← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 327–366 · переход к 332.

стр. 327

يخص بعض الأشياء وينفي عن بعضها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، فقوله ﷺ : "إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم" أي: يثيبكم عليها ولا تقربكم منه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (٢) ويستفاد من هذا الحديث فوائد: أحدها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعروضه وتطهيره عن مذموم صفاته واتصافه بمحمودها، فإنه كما كان القلب هو محل نظر اللّه فحق للعالم بقدر إطلاع اللّه تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته اللّه تعالى بسببه. الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على أعمال بالجوارح لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن باللّه تعالى مخلص فيما يعمله ثم لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه (٣) وهو الذي عبر عنه بالإحسان حيث قال: "أن تعبد اللّه كأنك تراه" (٤) وبقوله: "إن في

стр. 328

الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (١) الحديث. الثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهر وأعمال القلب غيبت عنا فلا نقطع بعيب أحد لما نرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم اللّه من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطًا أو معصية يعلم اللّه من قلبه وصفا محمودًا يغفر له بسببه فالأعمال إما رأت ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة وعدم احتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة بل نحتقر ونذم تلك الحالة السيئة لا تلك الذات المتسببة، فتدبر هذا فإنه نظر دقيق (٢) انتهى، قاله في الديباجة. واعلم أن القلب عضو شريف فيه نور الإيمان وأنه موضع التقوى قال ﷺ : "التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه" (٣)، والأعمال وسائل بها يتقرب العباد إلى اللّه تعالى وبها يظهر المطيع من العاصي فصار كل منهما محل نظره تعالى بخلاف الصور لأن المقصود منها ما هو في بواطنها من معرفة خالقها والعلم بذاته وصفاته وبخلاف الأموال، لأن الدنيا ما تزن عند اللّه جناح بعوضة فما ظنك بالأموال، انتهى.

стр. 329

ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (١). فائدة: قال الإمام المازري: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس (٢) فالعقل هو التثبت في الأمور وجمعه عقول سمي بذلك لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه، وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوانات وهو ضد الحمق، وقال المحاسبي: هو نور في القلب يفيد الإدراك وذلك النور يقل ويكثر فإذا قوي فمع ملاحظة الهوي قيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لو يؤمنوا وقد وصفهم اللّه بالعقل فقال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ (٣) وكانت قريش تدعي أهل الإحلام والنهى، فقال تلك عقول كادها اللّه تعالى أي: لم يصحبها التوفيق، وقال: قوم أحلامهم أذهانهم وأن العقل لا يعطي لكافر إذ لو كان له عقل لآمن إنما الكافر الذَّهن، روي الترمذي الحكيم بسنده أن رجلًا قال: يا رسول اللّه ما أعقل فلانا النصراني؟ فقال: مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول اللّه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ

стр. 330

السَّعِيرِ (١٠)﴾ (١) (٢) وأجاب الجمهور: عن هذا يحمل هذا على العقل النافع، واختلف العلماء في محل العقول فقال أصحابنا وجمهور المتكلمين أنه في القلب، وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطباء أنه في الدماغ (٣)، واللّه أعلم. ٢٠ - عَن أبي كبْشَة الأنمَارِي ﵁ أَنه سمع رَسُول اللّه ﷺ يَقُول ثَلَاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه، قَالَ: مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده اللّه عزا وَلا فتح عبد بَاب مَسْألة إِلَا فتح اللّه عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نَحْوهَا، وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه اللّه مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم للّه فِيهِ حَقًا فَهَذَا بِأَفْضَل الْمنَازل وَعبد رزقه اللّه علما وَلم يرزقه مَالا فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فأجرهما سَوَاء وَعبد رزقه اللّه مَالا وَلم يرزقه علما يخبط فِي مَاله بِغَيْر علم وَلا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلا يصل فِيهِ رَحمَه وَلا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأخبث الْمنَازل وَعبد لم يرزقه اللّه مَالا وَلا علما فَهُوَ يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت فِيهِ بِعَمَل فلان فَهُوَ بنيته فوزرهما سَوَاء" (٤). رواه أحمد والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن صحيح.

стр. 331

ورواه ابن ماجه ولفظه "قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : مثل هَذِه الأمة كَمثل أَرْبَعَة نفر رجل آتَاهُ اللّه مَالا وعلما فَهُوَ يعْمل بِعِلْمِهِ فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي حَقه وَرجل آتَاهُ اللّه علما وَلم يؤته مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ بِمثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول اللّه ﷺ فهما فِي الأجر سَوَاء وَرجل آتَاهُ اللّه مَالا وَلم يؤته علما فَهُوَ يخبط فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي غير حَقه وَرجل لم يؤته اللّه علما وَلا مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ مثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول اللّه ﷺ فهما فِي الْوزر سَوَاء" (١). قوله: عن أبي كبشة الأنماري؛ أبو كبشة [المزحجي له صحبة (٢)]، اسمه عمرو بن سعد، وقيل: عامر بن سعد، وقيل: عمر بن سعد، وقيل: غير ذلك نزل الشام وكان قدومه إليها مع عمر روى له أبو داود والترمذي والبيهقي هذا الحديث، وأبو كبشة الذي في الكتب الستة ثلاثة الأنماري ها والسدوسي والسلولي (٣) قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفطوه ... " الحديث. أي: اقسم باللّه عليهن، والقسم هو الحلف. قوله ﷺ : "ما نقص مال من صدقة ... "الحديث. وعدم نقص المال من الصدقة لأجل أن اللّه تعالى يبارك فيه (٤)، وسمي المال مالا لميل القلوب به

