ : "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد عبد مسلم يسأل اللّه شيئا إلا أتاه اللّه إياه فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر" الحديث، وكان سعيد بن جبير إذ صلى العصر يوم الجمعة لم يتكلم إلى غروب الشمس (١)، قال: وهي الساعة التي أخبرنا الصادق المصدوق محمد ﷺ أن آدم خلق فيها كما هو مذكور في الحديث عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللّه ﷺ بيدي فقال: "خلق اللّه التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد" فذكر الحديث إلى أن قال: "وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة" وتقدم هذا الحديث بتمامه. قوله: "فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، فإن قيل: جاء "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل اللّه خيرًا إلا أعطاه" الحديث، ومعنى يصادفها: يلاقيها، والصلاة بعد العصر ممنوعة، قيل: قد فسر عبد اللّه بن سلام الصلاة

стр. 2752

بانتظارها، فإن العبد في صلاة ما انتظر الصلاة، فإن قيل: "جاء وهو قائم يصلي" قيل: أراد بالقيام الملازمة لقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (١) وتقدم حديث عبد اللّه بن سلام، وتقدم معنى تفسيرها في الأحاديث المتقدمة، واللّه أعلم. فائدة مهمة: روى الحافظ المنذري (٢) في جزء جمعه في غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه (فاتحة الكتاب) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ) و (المعوذتين) سبعًا سبعًا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد كل من آمن باللّه ورسوله" (٣) وقال أبو طالب المكي (٤): يستحب له بعد الجمعة أن يقول: يا غني يا حميد يا مبدئ يا معيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، فيقال: من واظب على

стр. 2753

هذا الدعاء أغناه اللّه تعالى عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب (١)، أ. هـ. فائدة أيضًا: كان عمرو بن قيس الملائي يقول: بلغني أن من صام يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم شهد الجمعة مع المسلمين، ثم ثبت في مكانه بعد سلامه مع الإمام، ثم مدّ يديه وقرأ: فاتحة الكتاب، وقل هو اللّه أحد، عشر مرات، ثم قال: اللهم إني أسألك باسمك العلي العلي العلي الأعلى الأعلى الأعلى، العظيم الأعظم الأعظم، الأكرم الأكرم الأكرم، الأجل الأجل الأجل، لم يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه إياه عاجلا وآجلا، ولكنكم تستعجلوه (٢)، قاله في الديباجة في شرح ابن ماجه. فائدة أيضًا: قال النووي (٣): روينا في كتاب ابن السني عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "من قرأ بعد صلاة الجمعة قل هو اللّه أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس سبع مرات أعاذه اللّه من السوء إلى الجمعة الأخرى" (٤)، واللّه أعلم.

стр. 2754

قوله: وقال الحسن البصري وأبو العالية: هي عند زوال الشمس، تقدم الكلام على الحسن البصري؛ وأما أبو العالية: قال أبو الفرج بن الجوزي: أبو العالية اسمه: ربيع، اعتقته امرأة من بني رياح، قال أبو العالية (١): دخلت المسجد مع مولاتي، فلما رأت الإمام على المنبر أخذت بيدي وقالت: اللهم إني أدخره عندك ذخيرة، فاشهدوا يا أهل المسجد أنه سائبة للّه ، قال أبو العالية (٢): كُنَّا نَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْسَاهُ، توفي في شوال سنة تسعين. قوله: وقال أبو السِّوَارِ العَدوَيُّ: كَانُوا يَرَوْنَ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابًا مَا بَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الصلَاةِ. أبو السوار: هو بفتح السين المهملة وتشديد الواو وآخره راء، اسمه: حسان بن حريث العدوي، ذكره النووي (٣). قال صاحب كتاب سلاح المؤمن (٤): وقد اختلف في ساعة الإجابة، أي وقت هي من يوم الجمعة على أقوال كثيرة، وتقدمت الأحاديث في ذلك، قال: ويحتمل أنها تدور في أيام الجمع على الأوقات المذكورة في الأحاديث،

