← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 2847–2886 · переход к 2852.

стр. 2847

١٠٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر ﵁ أنَّهُمَا سمعا رَسُول الله ﷺ يَقُول على أَعْوَاد منبره لينتهين أَقوام عَن ودعهم الْجُمُعَات أَو ليختمن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن من الغافلين، رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا (١). قَوْله: ودعهم الْجُمُعَات هُوَ بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الدَّال أَي تَركهم الْجُمُعَات وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة بِلَفْظ تَركهم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ. قوله: وعن أبي هريرة وابن عمر تقدم الكلام على مناقبهما رضي الله تعالى عنهما. قوله: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره الحديث. فيه استحباب اتخاذ المنبر وهو سنة مجمع عليها (٢) لما روى مسلم (٣) أنه ﷺ أرسل إلى امرأة أن مُرِي غلامكِ النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات فكان يخطب عليها انتهى. كان ﷺ يخطب على الأرض وعن يساره جذع نخلة يعتمد عليه فخطبته على الأرض تدل على أن المنبر لا يجب، وكان منبره ﷺ ثلات درجات (٤) غير الدرجة التي تسمى المستراح وكان يقف على الثالثة فيندب الوقوف على الدرجة التي تسمى المستراح إن كان المنبر قصيرًا [فإن كان طويلا] قال في الحاوي وقف

стр. 2848

على السابعة قال العلماء: ومن سنن الجمعة أن يكون على منبر يعني الخطيب أو موضع عال لأنه يحصل مقصود المنبر وهو الإبلاغ (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات" أي ليمتنعن واللام في لينتهين لام [النهي والثانية في قوله أو ليختمن لام القسم، ففي هذا الحديث حجة واضحة على وجوب الجمعة وفرضها. وقوله: ودعهم هو بفتح الواو وسكون الدال أي تركهم الجمعات ورواه بن حزيمه (٢) بلفظ تركهم قاله المنذري (٣)، قال في النهاية: أي عن تركهم إياها والتخلف عنها يقال: مِنْ وَدَعَ الشَّيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا إِذَا تَرَكَهُ، وَالنُّحَاةُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَاضِيَ (يَدَعُ) وَمَصْدَرَهُ، وَاسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِترَكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَفْصَحُ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ عَلَى قِلَّةِ اسْتِعْمَالِهَا فَهُوَ شَاذ فِي الاسْتِعْمَالِ صَحِيح فِي الْقِيَاسِ اهـ. وقد جاء في غير ما حديث حتى قرأ به قراءة ابن أبي عبلة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي ما تركك ومنه الحديث "إِذَا لَمْ يُنْكِرِ الناسُ المُنْكَرَ فَقَدْ تَوَدَّعَ مِنْهُمْ" أَيْ أُسْلِموا إِلَى مَا اسْتَحقُّوه مِنَ النَّكير عَلَيْهِمْ، وتُرِكُوا وَمَا اسْتَحَبُّوه مِنَ المَعاصي، حَتَّى يُكْثِروا (٢) مِنْهَا فَيَسْتَوْجِبوا العُقوبة" (٤). والله أعلم.

стр. 2849

قوله: والجمعات، إنما أتى بصيغة الجمع تشنيعا على فاعله لما فيه من التظاهر بالتهاون بالدين وقيل قابل الجمع في قوله: قوم بالجمع لئلا يفهم جواز ترك جمعة، قوله ج: أو ليختمن الله على قلوبهم الحديث، هو أن يخلق الله في قلوبهم ضد الهدى ويصرف عنهم لطفه فيمنعهم توفيقه (١) وقيل هو طبعه عليها حتى (لا يعي) خيرًا (قال النووى:) ومعنى الختم: الطبع والتغطية (٢) وأصل الطبع في اللغة: الوسخ والدنس يغشيان السيف، يقال طبع السيف يطبع طبعا (٣)، وأصله من ختمت الكتاب إذا طبعت عليه بطابع (٤) وهو في الحقيقة عبارة عما يجعله الله في القلوب من الجهل والأهواء وأطلع الله تعالى الملائكة على ذلك فيعرفون به من يحبه الله تعالى ومن يكرهه (٥) ثم استعمل فيما يشبه الوسخ من الآثام والأوزار وغيرهما من القبائح ا. هـ قاله في النهاية. ومثل الطبع الرَّيْن وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾ (٦) وقيل الرَّيْن أيسر من الطبع والطبع أيسر من الأقفال والأقفال أشدها وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٧) قال القاضي (٨): وقد اختلف

стр. 2850

المتكلمون في هذا اختلافا كثيرا، فقيل هو اعدام اللطف وأسباب الخير، وقيل: هو خلق الكفر في صدورهم وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم أي شهادته عليهم بكفرهم، وقيل: هو علامة جعلها الله في قلوبهم لتعرفها الملائكة من يمدح ومن يذم (١) ا. هـ قوله: ثم ليكونن من الغافلين أي عن الخيرات والعبادات فلا يفقهوا أسرارها ولا يذوقوا حلاوتها، وإن فعلوها فهي كالجسد بلا روح فلا تؤثر في تنوير قلوبهم حتى يلجئوا إلى الله تعالى ويتوبوا توبة نصوحا وحينئذ فيعود إليهم حالهم وأما ما جاء في سنن أبي داوود والنسائي من قوله ﵇ "من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار" (٢) وروي مسندًا ومرسلًا ولم يصح. قال ابن العربي: ولا يقابل الجمعة دية فكيف (بهذا) المقدار وإنما كفارتها التوبة والاستغفار وإن يقضيها ظهرا والله أعلم. واختلفوا هل يقتل كسلا مع أنه يصلي الظهر فالصحيح لا يقتل لأن لها بدلا وتسقط بأعذار كثيرة قاله الغزالي في الفتاوى (٣). و (تابعه) الرافعي عليه وقيل يقتل (لأنه لا يتصور قضاؤها) وليست الظهر قضاء عنها (وهو اختيار)

