← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2777–2816 · переход к 2782.

стр. 2777

فرع: هل يكره ترك غسل الجمعة؟ فيه وجهان حكاهما ابن التلمساني وصحح الكراهة وهو ما أورده القاضي حسين، وحكاه الإمام عن الصيدلاني، قال الإمام: وهو عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصود. أفرع: هل يختص استحباب الغسل بمن يحضر الجمعة ويكون الغسل للصلاة أو يندب لكل أهل وإن لم يحضر ويكون لليوم كالعيدين، وجهان أصحهما الأول لأنه روي أنه ﷺ قال "الغسل يوم الجمعة على من شهد الجمعة" (١) وتقدم ذلك. ويشهد للثاني خبر عائشة ﵂ الذي رواه مسلم أنها قالت: كان الناس يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء قد يصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح فأتي رسول اللّه ﷺ إنسان منهم وهو عنده فقال النبي ﷺ "لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا" (٢). لو على الأول يسن لكل حاضر وإن لم يكن تلزمه الجمعة، وعلى الثاني يندب لكل أحد، وقيل لمن لم يحضر وإذا كان من أهلها ولكنه حبسه العذر يندب له وإلا فلا واللّه أعلم. ذكر هذا الفرع والذي قبله ابن النقيب في مختصر الكفاية. قوله ﷺ في حديث أبي سعيد "وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ" (٣)

стр. 2778

معناه: ويُسن له سواك قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به والتسوك فعلك بالمسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكا، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب كتب ثم قيل: أن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب العفرة وغيرها عنها واللّه أعلم. ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتبر به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن داود الظاهر أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون وإسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم. وقاله النووي (١) وتقدم الكلام على السواك في بابه مبسوطًا. قوله ﷺ : "ويسن من الطيب ما قدروا عليه" معناه ويسن له مس الطيب، وقوله: "ما قدر عليه" قال القاضي عياض (٢): مُحْتَمِلٌ لِتكثِيرِهِ وَمُحْتَمِلٌ لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَأَبَاحَهُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2779

١٠٥٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن هَذَا يَوْم عيد جعله اللّه للْمُسلمين فَمن جَاءَ الْجُمُعَة فليغتسل وَإِن كانَ عِنْده طيب فليمس مِنْهُ وَعَلَيْكُم بِالسِّوَاكِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (١). وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تدل لهَذَا الْبَاب فِيمَا يَأْتِي من الأبْوَاب إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى. قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ في يوم الجمعة: "إن هذا يوم عيد جعله اللّه للمسلمين" تقدم الكلام على معنى العيد في أقوال العلماء - رضى اللّه عنهم -. قوله ﷺ : "فمن جاء يوم الجمعة فليغتسل وإن كان طيب فليمس منه وعليكم بالسواك" الحديث. تقدم الكلام على الغسل وعلى الطيب وعلى السواك في الأحاديث المتقدمة واللّه أعلم.

стр. 2780

الترغيب في التبكير إلى الجمعة وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير لغير عذر ١٠٥٩ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة غسل الْجَنَابَة ثمَّ رَاح فِي السَّاعَة الأولى فَكَأنَّمَا قرب بَدَنَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّالِثَة فَكَأنَّمَا قرب كبْشًا أقرن وَمن رَاح فِي السَّاعَة الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة وَمن رَاح فِي السَّاعَة الْخَامِسَة فَكَأنَّمَا قرب بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكر رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). ١٠٦٠ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه: "إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وقفت الْمَلَاِئكَة على بَاب الْمَسْجِد يَكْتُبُونَ الأول فَالأول وَمثل المهجر كَمثل الَّذِي يهدي بَدَنَة ثمَّ كَالَّذي يهدي بقرة ثمَّ كَبْشًا ثمَّ دجَاجَة ثمَّ بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام طَوَوْا صُحُفهمْ يَسْتَمِعُون الذّكر" وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (٢). ١٠٦١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ: "المستعجل إِلَى الْجُمُعَة كالمهدي بَدَنَة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي بقرة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي شَاة وَالَّذِي

стр. 2781

يَلِيهِ كالمهدي طيرًا" (١). وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: "على كل بَاب من أَبْوَاب الْمَسَاجِد يَوْم الْجُمُعَة ملكان يكتبان الأول فَالأول كَرجل قدم بَدَنَة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شَاة وكرجل قدم طيرا وكرجل قدم بَيْضَة فَإِذا قعد الإِمَام طويت الصُّحُف" (٢). "المهجر": هُوَ المبكر الْآتِي فِي أول سَاعَة. قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته مبسوطًا. قوله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة" الحديث معناه: والله أعلم غسلا كغسل الجنابة في الصفات وإنما قال ذلك لئلا يتساهل فيه ولا تكمل آدابه ومندوباته، لكنه سنة وليس بواجب هذا هو المشهور في معناه ولم يذكر جمهور العلماء غيره، قال النووي (٣): وقال بعض أصحابنا في كتب الفقه المراد غسل الجنابة حقيقة قالوا ويستحب له مواقعة زوجته ليكون أغض لبصره واسكن لنفسه وهذا ضعيف أو باطل والصواب ما قدمناه. قوله ﷺ : "ثم راح في الساعة الأولى" اختلف العلماء في المراد بالرواح من قوله ﷺ : "من راح في الساعة الأولى" فقيل المراد بالرواح الذهاب من أول النهار والساعات محسوبة من ذلك وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفه بعد الزوال، والرواح عندهم بعد الزوال وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ

стр. 2782

فِي اللُّغَةِ وحجة مالك أن التبكير لا يكون إلا بعد الزوال لأنه مقابل للغدو وأنكر مالك التبكير إليها من أول النهار، وقال لم ندرك عليه أهل المدينة (١)، ومذهب أحمد وأبي حنيفة والشافعي وجماهير أصحابه وابن حبيب المالكي وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وأخره، يقال: راح القوم وتروحوا إذا ساروا أي وقت كان، وقال الأزهري (٢): لغة العرب أن الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو في الليل وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث، والمعنى لأن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة الأولى وهو كالمهدي بدنة ثم من جاء في الساعة الثانية كالمهدي بقرة ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة، هذا المذكور من أن الساعات الخمس هو المشهور في كتب الحديث، وفي رواية النسائي (٣) ست ساعات فإذا خرج الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك أحداٍ، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وهو بعد انقضاء الساعة السادسة، فدل على أنه لا شئ من الهُدى ولا من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضل السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء

стр. 2783

يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد النداء (١) والله أعلم. قال: النووي (٢) واختلف أصحابنا هل تعتبر الساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ والأصح عندهم من طلوع الفجر (٣) لأنه أول النهار في عرف الشرع عندنا (٤)، وقال في مختصر الكفاية: أولها من طلوع الشمس، فلذلك ندب التبكير منه وهو وجه في المسألة ليكون ما قيل ذلك للغسل والتأهب (٥) وقيل ليس المراد بالساعات الأربع والعشرين لأنها تنقص في الشتاء وتزيد في الصيف، فلو قلنا بذلك كانت الجمعة في الشتاء عند العصر لأنه ﷺ عدَّ خمس ساعات وجعل السادسة وقتها للجمعة بل المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه لئلا يستوي من جاء في طرفي ساعة، بهذا جزم الرافعي وتبعه في الروضة (٦). وقال النووي في شرح مسلم (٧): والأصح أن الساعة معتبره من طلوع الفجر ثم إن من جاء في أول ساعة من

стр. 2784

هذه الساعات، ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة، وبدنة المتوسط متوسطة، وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجه، ومعلوم أن الجماعة تطلق على الإثنين وعلى ألوف، فمن صلى في جماعة هم عشرة ألوف له سبع وعشرون درجة، ومن صلى مع إثنين له سبع وعشرون درجه، لكن درجات الأول أكمل وأشباه هذا كثيرة معروفة، وفيما ذكرته جواب عن اعتراض ذكره القاضي عياض (١) والله أعلم، ا. هـ. وقال في مختصر الكفاية (٢): أن من قرب بقرة لا يساويه في الفضيلة من قرب بقرة دونها وان استويا في أصل البقرة، كمن أتى بالصلاة مستوفية السثن واقتصر آخر على الإتيان بفرضها، فلا يبعد أن يسوي الشرع بينهما في أصل الفضل إذا حضر في ساعة ويزيد فضل المتقدم (٣) ا. هـ. وهذا هو الذي اختاره النووي في شرح المهذب (٤) في معنى الحديث ا. هـ.

стр. 2785

وقال أبو طالب المكي في كتابه "قوت القلوب" (١): الساعة الأولى من صلاة الصبح، والثانية عند ارتفاع الشمس، والثالثة عند انبساطها، وهو الضحى الأعلى إذا رمضت الأقدام بحر الشمس، والرابعة قبل الزوال، والخامسة إذا زالت الشمس أو مع استوائها، ولا فضل لمن أتى بعد الساعة الخامسة إلا فضيلة صلاة الجمعة. قوله ﷺ : "فكأنما قرب بدنة" أتى تعرف بها وقال في النهاية (٢) أي كأنما أهدى ذلك إلى الله تعالى، كما تهدى القربات إلى بيت الله الحرام، والبدنة: قال جمهور أهل اللغة وجماعة من الفقهاء يقع على الواحدة من الإبل والبقر وسميت بذلك لعظم بدانتها (٣)، وهي الضخامة لأنها تبدن أي تسمن (٤). وخصها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق لتصريح الحديث بذلك، والبدنة والبقرة تقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم (٥) وشرطها أن تكون في سن الأضحية عند الفقهاء واللغويين. وجمع البدنة بدن وقال الله تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي من أعلام دين الله لكم (٦) فيها فيها خير، قال ابن عباس: "نفع في الدنيا و أجر في الآخرة" (٧).

стр. 2786

قوله ﷺ : "ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" أي تصدق بها والبقرة تقع على الذكر والأنثى (١). بالاتفاق كما تقدم. فائدة: قال في شرح الإلمام: وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا، و اختلفوا في الأضحية فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور كذلك، ثم البقر ثم الغنم لهذا، ومذهب الإمام مالك أن الأفضل فيها الغنم ثم البقر ثم الإبل (٢) نظرا إلى طيب اللحم (٣) ولأن النبي ﷺ ضحى بكبشين (٤)، قلنا قلنا طيب اللحم لا يوازي الكثرة وعموم النفع، وأما الضحية بكبشين فبحسب ما وجد أو لتبيين الجواز، وقد ضحى النبي ﷺ عن نسائه بالبقر (٥) قالوا: لا نسلم فإنما هو هدي وأطلق الراوي عليه التضحية لشبهها به، ولان ذلك في منى ولا ضحية على الحاج قلنا: لا نسلم بل أكثر أهل العلم على أنهم يضحون والهدي اسم له يجمعه ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند التعذر والله

стр. 2787

أعلم. وأيضًا فما يجزئ عن سبعة كيف لا يكون أفضل مما يقع عن واحدة لا غير وفيه فضيلة الهدايا والقربات والصدقات وأن المراد بالإهداء هنا الصدقة والتقرب. واعلم أن الهدي المطلق يقع على الإبل والبقر والغنم ويجوز إطلاقه على سواها بقيد وقرينة والله أعلم ا. هـ. وَسُمِّيَتْ بَقَرَةٌ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ وَالْبَقْرُ بإسكان القاف الشَّقُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَقَرَ بَطْنَهُ وَمِنْهُ سُمِّيَ مُحَمَّد الْبَاقِرُ ﵁: لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ وَدَخَلَ فِيهِ مَدْخَلًا بَلِيغًا وَوَصَلَ مِنْهُ غَايَةً مَرْضِيَّةً (١) ومنه أيضا حديث عمر ﵁ "اتَّقُوا اللهَ فِي الْفَلَّاحِينَ" (٢) يَعْنِي الزَّرَّاعين الَّذِينَ يَفْلَحونَ الأَرض أَي يشقونها (٣) ا. هـ قوله ﷺ : "ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن" الحديث، وصف الكبش بأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة وأن قرنه ينتفع به، والكبش الأقرن هو الذي التقى طرفا قرنيه من العظم (٤).