стр. 2755

فيوما تكون ما بين أن يجلس الإمام، أي للخطبة إلى أن تقضى الصلاة كما هو مذكور في حديث أبي بردة؛ ويوما حين تقام الصلاة إلى السلام؛ ويوما تكون فيما بين العصر إلى غروب الشمس؛ ويوما تكون في آخر ساعة، ويكون النبي ﷺ قد سئل عن ذلك في أوقات متفرقة، فأجاب عن ذلك بما أجاب. قال صاحب سلاح المؤمن (١): ورأيت غير واحد من الأئمة جنح إلى هذا، واللّه أعلم بحقيقة ذلك، وقيل: إنها مبهمة في جميع اليوم حكمة من اللّه تعالى ليعكف الداعي على مراقبتها، ويجتهد في الدعاء في جميع اليوم، أ. هـ قال العراقي (٢): ولو عُرِفت لخصوها بالدعاء وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى ليسأل بجميع أسمائه الحسنى، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك، وكما أخبر ساعة الإجابة في الليل، وكما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين حتى لَا يَخُصُّ بِالْإِكْرَامِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ، وقد ورد فيها ما ورد في ليلة القدر من أنه أُعْلِمْتهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا. رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، ولعل هذا يكون خيرًا للأمة

стр. 2756

ليجتهدوا في سائر الأيام؛ قال شيخ الإسلام ولي الدين العراقي: قال والدي ﵀ في شرح الترمذي: وإن كان مطلبه خطيرًا عظيمًا كسؤال المغفرة والنجاة من النار ودخول الجنة ورضى اللّه تعالى عنه، لجديرٌ أن يستوعب جميع عمره بالطلب والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد، كما قال عبد اللّه بن عمر: أن طلب حاجة في يوم يسير، واللّه أعلم، أ. هـ. تنبيه: يستحب إذا صلى الإنسان الجمعة أن يقيم في المسجد حتى يصلي العصر، فقد روى الحاكم عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لكم في كل جمعة حجة وعمرة، فالحجة: الهجير إلى الجمعة، والعمرة: انتظار العصر بعد الجمعة" (١)، واللّه أعلم.

стр. 2757

الترغيب في الغسل يوم الجمعة وَقد تقدم ذكر الْغسْل فِي الْبَاب قبله فِي حَدِيث نُبيْشَة الْهُذلِيّ وسلمان الْفَارِسِي وَأَوْس بن أَوْس وَعبد اللّه بن عَمْرو. وَتقدم أَيْضا حَدِيث أبي بكر وَعمْرَان بن حُصَيْن قَالا قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كفرت عَنهُ ذنُوبه وخطاياه ... الحَدِيت. الغسل: إن أريد به الماء فهو مضموم الغين، وإن أريد به المصدر فيجوز به ضم الغين وفتحها، لغتان مشهورتان، وبعضهم يقول: إن كان مصدرًا لغسلت فهو بالفتح كضربت ضربًا، وإن كان بمعنى الاغتسال فهو بالضم كقولنا غسل يوم الجمعة مسنون، وكذا الغسل من الجنابة واجب وما أشبهه (١)؛ وأما الغِسل بكسر الغين فهو اسم لما يغسل به الرأس من خطمي وغيره (٢)، واللّه أعلم. وقد تقدم ذكر الغسل في الباب قبله في حديث نبيشة الهذلي وسلمان الفارسي وأوس بن أوس وعبد اللّه بن عمرو، وتقدم أيضًا حديث أبي بكر وعمران بن حصين.

стр. 2758

١٠٥٤ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْغسْل يَوْم الْجُمُعَة ليسل الْخَطَايَا من أصُول الشّعْر استلالا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (١). قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام على أبي أمامة. قوله ﷺ : "إن الغسل يوم الجمعة ليسل الخطايا من أصول الشعر استلالا" الحديث، المراد بالخطايا الصغائر من الذنوب. ١٠٥٥ - وَعَن عبد اللّه بن أبي قَتَادَة ﵁ قَالَ دخل عَليّ أبي وَأَنا أَغْتَسِل يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ غسلك هَذَا من جَنَابَة أَو للْجُمُعَة قلت من جَنَابَة قَالَ أعد غسلا آخر إِنِّي سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كَانَ فِي طَهَارَة إِلَى الْجُمُعَة الأخْرَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَإِسْنَاده قريب من الْحسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لم يروه غير هَارُون يَعْيي ابْن مُسلم صَاحب الحنا وَرَوَاهُ الْحَاكم بِلَفْظ الطَّبَرَانِيّ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة لم يزل طَاهِرا إِلَى الْجُمُعَة الْأُخْرَى (٣).