стр. 332

عن اللّه (١)، وقد روي عن غير واحد من أهل اليقين والمعرفة أنهم عدوا الدراهم أو وزنوها ثم تصدقوا منها فوجدوها بحالها لم تنقص، والإسناد صحيح (٢)، والنبي ﷺ صادق لكن أفهامنا تقصر عن إدراك مثلها، فنكل علمه إلى قائله ﵊ وإلى باعثه ﷻ ، قاله صاحب المغيث (٣)، وذكر العلماء أيضا في نقص المال وجهين، أحدهما: معناه أن يبارك فيه وتدفع عنه المفسدات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا يدرك بالحس والعادة، والوجه الثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المترتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة (٤)، واللّه أعلم. قوله ﷺ : "ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده اللّه عزًا" المظلمة بفتح الميم وكسر اللام اسم ما أخذه الظالم ظلما قوله: (فصبر) أي: العبد (عليها) أي: على تلك المظلمة ولو كان متضمنا لنوع عن المذلة (إلا زاده اللّه بها عزا) أي: عنده تعالى، كما أنه يزيد للظالم عنده ذلا بها أو يزيده اللّه بها عزا له في الدنيا معاقبة، كما يحصل للظالم ذل بها ولو بعد حين من المدة، بل ربما ينقلب الأمر ويجعل الظالم تحت ذل المظلوم جزاء وفاقا، قوله (ولا فتح عبد) أي: على نفسه (باب مسألة) أي: باب سؤال وطلب من الناس لا

стр. 333

لحاجة وضرورة، بل لقصد غنى وزيادة (إلا فتح اللّه عليه باب فقر) أي: باب احتياج آخر وهلم جرا، أو بأن سلب عنه ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من النقمة، كما هو مشاهد في أصحاب التهمة، ومثل حاله بالحمار الذي ليس له الذنب، وهو دائر في الطلب، فدخل في بستان حريصا عليه فقطع الحارث أذنيه، وشبه أيضا بكلب في فمه عظم، ومر على نهر لطيف يظهر من تحته عظم نظيف، ففتح الكلب فمه حرصا على أخذ ما في قعر الماء فوقع ما في فمه من العظم في الماء، فالحرص شؤم والحريص محروم (١). قوله ﷺ : "وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه اللّه مالا وعلما فهو يتقي اللّه فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم للّه فيه حقا فهذا بأفضل المنازل" الحديث، تقدم الكلام على النفر في أول الباب في حديث الغار مبسوطا، ويجوز في قوله: "وعبد رزقه اللّه مالًا" الكسر والرفع، والمراد بالرحم: صلة الأقارب، والمراد بقوله: "يعلم للّه فيه حقًّا" الزكاة المفروضة الواجبة في ماله. قوله ﷺ : "وعبد رزقه اللّه علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ... " الحديث. قال العلماء: ومتى اقترن بالنية قول أو سعى تأكد الجزاء والتحق صاحبه بالعامل لهذا الحديث، وقد حمل قوله "فهما في الأجر سواء" على استوائهما في أصل أجر العمل دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه ولم

стр. 334

يعمله فإنهما لو استويا من كل وجه لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات وهو خلاف النصوص ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وقال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضل عليهم المجاهدون هم القاعدون من أهل الأعذار (٢) انتهى، فالعاقل يغبط من أنفق ماله في سبل الخيرات ونيل علو الدرجات (٣). واعلم أن من عجز عن عمل خير وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر كما قال في هذا الحديث قال: لو كان لي مال لعملت فيه ما عملت فيه فلان أنهما سواء في الأجر أو الوزر، وقد قيل إنهما سواء في أصل الأجر دون المضاعفة فإنها تختص بالعامل كما تقدم نقله فمن هاهنا كان أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرد هذه المشاركة ويطلبون أن يعملوا أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها ليفوزوا بثواب يقاوم ثواب تلك الأعمال ويضاعف لهم كما يضاعف أولئك فيستووا هم وأولئك العمال في الأجر كله (٤). انتهى. لطيفة في المعنى: روى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال: يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في اللّه تعالى فيوجد للغني فضل عمل

стр. 335

فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يا رب لم رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك فيقول اللّه تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله فيقول يا رب لقد عملت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع فيقول: صدق فارفعوه إلى منزل صاحبه ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في اللّه تعالى فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض لم رفعته علي فيقول بما كان يعمل في صحته، فيقول: يارب لقد عملت لو صححتني لعملت كما كان عمل، فيقول اللّه: صدق فارفعوه على درجة صاحبه ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في اللّه تعالى. فيقول مثل ذلك ويؤتى بحسن الخلق وسيئ الخلق فيقول يا رب لم رفعته عليّ وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك، فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابًا انتهى، قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (١). قوله ﷺ : "وعبد لم يرزقه اللّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، فوزرهما سواء" ذم النبي ﷺ الرجل المذموم لتمنيه المعصية لا من جهة حبه أن يكون له من النعمة مثل ما لأخيه، وهذا هو الحسد، ومدح الأول، لأنه من الغبطة لا من الحسد، والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات، قال اللّه تعالى حاكيا عن قارون ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ

стр. 336

لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) (٢) فإن قول القائل بلسانه: لو أن لي مالا لعملت فيه بالمعاصي كما عمل فلان ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها، وإنما أخبر عما هم به فقط مما متعلقه إنفاق المال في المعاصي وليس له مال بالكلية، وأيضًا في الكلام بذلك محرم، فكيف يكون معفو عنه غير معاقب؟ (٣)، واللّه أعلم. ٢١ - عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ فِيمَا يروي عَن ربه إِن اللّه كتب الْحَسَنَات والسيئات ثمَّ بَين ذَلِك فَمن هم بحسنة فَلم يعملها كتبهَا اللّه عِنْده حَسَنَة كَامِلَة فَإِن هم بهَا فعملها كتبهَا اللّه عِنْده عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كثِيرَة وَمن هم بسيئة فَلم يعملها كتبهَا اللّه عِنْده حَسَنَة كَامِلَة وَإِن هُوَ هم بهَا فعملها كتبهَا اللّه سَيِّئَة وَاحِدَة زَاد فِي رِوَايَة أَو محاها وَلا يهْلك على اللّه إِلَا هَالك" (٤) رواه البخاري ومسلم. قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقب ابن عباس قريبًا. قوله ﷺ : "إن اللّه كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ... " الحديث. وفي نسخة: "ثم بين ذلك في كتابه، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة"، وفي حديث أبي هريرة الذي بعده: "وإذا أراد عبدي أن يعمل حسنة فلم يعملها اكتبوها له حسنة ما لم يعملها" (٥) ففي هذا الحديث والأحاديث بعده بيان ما أكرم اللّه تعالى به هذه الأمة زادها اللّه تعالى شرفا وكرما وخفف عنهم

стр. 337

مما كان على غيرهم من الإصر والثقل والمشاق (١)، وفيه: بيان ما كانت الصحابة ﵃ عليه من المسارعة إلى الانقياد لأحكام الشرع (٢)، والظاهر أن المراد بقوله ﷺ في الرواية الأخرى عن اللّه : "وإذا تحدث بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها" المراد بالتحدث: حديث النفس وهو الهم (٣)، ولا يتوقف ذلك على أن تحدثه به لسانه (٤). قال النووي ﵀: وقد دل على ذلك قوله في حديث ابن عباس ﵄: "وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة" والظاهر: أن المراد إذا منعه من ذلك عذر ولا تكتب له الحسنة بمجرد الهم مع الانكفاف عن الفعل بلا عذر، ويحتمل حمله على إطلاقه وأن مجرد الهم بالخير قربة، وإن لم يمنع منه مانع (٥)، وفي حديث خريم بن فاتك: "من هم بحسنة فلم يعملها فعلم اللّه أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة" (٦) فهذا يدل على أن المراد بالهم هنا هو العزم الذي يوجد معه الحرص على العمل لا مجرد الخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم (٧).

стр. 338

قوله ﷺ في الحسنة: "فإن هم بها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات" وفي حديث أبي هريرة: "فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها ... " الحديث. فمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فمعناه: أن التضعيف بعشر أمثالها لابد منه بفضل اللّه ورحمته ووعده الذي لا يخلفه (١)، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢) (٣). وفي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم في الدعوات في الحسنات يقول اللّه ﵎: "مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ" (٤). قوله ﷺ : "إلى سبعمائة ضعف"، قال النووي (٥): وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٦)، وقد حكى أبو الحسن الماوردي أقضى القضاة عن بعض العلماء أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة وهو غلط، فقيل: المراد: يضاعف هذا التضعيف وهو السبعمائة، وقيل: المراد: يضاعف فوق السبعمائة لمن يشاء، وفي رواية لابن ماجه: "إلى سبعمائة ضعف" (٧).

стр. 339

قوله: "إلى أضعاف كثيرة" فقد ورد التضعيف بذلك في الحديث، ففيه التصريح بالمذهب الصحيح المختار عند العلماء أن التضعيف لا يقف على سبعمائة (١) فالزيادة بعد تكثير التضعيف إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته (٢). وقال الكرماني (٣): وإن قلنا إن معنى تضاعف السبعمائة ضعف بأن يزيد عليها فذلك في مشيئة اللّه، وأما المتحقق فهو إلى سبعمائة فقط، وقال في موضع آخر (٤): فإن قلت: كيف يكون سبعمائة فقط واللّه يضاعف لمن يشاء، قلت: هذا أقله والتخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائدة واللّه أعلم. فزيادة المضاعفة على العشر لمن يشاء اللّه أن يضاعف له دليله قوله ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله : ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) فدلت هذه الآيات على أن النفقة في سبيل اللّه تضاعف بسبع مائة ضعف (٦). تتمة: قال الجوهري (٧): ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، هذا في غير

стр. 340

الوصية انتهى، ودليل الزيادة على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن اللّه تعالى يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة ثم تلى ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) (٢). وخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من دخل السوق فقال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب اللّه له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة" (٣) وفي حديث تميم الداري مرفوعًا: "من قال أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له أحدًا صمدًا عشر مرات كتب اللّه له أربعين ألف ألف حسنه" (٤) وفي حديث الصيام: "فإنه لي وأنا أجزي به" يدل على أن الصيام لا يعلم قدر مضاعفتة ثوابه إلا اللّه تعالى لأنه أفضل أنواع الصبر وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، قاله ابن رجب (٥). وفي حديث ابن عباس من حج من مكة ماشيا حتى يرجع كتب اللّه بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل: ومن حسنات