стр. 2788

قوله: ﷺ "ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة" أي تصدق بها، والدجاجة مثلثة الدال حكاه ابن معين الدمشقي، وابن مالك وغيرهما، الواحدة دجاجة، الذكر والأنثى فيه سواء سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها وإدبارها يقال: دَجَّ القَوْمُ يَدِجُّونَ دَجًّا ودَجِيجًا ودَجَجانًا: مَشَوْا مَشْيًا رُوَيْدًا فِي تَقارُبِ خَطْوٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُقْبِلُوا وَيُدْبِرُوا (١) والله أعلم. أعجوبة ومن عجب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها ابن أوى وهي على سطح رمت نفسها إليه وتوصف بقلة النوم وسرعة الانتباه، ويقال أن نومها واستيقاظها، وإنما هو بمقدار خروج النفس ورجوعه، ويقال: إنها تفعل ذلك من شدة الجبن وأكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الأرض بل ترتفع على رف أو جزع أو جدار أوما قارب ذلك. وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها والله أعلم قاله في حياة الحيوان (٢). قوله ﷺ : "ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" والدجاجة والبيضة ليستا من الهدي وإنما هو من الإبل والبقر وفي الغنم خلاف (٣) فهو محمول على حكم ما تقدم من الكلام لأنه لما قال أهدى بدنة وأهدى بقرة وشاة أتبعه الدجاجة والبيضة كما تقول: أكلت طعامًا وشرابًا والأكل يختص

стр. 2789

بالطعام دون الشراب ومثله قول الشاعر: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا. والتقليد بالسيف دون الرمح ا. هـ. قاله في النهاية (١). لطيفة عجيبة: حكى ابن خلكان (٢) في ترجمة الهيثم بن علي أن رجلا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية فجاءه سائل فرده خائبا وكان الرجل مترفًا فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله، وتزوجت امرأته، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل له فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة، فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول فأخبرته بالقصة، فقال الزوج الثاني وأنا والله ذلك المسكين الأول، خولني الله نعمته وأهله لقلة شكره ا. هـ، قاله في حياة الحيوان (٣). قوله ﷺ : "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" الحديث حضرت بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان (٤)، الفتح أفصح وأشهر وبه جاء القرآن العزيز قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (٥) الآية، وقالوا: المراد بهؤلاء الملائكة هنا هم غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضر الجمعة، قوله: "يستمعون الذكر" المراد بالذكر هنا: الخطبة، قوله: في الرواية الأخرى "ومثل

стр. 2790

المهجر" الحديث. المهجر: هو المبكر الآتي في أول ساعة (١) ا. هـ. قاله الحافظ (٢). وقال الخليل بن أحمد (٣) وغيره من أهل اللغة وغيرهم: التهجير التبكير ومنه الحديث: "لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" أي التبكير إلى كل صلاة هكذا فسروه، قال القاضي (٤): وقال الحربي عن أبي زيد عن الفراء وغيره: التهجير السير في الهاجرة، والصحيح هنا أن التهجير التبكير (٥). قوله في الحديث: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" وفي الرواية الأخرى: "فإذا جلس الإمام طووا الصحف" (٦) ولا تعارض بينهما بل ظاهر الحديثين أن بخروج الإمام يحضرون ولا يطوون الصحف فإذا جلس على المنبر طووها أي ولم يكتبوا بعد ذلك أحدا، وهذا يقوي ما قيل بأن الإمام يخرج في أول السابعة متصلا بالزوال وهم لا يكتبون أحدا حينئذ فكيف يقال أنها من الزوال وأيضا فإنه يحرم التخلف بعد النداء. وفي هذا الحديث الحث على التبكير إلى الجمعة، وإلى كل عبادة وفضيلة بالسبق إليها (٧) ا. هـ. قاله في شرح الإلمام.

стр. 2791

وفي الحديث: استحباب الجلوس للخطيب أول صعوده حتى يؤذن المؤذن وهو مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية عنه أنه لا يستحب، ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح، والدليل على أنه ليس بواجب أنه ليس من الخطبة (١) ا. هـ. أما فقه حديث الجمعة: ففيه الحث على التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قول الله [إن أكرمكم عند الله أتقاكم]، وفيه أن القربات، والصدقة تقع على القليل والكثير، وقد جاء في رواية النسائي (٢): بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضه، وفي رواية له: بعد الكبش دجاجة ثم عصفور ثم بيضة (٣)، وإسناد الروايتين صحيحان قاله النووي في شرح مسلم (٤)، وفيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقر لأن النبي ﷺ قدم الإبل وقد جعل البقر في الدرجة الثانية، وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا. قوله في الرواية الأخرى: "وعلى كل باب من أبواب المساجد ملكان

стр. 2792

يكتبان الأول فالأول" الحديث. الأول فالأول: بفتح الهمزة وتشديد الواو وظاهره أن الأول يستدعى ثانيا، فيه خلاف وينبني عليه ما لو قال: أول من يفعل كذا فهو جزاؤه فله درهم ففعله واحد ولم يفعله بعده أحد، هل يستحق أم لا؟ الراجح الأول وسمي الثاني أولا باعتبار الثالث، والثالث باعتبار الرابع، والمراد السابق، فتسمية الثاني سابقا باعتبار ما بعده صحيح، وتسميته الأول مجاز بهذا المعنى ا. هـ، قاله شارح الإلمام. ١٠٦٢ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ ضرب مثل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ التبكير كَأَجر الْبَقَرَة كَأَجر الشَّاة حَتَّى ذكر الدَّجَاجَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن سمرة بن جندب الصحابي (٢)، وجندب بضم الدال، وفتحها، هو أبو سعيد، ويقال أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، وأبو سليمان، وأبو محمد سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بحاء مهملة مفتوحة، ثم راء مكسورة، ثم مثناه تحت، ثم جيم، بن مرة بن عمرو بن جابر بن خشين بخاء مضمومة وشين معجمتين ابن غطفان الفزارى توفي أبوه وهو صغير فقدمت أمه المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره، حتى كبر قيل أجازه النبي ﷺ في المقاتلة يوم أحد وغزا مع النبي ﷺ غزوات ثم سكن البصرة، وكان زياد

