فيحسن عليها الثناء، فذكرها يومًا فأدركتني الغيرة فقلت هل كانت إلا عجوزا وقد أخلف اللّه لك خيرا منها، قالت: فغضب رسول اللّه ﷺ حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: "واللّه ما أخلفني اللّه خير منها آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللّهُ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ فقلت بيني وبين نفسي: لا أذكرها بسوء أبدًا" (١)، توفيت ﵂ إذ مضى من النبوة عشر سنين وهي بنت [خمس] وستين سنة، وأما أكثر أولاده منها، وقيل: توفيت قبل الهجرة على المشهور وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام، وأما [ذريته] فمنها فَاطِمَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كلْثُومٍ، وَالْقَاسِمَ، وَعَبْدَ اللّهِ (٢) فهي أول [من آمنت باللّه ورسوله وصدقت] بما جاء منه [فخفف بها] اللّه عن رسوله الكفار فلا يسمع شيئًا يكرهه ولا يرد عليهم به" أحد منهم إلا جاء إليها ففرج اللّه عنه بها إذا رجع [إليها تثبته وتهون عليه خصها اللّه بالبشرى في حياتها] سلام منه على لسان جبريل ﵇ وبشرها ببيت في الجنة [من قصب لا صخب فيه ولا وصب]، قال الحافظ ابن عساكر (٣) عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ دخل على خديجة وهي في [مرض] الموت
стр. 2988
فقال: "يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السَّلام" قالت: يا رسول اللّه وهل تزوجت قبلي؟ قال: "لا ولكن اللّه زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى" وقال مجاهد عن ابن عمر نزل جبريل إلى رسول اللّه ﷺ بما أرسل به، وجلس يحدّث رسول اللّه ﷺ إذ مرت خديجة بنت خويلد، فقال جبريل: من هذه يا محمد؟ قال: هذه صديقة أمتي، قال جبريل: معي إليها رسالة من رب العالمين ﵎ يقرئها السَّلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب. قالت: اللّه السَّلام ومنه السَّلام، والسلام عليكما، ورحمة اللّه وبركاته على رسول اللّه ﷺ ، ما ذلك البيت الذي من قصب؟ قال: لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم، وهما من أزواجي يوم القيامة.
(١) شاركها في ذلك من النساء الصحابيات وأفضل أزواج رسول اللّه ﷺ خديجة واختلفوا في [عائشة] واللّه أعلم.
١١٥٦ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد ﵂ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ أَيّمَا امْرَأَة تقلدت قلادة من ذهب قلدت فِي عُنُقهَا مثلهَا من النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَأَيّمَا امْرَأَة جعلت فِي أذنها خرصا من ذهب جعل فِي أذنها مثله من النَّار يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد (٢).
стр. 2989
١١٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من أحب أَن يحلق جَبينه حَلقَة من نَار فليحلقه حَلقَة من ذهب وَمن أحب أَن يطوق جَبينه طوقا من نَار فليطوقه طوقا من ذهب وَمن أحب أَن يسور جَبينه بِسوار من نَار فليسوره بِسوار من ذهب وَلَكِن عَلَيْكُم بِالْفِضَّةِ فالعبوا بهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح (١).
قَالَ المملي ﵀: وَهَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ورد فِيهَا الْوَعيد على تحلي النِّسَاء بِالذَّهَب تحْتَمل وُجُوهًا من التَّأوِيل.
أَحدهَا: أَن ذَلِك مَنْسُوخ فَإِنَّهُ قد ثَبت إِبَاحَة تحلي النِّسَاء بِالذَّهَب.
الثَّانِي: أَن هَذَا فِي حق من لَا يُؤَدِّي زَكَاته دون من أَدَّاهَا وَيدل على هَذَا حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب وَعَائِشَة وَأَسْمَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك فَروِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه أوجب فِي الْحلِيّ الزَّكَاة وَهُوَ مَذْهَب عبد اللّه بن عَبَّاس وَعبد اللّه بن مَسْعُود وَعبد اللّه بن عَمْرو وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جُبَير وَعبد اللّه بن شَدَّاد وَمَيْمُون بن مهْرَان وَابْن سِيرِين وَمُجاهد وَجَابِر بن زيد وَالزهْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَاخْتَارَهُ ابْن الْمُنْذر. وَمِمَّنْ أسقط الزَّكَاة فِيهِ عبد اللّه بن عمر وَجَابِر بن عبد اللّه وَأَسْمَاء ابْنة أبي بكر وَعَائِشَة وَالشعْبِيّ وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْدَة. قَالَ ابن الْمُنْذر وَقد كَانَ الشَّافِعِي قَالَ بِهَذَا إِذا هُوَ بالعراق ثمَّ وقف عَنهُ
стр. 2990
بِمصْر وَقَالَ هَذَا مِمَّا أستخير اللّه تَعَالَى فِيهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: الظَّاهِر من الآيَات يشْهد لقَوْل من أوجبهَا والأثر يُؤَيّدهُ وَمن أسقطها ذهب إِلَى النّظر وَمَعَهُ طرف من الأَثر وَالاحْتِيَاط أَدَاؤُهَا. وَاللّه أعلم.