стр. 341

الحرم قال: "بكل حسنة مائة ألف حسنة" قال شيخ الإسلام قاضي القضاة ولي الدين العراقي (١): قال والدي في شرح الترمذي: فهذا أكثر ما رأيته ورد في التضعيف وهو بكل خطوة سبعين ألف ألف حسنة، قال: والجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة أنه لم يرد بحديث أبي هريرة انتهاء التضعيف بدليل أن في بعض طرقه كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فقد بين بهذه الزيادة أن التضعيف يزاد على السبعمائة، والزيادة من الثقة على الصحيح، انتهى واللّه أعلم. واعلم أن مضاعفة الإخلاص في الحسنات زيادة على العشر يكون بحسب حسن الإسلام كما جاء ذلك مصرحًا في حديث أبي هريرة وغيره تكون بحسب كمال الإخلاص وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه وبحسب الحاجة إليه، واللّه أعلم قاله الكرماني (٢). قوله ﷺ : "ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسن كاملة، وإن هم هو بها فعملها كتبها اللّه سيئة واحدة" الحديث، قال الإمام المازري: مذهب القاضي أبي بكر بن أبي الطيب أن من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ويحمل ما وقع في هذه الأحاديث وأمثالها على أن ذلك فيمن لم يوطن نفسه على المعصية، وإنما يمر ذلك بفكره من غير

стр. 342

استقرار، ويسمى هذا (همًا)، ويفرق بين الهم والعزم، وهذا مذهب القاضي أبي الطيب وطائفة كبيرة من الفقهاء والمحدثين، وأخذوا بظاهر الحديث، قال القاضي عياض ﵀: عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر للأحاديث الدالة على المؤاخذة بأعمال القلوب، قال الله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) أي: عزمت عليه قلوبكم وقصدتموه إذ كسب القلب عزمه ونيته، وفي الآية دليل لما عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها لكنهم قالوا: إن هذا العزم يكتب سيئة، وليست السيئة التي هم بها لكونه لم يعملها، وقطعه عنها قاطع غير خوف الله تعالى والإنابة لكن نفس الإصرار والعزم معصيةً فتكتب معصية، فإذا عملها كتبت معصية ثانية، فإن تركها عبدي بأن عمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها الحديث. [فإن تركها خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: "إنما تركها من جرائي" فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس، هل يكتب حسنة؟ قال: لا، لأنه إنما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت

стр. 343

نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر (١)، والله أعلم، ومذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه بخلاف الخاطر (٢)، انتهى، قاله في شرح الإلمام. قال الإمام أبو جعفر الطحاوى هذا الحديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب وعقدها وبذلك جزم النووي أيضا خلافا لمن قال أنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (٣). والله أعلم. ٢٢ - عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَقُول الله إِذا أَرَادَ عَبدِي أَن يعْمل سَيِّئَة فَلَا تكتبوها عَلَيْهِ حَتَّى يعملها فَإِن عَملهَا فاكتبوها بمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا من أَجلي فاكتبوها لَهُ حَسَنه وَإِن أَرَادَ أَن يعْمل حَسَنَة فَلم يعملها اكتبوها لَهُ حَسَنَة فَإِن عَملهَا فاكتبوها لَهُ بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة" (٤). رواه البخاري واللفظ له ومسلم. ٢٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم (٥) "قَالَ رَسُول الله ﷺ من هم بحسنة فَلم يعملها كتبت لَهُ حَسَنة وَمن هم بحسنة فعملها كتبت لَهُ عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف وَمن هم بسيئة فَلم يعملها لم تكْتب عَلَيْهِ وَإِن عَملهَا كتبت".

стр. 344

٢٤ - وَفِي أُخْرَى لَهُ "قَالَ عَن مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله إِذا تحدث عَبدِي بِأَن يعْمل حَسَنَة فَأَنا أَكتبهَا لَهُ حَسَنَة مَا لم يعملها فَإِذا عَملهَا فَأَنا أَكتبهَا لَهُ بِعشر أَمْثَالهَا وَإِذا تحدث بِأَن يعْمل سَيِّئَة فَأَنا أغفرها لَهُ مَا لم يعملها فَإذا عَملهَا فَأَنا أَكتبهَا لَهُ بِمِثْلِهَا وَإِن تَركهَا فاكتبوها لَهُ حَسَنَة إِنَّمَا تَركهَا من جراي" (١). قوله ﷺ : "إنما تركها من جرائي" قال الحافظ (٢): هو بفتح الجيم وتشديد الراء أي من أجلي. وقال غيره: أي من أجلي وبسببي، وجراء: تمد وتقصر يقال: فعلت ذلك من جراك ومن جرائك أي من أجلك (٣)، وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركه لله ، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح فإما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن بذلك ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك (٤). وأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر

стр. 345

جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل" (١) ومن سعى في حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله ﷺ : "بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٢). وقوله ﷺ في الحديث: "ما لم تتكلم به أو تعمل" (٣) يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه، ويدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: "لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان " يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله قال "فهما في الوزر سواء" (٤).