стр. 2851

ابن الصلاح والنووي (١) وقال في [التحقيق]: أن جاحدها كافر والتهاون بها من الكبائر صلى الظهر أو لم يصل (قال) المنذري أن ذلك علامة أن (الله ختم) على قلبه، ويؤخذ منه أن تارك الصلاة تهاونا لا يكفر لأنه لم (ينص عليه) مع ما ذكر في ترك الجمعة فغيرها من باب الأولى والله أعلم قاله: شارح الإلمام. [فائدة: عن سمرة بن جندب "عن النبي ﷺ قال من ترك الجمعة متعمدا فليتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار" (٢) حديث ضعيف وروي "فليتصدق بدرهم، أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع" وفى رواية: "أو نصف مد" (٣) وأجمعوا على ضعف هذه الروايات وقال صاحب الحاوى: يستحب لمن ترك الجمعة بلا عذر أن يتصدق بدينار أو نصف دينار لهذا الحديث وهو نظير الواطئ في زمن الحيض من حديث ابن عباس المرفوع "إذا أتى الرجل امرأته وهي حائض، فإن كان الدم عبيطا، فليتصدق بدينار، وإن كانت صفرة، فليتصدق بنصف دينار" (٤) وهو حديث ضعيف

стр. 2852

باتفاق الحفاظ. واختلفوا في الكفارة في ذلك فقال الحسن وسعيد بن جبير عليه عتق رقبة والصواب لا كفارة على إتيان الحائض (١) قاله في الديباجة]. ففي هذا الحديث الوعيد الشديد لتارك الجمعة وفيه تأكيد الحرمة وتعظيمها وأنها فرض على الأعيان إلا ما حكي من التخيير بينها وبين الظهر عند الحنفية على الخلاف فيه، ويدل على التحريم هذا التوعد العظيم ا. هـ. ولا يختلف مذهب الشافعي أنها فرض عين ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية أي فامضوا وبذلك قرأ عمر ﵁ إلى ذكر الله وهو الصلاة وقيل الخطبة فأمر بالسعي وظاهره الوجوب وإذا وجب السعي وجب ما يسعى إليه ولأنه نهى عن البيع وهو مباح ولا ينهى عن فعل المباح إلا لفعل واجب (٢). فرع: يجوز البيع قبل الزوال بلا كراهة لو لم تتعطل بسببه الجمعة لأنه إنما أمر بالسعي بعد النداء وجلوس الإمام للخطبة فيحرم، ويصح كما لو فوت غيرها بالبيع، وأما بعد الزوال وقبل جلوس الخطيب فيكره، هذا إذا كان المتبايعان من أهل الجمعة فإن لم يكونا كمسافرين لم يكره لهما ولو كان أحدهما فقط من أهلها فحكمه كما لو كانا من أهلها وأما الآخر فلا يكره له إلا حيث حزم على من هو من أهلها فيكره له لإعانته على المعصية قاله:

стр. 2853

البنديجي وفي المهذب والرافعي أنهما آثمان، وغير البيع من التصرفات كالبيع والله أعلم، قاله في مختصر الكفاية (١). ١٠٨٧ - وَعَن أبي الْجَعْد الضمرِي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من ترك ثَلَاث جمع تهاونا بهَا طبع الله على قلبه رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢). وَفِي رِوَايَة لابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان من ترك الْجُمُعَة ثَلَاثًا من غير عذر فَهُوَ مُنَافِق (٣). وَفِي رِوَايَة ذكرهَا رزين وَلَيْسَت فِي الأصُول "فقد برئ من الله" (٤). "أَبُو الْجَعْد": اسمه أدرع وَقيل جُنَادَة وَذكر الْكَرَابِيسِي أَن اسمه عمر بن أبي بكر وَقَالَ التِّرْمِذِيّ سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن اسْم أبي الْجَعْد فَلم يعرفهُ. ١٠٨٨ - وَعَن أبي قَتَادَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من ترك الْجُمُعَة ثَلَاث مَرَّات من غير ضَرُورَة طبع الله على قلبه، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم

стр. 2854

وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة ﵁ وأبو الجعد اسمه أدرع وقيل جنادة وذكر الكرابيسي أن اسمه عمر بن أبي بكر، قال: الترمذي سألت محمدا يعني البخاري عن اسم أبي الجعد فلم يعرفه ا. هـ، قاله الحافظ (٢) رحمه الله تعالى. وقال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه" قاله في الديباجة، وقيل عمر بن بكرة وهو من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة وله دار بالمدينة في بني ضمرة لا يعرف له غير هذا الحديث (٣) ا. هـ. قوله: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه" أي ختم على قلبه وغشاه ومنعه من الألطاف، الطبع بالسكون الختم وبالتحريك [الدنس] قاله ابن الأثير (٤) (والختم) في الحديث (النفاق ويدل) عليه [مطلق الحديث الذي قبله]. (قوله) [عن أبي قتادة، أبو قتادة اسمه: الحارت بن ربعي، وقيل: النعمان بن ربعي، وقيل: عمرو بن ربعي، والمشهور: الحارث بن ربعي بن سلمة

стр. 2855

السلمي المدني. وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، وقيل: كبشة بنت عباد بن مطهر، شهد أحدا والخندق وما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله ﷺ (١)]. قوله: ﷺ "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه" تقدم الكلام على بعض أرباب الأعذار والضرورات وتقدم الكلام أيضا على الطبع هو الختم في الأحاديث قبله. ١٠٨٩ - وَعَن أُسَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : من ترك ثَلَاث جمعات من غير عذر كتب من الْمُنَافِقين، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ وَله شَوَاهِد (٢). قوله: وعن أسامة هو أسامة بن زيد الصحابي وهو مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه وابن مولاته وحِبه وابن حِبه كنيته أبو محمد وقيل أبو زيد وقيل أبو يزيد وقيل أبو خارجة أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحبيل بن كعب بن عبد العزى بن زيد وقيل يزيد بن امرؤ القيس بن عامر بن النعمان إلى آخره الكلبي الهاشمي وأمه أم أيمن بركة ﵂ حاضنة رسول الله ﷺ روي لأسامة عن رسول الله ﷺ مائة وثمانية وعشرون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها

стр. 2856

على خمسة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين روى عنه ابن عباس ثم جماعات من كبار التابعين. وفي صحيح البخاري عن أسامة أن رسول الله ﷺ كان يأخذه والحسن بن علي فيقول "اللهم أحبهما فإني أحبهما" (١) أو كما قال. وفي رواية له أيضا قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي، فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذهِ الْأُخْرَى، ثم يقول: "اللهم إني أرحمهما فارحمهما" وفي البخاري (٢) عن عمرو بن دينار قال: نظر ابن عمر يوما إلى رجل يسحب ثيابه في المسجد فقال: انظروا من هذا ليت هذا عندي قال: له إنسان أما تعرف هذا يا أبا عبد الرحمن هذا محمد بن أسامة بن زيد فطأطأ ابن عمر رأسه في الأرض ثم قال: لو رءاه رسول الله ﷺ لأحبه. وفي كتاب الترمذي (٣) عن عائشة ﵂، قالت: أراد النبي ﷺ أن ينحي مخاط أسامة فقلت دعني أفعل فقال: يا عائشة أحبيه فإني أحبه قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورويناه، في الترمذي (٤) أيضا عن أسلم مولى عمر أن عمر فرض لأسامة ثلاثة آلاف وخمسمائة وفرض لابن عمر

стр. 2857

ثلاث آلاف فقال: لم فضلت أسامة علي فقال: لأن زيد كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك وكان أسامة أحب إلى رسول الله منك فأثرت حب رسول الله ﷺ على حبي، وولاه رسول الله ﷺ إمارة الجيش وفيهم عمر بن الخطاب وعقد له اللواء، وتوفي رسول الله ﷺ وله عشرون سنة وقيل تسعة عشر سنة توفي أسامة بالمدينة وقيل بوادي القرى وحمل إلى المدينة سنة أربع وخمسين وقيل تسع أو ثمان وخمسين وقيل سنة أربعين بعد عليّ بقليل، قال ابن عبد البر (١) وغيره: الصحيح سنة أربع وخمسين، وعن الأوزاعي قال: دخلت فاطمة بنت أسامة على عمر بن عبد العزيز ومعها مولاة لها تمسك بيدها فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يده في يدها أو يداه في ثيابها ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك حاجة لها إلا قضاها ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢). قوله: "من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين" والأعذار مذكورة في كتب الفقه. قوله من رواية جابر الجعفي (هو جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله، ترك يحيى القطان حديثه، وقال النسائي وغيره متروك ووثقه شعبة وسفيان الثوري).

стр. 2858

١٠٩٠ - وَعَن كَعْب بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لينتهين أَقوام يسمعُونَ النداء يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ لا يأتونها أَو ليطبعن الله على قُلُوبهم ثمَّ لَيَكُونن من الغافلين، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (١). قوله عن كعب بن مالك. روي لكعب بن مالك عن رسول الله ﷺ ثمانون حديثا وسيأتي الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم" تقدم الكلام على قوله لينتهين وعلى قوله أو ليطبع الله على قلوبهم الأولى لام النهي والثانية لام القسم. ١٠٩١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا هَل عَسى أحدكُم أَن يتَّخذ الصبة من الْغنم على رَأس ميل أَو ميلين فيتعذر عَلَيْهِ الْكلأ فيرتفع ثمَّ تَجِيء الْجُمُعَة فَلَا يَجِيء وَلا يشهدها وتجيء الْجُمُعَة فَلَا يشهدها حَتّى يطبع على قلبه رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَابْن خُزَيمه فِي صحِيحه (٢). الصُبّة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة هِيَ السّريَّة إِمَّا من الْخَيل أَو الإبل أَو الْغنم مَا بَين الْعشْرين إِلَى الثَّلَاثِينَ تُضَاف إِلَى مَا كَانَت مِنْهُ

стр. 2859

وَقيل هِيَ مَا بَين الْعشْرَة إِلَى الأرْبَعين. قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم" قد فسر الحافظ (١) ﵀ الصبة من الغنم وضبطها فقال: هي السرية إما من الخيل أو الإبل أو الغنم ما بين العشرين إلى الثلاثين وتضاف إلى ما كانت منه وقيل هي ما بين العشرين إلى الأربعين ا. هـ وقال في النهاية (٢): الصبة: جماعة من الغنم تشبيها لجماعة الناس، وقيل اختلف في عددها فقيل ما بين العشرين إلى الأربعين من الضأن والمعز وقيل من المعز خاصة وقيل نحو الخمسين وقيل ما بين الستين إلى السبعين. والصبة من الإبل نحو خمس أو ست ومنه حديث عمر "اشتريتُ صُبَّة مِنْ غَنَم" ا. هـ قوله ﷺ : "على رأس ميل أو ميلين" سيأتي الكلام على الميل في حديث جابر الذي بعده. قوله ﷺ : فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع سيأتي الكلام على الكلأ. قوله ﷺ : ثم تجيء الجمعة فلا يجيء ولا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع الله على قلبه فلا يشهدها أي فلا يحضرها وتقدم تفسير الطبع.

стр. 2860

١٠٩٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ عَسى رجل تحضره الْجُمُعَة وَهُوَ على قدر ميل من الْمَدِينة فَلَا يحضر الْجُمُعَة ثمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَة عَسى رجل تحضره الْجُمُعَة وَهُوَ على قدر ميلين من الْمَدِينة فَلَا يحضرها وَقَالَ فِي الثَّالِثَة عَسى يكون على قدر ثَلَاَثة أَمْيَال من الْمَدِينة فَلَا يحضر الْجُمُعَة ويطبع الله على قلبه، رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد لين (١). وروى ابْن مَاجَه عَنهُ بِإِسْنَاد جيد مَرْفُوعا من ترك الْجُمُعَة ثَلَاثًا من غير ضَرُورَة طبع الله على قلبه (٢). قوله: وعن جابر بن عبد الله وتقدم الكلام على جابر. قوله: قام رسول الله ج خطيبا يوم الجمعة فقال عسى رجل تحضره الجمعة وهو على قدر ميل من المدينة فلا يحضر الجمعة .. الحديث. قد قدر أصحاب الشافعي الميل بأربعة آلاف خطوة بخطوة البعير وكل خطوة بثلاثة أقدام وكل قدم سبعة أنامل بعقد الإبهام وقدر الميل أيضا بستة آلاف ذراع بذراع الأدمي وكل ذراع شبران كل شبر اثنا عشر أصبعا كل أصبع