стр. 2793

يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، ويسخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة، وكان في كل واحدة منهما ستة أشهر وكان شديدا على الخوارج روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بحديثيين، ومسلم بأربعة توفي ﵁: بالبصرة سنة تسع وقيل ثمان وخمسين، وقال البخاري (١) توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال آخر سنة تسع وخمسين، ويقال سنة ستين، وفي صحيح البخاري ومسلم عن سمرة، قال: لقد كنت على عهد رسول ﷺ غلاما فكنت أحفظ عنه فما منعني من القول إلا أن هنا رجالا هم أسن مني (٢). ذكره النووي في تهذيب الأسماء (٣). قوله: أن رسول الله ﷺ ضرب مثل الجمعة "ثم التبكير كأجر البقرة كأجر الشاة" الحديث تقدم معناه في الحديث قبله. ١٠٦٣ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تقعد الْمَلَائِكَة يَوْم الْجُمُعَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد مَعَهم الصُّحُف يَكْتبونَ النَّاس فَإِذا خرج الإِمَام طويت الصُّحُف قلت يَا أَبَا أُمَامَة لَيْسَ لمن جَاءَ بعد خُرُوج الإِمَام جُمُعَة قَالَ بلَى وَلَكِن لَيْسَ مِمَّن يكْتب فِي الصُّحُف رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده مبارك بن فضَالة (٤).

стр. 2794

١٠٦٤ - وَفِي رِوَايَة لأحمد ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول تقعد الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد فيكتبون الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث حَتَّى إِذا خرج الإِمَام رفعت الصُّحُف ورواة هَذَا ثِقَات (١). قوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة. قوله ﷺ : "تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم الصحف يكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف "ويسن التبكير إلى الجمعة أي من المأمومين لقول الله تعالى [يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون] ولقوله ﷺ في الحديث الآخر "على كل باب من أبواب المسجد ملائكة الأول فالأول" (٢)، وذكر حجة الإسلام الغزالي في الإحياء (٣) أنه قيل أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة، وأن الناس في القرن الأول كانوا يمشون سحرا، والطرقات مملوه بالناس، وبالسُروج كأيام الأعياد ا. هـ. وتقدم الكلام على الملائكة أنهم غير الحفظة. ١٠٦٥ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁: قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة خرجت الشَّيَاطِين يريثون النَّاس إِلَى أسواقهم وتقعد الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد

стр. 2795

يَكْتُبُونَ النَّاس على قدر مَنَازِلهمْ السَّابِق وَالْمُصَلي وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى يخرج الإِمَام فَمن دنا من الإِمَام فأنصت واستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفلان من الأجر وَمن نأى فاستمع وأنصت وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفل من الأجر وَمن دنا من الإِمَام فلغا وَلم ينصت وَلم يستمع كَانَ عَلَيْهِ كفلان من الْوزر وَمن قَالَ صه فقد تكلم وَمن تكلم فَلَا جُمُعَة لَهُ ثمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعت نَبِيَّكُم ﷺ يَقُول رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه (١). وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه: إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة غَدَتْ الشَّيَاطِين براياتها إِلَى الأسْوَاق فيرمون النَّاس بالترابيث أَو الربايث ويثبطونهم عَن الْجُمُعَة وتغدو الْمَلَائِكَة فَيَجْلِسُونَ على أَبْوَاب الْمَسَاجِد ويكتبون الرجل من سَاعَة وَالرجل من ساعتين حَتَّى يخرج الإِمَام فَإِذا جلس مَجْلِسا يستمكن فِيهِ من الاسْتِمَاع وَالنَّظَر فأنصت وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفلان من الأجر فَإِن نأى حَيْثُ لا يسمع فأنصت وَلم يلغ كَانَ لَهُ كفل من الأجر فَإِن جلس مَجْلِسا لا يستمكن فِيهِ من الاسْتِمَاع وَالنَّظَر فلغا وَلم ينصت كَانَ لَهُ كفلان من وزر فَإِن جلس مَجْلِسا يستمكن فِيهِ من الاسْتِمَاع وَالنَّظَر ولغا وَلم ينصت كَانَ لَهُ كفل من وزر قَالَ وَمن قَالَ لصَاحبه يَوْم الْجُمُعَة أنصت فقد لَغَا وَمن لَغَا لَيْسَ لَهُ فِي جمعته شَيْء ثمَّ قَالَ فِي آخر ذَلِك سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك (٢).

стр. 2796

قَالَ الْحَافِظ: وَفِي إسنادهما راو لم يسم. "الربايث": بالراء وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف وياء مثناة تَحت بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة جمع ربيثة وَهِي الأمر الَّذِي يحبس الْمَرْء عَن مقْصده ويثبطه عَنهُ وَمَعْنَاهُ أَن الشَّيَاطِين تشغلهم وتقعدهم عَن السَّعْي إِلَى الْجُمُعَة إِلَى أَن تمْضِي الأوْقَات الفاضلة. قَالَ الْخطابِيّ: الترابيث لَيْسَ بِشَيْء إِنَّمَا هُوَ الربايث. وَقَوله: "فيرمون النَّاس" إِنَّمَا هُوَ فيريثون النَّاس قَالَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ لنا فِي غير هَذَا الحَدِيث. قَالَ الْحَافِظ: يُشِير إِلَى لفظ رِوَايَة أَحْمد الْمَذْكُورَة. وَقَوله: "صه": بِسُكُون الْهَاء وتكسر منونة وَهِي كلمة زجر للمتكلم أَي اسْكُتْ والكفل بِكَسْر الْكَاف هُوَ النَّصِيب من الْأجر أَو الْوزر. قوله: وعن علي بن أبي طالب هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المكي المدني الكوفي أمير المؤمنين ابن عم رسول الله ﷺ ، واسم أبي طالب عبد مناف هذا المشهور، وقيل اسمه كنيته، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ، وصلى عليها رسول الله ﷺ ونزل في قبرها كنية علي ﵁، أبو الحسن وكناه رسول الله ﷺ أبا تراب فكان أحب ما ينادى به إليه وهو أخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين وأول خليفة من بني هاشم وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفى رسول الله ﷺ وهو