стр. 2759

قوله: وعن عبد اللّه بن أبي قتادة عبد اللّه هذا يكنى أبا إبراهيم، ويقال: أبا يحيى الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى التابعى، سمع أباه (١). قوله: دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة، قلت: من جنابة، قال: أعد غسلا آخر، إني سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى" الحديث، رواه ابن حبان في صحيحه (٢)، ولفظه: "من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهرًا إلى الجمعة الأخرى" وهذا يشمل كل غسل، واللّه أعلم؛ قال العلماء: ومن نوى غسل الجمعة لم يجزه عن الجنابة لأنه لم ينوها ولا تضمنتها نيته (٣)، قال: ومن نوى غسل الجنابة لم يجزه عن الجمعة في أصح القولين عملا بما نواه (٤)، وهذا هو الأصح عند النووي تبعا للرافعي في المحرر (٥)، فلو نوى غسل الجنابة والجمعة، فالمذهب أنه إذا نواهما حصلا نص عليه الشافعي، واستدل له بأن عمر ﵁ كان يغتسل لهما غسلا واحدًا.

стр. 2760

فرع: لو نوى الجمعة والعيد، قال في الكافي (١): حصلا، وكذا لو نوى به الجنابة والجمعة والعيد يحصل الكل (٢)، وقد صححه النووي (٣) وغيره، واللّه أعلم، ذكره في مختصر الكفاية (٤)، قال صاحب تهذيب النفوس (٥): واختلف العلماء في بعض مسائل الغسل: فَاَلَّذِي يُوجِبُ اغْتِسَالَ الْحَيِّ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ إيلَاجُ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي فَرْجِ وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ (٦).

стр. 2761

أما إيلاج الحشفة فهو إدخالها بكمالها في فرج حيوان آدمي أو غيره قُبله أو دبره ذكر أو أنثى حي أو ميت صغير أو كبير (١)، هذا مذهب الشافعي؛ وعند أبي حنيفة: لا يجب في الإيلاج في البهيمة والميتة (٢)، وقد بين الشيخ أبو حامد فرج المرأة والتقاء الختانين (٣) - بَيَانًا شَافِيًا -، فقال هو وغيره: خِتَانُ الرَّجُلِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ فِي حَال الْخِتَانِ وَهُوَ مَا دُونَ حُزَّةِ الْحَشَفَةِ وَأَمَّا خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ ثَقْبٌ مِثْلُ إحْلِيلِ الرَّجُلِ هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْل وَبَيْنَ هَذَا الثَّقْبِ وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ جِلْدَةٌ رَقِيقَة وَفَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْل جِلْدَةٌ رَقِيقَة مِثْلُ وَرَقَةٍ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ وَالشَّفْرَانِ تُحِيطَانِ بِالْجَمِيعِ فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ وَهِيَ خِتَانُ الْمَرْأَةِ، فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ المرأة مستقل وَتَحْتَهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ، فَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَإِذَا غَابَتْ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَالْمُحَاذَاةُ هِيَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، هذا كلام الغزالي (٤)؛ وقال النووي (٥): إذا أولج ذكره في قبل امرأة أو دبرها أو أو دبر رجل أو خنثى أو صبي أو في قبل بهيمة أو دبرها وجب الغسل بلا

стр. 2762

خلاف، وسواء كان المولج فيه حيًا أو ميتًا أو مجنونًا أو مكرها، ويجب على المولج والمولج فيه المكلفين، وعلى الناسي والمكره؛ وأما الصبي إذا ولج في امرأة أو دبر رجل أو أولج رجل في دبره فيجب الغسل على المرأة والرجل، وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صبي فعليها الغسل، ويصير الصبي في هذه الصور كلها جنبًا، وكذا الصبية إذا أولج فيها رجل أو صبي، وكذا لو أولج صبي في صبي، وسواء في هذا الصبي المميز وغيره، فإذا صار جنبا لا تصح صلاته ما لم يغتسل، وَلَوْ أَوْلَجَ مَجْنُون أَوْ أُولِجَ فِيهِ صَارَ جُنُبًا فَإِذَا أَفَاقَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ (١)؛ لَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ رَجُلٍ وجب الغسل عليه وعليها سواء كان عَالِمًا بِذَلِكَ مُخْتَارًا أَمْ نَائِمًا أَمْ مُكْرَهًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ (٢)، واتفق عليه أصحابه، ولو استدخلت ذكرًا مقطوعًا ففي وجوب الغسل عليها وجهان، ولا حد عليها بلا خلاف؛ وإذا استدخلت ذكر بهيمة لزمها الغسل كما لو أولج في بهيمة، صرح به أبو محمد الجويني وطائفة (٣)، وإذا كان المولج غير مختون فأولج الحشفة لزمهما الغسل بلا خلاف؛ ولو لفَّ على ذكره خرقة وأولجه حيثما غابت الحشفة ولم يُنْزل، ففيه ثلاثة أوجه، أصحهما: يجب الغسل عليهما، لأن الأحكام متعلقة بالإيلاج، وقد حصل؛ والثاني: لا يجب الغسل ولا الوضوء لأنه لم يلمس