الثَّالِث: أَنه فِي حق من تزينت بِهِ وأظهرته وَيدل لهَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد عَن ربعي بن خرَاش عَن امْرَأَته عَن أُخْت لِحُذَيْفَة أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ يَا معشر النِّسَاء مَا لَكِن فِي الْفضة مَا تحلين بِهِ أما إِنَّه لَيْسَ مِنْكُن امْرَأَة تتحلى ذَهَبا وتظهره إِلَّا عذبت بِهِ (١). وَأُخْت حُذَيْفَة اسْمهَا فَاطِمَة.
وَفِي بعض طرقه عِنْد النَّسَائِيّ عَن ربعي عَن امْرَأَة عَن أُخْت لِحُذَيْفَة ﵂ وَكَانَ لَهُ أَخَوَات قد أدركن النَّبِيّ ﷺ وَقَالَ النَّسَائِيّ بَاب الْكَرَاهَة للنِّسَاء فِي إِظْهَار حلي الذَّهَب ثمَّ صَدره بِحَدِيث عقبَة بن عَامر أَن رَسُول اللّه ﷺ كَانَ يمْنَع أَهله الْحِلْية وَالْحَرِير وَيَقُول إِن كُنْتُم تحبون حلية الْجنَّة وحريرها فَلَا تلبسوهما فِي الدُّنْيَا.
وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضًا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). ثمَّ رأى النَّسَائِيّ فِي الْبَاب حَدِيث ثَوْبَان الْمَذْكُور وَحَدِيث أَسمَاء.
١١٥٨ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ كنت قَاعِدا عِنْد النَّبِيّ ﷺ فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت يَا رَسُول اللّه سِوَارَيْنِ من ذهب قَالَ سِوَارَيْنِ من نَار، قَالَت يَا رَسُول اللّه طوق من ذهب قَالَ طوق من نَار، قَالَت قرطين من ذهب قَالَ
стр. 2991
قرطين من نَار قَالَ وَكَانَ عَلَيْهَا سوار من ذهب فرمت بِهِما (١).
الرَّابِع: من الاحْتِمَالَات أَنه إِنَّمَا منع مِنْهُ فِي حَدِيث الأسورة والفتخات لما رأى من غلظه فَإِنَّهُ مَظَنَّة الْفَخر وَالْخُيَلَاء وَبَقِيَّة الْأَحَادِيث مَحْمُولَة على هَذَا وَفِي هَذَا الاحْتِمَال شَيء وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن عبد اللّه بن عمر ﵄ أَن رَسُول اللّه ﷺ نهى عَن لبس الذَّهَب إِلَّا مقطعا (٢). وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضًا عَن أبي قلَابَة عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵄ أَن رَسُول اللّه ﷺ نهى عَن ركُوب النمار وَعَن لبس الذَّهَب إِلَّا مقطعا (٣). وَأَبُو قلَابَة لم يسمع من مُعَاوِيَة وَلَكِن روى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَن قَتَادَة عَن أبي قتادَة عَن أبي شيخ أَنه سمع مُعَاوِيَة فَذكر نَحوه وَهَذَا مُتَّصِل وَأَبُو شيخ ثِقَة مَشْهُور.
وَفِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وصحيح ابْن حبَان عَن عبد اللّه بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ، جَاءَ رجل إِلَى النَّبِيّ ﷺ وعَلِيهِ خَاتم من حَدِيد فَقَالَ مَا لي أرى عَلَيْك حلية أهل النَّار فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ من أَي شَيء أتخذه قَالَ من ورق لَا تتمه مِثْقَالا (٤). وَاللّه أعلم.
قوله: وعن أسماء بنت يزيد هي أسماء بنت [يزيد] بن السكن قال الحافظ أبو نعيم: وهي السائلة عن دم الحيض وأسماء هذه خطيبة النساء، وهي
стр. 2992
أنصارية أشهلية كنيتها أم سلمة ويقال: أم عامر بايعت رسول اللّه ﷺ وروت عنه أحاديث صالحة وشهدت اليرموك وقتلت يومئذ تسعة من الروم بعمود خبائها روى لها البخاري في الأدب والباقون سوى مسلم وهي ابنة عمة معاذ بن جبل كانت من ذوات العقل والدين، قال أبو عمر بن عبد البر: (١) روي عنها أتت النبي ﷺ فقالت: إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأي أن اللّه بعتك إلى الرجال والنساء فأمنا بك واتبعناك وإن معشر النساء مقصورات مخدرات قواعد بيوت وموضع شهوات الرجال وحاملات أولادهم وإن الرجال فضلوا بالجمعات وشهود الجنائز وإذ خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول اللّه، فالتفت رسول اللّه ﷺ بوجهه إلى أصحابه، وقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤلا عن دينها من هذه" فقالوا: بلى واللّه يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه ﷺ : "انصرفي بها أسماء واعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل أحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كلّ ما ذكرت للرجال" فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بما قال لها النبي ﷺ ا. هـ.
قوله ﷺ "أيما امرأة تقلدت بقلادة من ذهب قلدت عنقها مثلها من النار وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة" الخرص: بضم الخاء المعجمة وكسرها وإسكان الراء
стр. 2993
والصاد المهملتين هو (الحلقة) الصغيرة من الحلبي وهو من [حلى الأذن قيل] كان في الزمان الأول ثم نسخ وأبيح للنساء التحلى (بالذهب) قيل هو خاص بما لم تؤد زكاته ومنه الحديث أنه وعظ النساء وحثهن على الصدقة فجعلت المرأة تلقي الخرص والخاتم (١).