стр. 2797

عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، وأحد السابقين إلى الإسلام وقد اختلف العلماء في أول من أسلم من الأمة فقيل خديجة، قال وإنما الخلاف في الأول بعدها قال العلماء، الأورع أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال، وأما زهده ﵁ فهو من الأمر المشهور والتي اشترك في معرفتها الخاص والعام، وأما ما روي في مسند الإمام أحمد بن حنبل (١)، وغيره أنه قال: لقد رأيتني وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقتي لتبلغ في اليوم أربعة الأف دينار، وفي رواية أخرى: أربعين ألف دينار، فقال العلماء: لم يرد به زكاة مال يملكه، وإنما أراد الوقوف [جمع وقف] التي تصدق بها وجعلها صدقة جارية وكان من قبلها يبلغ هذا القدر، قالوا: ولم يدخر قط مالا يقارب هذا المبلغ، ولم يترك حين توفي إلا ستمائة درهم. روى عن سفيان بن عيينة قال: ما بنى علي لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، وروي أنه كان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم. وأما الأحاديث الواردة في الصحيح فكثيرة في فضل علي ﵁ وعن ابن عمر ﵁، قال: "آخَى رسول الله ﷺ بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه، فقال يا رسول الله أنت أخي في الدنيا والآخرة" رواه الترمذي (٢)، وعن أم

стр. 2798

عطية ﵁: قالت: "بعث النبي ﷺ جيشا فيهم علي فسمعت النبي ﷺ وهو رافع يديه يقول اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا" رواه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن، وكذلك الحديث الذي قبله، وعن أبي زر بن حبيش صاحب علي قال: قال علي: "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: "أَنْ لا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِن، وَلا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ " رواه مسلم (٢)، وأحوال علي وفضائله في كل شيء مشهورة غير منحصرة، ولي الخلافة خمس سنين، وقيل إلا شهرا بويع بالخلافة في مسجد رسول الله ﷺ بعد قتل عثمان لكونه أفضل الصحابة حينئذ، وذلك في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ذكره النووي في تهذيب الأسماء (٣). قوله: إذا كان يوم الجمعة خرجت الشياطين يريثون النَّاس إِلَى أسواقهم الحديث، قد ضبطه الحافظ (أي المنذري) وفسره. قوله: فمن دنا من الإمام أي قرب روى أبو داود في سننه (٤) أنه ﷺ قال: "أحضروا الذكر وأدنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في

стр. 2799

الجنة وإن دخلها". وفي القرب من الإمام أربع فوائد: فضل الصف الأول، واستماع الخطبة، واستماع قراءته في الصلاة، ومجالسة الملائكة فإنهم يحضرون عند المنبر يستمعون الخطبة. قوله "فأنصت واستمع ولم يلغ" تقدم معنى الإنصات والاستماع في أول الحديث في أول باب الجمعة، ومعنى "لم يلغ" فيما لا يعنيه بكلام ليس فيه خير لأن الكلام في وقت الخطبة لغو بدليل قوله ﷺ "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت". فائدة: في الجمعة ثلاث خصال، الأولى: فيه ساعة لا يوافقها سائل إلا أعطاه الله مسألته، الثانية: من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى كالمتصدق ببدنة، الثالثة: أن من حضر الجمعة واستمع لها وترك اللغو رُحِم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (١) والمراد بالقرآن الخطبة، سميت قرآنا لأنه يتلى فيها القرآن، وتقدم ذلك. قوله: كان له كفل من الأجر وقد فسره الحافظ (٢) فقال: هو النصيب من الأجر والوزر. قوله: ومن نأى، أي بعد، قوله: ومن قال صه فقد تكلم، قد ضبط الحافظ هذه الكلمة وفسرها فقال هي كلمة زجر للمتكلم معناها اسكت ا. هـ.

стр. 2800

وقال في النهاية (١): صه كلمة زجر يقال عند الإسكات وتكون للواحد، وللاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بمعنى اسكت، وهي من أسماء الأفعال وتنون ولا تنون فإذا نونت فهي للتنكير كأنك قلت: اسكت سكوتا، وإذا لم تنون فالتعريف أي اسكت السكوت المعروف منك ا. هـ. والكلام كله في حال الخطبة حرام إلا لضرورة تبيحه وإنما مثل النبي ﷺ بهذه الكلمة لأن الكلام المفيد لا يكون أقل من حرفين وإذا حرم النطق بحرفين معناهما الأمر بالسكوت والإنصات، وهو أمر بخير ولا يكاد يفوت به سماع شيء من الخطبة فما ظنك بما طال من الكلام المباح وأشغل عن الاستماع بل ما ظنك بالكلام فيما لا يعني، اللهم سامحنا بكرمك فإنك أرحم الراحمين، ذكره الحافظ الدمياطي في المتجر الرابح (٢). قوله: "ومن تكلم فلا جمعة له" أي كاملة. ١٠٦٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا كانَ يَوْم الْجُمُعَة قعدت الْمَلَائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد فيكتبون من جَاءَ من النَّاس على مَنَازِلهمْ فَرجل قدم جزورا وَرجل قدم بقرة وَرجل قدم شَاة وَرجل قدم دجَاجَة وَرجل قدم بَيْضَة قَالَ فَإِذا أذن الْمُؤَذّن وَجلسَ الإِمَام على الْمِنْبَر طويت الصُّحُف ودخلوا الْمَسْجِد يَسْتَمِعُون الذّكر رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (٣). وَرَوَاهُ النَّسَائيُّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.