стр. 2763

بَشَرَةً، الثالث: إن كانت الخرقة غليظة تمنع اللذة لم يجب وإن كان رقيقة لا تمنعها وجب (١). فال صاحب المهذب (٢): وإن كانت المرأة تغتسل من الحيض استحب لها إن تأخذ فِرْصة من المسك فتتبع بها موضع الدم لحديث عائشة ﵂ فان لم تجد مسكا فطيبا غيره وهذا التطييب متفق على استحبابه. قال البغوي (٣) وآخرون: تَأْخُذُ مِسْكًا فِي خِرْقَةٍ أَوْ صُوفَةٍ أَوْ قُطْنَةٍ وَنَحْوِهَا وَتُدْخِلُهَا فَرْجَهَا وَالنُّفسَاءُ كَالْحَائِضِ فِي هَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وأصحابه قال الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ ولها فإن لم تجد شيئا من الطيب تأخذ طينا أو نحوه لقطع الرائحة الكريهة فالمقصود بذلك تطييب المحل وتستعمل ذلك بعد الغسل لحديث عائشة في ذلك، واتفق العلماء على استحباب ذلك للمتزوجة وغيرها (٤). والعلماء متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سرا هل يكره أو يستحب (٥) اهـ. قال النووي: وَقْتُ نِيَّةِ الْغُسْلِ عِنْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَيُستَحَبُّ اسْتِصْحَابُهَا إلَى الْفَرَاغِ كَالْوُضُوءِ فَإِنْ غَسَلَ

стр. 2764

بَعْضَ الْبَدَنِ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى أَجْزَأَهُ مَا غَسَلَ بَعْدَ النيةِ وَيَجِبُ إعَادَةُ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهَا (١) اهـ. قال في الإلمام: فإذا أراد المغتسل الاغتسال استحب له أن يسمي اللّه تعالى وينوي استباحة الصلاة ويذكر ما قاله العلماء وتكفي النية بالقلب إجماعا (٢) ويشرع الكلام على النية ويغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا للحديث ثم قال: ويبدأ المغتسل بعد غسل يديه خارج الحوض فيتوضأ وضوءه للصلاة ويبالغ في تخليل لحيته (٣) ولو اقتصر على النية وعمم بالماء جسده ورأسه أجزأ بعد أن يتمضمض ويستنشق (٤) قال صاحب المهذب (٥): ولا يجب الترتيب في أعضاء المغتسل ولكن يستحب البداية بالرأس ثم بأعالى البدن وبالشق الأيمن والسنة أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه ويتوضأ وضوء الصلاة غير رجليه ثم يفيض الماء علي رأسه وسائر جسده ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل رجليه إذا كان قدماه في مستنقع الماء وان كان علي حجر أو آجرة فلا يؤخر غسلهما (٦) قال وأدنى ما يكفي من الماء الاغتسال صاع والمتوضئ مد وهذا ليس بتقدير لازم بل إن كفاه أقل من ذلك نقص عنه وإن لم يكف زاد

стр. 2765

عليه بحيث لا إسراف ولا تقتير (١) والمد رطل وثلث بالبغدادي وأكثر ما قيل في وزن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهما (٢) والصاع أربعة أمداد فمن نقص عن ذلك وأسبغ أجزأء ومن لم يكتف بذلك فقد اعتدى وأساء وظلم وللأحاديث في ذلك (٣)، والوضوء سنة في الغسل وليس شرط ولا واجب وبه قال العلماء كافة إلا ما حكى عن أبي ثور وداود الظاهري أنها شرطاه ونقل ابن جرير الإجماع (٤) على أنه لا يجب ودليله أن اللّه تعالى أمر بالغسل ولم يشترط وضوءا، وقوله ﵇ لأم سلمة (٥) يكفيك أن تفيضي عليك الماء (٦) وأما وضوء وضوء النبي ﷺ في غسله محمول على الإستحباب جمعا بين الأدلة. قال صاحب المهذب: وان كانت امرأة تغتسل من جنابة فغسلها كغسل الرجل قال النووي (٧): وقال الإمام أحمد: فإن كانت امرأة قد وجب عليها غسل جنابة أو حيض أو نحوه وهي لا تستطيع الاغتسال في البيت تعين عليها