قوله ﷺ قال: "قرط من نار" القرط بضم القاف وسكون الراء قال ابن دريد: القرط كلّ ما علق في العنق من شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو خرز والأقرطة [جمع جمع] وفي الحديث دليل على جواز (التزين بها) ولبسها وإن كان فيها اسم اللّه تعالى واسمه.
قوله ﷺ وبعضها [(٢) ... ] الماوردي لبس الثوب المطرز بالقرآن واللّه أعلم.
[قوله عن أبي هريرة] تقدم الكلام على مناقبه.
قوله "من أحب أن يحلق جبينه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب" الحديث. (يحلق) بإسكان اللام وحكى الجوهري لغة رديئة في فتحها واللّه أعلم قال الحافظ (٣) ﵀: وهذه الأحاديث التي ورد فيها الوعيد على تحلى النساء بالذهب يحتمل وجهًا من التأويل أحدها: أن ذلك منسوخ، فإنه قد ثبتت إباحة تحلي النساء بالذهب. وقال في شرح الإلمام: وبتقدير الصحة
стр. 2994
في الجميع فذلك منسوخ بحديث الترمذي والنسائي، قال ﵊ في الذهب والحرير: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها وبحديث قالت: قدمَت حلية عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشيِّ أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللّهِ ﷺ بِعُودٍ مُعْرِضًا عَنْهُ - أَوْ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ - ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بنت أَبِي الْعَاصِ فقال: "تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ".
تنبيه: النسخ قال العُلماء: نسخ السنة بالسنة يقع على أربعة أوجه: أحدها: نسخ السنة المتواترة بالمتواتر، والثاني: نسخ خبر الواحد بمثله، والثالث: نسخ الأحاد بالمتواتر، والرابع: نسخ المتواتر بالأحاد فأما الثلاثة الأول فهي جائزة بلا خلاف وأما الرابع فلا يجوز عند الجمهور وقال: بعض أهل الظاهر يجوز واللّه أعلم، وسيأتي الكلام على النسخ بعبارة أوضح من هذه الثاني: من الاحتمالات (أن يكون) هذا في حق من لا يؤدي زكاته دون من [يؤدى زكاته] ويدل على هذا حديث عمرو بن شعيب وعائشة وأسماء أبنت يزيد، وقد اختلف العُلماء في ذلك فروى عن عمر بن الخطاب أنه أوجب في الحلي الزكاة وهو مذهب عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود إلى آخر [قوله] ومذهب أبي [حنيفة] وأصحابه واختاره ابن المنذر.
(١) والزهري هو أبو بكر محمد بن (مسلم بن) ابن الحارث بن عبد اللّه بن عمر، وجابر بن اللّه وأسماء بنت أبي بكر وعائشة والشعبي [والقاسم بن
стр. 2995
محمد] ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد قال ابن المنذر: وقد كان الشافعي ﵀ (١) يقول هذا إذا هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر وقال: هذا مما استخير اللّه فيه ا. هـ. ومن ملك حليًا أي من ذهب أو فضة أو منهما معدا للإستعمال مباح لم تجب فيه الزكاة في أحد القولين لأنه روي أنه ﷺ قال: "ليس في الحلي زكاة" (٢) وكاتهما عائشة "تحلي بنات أخيها أياما في حجرها فلا تخرج منها الزكاة" وكان ابن عمر "يحلي بناته وجواريه بالذهب ولا يزكيه" (٣) ولأنه معد لإستعمال مباح فأشبه المواشي العوامل وهذا
стр. 2996
القول هو الأصح قال: ويجب في الآخر لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه المذكور في أول الفصل وحديث الفتخات من الورِق وهو مذكور أيضًا ولأنه من جنس الأثمان فأشبه الدراهم والدنانير قال: الحافظ (١) قال: الخطابي الظاهر من الأيات يشهد لقول من أوجبها [والأثر] يؤيده ومن أسقطها ذهب إلى النظر ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداؤها واللّه أعلم.
الثالث: من الاحتمالات أنه في حق من تزينت به وأظهرته ويدل لها ما رواه النسائي وأبو داود (٢) عن ربعي بن حِراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول اللّه ﷺ قال: "يا معشر النساء ما لكن في الفضة ما تحلين به أما أنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهبا وتظهره إلا عذبت به" وأخت حذيفة اسمها فاطمة وكان له أخوات قد [أدركن] النبي ﷺ وقال: النسائي باب الكراهة للنساء في إظهار حلي الذهب.
стр. 2997
تنبيه: قوله ربعي بن حراش، حراش: بكسر الحاء المهملة وبالراء وآخره شين معجمة وليس في الصحيحين حراش بالحاء المهملة سواه ومن عداه بالمهملة واللّه أعلم، الرابع: من الاحتمالات أنه إنما منع منه في الحديث الأسورة والفتخات لما رأى من [غلظه] فإنه مظنة الفخر والخيلاء وبقية الأحاديث محمولة على هذا وفي هذا (الاحتمال شيء) ويدل عليه ما رواه النسائي (١) عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه ﷺ ، .. وروى أبو داود والنسائي أيضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، "أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ النِّمَارِ، وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا".