стр. 2861

ست شعيرات معتدلات معترضات وهو أن يضع بطن كل شعيرة إلى بطن الأخرى وكل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون وكل شعرة منها ثلاث شعرات من شعر الآدمي وكله على التحديد الأصح قاله الكمال الدميري. ١٠٩٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁: أَيْضا قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله قبل أَن تَمُوتُوا وَبَادرُوا بِالأعْمَالِ الصَّالِحَة قبل أَن تشْغَلُوا وصلوا الَّذِي بَيْنكُم وَبَين ربكُم بِكَثْرَة ذكركمْ لَهُ وَكَثْرَة الصَّدَقَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة تُرْزَقُوا وَتنصرُوا وَتجبرُوا وَاعْلَمُوا أَن الله افْترض عَلَيْكُم الْجُمُعَة فِي مقَامي هَذَا فِي يومي هَذَا فِي شَهْري هَذَا من عَامي هَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن تَركهَا فِي حَياتِي أَو بعدِي وَله إِمَام عَادل أَو جَائِر اسْتِخْفَافًا بهَا وجحودا بهَا فَلَا جمع الله لَهُ شَمله وَلا بَارك لَهُ فِي أمره أَلا وَلا صَلَاة لَهُ أَلا وَلا زَكَاة لَهُ أَلا وَلا حج لَهُ أَلا وَلا صَوْم لَهُ أَلا وَلا بر لَهُ حَتَّى يَتُوب فَمن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخصر مِنْهُ (٢). قوله وروي عن جابر أيضا تقدم الكلام على جابر.

стр. 2862

قوله ﷺ : "يأيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا". فيه الحث على التوبة وهي واجبة عن كل ذنب فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: الإقلاع والندم والعزم على أن لا يعود، وإن كانت معصية تتعلق بآدمي زادت شرطا رابعا وهو أن يبرأ من حق صاحبها وإن كانت مالًا ونحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها، ويجب أن يتوب عن جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة والإجماع على وجوبها قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ وسيأتي الكلام على التوبة مبسوطا في كتاب التوبة والله أعلم. قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "وبادروا بالأعمال الصالحة" أي سارعوا فأمر بالمبادرة قبل الموت وكل ساعة تمر على ابن آدم فإنه يمكن أن تكون ساعة موته، بل كل نفس كما قيل: لا تَأْمَنِ الْمَوْتَ فِي طَرْفٍ وَلا نَفَسٍ ... وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجُّابِ وَالْحَرَسِ قوله ﷺ "قبل أن تشغلوا" يعني يشغلوكم عنها شاغل من مرض أو عرض ونحوهما، ونظيره قوله ﵇ في الحديث "ومن فراغك لشغلك". قوله ﷺ : "وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له" والذي بينهم وبين ربهم هو الدين وأحكامه والمراد بوصله القيام به كما أمروا.

стр. 2863

قوله ﷺ : "وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا" الحديث مصداقة قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ والمراد به الخلف في الدنيا بدليل قوله تعالى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، قوله ﷺ : "تنصروا" أي تُعانوا. قوله ﷺ : "واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة" الحديث. فهذا الحديث دليل على أن الجمعة فرض عين كما تقدم وقيل هي فرض كفاية أخذا من قول الشافعي من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين، والعيدان فرض كفاية فكذلك الجمعة ولهذا قيل أنه قول الشافعي وهو غلط قال في البحر (١): تبعا لأبي إسحاق لا تجوز حكايته عن الشافعي ولا يختلف المذهب أنها فرض عين. فائدة: "أول جمعة أقيمت بالمدينة قبل الهجرة حين بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير أميرًا عليه، فنزل على أسعد بن زرارة فأمر الجمعة فصلاها أسعد بالناس في حي بين بياضة" فهي أول جمعة في الإسلام ولم تقم بمكة لأنه لم يكمل فيها عددها أو لأن شعارها الإظهار وكان النبي ﷺ مستخفيا قال الماوردي: ويجوز أنها لم تكن فرضت لأن جابرا سمع النبي ﷺ يقول على منبره في المدينة "أَن الله افْترض عَلَيْكُم الْجُمُعَة فِي مقَامي هَذَا فِي يومي هَذَا فِي شَهْري هَذَا في ساعتي هذه" قال الماوردي: فهي أفضل الصلوات ذكره في مختصر الكفاية.

стр. 2864

وفرضت الجمعة والنبي ﷺ بمكة ولم يصلها حينئذ بها وقال ابن عباس: "أول جمعة جمعت بعد جمعة المدينة بجواثا قرية من قرى عبد القيس" أخرجه أبو داوود (١) وذلك لا يفعل إلا بأمره ﷺ وفي موضع أخر: بجواثا قرية من قرى البحرين وروى أبو داوود عن كعب بن مالك قال: أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخضمات أسعد بن زرارة وكنا أربعين وصححه ابن حبان والبيهقي والحاكم (٢)، والنقيح بالنون والخضيمات بالخاء، والضاد المعجمتين ا. هـ، قاله الكمال الدميرى شرحه (٣). ١٠٩٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ من ترك الْجُمُعَة ثَلَاث جمع مُتَوَالِيَات فقد نبذ الإِسْلَام وَرَاء ظَهره رَوَاهُ أَبُو يعلى مَوْقُوفا بِإِسْنَاد صَحِيح (٤). قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره" الحديث، النبذ معناه الطرح إنما كانت كذلك لأنها أفضل الصلوات،