стр. 2766

الإتيان إلى الحمام ولا تمشي وسط الطريق فقد نهاهن النبي ﷺ عن تحقيق الطريق وإن كن جماعة فلا تمشي الواحدة إلي جانب الأخرى بل تمشي واحده خلف واحدة بسكينة وانضمام من غير إظهار زينة أو طيب أو تبرج ومزاحمة للرجال كما يفعله كثير من نساء زماننا هذا (١) انتهى. فائدة: أجمع العلماء (٢) على أن الحيض يوجب الغسل وكذلك النفاس وذهب الأكثرون إلى أنها إذا انقطع دم الحيض لا يقربها الزوج حتى تغتسل وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا انقطع دمها لأكثر مدة الحيض وهي عشرة أيام عندهم جاز وطئها عملا بقراءة التخفيف وإن انقطع لأقل من عشرة لعادتها لم يجز وطئها إلا حين تأخذ حكما من أحكام الطاهرات كأن تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة (٣) وأجمع العلماء على أن الحيض والنفاس يوجبان الغسل نقله ابن المنذر وابن جرير (٤) وآخرون. ١٠٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فاغتسل الرجل وَغسل رَأسه ثمَّ تطيب من أطيب طيبه وَلبس من صَالح ثِيَابه ثمَّ خرج إِلَى الصَّلاة وَلم يفرق بَين اثْنَيْنِ ثمَّ اسْتمع الإِمَام غفر لَهُ من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة في صَحِيحه (٥).

стр. 2767

قَالَ الْحَافِظ: وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على مَا ذهب إِلَيْهِ مَكْحُول وَمن تَابعه فِي تَفْسِير قَوْله غسل واغتسل وَاللّه أعلم. قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه ثم تطيب من أطيب طيبه". تقدم الكلام على الباقي من الحديث. فرع: قال العلماء يختص بالرجال أما العجوز إذا حضرت الجمعة فلا يستحب لها ذلك بل يكره ويكره لها أيضا لبس الشهرة من الثياب (١). ١٠٥٧ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم وَسوَاك ويمس من الطّيب مَا قدر عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٢). قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام على أبي سعيد. قوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أي بالغ مدرك، ولم يرد الذي احتلم فأجنب، لأن ذلك يجب عليه الغسل جمعة كان أو غيره، وإنما أراد الذي بلغ الحلم (٣). قال العلماء: أما من ذهب إلى وجوبه فاحتج بهذا الحديث وبقوله ﷺ في الحديث الآخر "حَقٌّ الله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا

стр. 2768

يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ" (١). والحديث الآخر: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٢). اختلف العلماء في غسل الجمعة (٣) فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكي عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن مالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك والإمام أحمد في رواية عنه وحكاه شارح غنية شريح عن الشافعي في القديم وأما من ذهب إلى أنه سنة وليس بواجب يُعْصَى بِتَرْكِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا أبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار (٤). وقال القاضي عياض (٥): وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث التي تقدمت، احتج أبو حنيفة والشافعي والجمهور بأحاديث صحيحة منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب فقال عمر: أية ساعةٍ هذِه؟ فقال: ما زدتُ على أن سمعت النداء فتوضأت ثم جئت وقد ترك

стр. 2769

الغسل، وقد ذكره مسلم (١). وهذا الرجل هو عثمان بن عفان كما جاء مبينا في الروايه الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر وحاضروا الجمعة وهم أهل الحل والعقد ولو كان واجبا لما تركه ولألزمه به، ومنها قوله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٢) حديث صحيح في السنن مشهور وفيه دليل على أنه ليس بواجب (٣). قال الأصمعي (٤): معناه فبالسنة أخذ، وقوله: ونعمت يريد ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة ونحو ذلك وإنما ظهرت التاء التي هي من علامة التأنيث لإضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة.