ومعاوية بن أبي سفيان هم معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن الأموي وهو وأبوه من مسلمة الفتح وقيل أنه أسلم في عمرة القضاء وكتم إسلامه روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وأخته أم حبيبة ولي الشام لعمر بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان وأقره عثمان وأقام عشرين سنة أمير وعشرين سنة خليفة وفي كنز الدرر (٢) كانت خلافته استقلالا تسعة عشر سنة وثلاثة أشهر وقال: الطبري بايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وذلك حين تفرق الحكمان وكانوا بايعوه على الطلب بدم عثمان ثم صالحه الحسن لخمس بيقين من ربيع الأول سنة إحدى (وأربعين، وهو عام الجماعة. وقال الطبرى
стр. 2998
رحمه اللّه: إن معاوية أقام على الشام واليا وخليفة أربعين سنة، منها أربعة سنين في خلافة عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، واثنا عشر سنة في خلافة عثمان رضى اللّه عنه، وقاتل عليّ ﵁ خمس سنين. وخلص له الأمر تسع عشرة سنة. وهو أول ملوك الإسلام وكان حليما كريما شرسا عاقلا كامل السؤدد ذا دهاء ورأي ومكر كأنما خلق للملك قال له النبي ﷺ "إن ملكت فاعدل" (١) ثم قال: ﵁ الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا وكان كذلك فمات علي عنه بعد ثلاثين سنة ففرغت خلافة النبوة ومات معاوية سنة ستين وله ثمان وسبعون سنة وقيل أكثر من ذلك وقال: هشام مات معاوية أول هلال شهر رجب (سنة ستين على الصحيح) ودعا له النبي ﷺ فقال: "اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب" (٢) وقال: "اللهم اجعله هاديا مهديا وأهده وأهد به" (٣)، وقال: "معاوية أحكم أمتي وأجودها" (٤) وقال: "أنت أمين اللّه" (٥) وكان عمر إذا راءاه قال: "هذا ابن كبير العرب" (٦)
стр. 2999
وفي الحديث: "أول من يختصم بين يدي الرب تعالى معاوية وعلي وأول من يدخل الجنة أبو بكر وعمر" (١) ولما جاء قتل على إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع فقالت له امرأته تبكي عليه وكنت تقاتله فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم قاله في تاريخه ابن عساكر (٢) وكان كاتبا للوحي، والحذر ثم الحذر من التعرض لما شجر بين الصحابة فإنهم كلهم عدول وهم مجتهدون فمصيبهم له أجران ومخطئيهم له أجر واحد. واللّه أعلم.
قاله في شرح الإلمام (٣): في الحديث نهى رسول اللّه ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطعا والمقطع من الذهب قال الخطابي (٤): هو اليسير منه نحو الحلقة الشنف والخاتم وكره الكثير الذي هو عادة أهل السرف وزينة أهل الخيلاء والكبر واليسير هنا ما لا [تجب فيه] الزكاة ا. هـ.
ويشبه أن يكون إنما كره استعمال الكثير منه لأن (صاحبه ربما بخل بإخراج) زكاته فيأثم بذلك عند من أوجب فيه الزكاة [قاله في النهاية والكلام، المذكور في كلام الخطابي (٥) [في شرح أبي داود] حكى (ابن الاثير الاثير في) النهاية (وفي الحديث) أن رسول اللّه ﷺ عَنْ ركُوب النِّمَارِ" وَفِي
стр. 3000
رِوَايَةٍ "النُّمُورُ" أَيْ جُلُودِ النُّمور، وَهِيَ السِّباع الْمَعْرُوفَةُ، والسباع يقع على الأسد والذئب والنمر والضبع وغيرها وأحدها سبع والنمر الذي في لونه سواد وأكثره بياض والمراد: النهي عن الركوب على جلودها لما فيه من الزينة والخيلاء وهذا النهي يحتمل وجوها أحدها أن يكون بعد الدباغ ولكن الشعر عليه بعد والشعر لا يطهر بالدباغ لأن الدباغ لا يؤثر فيه والنهي عن هذين الوجهين نهي تحريم. الثالث: أن لبس جلد السباع والركوب عليها من فعل السلاطين والجبابرة ولأنه زي العجم وفيه تكبر وزينة لا يليق بالصلحاء وعلى هذا النهي نهي تنزيه وإن كان طاهر. أ. هـ.
وكان مالك يكره الصلاة في جلود السباع وإن دبغت ويمنع من بيعها ويرى الانتفاع بها وأما مذهب الشافعي فإن الدبغ يطهر جلود الحيوان المأكول وغير المأكول إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما والدباغ يطهر كلّ جلد ميتة غيرهما وفي الشعور والأوبار خلاف هل تطهر بالدباغ أم لا وقيل إنما نهي عن جلود السباع مطلقا وعن جلد النمر خاصا قوله، وفي الترمذي والنسائي وصحيح ابن حبان (١) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ فَطَرَحَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مِنْ أَيِّ شَيءٍ أتَّخِذُهُ قَالَ اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا ا. هـ وَجَمْعُ الحِلْيَة حِلًى، مِثْلَ لِحْيَة ولِحًى، وربَّما ضُمَّ. وَتُطْلق الحِلْيَة عَلَى الصِّفة أَيْضًا وَإِنَّمَا جعَلها حِلْيَة أَهْلِ النَّار لِأَنَّ الْحَدِيدَ زِيُّ بَعْضِ الكُفار وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ. وَقِيلَ إِنَّمَا كَرِهَه
стр. 3001
لِأَجْلِ نَتْنِه وزُهُوكَتِه. وَقَالَ فِي خَاتَمِ الشِّبْه: ريحُ الأصْنام، لأنَّ الأصْنام كَانَتْ تُتَّخذ مِنَ الشِّبه. ا. هـ. قاله في النهاية (١).