стр. 2801

١٠٦٧ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب ﵁ عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ تبْعَث الْمَلائِكَة على أَبْوَاب الْمَسَاجِد يَوْم الْجُمُعَة يَكْتمونَ مَجِيء النَّاس فَإِذا خرج الإِمَام طويت الصُّحُف وَرفعت الأقلام فَتَقول الْمَلائِكَة بَعضهم لبَعض مَا حبس فلَانا فَتَقول الْمَلائِكَة اللَّهُمَّ إِن كَانَ ضَالًا فاهده وَإِن كَانَ مَرِيضا فاشفه وَإِن كَانَ عائلا فأغنه رَوَاهُ ابْن خُزَيمه في صحِيحه (١). "العائل": الْفَقِير. قوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على أبي سعيد الخدري. قوله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد" شرح الكلام على الملائكة وعلى بقية ألفاظ الحديث. قوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصى (٢)، وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وقال شيخنا أبو الحسن علي بن عمر: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدنى منهم محمد بن عبد الله والأوسط عبد الله بن عمرو والأعلى عمرو بن العاص، وقد سمع من الأدنى منهم سمع من جده محمد، ومحمد لم يدرك النبي ﷺ ، وسمع من جده عبد الله بن عمرو فإذا أثبته وكشف عن اسمه فهو حينئذ صحيح، ولم يسمع من جده عمرو بن العاص، قال محمد بن محمد

стр. 2802

بن الحسين أبو عبد الرحمن السلمي (١): فسألت أبا الحسن الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فقال: إذا قال: "عن أَبيه عن جَدِّه" يُوهِمُ أن يكونَ جَدَّه الأعلى أو جدَّه الأدنى ما لم يُبيِّنْ، فإذا بيَّن فهو صحيح ولم يَتركْ حديثَه أحدٌ من الأئمة (٢) ا. هـ. وقال النووي (٣): شعيب والد عمرو بن شعيب هو أبو عمرو شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي التابعي سمع جده عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس وهو ثقة، وأنكر بعضهم سماعه من جده (٤) والله أعلم. قوله ﷺ : "تبعث الملائكة على أبواب المسجد يوم الجمعة يكتبون مجيء الناس" تقدم الكلام على الملائكة. قوله ﷺ : "فتقول الملائكة: اللهم إن كان ضالا فأهده" الضال: هو ضد المهتد قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾. قوله: "وإن كان عائلًا فأغنه"، وقد فسر الحافظ (٥) العائل بالفقير ا. هـ. قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ أي فقيرا فأغناك بمال

стр. 2803

خديجه (١) على أحد التفاسير في ذلك. ١٠٦٨ - وَعَن أبي عُبَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ عبد الله سارعوا إِلَى الْجُمُعَة فَإِن الله يبرز إِلَى أهل الْجنَّة فِي كل يَوْم جُمُعَة فِي كثيب كافور فيكونون مِنْهُ فِي الْقرب على قدر تسارعهم فَيحدث الله لَهُم من الْكَرَامَة شَيْئا لم يَكُونُوا رَأَوْهُ قبل ذَلِك ثمَّ يرجعُونَ إِلَى أَهْليهمْ فيحدثونهم بِمَا أحدث الله لَهُم قَالَ ثمَّ دخل عبد الله الْمَسْجِد فَإذا هُوَ برجلَيْن يَوْم الْجُمُعَة قد سبقاه فَقَالَ عبد الله رجلَانِ وَأَنا الثَّالِث إِن شَاءَ الله أَن يُبَارك فِي الثَّالِث رَوَاهُ الطَّبَرَنيُّ فِي الْكَبِير (٢). وَأَبُو عُبَيْدَة اسْمه عَامر وَلم يسمع من أَبِيه عبد الله بن مَسْعُود ﵁ وَقيل سمع مِنْهُ. قوله: وعن أبي عبيدة قال الحافظ: اسمه عامر قال الترمذي: لا يعرف اسمه، وقال الإمام أحمد بن حنبل: كانوا يفضلون ابنه عبيدة على أخيه عبد الرحمن أ، هـ قاله في الديباجة. ولم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود، وقيل سمع منه ا. هـ، قاله الحافظ. قوله: قال عبد الله: سارعوا إلى الجمعة، المسارعة: هي المبادرة. قوله: فإن الله يبرز في كل جمعة إلى أهل الجمعة في كثيب كافور فيكونون

стр. 2804

منه في القرب على قدر تسارعهم. الكثيب: المجتمع من الرَّمْل كالتلة. ١٠٦٩ - وَعَن عَلْقَمَة ﵁ قَالَ خرجت مَعَ عبد الله بن مَسْعُود يَوْم الْجُمُعَة فَوجدَ ثَلَاثَة قد سَبَقُوهُ فَقَالَ رَابِع أَرْبَعَة وَمَا رَابِع أَرْبَعَة من الله بِبَعِيد إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن النَّاس يَجْلِسُونَ يَوْم الْقِيَامَة من الله على قدر رَوَاحهمْ إِلَى الْجُمُعَات الأول ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث ثمَّ الرَّابِع وَمَا رَابِع أَرْبَعَة من الله بِبَعِيد رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن أبي عَاصِم وإسنادهما حسن (١). قَالَ الْحَافِظ ﵀ وَتقدم حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من غسل واغتسل ودنا وابتكر واقترب واستمع كانَ لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها قيام سنة وصيامها. وَكَذَلِكَ تقدم حَدِيث أَوْس بن أَوْس نَحوه. قوله وعن علقمة (هو أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن عوف، الكوفى التابعى الكبير، الفقيه، البارع، سمع عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة. وأجمعوا على جلالته، وقال أحمد بن حنبل: علقمة ثقة من أهل الخير. توفى سنة ثنتين وستين، وقيل: ثنتين وسبعين من الهجرة) (٢).