стр. 2865

ويومها خير يوم طلعت فيه الشمس يعتق الله فيه ستمائة ألف عتيق من النار ومن مات فيه كتب له أجر شهيد ووقي فتنة القبر ا. هـ، قاله في الديباجة. ١٠٩٥ - وَعَن حَارِثَة بن النُّعْمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يتَّخذ أحدكُم السَّائِمَة فَيشْهد الصَّلَاة فِي جمَاعَة فتتعذر عَلَيْهِ سائمته فَيَقُول لَو طلبت لسائمتي مَكَانا هُوَ أكلأ من هَذَا فيتحول وَلا يشْهد إِلَّا الْجُمُعَة فتتعذر عَلَيْهِ سائمته فَيَقُول لَو طلبت لسائمتي مَكَانا هُوَ أكلأ من هَذَا فيتحول وَلا يشْهد الْجُمُعَة وَلا الْجَمَاعَة فيطبع الله على قلبه رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عمر بن عبد الله مولى غفرة وَهُوَ ثِقَة عِنْده (١). وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد ابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة بِمَعْنَاهُ. قَوْله: "أكلأُ من هَذَا" أَي أَكثر كلأً. والكلأ بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام وَفِي آخِره همزَة غير ممدودة هُوَ العشب الرطب واليابس. قوله: وعن حارثة بن النعمان وحارثة بن النعمان أنصاري نجاري بالنون والجيم شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها و كان من فضلاء الصحابة وكان ﵁ أبر الناس بأمه (٢) قال ابن عبد البر (٣) وأمه فيما يقولون جعدة بنت عبيد بن ثعلبة بن النجار أيضا. قوله ﷺ : "يتخذ أحدكم السائمة" الحديث.

стр. 2866

السائمة: الراعية وأسئمتها أخرجتها المرعى وسامت تسوم سوما وجمع السائمة السوائم ذكره النووي (١) في التحرير وقال في النهاية: السائمة جبار يعني أن الدابة المرسلة في مرعاها إذا أصابت إنسانا جنايتها هدرا (٢) ا. هـ قوله: ﷺ "فشهد الصلاة في جماعة" لأن يحضروا الصلاة في جماعة تقدم معنى الحديث، وتقدم الكلام على الطبع. ١٠٩٦ - وَعَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن زُرَارَة ﵁: قَالَ سَمِعت عمر وَلم أر رجلا منا بِهِ شَبِيها قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سمع النداء يَوْم الْجُمُعَة فَلم يأتها ثمَّ سَمعه فَلم يأتها ثمَّ سَمعه وَلم يأتها طبع الله على قلبه وَجعل قلبه قلب مُنَافِق، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٣). وروى التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن رجل يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل وَلا يشْهد الْجَمَاعَة وَلا الْجُمُعَة قَالَ: هُوَ فِي النَّار (٤). قوله: وعن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة (الأنصاري المدني، ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي سنة أربع وعشرين ومئة، وهو ثقة وله أحاديث، وقال النسائي: ثقة). (٥).

стр. 2867

قوله ﵇: "من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها ثم سمعة فلم يأتها ثم سمعه فلم يأتها طبع الله على قلبه" والنداء: فيه لغتان كسر النون وضمها والكسر أفصح وأشهر، وتقدم الكلام على الطبع. وفي حديت آخر "الجمعة على من سمع النداء" أخرجه أبو داوود (١) وليس المراد به الأذان كما قال المتولي، بل أن ينادي من له صوت عال عرفا غير متجاوز في العادة والرياح ساكنة والأصوات هادئه وكلام القاضي حسن مصرح به بأنه الأذان أما من هو داخل البلد فيلزمه الحضور وإن لم يسمع النداء اتفاقا لأنه ما من موضع منها إلا وهو محل للنداء والجمعة ولأن البلد بنى للجمعة الواحدة كما بني المسجد للجماعة الواحدة ا. هـ، قاله في مختصر الكفاية (٢). فرع: يختم به الباب تَارِكُ الْوُضُوءِ يُقْتَلُ عَلَى الصَّحِيحِ في الروضة، وتارك الجمعة إذا قال: أصلي الظهر ولا عذر له لم يقتل قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا، وَتَسْقُطُ بِأَعْذَارٍ جَزَمَ الْإِمَامُ الشَّاشِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ ورجحه النووي (٣) قاله في مختصر الكفاية (٤).

стр. 2868

التَّرْغِيب فِي قِرَاءة سُورَة الْكَهْف وَمَا يذكر مَعهَا لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة ١٠٩٧ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف فِي يَوْم الْجُمُعَة أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَين الجمعتين، رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعًا (١). وَالْحَاكِم مَرْفُوعًا وموقوفًا أَيْضًا وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده مَوْقُوفًا على أبي سعيد وَلَفظه قَالَ من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف لَيْلَة الْجُمُعَة أَضَاء لَهُ من النُّور مَا بَينه وَبَين الْبَيْت الْعَتِيق (٣). وَفِي أسانيدهم كلهَا إِلَّا الْحَاكِم أَبُو هَاشم يحيى بن دِينَار الروماني وَالأكْثرونَ على توثيقه وَبَقِيَّة الإِسْنَاد ثِقَات وَفِي إِسْنَاد الْحَاكِم الَّذِي صَححهُ نعيم بن حَمَّاد وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وعَلى أبي هَاشم. قوله: عن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام على أبي سعيد. قوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين" ورواه الدارمي في مسنده (٤) والبيهقي (٥) ولفظه: "من قرأ سورة

стр. 2869

الكهف ليلة الجمعة أضاء من النور ما بينه وبين البيت العتيق" الحديث وفي بعض طرقه: "غُفِرَ لَهُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخرَى وَفَضَلَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَعُوفِيَ مِنَ الدَّاءِ وَالدُّبَيْلَةِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ" (١) وفي الدارمي (٢) أن النبي ﷺ قال: "اقرءوا سورة هود يوم الجمعة" وفي شعب البيهقي (٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "سورة الكهف تدعى في التوراة الحافلة تحول بين قارئها وبين النار". وفي الذخائر: أن وقت قراءة الكهف قبل طلوع الشمس، وقيل بعد العصر وقال بعض المتأخرين: عند الخروج من المسجد، وعبارة النووي في المنهاج (٤) تقتضي أن يقرؤها مرة في الليل ومرة في النهار، وفيه نظر وقد نص الشافعي على استحباب الإكثار من قراءتها ليلا ونهارا من (غير ضبط بعدد) (أما إذا اقتصر) على قراءتها مرة (فالنهار) أولى من الليل (٥) والله أعلم. والدارمي منسوب إلى دارم من تميم الذي قال فيهم الفرزدق:

стр. 2870

........................ ... وَأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى كُلَيبٌ بِدَارِمِ (١) ومسند الدارمي لطيف غالبه الصحة، واعلم أن مسند الإمام أحمد ومسند إسحاق بن راهويه ومصنف ابن أبي شيبة متقاربة في الكثرة والشهرة ومسند البزار ومسند أبي يعلى الموصلي متقاربان في التوسط ومسند الحميدي والدارمي متقاربان في الاختصار، ومصنفو الحديث منهم من رتبة على المسانيد كمسند أحمد وإسحاق وأبي يعلى والبزار ومنهم من رتبه على الأحكام وأبواب العلم كالبخاري ومسلم وابن أبي شيبة وفي كل فائدة وحكمة (٢) والله أعلم. قال العلماء: يستحب الإكثار في يوم الجمعة وليلتها من قراءة القرآن والأذكار والدعوات والصلاة على رسول الله ﷺ (٣) لقوله ﷺ : "أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاة علي (ألا فأكثروا من الصلاة علي) في الليلة الغراء واليوم الأزهر" (٤) قال: الشافعي رحمه الله تعالى يعنى والله أعلم ليلة الجمعة ويومها (٥).

стр. 2871

قال أبو طالب المكي (١): وأقل ذلك ثلاثمائة مرة ا. هـ. وفي ليلة الجمعة وعد يعقوب ﵊ الاستغفار لبنيه بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ويستحب قراءة الكهف في يومها لقوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة إن خرج الدجال عصم منه" (٣) والمعنى فيه أن فيها ذكر هول القيامة ويوم الجمعة مشبه بالقيامة وهي تقوم فيه (٤) واستحب قراءتها أيضا في ليلة الجمعة لقوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف" قال الدميري (٥): والحكمة من قراءة الكهف يوم الجمعة أن الله تعالى ذكر فيها القيامة والجمعة تشبهها لما فيه من اجتماع الخلق (وقيام الخطيب) ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة فإذا قريت ذكر بها ليلة ليس بعدها إلا يوم القيامة ا. هـ واستحب قراءتها أيضا في ليلة الجمعة لقوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة ويومها وقى الفتنة" (٦) واستحب الشافعي ﵀ فيها ما استحبه في ليلة العيد لأنه يقال أن الدعاء فيها يستجاب (٧).

стр. 2872

قوله: "وفي أسانيدهم أبو هاشم يحيى بن دينار الرماني، ونعيم بن حماد، أبو هاشم الرماني الواسطي يحيى بن دينار" قيل: يحيى بن الأسود وقيل ابن نافع قال ابن السمعاني: الرماني منسوب إلى الرمان وبيعه، وبواسط قصر معروف بقصر الرمان كان ينزله أبو هاشم يحيى بن دينار الرماني فنسب إليه رأى أنس بن مالك وروى عن زاذان أبي عمر وأبي مجلز وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وأبي العالية وحبيب بن أبي ثابت وجماعة، وثقه أحمد وابن معين وقال أبو حاتم: كان فقيها صدوقا توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة وروى له الجماعة (١) ا. هـ، قاله في الديباجة. ١٠٩٨ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف فِي يَوْم الْجُمُعَة سَطَعَ لَهُ نور من تَحت قدمه إِلَى عنان السَّمَاء يضيء لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وَغفر لَهُ مَا بَين الجمعتين"، رَوَاهُ أَبُو بكر بن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٢). قوله: "وعن ابن عمر" تقدم الكلام على ابن عمر. قوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين" الحديث. عنان السماء: بفتح العين قيل هو السحاب وقيل ما عن لك منها

стр. 2873

أي ظهر إذا رفعت (١) وروى الطبراني والنسائي (٢) وقال الصواب موقوف "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة كانت له نورًا يوم القيامة" قال الحافظ الدمياطي قلت: وإن كان موقوفا فمثله مثل المرفوع لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد والله أعلم. ١٠٩٩ - وَروِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قَرَأَ حم الدُّخان لَيْلَة الْجُمُعَة غفر لَهُ (٣). وَفِي رِوَايَة من قَرَأَ حم الدُّخان فِي لَيْلَة أصبح يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. والأصبهاني: وَلَفظه من صلى بِسُورَة الدُّخان فِي لَيْلَة بَات يسْتَغْفر لَهُ سَبْعُونَ ألف ملك حتى يصبح (٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ والأصبهاني أَيْضا من حَدِيث أبي أُمَامَة وَلَفْظهمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قَرَأَ حم الدُّخان فِي لَيْلَة الْجُمُعَة أَو يَوْم الْجُمُعَة بنى الله لَهُ بهَا بَيْتا فِي الْجنَّة (٥).