ففي هذا الحديث: كراهة خاتم الحديد لكن الأصح في الروضة أنه لا يكره خاتم الحديد والرصاص والنحاس وبه قطع في التتمة لقوله ﷺ للذي أراد أن يتزوج "التمس ولو خاتما من حديد" (٢) ويجوز التختم في اليمين والشمال والأصح في الروضة واليمين أفضل لرواية أنس عن النبي ﷺ لبس خاتم من فضة في يمينه وجعل فصه مما يلي كفه وسيأتي الكلام على ذلك مفصلا.
الفائدة: ووجه مقابلة أنه ﷺ كان يلبسه في يساره رواه مسلم (٣). وقال: يَا رَسُولَ اللّهِ، مِنْ أَيِّ شَيءٍ أَتَخِذُهُ؟ قَالَ: "اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا" الحديث. ويجوز (التختم) بخاتم الفضة لأنه ﷺ كان له خاتم من فضة ونقشه محمد رسول اللّه أخرجه البخاري (٤) وغيره، وينبغي أن ينقص عن مثقال لهذا الحديث ولا تتمة مثقال.
فائدة: اتخذ ﷺ خاتمًا من ذهب فلما رأى الناس اتبعوه فيه رمى به وحرم على الذكور لبسه لما فيه من [الفتنة] وزيادة المؤونة واتخذ خاتما من الفضة وكان يجعل فصه مما يلي كفه لأنه أبعد من التزين والإعجاب
стр. 3002
وكذلك فيه صون للفص. وكان له ﷺ خاتمان من [فضة، كان فص] أحدهما [منها وذلك لكراهته التزين ببعض الجواهر المتلونة ببعض الأصباغ الرائعة المناظر التي تميل إليها النفوس وكان فص الآخر حبشيا، وذلك ما لا بهجة له ولا زينة فيه] في يده اليمنى خنصره والخنصر الإصبع الصغرى لأن اليمنى أشرف وأفضل فهي أحق [بالزينة] والإكرام قال: مالك [التختم في اليسار أفضل قال في شرح السنة كان آخر الأمرين منه ﷺ لبسه في اليسار] [وقال الخطابي] لم يكن لبس الخاتم من لباس العرب وإنما هو من زي العجم والحكمة في كونه في الخنصر لأنه أبعد [من] الإمتهان فيما يتعاطى باليد لكونه طرفا ولأنه لا [يشغل] اليد عما يتناوله [من أشغالها].
لطيفة: [روي] ابن عدي في ترجمة: أحمد بن [عبد اللّه بن حكيم] عن أنس أن النبي ﷺ قال: من اتخذ خاتما فصه ياقوت نفي عنه الفقر (١). قال ابن الأثير: يُريد أنَّهُ إِذَا ذَهب مالُه بَاعَ خَاتَمَهُ فَوَجَدَ فِيهِ غِنًى، [قال وَالْأَشْبَهُ - إِنْ صَحّ الْحَدِيثُ - أَنْ يَكُونَ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ. كما [أن النار] لا تؤثر فيه ولا تغيره، [وأن من] تختم به أمن من الطاعون وتيسرت له أمور المعاش ويقوي قلبه ويهابه الناس ويسهل عليه قضاء الحوائج [وفي] كتاب [الخصائص] لأبي الربيع سليمان بن سبع السبتي أن النبي ﷺ أعطى عليا فصا من ياقوت وأمره أن ينقش عليه لا إله إلا اللّه ففعل فأتى به إلى النبي ﷺ فقال له: "ألم أمرك أن تنقش عليه لا إله إلا اللّه فلم زدت محمد رسول اللّه فقال: والذي بعثك بالحق
стр. 3003
ما فعلت إلا ما أمرتني به! فهبط جبريل عليه ﷺ وقال: يا محمد، إن اللّه يقول لك: "أحببتنا فكتبت اسمنا، ونحن أحببناك فكتبنا اسمك" (١). والمرجان إذا علق على طفل امتنعت عنه أعين السوء من الجن والإنس. والبلور من علق عليه لم ير منام سوء.
стр. 3004
التَّرْغِيب فِي الْعَمَل على الصَّدَقَة بالتقوى والترهيب من التَّعَدِّي فِيهَا والخيانة واستحباب ترك الْعَمَل لمن لَا يثِق بِنَفسِهِ وَمَا جَاءَ في المكّاسين والعشّارين والعُرَفاء
١١٥٩ - عَن رَافع بن خديج ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول الْعَامِل على الصَّدَقَة بِالْحَقِّ لوجه اللّه تَعَالَى كالغازي فِي سَبِيل اللّه حَتَّى يرجع إِلَى أَهله، رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (١).