стр. 346

المعصية بأحد الحرمين تنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا عملها كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) قال قتادة (٢) في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وقد روى في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان جماعة من الصحابة يتقون سكني الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة (٣)، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات (٤)، وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة

стр. 347

على نحو ذلك وقد تضاعف السيئات لشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد (١). قوله ﷺ في حديث ابن عباس: زاد في رواية: "أو محاها" يعني أن عمل السيئة أن تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستعفار وعمل الحسنات (٢). وقوله بعد ذلك: "ولا يهلك على الله هالك" أي: لا يعاقب مع هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: "لا يهلك على الله إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في الحسنات وأعرض عنها" ولهذا قال ابن مسعود ﵁: ويل لمن غلب وحداته عشراته، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ مرفوعا هكذا: من غلب واحدة عشرا انتهى كلام ابن رجب (٣). سؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار (٤).

стр. 348

تنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى من الدنيا جميعًا. سؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في مطالبته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم توفي العباد من أصواب حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها قاله أيضا في كشف الأسرار (١)، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن النبي ﷺ قال لرجل يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات والسيئات فقال يا رسول الله سوف أبني ولا أهدم" (٢)، علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة بعد الحسن وأقبح السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من المرض الأول (٣). ٢٥ - عَن معن بن يزِيد ﵄ قَالَ: كَانَ أبي يزِيد أخرج دَنَانِير يتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجئْت فأخذتها فَأَتيْته بهَا فَقَالَ وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد

стр. 349

وَلَك مَا أخذت يَا معن" (١) رواه البخاري. قوله: وعن معن بن يزيد [هو معن بن يزيد بن الأخنس بن حبيب بن جرة بن زعب بن مالك بن عفاف بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، أبو يزيد السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة، وقد اختلف في نسبه نزل الكوفة، وقدم مصر سنة ثلاث وأربعين، وصار إلى الإسكندرية، وكان له بدمشق دار، وشهد يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس سنة أربع وستين، وقتل ابنه ثور بن معن بن يزيد يومئذ. وروي عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد بن الأخنس هو وأبوه وجده شهدوا بدوا، قال: ولا أعلم رجلا هو وابنه وابن ابنه مسلمين شهدوا بدرا غيرهم، ولم يتابعه أحد على هذا القول (٢)]. قوله: كان أبي يزيد أخرج دنانير، فتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فذكر الحديث إلى أن قال: فخاصمته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة، ولك ما أخذت يا معن" الحديث، أي: لك ما نويت يا يزيد من أجر الصدقة وهو التقرب والثواب، لأنك نويت أنا تتصدق بها على من يحتاج إليها، ورأيتك تحتاج إليها" وقوله: "ولك ما أخذت يا معن لأنك أخذتها محتاجا إليهًا" ففي هذا الحديث إشارة

стр. 350

إلى جواز التصدق على الفرع، وذلك إنما يجوز في الصدقة النافلة فيحمل عليها، فأخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه وإن كان أكثر الصحابة على خلافه، فإن الرجل إنما يمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة، فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية، وهو من أهل إستحقاق الصدقة في نفس الأمر، ولهذا لو دفع صدقة إلى من يظنه فقيرًا فكان غنيًا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته، انتهى، قاله ابن رجب (١). ٢٦ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: قَالَ رجل: لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وزانية وغني فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته، وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله" (٢).

стр. 351

رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائيِّ قَالَا فِيهِ "فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد تقبلت ... " ثمَّ ذكر الحَدِيث. قوله: وعن أبي هريرة، تقدمت ترجمته. قوله ﷺ : "قال رجل: لأتصدقن بصدقة" أي: والله لأتصدقن بصدقة (١). قوله: "فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون، تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق" أي: على التصدق على سارق، ولفظ: "تصدق على سارق" إخبار في معنى التعجب أو الإنكار وهو بلفظ المجهول (٢). فوله: "فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية" الحديث، فلما جوزي بوضعه في يد زانية حمد الله تعالى على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالا من الزانية، أو يجري لك الحمد مجرى سبحان الله في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيمًا لله تعالي، فلما تعجبوا من فعله وقالوا: تصدق على الزانية تعجب أيضًا من فعل نفسه، وقال: الحمد لله، انتهى، قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ : "فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق" الحديث، وفي الرواية

стр. 352

الأخرى: "صدقتك فقد قبلت" أتي بلفظ المجهول وعبارة بعضهم على البناء للمفعول ومعناه: أتاه آت في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أفتى له عالم نبيا أو غيره والله أعلم قاله الكرماني (١) وغيره. واعلم أنه استعمل لعل في قوله لعله تارة استعمال عسى وأخرى استعمال كاد، وفيه دليل على أن الله يجزي العبد على حسب نيته في الخير لأن هذا المتصدق لما قصد بصدقته وجه الله تعالى قبلت منه ولم يضره وضعها عند من لا يستحقها وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة المفروضة فلا يجزئ دفعها إلى الأغنياء وإن كان فيه اعتبار لمن تصدق عليه بأن يتحول عن الحال المذمومة إلى الحال المحمودة فيستعف السارق من سرقته والزانية من زناها والغني من إمساكه انتهى قاله الكرماني (٢)، وقال الإمام القرطبي (٣): فيه إشعار بألم قلبه إذا ظن أن صدقته لم توافق محلها وإن ذلك لم ينفعه ولذلك كرر الصدقة فلما علم الله تعالى صحة نيته تقبلها منه واعلمه بقبول صدقاته ويستفاد منه صحة الصدقة وإن لم توافق محلًّا مرضيًّا إذا حسنت نية المتصدق، فأما لو علم المتصدق أن المتصدق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية لحزم عليه ذك فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، انتهى.