стр. 2770

ومنها قوله ﷺ : "لو اغتسلتم يوم الجمعة" (١). وهذا اللفظ يقتضى على أنه ليس بواجب لأن تقريره أفضل لكان أفضل أو أكمل ونحو هذا من العبارات ولأنه غسل لأمر مستقبل فلم يجب كغسل العيد، وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث (٢). قال الخطابي رحمه اللّه تعالى (٣): قوله: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض واللزوم وإنما شبهه بالواجب تأكيدا كما يقال: فلان يجب علينا رعايته وكما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي وإنما ذكر بهذا اللفظ مبالغة في الاستحباب لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب على تركه (٤) اهـ. ولأن القوم كانوا يلبسون الصوف ويعملون في المهنة وكان المسجد ضيقا متقارب السقف فإذا عرقوا تأذي بعضهم برائحة بعض فنبهم ﷺ إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون ادعى للإجابة (٥)، وكان الحسن يراه لازما

стр. 2771

وحكي ذلك عن مالك (١) يقال وجب الشيء أوجب وجوبا إذا ثبت ولزم والواجب والفرض عند الشافعي سواء وهو كل ما يعاقب على تركه، فرق بينهما أبو حنيفة فالفرض عنده آكد من الواجب (٢) واللّه أعلم. قوله في الحديث: ويعملون في المهنة. قال الأصمعي (٣): المهنة بفتح الميم الخدمة ويقال مهنة بكسر الميم وكان القياس لو قيل مثل جلسة وخدمة إلا أنها جاءت على فعلة واحدة كذا في الفائق (٤) ذكره شارح مشارق الأنوار (٥).

стр. 2772

فصل يذكر فيه الأغسال المسنونة غسل الجمعة تقدم الكلام عليه، وفيمن يسن له أربعة أوجه، الصحيح المنصوص الذي عليه الجمهور أنه مسنون لكل من أراد الجمعة سواء الرجل والمرأة والصبي والمسافر والعبد وغيرهم لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". ولأن المراد النظافة وهم في هذا سواء ولا يسن لمن لا يريد الحضور وان كان من أهل الجمعة لمفهوم الحديث ولانتفاء المقصود والله أعلم (١). اتفق الجمهور على أن غسل الجمعة والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة وفي الآكد منهما قولان، أحدهما: غسل الجمعة لاختلاف العلماء في وجوبه تمسكا بقوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل مسلم" رواه مسلم (٢). وصححه النووي (٣) وهو الذي عليه أكثر الأصحاب أن غسل الجمعة أفضل من غسل غاسل الميت، وإن كان حديث غسل الميت حسَّنه الترمذي (٤).

стр. 2773

وصححه ابن حبان (١)، قال الماوردي (٢): وقد خرج له بعض أصحاب الحديث مائة وعشرين طريقا لصحته، وتظهر فائدة القول فيما لو أوصى بماء لأحوج الناس فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتًا (٣). ا. هـ. فإن عجز عن الماء تيمم كغيره وفيه احتمال لفوات الغرض، وعن الشافعي أنه قال (٤): ما تركته حضرا ولا سفرا ولو أن الشربة بدينار ويدخل وقت الغسل للجمعة بطلوع الفجر بخلاف غسل العيد فإنه يدخل بانتصاف الليل، والفرق أن العيد يفعل أول اليوم بخلاف الجمعة وكلما بعد العهد عادت الرائحة والأفضل أن يغسل للجمعة عند الرواح أي وقت كان، واشترط مالك الاتصال بين الغدو والرواح (٥). والثاني: الغسل من غسل الميت وصححه الرافعي لاختلاف قول الشافعي في وجوبه بخلاف غسل الجمعة فإنه لم يختلف في وجوبه (٦).

стр. 2774

ومنها: غسل العيدين، ويسن الغسل للعيدين اتفاقًا سواء الرجال والنساء والصبيان. ومنها: غسل الكسوفين ومن المسنون الغسل لصلاة الخسوف وكسوف الشمس. ومنها: غسل الاستسقاء لأنها أماكن يشرع فيها الإجتماع فسن فيها الغسل كغسل الجمعة (١). والغسل من غسل الميت لقوله ﷺ : "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ" رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (٢) لأنه ربما يلحقه رشاش الماء المغسول به الميت من موضع فيه النجاسة، أو ربما يعرق لخوفه ودهشة فيستحب له الغسل لإزالة العرق والنجاسة. فإن قلت: الغسل لإزالة النجاسة واجب؟ قلت: نعم، حيث تحقق النجاسة أما للاحتياط فلا يجب بل يستحب (٣) واللّه أعلم. ومنها: غسل الكافر إذا أسلم، أي: بعد أن أسلم تعظيما للإسلام، روي أنه ﷺ أمر قيس بن عاصم بن أثال أن يغتسل لما أسلم ولم يوجبه لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم به، ولأن الإسلام توبة من معصية فلم يجب لها غسل كسائر المعاصي. ويستحب أن يغتسل بعد حلق رأسه لقوله ﷺ : "ألق عنك شعر الكفر" (٤)، هذا إذا لم يكن أجنب في حال كفره، فإن أجنب