стр. 2805

قوله: قال: خرجت مع عبد الله بن مسعود يوم الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة أي أحد أربعة، قوله: وما رابع أربعة من الله ببعيد اغتم ابن مسعود لذلك، وجعل يقول لنفسه معاتبا أياه رابع أربعة. قوله ﷺ "إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله قدر رواحهم إلى الجمعات" الحديث يستحب البكور إلى الجامع يوم الجمعة لهذا الحديث، ورواه النيسابوري، فقال: إن الناس ينظرون إلى ربهم يوم الجمعة يوم الزيارة في الجنة بمقدار ذهابهم إلى الجمعة، قال الشيخ أبو طالب المكي (١) ﵀: كان يُرى في في القرن الأول في السحر، وبعد الفجر الطرقات لمملوءة من الناس يمشون في السُرُج، ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد حتى اندرس ذلك. وقيل أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة خرج رجل من السلف إلى الجمعة فوجد الناس قد سبقوه إلى الظل فقعد في الشمس فناداه رجل من الظل أن يدخل إليه فأبى أن يتخطى الناس لذلك ثم تلا ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار قاله ابن مسعود وتلى قوله

стр. 2806

تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ (١) ذكره ابن رجب في اللطائف (٢). قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "ومن غسل واغتسل ودنا وابتكر واقترب" أي قرب من الإمام، وابتكر وغدا إلى الجامع بكرة، وتقدم بقية ألفاظ هذا الحديث في أحاديث الجمعة. ١٠٧٠ - وَرُوِيَ عَن سَمُرَة ﵁. قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ احضروا الْجُمُعَة وادنوا من الإِمَام فَإِن الرجل ليَكُون من أهل الْجنَّة فَيتَأَخَّر عَن الْجُمُعَة فيؤخر عَن الْجنَّة وَإنَّهُ لمن أَهلهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ والأصبهاني وَغَيرهمَا (٣). قوله: وروي عن سمرة تقدم الكلام على سمرة بن جندب. قوله ﷺ : "احضروا الجمعة وادنوا من الإمام" الدنو هو القرب من الإمام.

стр. 2807

التَّرْهِيب من تخطي الرّقاب يَوْم الْجُمُعَة ١٠٧١ - عَن عبد الله بن بسر ﵁. قَالَ جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب فَقَالَ النَّبِي ﷺ اجْلِسْ فقد آذيت وآنيت، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيُّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائيّ وآنيت وَعند ابْن خُزَيْمَة فقد آذيت وأوذيت (١). وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث جَابر بن عبد الله (٢). "آنيت": بِمد الْهمزَة وَبعدهَا نون ثمَّ يَاء مثناة تَحت أَي أخرت الْمَجِيء. "وَآذَيْت": بتخطيك رِقَاب النَّاس. قوله: عن عبد الله بن بسر بضم الموحدة، وبالسين المهملة، بن أبي بسر المازني السلمي أبو بسر، ويقال: أبو صفوان له ولأبويه وأخته الصماء وعمته صحبة زارهم النبي ﷺ وأكل عندهم، ودعا لهم، سكن عبد الله حمص هو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل أبو أمامة توفي سنه ست وتسعين، وقيل سنة ثمان وثمانين بحمص فجأة وهو ابن مائة، وقيل عاش أربعا وتسعين سنة، وهو ممن صلى إلى القبلتين، روى عبد الله بن بسر عن رسول

стр. 2808

الله ﷺ خمسين حديثا، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وأخته الصماء (١). قوله: "جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب فقال النبي ﷺ : اجلس فقد آذيت وآنيت" قد فسر الحافظ (٢)، فقال: آنيت بمد الهمزة، فقال: أي أخرت المجيء يعني وأبطأت، يقال: أنيت، وأنيت، واستأنيت، قاله ابن الأثير (٣). قوله: وآذيت أي بتخطّيك رقاب الناس. ١٠٧٢ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْقِيَامَة اتخذ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم (٤). قوله: وروي عن معاذ بن أنس (معاذ بن أنس الجهني، والد سهل، سكن مصر، روى عنه ابنه سهل، وله نسخة كبيرة عند ابنه سهل، أورد منها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وأبو عيسى، وابن ماجه، والأئمة بعدهم في كتبهم رُوِيَ له عن النبي ﷺ ثلاثون حديثا (٥). قوله: ﷺ "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم" قال الحافظ: والعمل عليه عند أهل العلم.

стр. 2809

قال الشيخ ابن النحاس في تنبيهه الذي ألفه في الأمر بالمعروف (١)، قلت: في هذه الأحاديث يعني أحاديث الباب أعظم دليل على أن تخطى الرقاب من الكبائر، لو سلمت أسانيدها، وكذا عده الشيخ شمس الدين بن القيم الجوزية من الكبائر، وكذا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (٢)، واستُدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) الآية وعدَّه صاحب العدة من الصغائر (٤). قال: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في النبيه (٥): وإن حضر والإمام والإمام يخطب لم يتخط رقاب الناس لما في ذلك من الإيذاء، وسواء ألِف مكانا فيتخطى ليصله أو لا كما قال البنديجي وغيره (٦)، وفي التتمة للقفال: أن أن كان له موضع يألفه وهو معظم عند الناس لم يكره لأن عثمان ﵁ تخطى الرقاب إلى موضعه، وعمر يخطب فلم ينكر عليه (٧)، واستثنى في الشرح والروضة والكفاية من ذلك صورتين إحداهما للإمام لا يكره له التخطي، والثانية: إذا كان بين يديه فرجة ولا طريق إليها إلا بتخطي صف أو صفين فله التخطي لأنهم قصروا فإن زاد على ذلك كره، وقال ابن المنذر

стр. 2810

: التخطي حرام (١)، وخص الماوردي بمن لا يجد موضعا يصلي فيه فين بعدت الفرجة فإن رجي التفسح إذا قامت جلس حتى يقوموا وإلا فله التخطي نص على ذلك الشافعي ﵀ في الأم (٢)، وقال في الإحياء (٣): مهما كان الصف الأول خاليا لم يكره التخطي (٤) ا. هـ. فمذهب الشافعي أن من دخل الجامع فوجد صفا من الصفوف ناقصا أنه يجوز له التخطي فإن التقصير من المتأخرين ثم منع من التخطي لا يخص بحال الخطبة بل يكره قبلها أيضا ذكر هذا كله في مختصر الكفاية (٥). فرع: لا يجوز لأحد أن يقيم أحدًا من مجلسه ويقعد فيه إلا الذي قعد في موضع الإمام أو في الطريق بحيث يمنع الناس من الاجتياز أو بين الصفين مستدبر القبلة والمكان ضيق ولو بعث إنسانًا يجلس في مكان حتى إذا جاء يقوم له ويجلس فيه لم يكره لأن محمد بن سيرين كان يرسل غلامه يوم الجمعة يشغل له موضعا فإذا جاء قام وجلس هو فيه، فلو بعث شيئا يفرش له حتى إذا جاء جلس فيه. قال في الأم: ليس لغيره أن يصلي عليه لأنه ملك غيره. وقال الشيخ أبو