стр. 353

٢٧ - عَن أبي الدَّرْدَاء يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ" (١) رَوَاهُ النَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي ذَر أَو أبي الدَّرْدَاء على الشَّك. قوله: وعن أبي الدرداء يبلغ به النبي ﷺ ، أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل غير ذلك، واختلفوا في أنه شهد أحدا أم لا، وأنه لم يشهد بدر، وقد شهد أكثر المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وولاه أمير المؤمنين القضاء بدمشق وفرض له عمر أربعمائة درهم في الشهر وألحقه بالبدريين وكان ﵁: تاجرًا قبل البعثة فلما بعث النبي ﷺ ترك التجارة واشتغل بالعبادة وقال فيه النبي ﷺ : "نعم الفارس عويمر" وقال فيه "حكيم أمتي عويمر" وقرأ القرآن على النبي ﷺ وجمعه في حياته، قال الذهبي: ولما مرض أبو الدرداء دخل عليه أصحابه يعودونه فقالوا: ما تشتكي، قال: ذنوبي، فقالوا: ما تشتهي قال أشتهي الجنة، فقالوا: ألا ندعوا لك طبيبا، قال: الطبيب هو الذي أمرضني، وقال عبد الله بن عتبة: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عمل أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار، توفي أبو الدرداء بدمشق سنة اثنتين وثلاثين في

стр. 354

خلافة عثمان ﵁ ومناقبه كثيرة (١). قوله ﷺ : "من أتى فراشه هو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى" الحديث وفي بعض النسخ فغلبته عينه على الأفراد هو عن النوم، وروي عن سعيد بن المسيب ﵁ قال: "من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو وحيل بينه وبين ذلك بلغه الله ما نواه" (٢). وقال أبو عمران الجوني: ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه قد نواه، انتهى، وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا في صحفنا فيقول إنه نواه إنه نواه" (٣) قلت: ولهذا المعنى ونحوه قيل إن نية المؤمن خير من عمله قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (٤) والله تعالى أعلم.

стр. 355

الترهيب من الرياء، وما يقوله من خاف شيئا منه الرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع، والرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير (١)، وقيل: الرياء هو أن تكون طاعة الإنسان بين الناس أحسن وأتم من طاعته في خلوته، وبعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض (٢)، قال الفضيل بن عياض ﵀: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص الخلاص من هذين، ومعنى قوله ﵀: أن من عزم على عبادة الله تعالى ثم تركها مخافة أن يطلع عليه الناس فهو مرائي (٣) لأنه لو كان عمله لله تعالى لم يضره إطلاع الناس عليه، ومن عمل لأجل أن يراه الناس فقد أشرك في الطاعة (٤)، وقد قال الله تعالى في الخبر الرباني: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك" (٥)، والحاصل أن الباعث على العمل أي الحامل للشخص عليه إن كان لله تعالى فهو الإخلاص فإن تركه من أجل الناس فهو رياء والمخلص من أخلص لله تعالى

стр. 356

ولم ير نفسه مخلصًا ولا رأى عمله مخلصا بل يثق برحمة الله تعالى ومتى رأى نفسه في مقام الإخلاص خيف عليه من العجب بل ينبغي أن يكون على وجل وإن كان الباعث له على العمل نظرالناس إليه والطمع في إكرامهم والقرب منهم فهذا محض الرياء وإن كان الباعث له الأمرين فظاهر الحديث أنه مردود عليه يحمله، وقال السمرقندي: ما فعله لله تعالى قبل وما فعله للناس ردَّ، ومثال ذلك: من صلى الظهر وقصد بها أداء ما افترض الله عليه ولكن طولها وحسن أفعالها وأطال قراءتها من أجل الناس فأصل الصلاة منه مقبول لأنه بها في الأول وجه الله تعالى، وأما طوله فيها من أجل الناس غير مقبول لقصده به غير الله تعالى (١).

стр. 357

[من صلى فطولها من أجل الناس] وسُئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عمن صلى فطول صلاته من أجل الناس فقال: نرجو له أن لا يحبط عمله (١)، ومراده مجموع عمله وكلام السمرقندي يوضحه، وما ذكره الفضيل يستثني منه مسألة لا يكون الترك فيها من أجل الناس رياء، وذلك إذا كان الشخص يعلم أنه متى فعل الطاعة بحضرة الناس أذوه واغتابوه فإن الترك من أجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليهم ورحمة وعلى ذلك يحمل قوله ﷺ : "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقفن في مواقف التهم" (٢) لأنه إذا وقف فيها خاض الناس في عرضه فكأنه بوقوفه حملهم على المعصية وموقعا لهم فيها (٣)، والله أعلم. ٢٨ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: إِن أول النَّاس يقْضى يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وقرأ القرآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ

стр. 358

تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارئ فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار" (١) رَوَا مسلم وَالنَّسَائيِّ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلاهُمَا بِلَفْظ وَاحِد. قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال" الحديث، قال النووي (٢): قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير وجه الله وإدخالهم النار فيه دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) انتهى.