стр. 2874

١١٠٠ - وَرُوِيَ عَنهُ ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : من قَرَأَ سُورَة يس فِي لَيْلَة الْجُمُعَة غفر لَهُ، رَوَاهُ الأصْبَهَانِيّ (١). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له" وفي رواية: "من قرأ ﴿حم﴾ الدخان أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" الحديث. الاستغفار من الملائكة بمعنى الدعاء. قوله وروي عنه تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من قرأ سورة يس في ليلة الجمعة غفر له" المراد: غفران الصغائر دون الكبائر كما تقدم في الوضوء والصلاة. ١١٠١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهَا آل عمرَان يَوْم الْجُمُعَة صلى عَلَيْهِ الله وَمَلائِكَته حَتَّى تغيب الشَّمْس، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط وَالْكَبِير (٢). قوله وروي عن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : "من قرأ السورة التي يذكر فيه آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس" وفي الطبراني: "من قرأها يوم الجمعة

стр. 2875

غربت الشمس بذنوبه" والظاهر أن الحكمة في ذلك أن الله تعالى ذكر فيها خلق آدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (١) وآدم خلق يوم الجمعة، وتقدم أن الصلاة في اللغة الدعاء وهي من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ومن الآدميين تضرع ودعاء والله أعلم. * * *

стр. 2876

كتاب الصدقات الكتاب في اللغة: مأخوذ من الكتب وهو الضم يقال: تكتبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة، والكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحروف (١)، والصدقات: جمع صدقة والصدقات تطلق على الواجب والتطوع (٢)، والمراد هنا زكاة الأموال وجمع الصدقة لاختلاف أنواعها من ماشية ونبات ونقد وغيرها، ويسمى الكل صدقة وزكاة، قال: في القديم وغلب على أفواه العوام تسمية الواجب من الماشية صدقة، ومن النبات عشرا ومن النقود زكاة (٣). الترغيب في أداء الزكاة وأداء وُجُوبِها ١١٠٢ - عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بني الإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكاة وَحج الْبَيْت وَصَوْم رَمَضَان، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (٤).

стр. 2877

قوله عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر وعلى الحديث قوله وعن أبي هريرة. الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، والمال ينمى بها من حيث لا ترى وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب وقيل ينمي أجرها عند الله (١) وهي من الأسماء المشتركة بين العين والمعنى لأنها قد تطلق أيضا على القدر المخرج من النصاب للمستحق (٢) وسميت صدقة لأنها دليل التصديق صاحبها وصحة إيمانه ظاهرا وباطنا والغرض من إيجاب الزكاة: مواساة الفقراء والمواساة لا تكون إلا في مال له بال وهو النصاب (٣) والله أعلم، وقال العلماء: نزلت فريضة الزكاة في السنة الثانية من الهجرة وهي السنة التي نزلت فيها فريضة الصوم (٤) قاله ابن عقيل. قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر وعلى الحديث. ١١٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ﵄ قَالا خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا يدْرِي على مَاذَا حلف ثمَّ رفع رَأسه وَفِي وَجهه الْبُشْرَى فَكَانَت أحب إِلَيْنَا من حمر النعم قَالَ مَا من عبد يُصَلِّي الصَّلَوَات الْخصس ويصوم رَمَضَان وَيخرج الزَّكَاة ويجتنب الْكَبَائِر السَّبع إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة وَقيل لَهُ ادخل بِسَلام، رَوَاهُ

стр. 2878

النَّسَائيُّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله وعن أبي هريرة وأبي سعيد تقدم الكلام عليهما ﵄. قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده" الحديث. فيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف وهي مستحبة إذا كان فيها مصلحة من توكيد الأمر أو زيادة طمأنينة أو نفي توهم نسيان أو غير ذلك من المقاصد وقد كثرت الأحاديث بذلك، وهكذا القسم من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (٢)، ﴿وَالطُّورِ﴾ (٣)، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (٤)، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٥) ونظائرهما كل هذا لتفخيم المقسم عليه وتوكيده (٦) والله أعلم. (قوله:) ثم رفع رأسه وفي وجهه البشري فكانت أحب إلينا من حمر النعم، وحمر النعم بسكون الميم جمع أحمر والنعم بفتح النون والعين هي

стр. 2879

الإبل خاصة (١) لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها أبل (٢) وقيل: النعم كالأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم وقيل: هما لفظان بمعنى واحد على الجميع قاله عياض (٣). وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا. والحمر من أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس كأعظم منه (٤) والله أعلم. قوله ﷺ : "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويتجنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة" الحديث. قال العلماء: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور وقد جاء عن ابن عباس ﵄ "أنه سئل عن الكبائر أسبعٌ هي؟ فقال: هي إلى السبعين ويروى إلى سبعمائة أو أقرب" (٥)، وأما قوله في الحديث: "الكبائر السبع" هذه فالمراد به به من الكبائر سبع فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم فهي مخصوصة بلا شك وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع وفي الرواية الأخرى "ثلات"، وفي الرواية الأخرى "أربع" (٦) لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لاسيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وهذا

стр. 2880

مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض. وقد اختلف العلماء في عدّ الكبيرة وتمييزها من الصغيرة فعن ابن عباس: كل شيء نهى الله عنه فهو كبيرة، وحكى القاضي عياض (١) هذا المذهب عن المحققين واحتج القائلون بهذا بأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة وذهب الجماهير من السلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر وهو مروي أيضا عن ابن عباس، وسيأتي الكلام على ذلك أبسط من هذا. ١١٠٤ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ أَتَى رجل من تَمِيم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي ذُو مَال كثير وَذُو أهل وَمَال وحاضرة فَأَخْبرنِي كيفَ أصنع وَكيف أنْفق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تخرج الزَّكَاة من مَالك فَإِنَّهَا طهرة تطهرك وَتصل أقرباءك وتعرف حق الْمِسْكِين وَالْجَار والسائل، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (٢). قوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس بن مالك. قوله: "أتى رجل من تميم" بنو تميم اسم قبيلة من قبائل العرب، ابْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ (٣) ا. هـ.

стр. 2881

قوله: فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع .. الحديث، ذو بمعنى صاحب أي صاحب مال كثير، وذو أهل. قوله: فأخبرني كيف أصنع، وكيف أنفق؟ قوله ﷺ : تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك .. الحديث. الزكاة في اللغة: النماء، وقيل: الطهارة، قال الواحدي (١): الأظهر أنها مشتقة من زكى الزرع يزكوا زكاة بالمد إذا زاد، والزكاة أيضا الصلاح، وأصلها من زيادة الخير يقال رجل زكي أي زائد في الخير من قوم أزكياء (٢) وسمى المخرج زكاة لأنه يزيد في المخرج منه ويقيه الآفات (٣)، وقيل إنما سمى زكاة لأن المخرج منه ينمو ببركة المخرج ودعاء المصروف إليه قال: الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٤)، وقيل أن مؤديها يتزكى إلى الله تعالى أي يتقرب إليه بصالح العمل، وقيل لأنها تزكى صاحبها أي تشهد له بصحة إيمانه وتطهره (٥)، وتسمى صدقة لأنها دليل على تصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه (٦).