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْعَامِل إِذا اسْتعْمل فَأخذ الْحق وَأعْطى الْحق لم يزل كالمجاهد فِي سَبِيل اللّه حَتَّى يرجع إِلَى بَيته (٢).
قوله: عن رافع بن خديج (٣) كنيته أبو عبد اللّه ويقال: أبو رافع ويقال: أبو خديج رافع بن خديج وخديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة بن
стр. 3005
رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن أبي الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني استصغره النبي ﷺ يوم غزوة بدر فرده وأجازه يوم أحد فشهد أحدًا والخندق وأكثر المشاهد قالوا وأصابه سهم يوم أحد فنزعه بَقِي نصله فِي فَخذه إلى أن مات.
وقال له رسول اللّه ﷺ : "أنا أشهد لك يَوْم القيامة" وانتفضت جراحته فتوفي منها بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ست وثمانين سنة وكان عريف قومه روي له عن رسول اللّه ﷺ ثمانية وسبعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة ولمسلم ثلاثة روي عنه ابن عمر والسائب بن يزيد ومحمود بن لبيد وأسيد بن ظهير الصحابيون ﵃ (١).
قوله ﷺ : "العامل على الصدقة بالحق لوجه اللّه " أي الذي لا يظلم أرباب الأموال ولا يجور عليهم (٢) يعني كالغازي في سبيل اللّه حتى يرجع إلى أهله وسيأتي الكلام على الغزو في سبيل اللّه في الجهاد مبسوطا إن شاء اللّه تعالى ومعنى حتى يرجع إلى أهله أي إلى أقاربه وزوجته وولده الذين خرج (منهم) (٣) واللّه تعالى أعلم.
стр. 3006
قوله رواه الإمام أحمد بن حنبل (١) هو الإمام البارع المجمع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته وحفظه ووفور علمه وسيادته أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد اللّه بن حيان بالمثناة تحت عبد اللّه بن أنس بن عوف بن قاسط بن مارن بن شيبان فذكره إلى أن قال: بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني المروي ثم البغدادي خرج من مرو حَمْلا وولد ببغداد ونشأ بها إلى أن توفي بها ودخل مكة والمدينة والشام واليمن والبصرة والكوفة والجزيرة وروينا عن أبي زرعة قال: ما رأيتُ من المشايخ أحفظ من أحمد بن حنبل حزرت كتبه اثني عشر حملا وعدلًا كلّ ذلك كان يحفظ على ظهر قلبه وقال: أبو زرعة (٢) ما رأيتُ أحدا أجمع من أحمد بن حنبل وما رأيتُ أحدا أكمل منه اجتمع فيه زهد وفقه وفضل وأشياء كثيرة، وقال: قتيبة بن سعيد (٣) أحمد إمام الدنيا، وعن الهيثم بن جميل (٤) إن عاش هذا الفتى سيكون حجة على أهل زمانه، وقال الميموني (٥): ما رأيتُ مصليا قط أحسن صلاة من أحمد بن حنبل ولا اتباعا للسنن منه وقال أبو حاتم: (بارع) الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه
стр. 3007
وعن الحسن (بن الحُسين الرازى) قال: حضرت بمصر عند بقال فسألني عن أحمد بن حنبل فقلت كتبت عنه فلم يأخذ ثمن المباع مني وقال: لا أخذ ثمنا (ممن يعرف) أحمد بن حنبل وقال: قتيبة وأبو حاتم إذا رأيتُ الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وأحوال أحمد بن حنبل ومناقبه، أكثر من أن تحصى وقد صنف فيه جماعة كتبا ولد ﵀ في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة وتوفي ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين ودفن ببغداد وقبره مشهور معروف يزار ويتبرك به رحمه اللّه تعالى وجعل قراه الجنة فجزاه اللّه عن المسلمين خيرًا (١).
١١٦٠ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁: عَن النَّبِيّ ﷺ أَنَّه قَالَ إِن الخازن الْمُسلم الأمين الَّذِي ينْقل مَا أَمر بِهِ فيعطيه كَامِلا موفرا طيبَة بهِ نَفسه فيدفعه إِلَى الَّذِي أَمر بِهِ أحد المتصدقين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (٢).
قوله: عن أبي موسى الأشعري تقدم الكلام على أبي موسى، قوله ﷺ "إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أمر به فيعطيه كاملا موفرا طيبة به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر به" أحد المتصدقين قال: الإمام القرطبي في شرح
стр. 3008
مسلم (١) هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن فإنه لم يكن مسلما لم تصح منه نية التقرب وإن لم يكن أمينا كان عليه وزر الخيانة فكيف يحصل له أجر الصدقة وإن لم يطب بذلك نفسا لم تكن له نية فلا يؤجر.
قوله: أحد المتصدقين لم نروه إلا بالتثنية ومعناه أنه بما فعل متصدق والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر فهما متصدقان ويصح أن يقال على الجمع ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين (٢) وقال النووي (٣): في الرياض والمتصدقين بفتح القاف مع كسر النون على التثنية كما يقال: القَلَمُ أحَدُ اللِّسانيَن مبالغةٌ وعكسه على الجمع وكلاهما صحيح (٤) وفي هذا الحديث تنبيه على عظم ثواب الصدقة لأنه لما أعطي ثوابها إلى الخازن فما ظنك بالمتصدق واللّه أعلم.