стр. 2775

فالأصح وجوب الاغتسال سواء اغتسل في حال الكفر أو لم يغتسل (١). تنبيه: اختلف العلماء في إيجاب الغسل على من أسلم، فقال مالك وأحمد في المشهور عنه: يجب، وقال أبو حنيفة: هو مستحب إلا أن يكون جنبا فيجب، وقال الشافعي في الأم: إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق رأسه للحديث المتقدم (٢). ومنها: غسل المجنون إذا أفاق إن لم يتحقق الإنزال وكذا المغمى عليه، وأصله أنه ﷺ كان يغشى عليه في مرضه، فإذا أفاق اغتسل، وإذا شرع في الإغماء ففي الجنون أولى؛ قال الشافعي ﵀: قل ما جن إنسان إلا أنزل (٣). ومنها: الغسل للإحرام سواء كان لحج أو عمرة لأنه ﵇ اغتسل لإحرامه. ومنها: الغسل لدخول مكة أي: ولو كان حلالا للإتباع وكذلك لدخول المدينة أيضًا، قال ابن الملقن: كما رأيته في كتاب "الْأَقْسَام والخصال" لأبي بكر الْخفاف من قدماء أَصْحَابنَا الشافعية (٤)، وفيه: أنه يستحب لدخول الحرم أيضًا. ومنها: الغسل للوقوف بعرفة ومزدلفة بالمشعر الحرام لا للمبيت بها. ومنها: الغسل للرمي، أي: للجمرات الثلاث في أيام التشريق، كل يوم غسلا فيكون له ثلاثة أغسال ولا يستحب لرمي جمرة العقبة لقرب غسله

стр. 2776

للوقوف بمزدلفة، ومنها: الغسل للطواف، أي: طواف الركن كذا قيده في الكفاية، وللطواف بالبيت، نص الشافعي على هذه الأغسال في الأم، وأضاف إليها في القديم: الغسل لطوافي الزيارة والوداع (١)، أ. هـ. وأما مذهب الحنفية في الأغسال المسنونة فالغسل للجمعة والعيدين والإحرام وعرفة وندب الاغتسال لدخول مكة والوقوف بالمزدلفة ودخول المدينة والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ بالسن، نص عليه في الغاية شرح الهداية لقاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي (٢). فائدة: إذا أراد الاغتسال للمسنونات نوى أسبابها إلا الاغتسال من الجنون، فإنه ينوي به الجناية، وكذا المغمى عليه، نقله صاحب المذاكرة عن صاحب الفروع، وفيه نظر. فرع غريب: ثقل في البحر (٣) عن المزني في المنشور أن طهارة الصبي ناقصة حتى إذا بلغ لزمه إعادة الوضوء والغسل، واللّه أعلم، ذكره في حادي النبيه على التنبيه. فرع: غسل الجمعة وقته من طلوع الفجر، فإن اغتسل له قبل طلوع الفجر لم يصح بخلاف غسل العيدين، فإنه يصح قبل طلوع الفجر وتقدم ذلك، والله أعلم.

стр. 2777

فرع: هل يكره ترك غسل الجمعة؟ فيه وجهان حكاهما ابن التلمساني وصحح الكراهة وهو ما أورده القاضي حسين، وحكاه الإمام عن الصيدلاني، قال الإمام: وهو عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصود. أفرع: هل يختص استحباب الغسل بمن يحضر الجمعة ويكون الغسل للصلاة أو يندب لكل أهل وإن لم يحضر ويكون لليوم كالعيدين، وجهان أصحهما الأول لأنه روي أنه ﷺ قال "الغسل يوم الجمعة على من شهد الجمعة" (١) وتقدم ذلك. ويشهد للثاني خبر عائشة ﵂ الذي رواه مسلم أنها قالت: كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء قد يصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح فأتي رسول اللّه ﷺ إنسان منهم وهو عنده فقال النبي ﷺ "لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا" (٢). لو على الأول يسن لكل حاضر وإن لم يكن تلزمه الجمعة، وعلى الثاني يندب لكل أحد، وقيل لمن لم يحضر وإذا كان من أهلها ولكنه حبسه العذر يندب له وإلا فلا واللّه أعلم. ذكر هذا الفرع والذي قبله ابن النقيب في مختصر الكفاية. قوله ﷺ في حديث أبي سعيد "وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ" (٣)