стр. 2882

وأما في الشرع: فهي اسم لما يخرج من المال طهرة له، وقال الماوردي وغيره: هي اسم لأخذ شيء مخصوص من مال مخصوص على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة (١). وحكمتها: شكر نعمة الإيمان كما أن حكم الصوم والصلاة شكر نعمة البدن (٢)، قال الشافعي (٣) رحمه الله تعالى: الواجب من الذهب والورق زكاة، ومن الماشية صدقة، ومن الحب والتمر عشر، وهي نوعان: زكاة البدن وهي زكاة الفطر، وزكاة الأموال وتنقسم إلى ما يتعلق بالمالية، والقيمة وهي زكاة التجارة وإلى ما يتعلق بالعين والأعيان التي تتعلق بها الزكاة ثلاثةٌ: حيوان، ومعدن، ونبات، وتختص من الحيوان بالنعم وهي الإبل، والبقر، والغنم، وتختص بالنقد من النبات بالأقوات، والأصل في وجوبها الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ومن السنة: قوله في حديث الأعرابي "وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ" قال القاضي عياض (٤) والمازرى: قد أفهم الشارع أنها وجبت للمواساة، والمواساة لا تكون إلا في مال له بال وهو النصاب، وجعلها في الأموال الثابتة وهي العين، والزرع، والماشية، واختلفوا في العروض فالجمهور على

стр. 2883

إيجابها، ومنعها داود (١) لقوله ﵇: "ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة" (٢)، وحمله الجمهور على ما كان (لِلْقِنْيَةِ) وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة (٣) ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤونة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها تعبا الركاز: وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر؛ فإن سقي بماء السماء ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه، فإنه يدخلها الأوقاص، بخلاف الأنواع السابقة (٤)، واتفقوا على أن زكاة الفطر نزلت في السنة الثانية بعد الصوم، وأما زكاة المال فلم أقف على أول وجوبها ولكنها بعد زكاة الفطر لحديث البناني عن قيس بن سعد أمرنا رسول الله ﷺ "بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا ولم ينهانا ونحن نفعله" (٥) وعنه قال: "كنا نصوم عاشوراء، ونعطي زكاة الفطر ما لم ينزل علينا صوم رمضان والزكاة فلما نزلا لم نؤمر ولم ننه" (٦)، وهذا يدل

стр. 2884

على أن زكاة الفطر قبل رمضان، وجوابه: أنه لف ونشر فصوم رمضان يرجع لصوم عاشوراء والزكاة ترجع لزكاة الفطر لتتفق الروايات والتواريخ والله أعلم، قاله في شرح الإلمام. (وقوله ﷺ : وتصل أقرباءك) والمراد بالصلة الإحسان إليهم، وسيأتي الكلام على ذلك. ١١٠٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خمس من جَاءَ بِهن مَعَ إِيمَان دخل الْجنَّة من حَافظ على الصَّلَوَات الْخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وَصَامَ رَمَضَان وَحج الْبَيْت إِن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَأعْطى الزَّكَاة طيبَة بهَا نَفسه، الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَتقدم (١). قوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام على أبي الدرداء. قوله ﷺ : "خمس من جاء بهن مع الإيمان دخل الجنة، من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن، وركوعهن، وسجودهن، ومواقيتهن" الحديث تقدم الكلام على ذلك في كتاب الصلاة. ١١٠٦ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فَأَصْبَحت يَوْمًا قَرِيبا مِنْهُ وَنحن نسير فَقلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِعَمَل يدخلني الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي من النَّار قَالَ لقد سَأَلت عَن عَظِيم وَإنَّهُ ليسير على من يسره الله عَلَيْهِ تعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة

стр. 2885

وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الصمت إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). قوله: وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على معاذ. قوله ﷺ : "قد سألت عن عظيم" سيأتي الكلام على صوم رمضان والحج، وتقدم الكلام على الصلاة، والكلام الآن على الزكاة والله أعلم. ١١٠٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الزَّكَاة قنطرة الْإِسْلَام، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير وَفِيه ابْن لَهِيعَة وَالْبَيْهَقِيّ وَفِيه بَقِيَّة بن الْوَلِيد (٢). ١١٠٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاث أَحْلف عَلَيْهِنَّ لَا يَجْعَل الله من لَهُ سهم فِي الْإِسْلَام كمن لَا سهم لَهُ وأسهم الْإِسْلَام ثَلَاثَة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلَا يتَوَلَّى الله عبدا فِي الدُّنْيَا فيوليه غَيره يَوْم الْقِيَامَة، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (٣).

стр. 2886

قوله: وعن أبي الدرادء تقدم الكلام على أبي الدرداء. قوله ﷺ : "الزكاة قنطرة الإسلام" معناه إذا أداها على وجهها كانت له قنطرة إلى الجنة، قوله فيه ابن لهيعة وبقية بن الوليد تقدم الكلام على ابن لهيعة، وأما بقية فهو ابن الوليد بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي الحميري الميتمي، أبو يحمد الحمصي أحد الأعلام ثقة عند الجمهور لكنه كثير التدليس عن الضعفاء (١). ١١٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لمن حوله من أمته اكفلوا لي بست أكفل لكم بِالْجنَّةِ، قلت مَا هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْأَمَانَة والفرج والبطن وَاللِّسَان، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (٢). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "أنه قال لمن حوله من أمته اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة" الكفالة: الضمان، قوله: قلت: ما هي يا رسول الله قال: "الصلاة والزكاة والأمانة والفرج والبطن واللسان" تقدم الكلام على الصلاة والزكاة، وسيأتي الكلام على الْأَمَانَة والفرج والبطن وَاللِّسَان كل واحدة في بابها والله أعلم.
следующие страницы →