стр. 359

قال الماوردي (١): والإخلاص في كلامهم النية وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين أموالهم في وجوه الخير لله محمول على من فعل ذلك لله مخلصًا، وفي الخبر أيضًا أنه يقال لهم يوم القيامة: "صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم فقد قيل ذلك" أخرجه مسلم في صحيحه بمعناه. واعلم أن أنواع النية في الجهاد لا تنحصر لتنوع المقاصد فيه ولكن نذكر منها ما هو الغالب وجودًا أو يقاس عليه ما قد يقع والتوفيق بيد الله فمنهم من يقصد بجهاده وجه الله لاستحقاقه هذه العبادة وأمره بها وافتراضها على عباده من غير التفات عنده إلى جزاء عليها في الآخرة، وهذا عزيز الوجود نادر الإمكان (٢)، ومثهم من يحمله على الجهاد غيرة الإسلام والحرص على إعلاء كلمة الله وإعزازها وإذلال كلمة الكفر وأهلها (٣)، ومنهم من يقصد بجهاده الجنة والنجاة من النار من غير تصور لغير ذلك وهذا هو الغالب وجودا، وقد قال بعضهم أن هذا القصد لا يكفيه في نيل رتبة الشهادة والظاهر الصحيح أن هذا القصد كاف في نيلها، ومما يدل على ذلك ترغيب الله في الجنة لمن جاهد في سبيله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٤) الآية

стр. 360

والآيات في هذا كثيرة والشريعة كلها طافحة بأن الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للنالس في العمل ومحال أن يرغبهم في العمل للثواب ويكون ذلك الثواب معلولًا مدخولًا (١). واعلم أن هذه النيات الثلاث كافيات في نيل المقصود كفيلات بدار الخلود غير أن هذه النية الأخيرة كالقشر بالنسبة إلى الأولى والثانية، وأما غزى رياء وسمعة وافتخارا ليقال هو غاز أو شجاع أو نحو ذلك ولك يخطر بباله قصد التقرب إلى الله تعالى البتة فهذا ليس بشهيد عند الله تعالى بلا خلاف بل هو خليق في صفقته بالخسران وجدير في آخرته بالمذلة والهوان وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة قبل الخلائق وإنما استوجب من الله تعالى هذا المقت العظيم وحق عليه العذاب الأليم لتقربه بالعبادة إلى غير من شرعها ويستحقها لذاته وعبد بها غيره، فختم له بالإشراك وقد قال النبي ﷺ : "اليسير من الرياء شرك" (٢) وإذا كان اليسير من الرياء شرك فكيف بالكثير سيما عند الخاتمة، نعوذ بالله من أسباب سخطه وموجبات عقابه، فإن غزى ونيته الأجر وأن يذكر أيضا بالغزو والشجاعة

стр. 361

والإقدام ونحو ذلك وكان بحيث لو وجد قتالًا بين من لا يعرفه ولا يتوقع منه مدحًا ولا منزلة وكان في ليل مظلم لا يرى فعله فيه أحد لم يقاتل ولو وجد قطاع طريق ونحوهم غير كفار لم تحمله رؤية الناس على قتال لهم طلبا للمحمدة وحدها فهذا أيضًا ليس بشهيد في الآخرة، وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد لقوله ﷺ في حديث أبي أمامة في رجل غزى يلتمس الأجر والذكر لا شيء له، وكذلك قال أبو الدرداء ﵁ في الرجل يحب أن يحمد ويؤجر فقال: لا أجر له ولو ضرب بسيفه حتى ينقطع انتهى، قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه (١). قوله: "ولكنك قاتلت ليقال: فلان جريء، فقد قيل" جريء: بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد أي شجاع قاله المنذري، وقال النووي: أي حاذق مقدام (٢). قوله: "ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" السحب الجر بعنف (٣). قوله: "ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل" الجواد هو [الذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخذ من ذل السؤال]. ٢٩ - عَن الْوَليد بن أبي الْوَليد أبي عُثْمَان الْمَدِينيِّ أَن عقبَة بن مُسلم حَدثهُ أَن شفيا الأصبحي حَدثهُ أَنه دخل الْمَدِينَة فَإِذا هُوَ بِرَجُل قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ من هَذَا قَالُوا أَبُو هُرَيْرَة قَالَ فدنوت مِنْهُ حَتَّى قعدت بَين يَدَيْهِ وَهُوَ

стр. 362

يحدث النَّاس فَلَمَّا سكت وخلا قلت لَهُ أَسأَلك بِحَق وبحق لما حَدَّثتنِي حَدِيثا سمعته من رَسُول الله ﷺ وعقلته وعلمته فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ علقته وعلمته ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة فَمَكثْنَا قَلِيلا ثمَّ أفاق فَقَالَ لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة أُخْرَى ثمَّ أفاق وَمسح عَن وَجهه فَقَالَ أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة شَدِيدَة ثمَّ مَال خارا على وَجهه فأسندته طَويلًا ثمَّ أفاق فَقَالَ حَدثنِي رَسُول الله ﷺ أَن الله ﵎ إِذا كانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يدعى بِهِ رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل الله وَرجل كثير المَال فَيَقُول الله للقارئ ألم أعلمك مَا أنزلت على رَسُولي قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَا علمت فِيمَا علمت قَالَ كنت أقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان قارئ وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِصَاحِب المَال فَيَقُول الله ألم أوسع عَلَيْك حَتَّى لم أدعك تحْتَاج إِلَى أحد قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَاذَا عملت فِيمَا آتيتك قَالَ كنت أصل الرَّحِم وأتصدق فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان جواد وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل الله فَيَقُول الله لَهُ فِي مَاذَا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول الله