стр. 2811

محمد: له أن ينحيه ويجلس في المكان لأن الحرمة للإنسان لا لفرشه، وفي نسخة: دون فرشه انتهى. قاله الكمال الدميري (١) في شرحه والله أعلم. ١٠٧٣ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يخْطب إِذْ جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس حَتَّى جلس قَرِيبا من النَّبِي ﷺ فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ صلَاته قَالَ مَا مَنعك يَا فلَان أَن تجمع مَعنا قَالَ يَا رَسُول الله قد حرصت أَن أَضَع نَفسِي بِالْمَكَانِ الَّذِي ترى قَالَ: قد رَأَيْتُك تَتَخَطَّى رِقَاب النَّاس وتؤذيهم من آذَى مُسلما فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله ، رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الصَّغِير والأوسط (٢). قوله: وروي عن أنس، كنيته أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بفتح الضادين المعجمتين بن يزيد بن حرام بالراء بن جندب بضم الدال وفتحها بن عامر بن غنم بفتح الغين المعجمة وإسكان النون بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمر بن الخزرج بن حارثة الأنصاري الخزرجي النجاري البصري خادم رسول الله ﷺ كان يسمى بذلك ويفتخر به وحق له ذلك، كنّاه رسول الله ﷺ أبا حمزة، ببغلة كان يحبها وأمه أم سليم تقدم الكلام عليها في أخر صلاة التسبيح، خدَمَ رسول الله ﷺ عشر سنين مدة

стр. 2812

إقامته بالمدينة ﷺ ثبت ذلك في الصحيح، وحمل عنه حديثا كثيرا، رُوي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وستين حديثا، وكان ﵁ أكثر الصحابة أولادا بدعاء رسول الله ﷺ ، واتفق العلماء على مجاوزة عمره مائة سنة، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه توفى سنة ثلاثة وتسعين، وقيل سنة إحدى وتسعين، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل خمس وتسعين، وقيل سبع وتسعين، وثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر فعمره فوق مائة كما ترى، وتوفي بالبصرة خارجها على نحو فرسخ ونصف ودفن هناك في موضع يعرف بقصر أنس كان له بستان يحمل في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك. ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١). قوله: "بينا رسول الله ﷺ يخطب إذ جاء رجل يتخطى رقاب الناس حتى جاء قريبا من النبي ﷺ فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته "قال: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُجَمِّعَ مَعَنَا؟ معناه أن تصلي معنا الجمعة". ١٠٧٤ - وَرُوِيَ عَن الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الَّذِي يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة وَيفرق بَين الاثْنينِ بعد خُرُوج الإِمَام كجار قصبه فِي النَّار، رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢).

стр. 2813

وقوله: عن الأرقم بن أبي الأرقم، وكان من أصحاب النبي ﷺ ، الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي وكان من المهاجرين الأوليين وكنيته أبو عبد الله وهو الذي استخفى رسولُ الله ﷺ في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلا آخرهم عمر بن الخطاب ﵁ (١). قوله ﷺ : "أن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الإثنين بعد خروج الإمام كَجارٍّ قُصْبَهُ في النار". الحديث. قصبه هو بضم القاف وإسكان الصاد المهملة المعاء وجمعه أقصاب وقيل القصب: اسم للأمعاء كلها، وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء بكسر الميم مقصور جمعه أمعاء بالمد، قال الواحدي: مثل ضلع أضلاع وهو جميع ما في البطن من الحوايا، وقال بعضهم: الأمعاء، المصارين وهو قريب منه (٢) والله أعلم. فائدة: عن عمرو بن لحى بضم اللام وفتح المهملة، وتشديد التحتانيه، قال: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، والسائبة: هي التي كانوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ،

стр. 2814

قال: صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (١) كان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة أي لا تركب ولا تطرد عن ماء ولا مرعى. ا. هـ قاله الكرمانى (٢).

стр. 2815

التَّرْهِيب من الْكَلَام وَالْإِمَام يخْطب وَالتَّرْغِيب فِي الْإِنْصَات ١٠٧٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا قلت لصاحبك يَوْم الْجُمُعَة أنصت وَالإِمَام يخْطب فقد لغوت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة (١). قَوْله "لغوت": قيل مَعْنَاهُ خبت من الْأجر وَقيل تَكَلَّمت وَقيل أَخْطَأت وَقيل بطلت فَضِيلَة جمعتك وَقيل صَارَت جمعتك ظهرا وَقيل غير ذَلِك. ١٠٧٦ - وَعنهُ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا تَكَلَّمت يَوْم الْجُمُعَة فقد لغوت وألغيت يَعْنِي وَالإِمَام يخْطب رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢). ١٠٧٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تكلم يَوْم الْجُمُعَة وَالإِمَام يخْطب فَهُوَ كَمثل الْحمار يحمل أسفارا وَالَّذِي يَقُول لَهُ أنصت لَيْسَ لَهُ جُمُعَة، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ (٣). قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام علي مناقبه.

стр. 2816

قوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" قوله: لصاحبك أي من تخاطبه صغيرا كان أو كبيرا أو بعيدا (١). قوله: أنصت أي اسكت، وإنما ذكر هذه اللفظة لأنها لا تعد من الكلام الكثير (٢)، قوله: والإمام يخطب، يخرج من الحديث الكلام قبل الخطبة وبعدها فلا يحرم، وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام (٣) وعنه قول بكراهة الكلام لا غيره. وقوله: فقد لغوت. قيل: معناه خبتَ من الأجر، وقيل: تكلمت، وقيل أخطأت إلى أخره ومعنى فقد لغوت أي قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل (٤)، وقال بعضهم: قال أهل اللغة (٥) يقال: "لَغَا يلْغو" كَغَزا يغزو، ويقال: "لَغِىَ يَلْغَي" كرمى يرمي لغتان الأولى أفصح والروايتان في الصحيح قال أبو الزياد: فقد لغيت هي لغة أبي هريرة (٦)، قال النووي ﵀ (٧): وظاهر القرآن يوافقها، قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٨) وهذا من مِنْ لَغِيَ
следующие страницы →