стр. 2778

معناه: ويُسن له سواك قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به والتسوك فعلك بالمسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكا، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب كتب ثم قيل: أن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب العفرة وغيرها عنها واللّه أعلم. ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتبر به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن داود الظاهر أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون وإسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم. وقاله النووي (١) وتقدم الكلام على السواك في بابه مبسوطًا. قوله ﷺ : "ويسن من الطيب ما قدروا عليه" معناه ويسن له مس الطيب، وقوله: "ما قدر عليه" قال القاضي عياض (٢): مُحْتَمِلٌ لِتكثِيرِهِ وَمُحْتَمِلٌ لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2779

١٠٥٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن هَذَا يَوْم عيد جعله اللّه للْمُسلمين فَمن جَاءَ الْجُمُعَة فليغتسل وَإِن كانَ عِنْده طيب فليمس مِنْهُ وَعَلَيْكُم بِالسِّوَاكِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (١). وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تدل لهَذَا الْبَاب فِيمَا يَأْتِي من الأبْوَاب إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى. قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ في يوم الجمعة: "إن هذا يوم عيد جعله اللّه للمسلمين" تقدم الكلام على معنى العيد في أقوال العلماء - رضى اللّه عنهم -. قوله ﷺ : "فمن جاء يوم الجمعة فليغتسل وإن كان طيب فليمس منه وعليكم بالسواك" الحديث. تقدم الكلام على الغسل وعلى الطيب وعلى السواك في الأحاديث المتقدمة واللّه أعلم.

стр. 2780

الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير لغير عذر ١٠٥٩ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة ثمَّ رَاح فِي السَّاعَة الأولى فَكَأنَّمَا قرب بَدَنَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأنَّمَا قرب كبْشًا أقرن وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأنَّمَا قرب بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). ١٠٦٠ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه: "إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وقفت الْمَلَاِئكَة على بَاب الْمَسْجِد يَكْتُبُونَ الأول فَالأول وَمثل المهجر كَمثل الَّذِي يهدي بَدَنَة ثمَّ كَالَّذي يهدي بقرة ثمَّ كَبْشًا ثمَّ دجَاجَة ثمَّ بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام طَوَوْا صُحُفهمْ يَسْتَمِعُون الذّكر" وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (٢). ١٠٦١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: "المستعجل إِلَى الْجُمُعَة كالمهدي بَدَنَة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي بقرة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي شَاة وَالَّذِي

стр. 2781

يَلِيهِ كالمهدي طيرًا" (١). وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: "على كل بَاب من أَبْوَاب الْمَسَاجِد يَوْم الْجُمُعَة ملكان يكتبان الأول فَالأول كَرجل قدم بَدَنَة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شَاة وكرجل قدم طيرا وكرجل قدم بَيْضَة فَإِذا قعد الإِمَام طويت الصُّحُف" (٢). "المهجر": هُوَ المبكر الْآتِي فِي أول سَاعَة. قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته مبسوطًا. قوله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة" الحديث معناه: والله أعلم غسلا كغسل الجنابة في الصفات وإنما قال ذلك لئلا يتساهل فيه ولا تكمل آدابه ومندوباته، لكنه سنة وليس بواجب هذا هو المشهور في معناه ولم يذكر جمهور العلماء غيره، قال النووي (٣): وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه المراد غسل الجنابة حقيقة قالوا ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره واسكن لنفسه وهذا ضعيف أو باطل والصواب ما قدمناه. قوله ﷺ : "ثم راح في الساعة الأولى" اختلف العلماء في المراد بالرواح من قوله ﷺ : "من راح في الساعة الأولى" فقيل المراد بالرواح الذهاب من أول النهار والساعات محسوبة من ذلك وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفه بعد الزوال، والرواح عندهم بعد الزوال وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ
следующие страницы →