стр. 363

لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله بل أردْت أَن يُقَال فلأن جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول الله ﷺ على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق الله تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْوَليد أَبُو عُثْمَان الْمَدِينيِّ وَأَخْبرنِي عقبَة أَن شفيا هُوَ الَّذِي دخل على مُعَاوِيَة فَأخْبرهُ بِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان وحَدثني الْعَلَاء بن أبي حَكِيم أَنه كَانَ سيافًا لمعاوية قَالَ فَدخل عَلَيْهِ رجل فَأخْبرهُ بِهَذَا عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ مُعَاوِيَة قد فعل بهؤلاء هَذَا فَكيف بِمن بَقِي من النَّاس ثمَّ بَكَى مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا حَتَّى ظننا أَنه هَالك وَقُلْنَا قد جَاءَ هَذَا الرجل بشر ثمَّ أَفاق مُعَاوِيَة وَمسح عَن وَجهه وَقَالَ صدق الله وَرَسُوله ﷺ من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لا يبخسون أُولَئِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِي الآخرة إِلَّا النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ" (١). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحْو هَذَا لم يخْتَلف إِلَّا فِي حرف أَو حرفين. قوله: عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني الوليد بن أبي الوليد عثمان، أبو عثمان المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: مولى عثمان، وقال بعضهم: الوليد بن الوليد، وهو وهم. قال عبد الرحمن: سُئل أبو زرعة عنه فقال: ثقة.

стр. 364

قوله: أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا حدثه، الشفي هو الأصبحي أبو سهيل، وقيل: أبو عبيد، شفي بن ماتع الأصبحي المصري، يعد في تابعي المصريين، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابنه، توفي سنة خمس ومائة، وهو أصح ما قيل في تاريخ وفاته (١). [قوله: قد دنوت منه حتى قعدت بين يديه، الدنو هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي: والله (٢)] لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ ، الحديث؛ لأحدثنك هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنك، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه، وحدثنا هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنك قاله الكرماني (٣). قوله: ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، نشغ بفتح النون والشين المعجمتين وبعدها غين معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه إشفاقا وخوفا انتهى قاله الحافظ (٤). وقال الكرماني (٥): النشغ الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي أي يعلوه نفسه كأنه شهيق من شدة ما يرد عليه انتهى. قوله: أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، وأما معاوية المذكور في الحديث، فيكنى أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن

стр. 365

حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، وأمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بالخيف من منى، بويع لمعاوية بالكوفة في شهر بيع الأول سنة إحدى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن ﵁ فاجتمع الناس عليه تسع عشرة سنة وأربعة أشهر سبعة عشر يوما وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة وشهور (١). [والناس مجتمعون عليه فيها ولي مروان بن الحكم المدينة وخالد بن العاص بن هشام مكة،، وقيل في سنة اثنتين وأربعين مات عمرو بن العاصي وقيل بل في سنة ثلاثة وأربعين وكانت ولايته مصر عشر سنين متفرقة وأربعة أشهر، قال المسعودي: مات عمرو بن العاصي وله من العمر تسعون سنة وولي معاوية فمان ابنه عبد الله وقيل بل ولي مكانه أخاه معاوية بن عتبة بن أبي سفيان وهو الصحيح وخلف عمرو بن العاصي من الدنانير ألفين ثلاثمائة ألف دينار ومن الورق ألفي ألف دينار، وغلال بمائة ألف دينار بمصر خزنة وضيعته المعروفة بالرهط وكان قيمتها عشرة ألف دينار انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا] (٣). قوله: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية فدخل عليه

стр. 366

رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. العلاء بن أبي حكيم الشامي وكان سيافا لمعاوية، واسم أَبِي حَكِيم يحيى. رَوَى عَن: شفي بْن ماتع الأصبحي، ومعاوية بْن أَبي سفيان رَوَى عَنه: أَبُو عُثْمَان الْوَلِيدُ بْنُ أَبي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ قال البخاري: يعد في الشاميين. وَقَال العجلي: شامي، تابعي، ثقة. قوله: ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (١)، قيل: نزلت هذه الآية في أهل الرياء (٢) والله أعلم. قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الفصيح في العاصي إثبات الياء ويجوز حذفها، وهذا الذي يستعمله معظم المحدثين أو كلهم، كنيته: أبو محمد وقيل أبو عبد الده، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم القرشي الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة وقيل: إحدى عشرة سنة، وأمه ريطة بنت مُنيَّة بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم، أسلمت وقالوا: وكان النبي ﷺ يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، أسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدًا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ ، وثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: ما كان أحدًا أكثر حديثًا عن رسول الله ﷺ منه إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب
следующие страницы →