وقال غير القرطبي (٥): في قوله: أن الخازن المسلم .. إلخ الأوصاف شروط لحصول هذا الثواب أن يعتني بها ويحافظ عليها.
قال العُلماء: ويجب صرف زكاة المال إلى ثمانية أصناف إن وجدت للكتاب والسنة والقياس أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
стр. 3009
وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١) قال: البغوي في تفسيره (٢) وابن السبيل الضيف، أبناء السبيل فكل من يريد سفرا مباحًا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة قدر ما يقطع به تلك المسافة سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن قال: قتادة ابن السبيل الضيف وقال: فقهاء العراق ابن السبيل الحاج المنقطع واللّه أعلم.
فأضاف اللّه تعالى الصدقات إلى المذكورين في الآية بلام التمليك وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك [فاستحقها] الجميع قال العُلماء: أجر [ذكر] العامل وإنما بدأ بالعامل لأنه المقدم في القسمة [وهو] المنصوص عليه في المختصر لكونه يأخذ عوضا وليعلم ما يفضل عنه فيرد على [بقية] المذكورة أو يحتاج إليه فيؤخذ من الزكاة في الأصح وإنما ابتدئ في الآية بالفقراء لشدة حاجتهم واللّه أعلم والعامل هو الذي استعمله الإمام على قبض الزكوات ليأخذ منها إذا استأجره بأجرة من بيت المال إن جعل له منه جعلا فلا حق له في الصدقات قاله البندنيجي ولو فرق رب المال زكاته سقط سهم العامل وقسمت الزكاة على سبعة أصناف وليس لرب المال أخذ نصيب العامل لكونه فعل وظيفة العامل قال: ومن شرط هذا العامل أن يكون حرا فقيها أي في الزكاة فيعرف ما يجب فيها وقدر النصب والواجب والمستحقين قال: أمينا أما الحرية والأمانة فلان ذلك ولاية على
стр. 3010
مال الغير والعبد والفاسق ليس من أهلها وأما الفقه فلأنها ولاية من جهة الشرع تفتقر إلى الفقه فأشبهت القضاء قال: الأصحاب ويشترط أيضًا التكليف لأنها ولاية ويشترط أيضًا أن يكون ذكرًا كما جزم به في الروضة تبعًا للرافعي (١)، ويشترط أيضًا: الإسلام لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (٢) وقال عمر ﵁: "لا تؤمنوهم وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللّهُ تَعَالَى وَلا تُقَرِّبُوهُمْ، وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللّهُ - تَعَالَى" (٣)، وهذا [إذا كان] [التفويض] عامًا أما إذا عين له الإمام شيئًا يأخذه لم يشترط قال: النووي (٤) وفي [عدم] اشترط الإسلام نظر ولا يكون ممن حرمت عليه الصدقة من ذوي القربى [أي: إذا عمل] ليأخذ من الزكاة لقوله ﷺ : للفضل بن العبَّاس وقد طلب منه أن يجعله عاملا على الصدقة "أليس في خمس الخمس ما يكفيكم ويغنيكم عن أوساخ الناس" (٥) هذا هو الصحيح المنصوص، وقيل يجوز أن يكون منهم لأنه يأخذ أجرة فجاز كأجرة النقال والحافظ فإنها تصرف لهم وفاقًا أما إذا
стр. 3011
عمل متبرعًا جاز بلا خلاف قال: ابن الصباغ وكذا إذا عمل ليعطي من بيت المال (١).
فرع: قال الماوردي (٢): يجوز أن تكون المرأة عاملا لكن يكره وعن الروياني وغيره خلافه (٣) بقية الأصناف الذين تدفع إليهم الزكاة مذكورون في كتب الفقه فمن أراد ذلك فليطلبه من هناك واللّه أعلم.
قال العُلماء: ومن وجب عليه الزكاة جاز له أن يصرف بنفسة وادعى المحاملي فيه الإجماع (٤) وبوكيله لأنه حق مالى فجاز التوكيل في أدائه كديون الآدميين ويجوز توكيل الكافر والصبي فيها ومن لا يعرف أنها زكاة قاله: القاضي حسين (٥).
стр. 3012
وفي وجه لا يوكل الصبي كالمجنون (١) وفي تعليق أبي الطيب أن زكاة الفطر لا تدخلها النيابة مع القدرة على دفعها بنفسه (٢) قال: ويجوز أن يدفع إلى الإمام لأنه نائب عن المستحقين فجاز الدفع إليه كولي اليتيم قال: وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يصرف بنفسه لأنه على ثقة من أدائه، والثاني: أن يدفع إلى الإمام أو الساعي أي وإن كان جائزا، ولأن الإمام أعرف بالمصارف والدفع إليه، يؤدي إلى انبساطها على المستحقين ويبرأ به ظاهرًا وباطنًا، والثالث: إن كان الإمام عادلا أي في الزكاة فالأفضل أن يدفع إليه؛ لتحصيل المصلحة المذكورة، وإن كان جائزا فالأفضل أن يفرق بنفسه لأنه ليس على يقين من البراءة بالدفع إليه وهذا هو الأصح، ثم محل الخلاف إذا لم يطلب الإمام الزكاة فإن طلبها وجب [دفعها] إليه قطعا بذلا للطاعة قاله في الروضة (٣). واللّه أعلم.
فائدة: اعلم أن نية الزكاة واجبة (٤) ونيتها تكون بالقلب كغيرها من العبادات ويستحب أن يضم إليها التلفظ باللسان كما في غيرها من العبادات
стр. 3013
فإن اقتصر على لفظ اللسان دون النية بالقلب ففي صحته خلاف الأصح أنه لا يصح ولا يجب على دافع الزكاة إذا نوى أن يقول مع ذلك هذه زكاة بل يكفيه الدفع إلى من كان من أهلها ولو تلفظ بذلك لم يضره فينوبي: هذا فرض زكاة مالي أو فرض زكاة صدقة مالي أو نحوهما ولا يكفي فرض مال وكذا الصدقة في الأصح.
فرع: تكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح والأفضل أن ينوي الوكيل عند التفرقة أيضًا (١).
فرع: أيضًا ولو دفع إلى السلطان كفته النية عنده فإن لم ينو لم يجز على الصحيح وإن نوى السلطان والأصح أنه يلزم السلطان النية إذا أخذ زكاة الممتنع وإن نيته تكفي واللّه أعلم.
فرع: يلزم الولي النية إذا أخرج مال الصبي والمجنون لأنهما ليسا أهلًا للنية فلو لم ينو لم يقع الموقع وعليه الضمان قاله ابن كج ومساق التعليل يقتضي منع إلحاق السفيه بهما لأنه من أهل النية وفي الاعتداد بنيته نظر (٢) واللّه أعلم قاله في مختصر الكفاية.
فائدة: يستحب أن يدعى لباذل الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) أي ادع لهم والصلاة في اللغة الدعاء ولأن فيه [ترغيبًا] في الخير وقيل إن أخذها
стр. 3014
الإمام لزمه أن يدعو له لظاهر هذا الأمر وقيل إن سأل رب المال الدعاء وجب لما روى عبد اللّه بن أبي أوفى عن أبيه قال: أتيت رسول اللّه ﷺ بصدقات قومي فقلت يا رسول اللّه صلى على فقال: "اللهم صلى على آل أبي أوفى" (١) والأصح الاستحباب مطلقا وجزم به جماعة لأنه ﷺ لم يأمر به معاذا حين بعثه إلى اليمن وأمر بأخذ الزكاة قال: القاضي حسين ولأنه لم ينقل أنه ﷺ دعا لغير أبي أوفى وفيه نظر ففي الصحيحين عن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صلى على آل فلان" فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صلى على آل أبي أوفى" (٢).
تنبيه: قال: العُلماء فيقال: آجرك اللّه فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت وجعله لك طهورا لأنه لائق بالحال كذا حكاه القاضي أبو الطيب عن النص والمحكى في المختصر وأورده ابن الصباغ والغزالي وغيرهيا آجرك اللّه فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت قال: النووي (٣) وهو أحسن وبأي دعاء دعا إذا لاق بالحال وكان حسنا نص عليه الشافعي في الأم (٤) وفي
стр. 3015
قوله آجرك اللّه لغتان القصر والمد (١).
فرع: هل يجوز لغير النبي ﷺ أن يصلي على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟
[الجواب]: فيه خلاف قيل لا يجوز أن يقول اللهم صلى على أبي بكر أو على علي إلا تبعًا. مثل اللهم صلى على محمد وآله وصحبه قيل إن ذلك مكروه وهو الأصح وما فعله النبي ﷺ مخصوص به لأن الصلاة منصبه فيجزى به من شاء وليس لغيره ذلك قيل تركه [أولي] وجعله الرافعي بها الشرح الصغير الأشبه، وقيل إن كانت بمعنى الدعاء جاز، وإن قصدت بها التعظيم والتكريم فلا لاختصاص ذلك بالأنبياء وقال بها المهذب (٢): يستحب أن يقال: لدافع الزكاة اللهم صلى على آل فلان للخبر، قال الجويني: السَّلام كالصلاة فيما ذكرنا قال الرافعي: (٣) لأن اللّه تعالى جمع بينهما فقال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) فلا يقال: أبو بكر وعلي ﵉ وكذا غيرهما لا يفرد به بها حال الغيبة ولا بأس به في الخطاب
стр. 3016
فقال: للحي والميت سلام عليكم قال في الروضة (١): وقوله: لا بأس به ليس بجيد بل يسن للأحياء والأموات وكأنه أراد لا منع واللّه أعلم قاله في مختصر الكفاية (٢).
١١٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ خير الْكسْب كسب الْعَامِل إِذا نصح، رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (٣).
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله ﷺ : "خير الكسب كسب العامل إذا نصح" الحديث قال في النهاية: (٤) العامل هو الذي يتولى أمور [الرجل في ماله] وملكه وعمله ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة عامل والذي يأخذ العامل من الأجرة يقال: له عمالة بالضم، ومنه حديث عمر قال: لابن السعدي "خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول اللّه ﷺ فعملني أي أعطاني عمالتي وأجرة عملي" يقال: منه أعملته وعملته وقد يكون عملته بمعنى وليته وجعلته عاملا ا. هـ.
(تنبيه): في كتب الفقه العامل على الصدقة هو الساعي الذي يتولى قبض الزكوات من أهلها ووضعها في حقها فيعطى من مال الصدقة فقيرا
стр. 3017
كان أو غنيا أجر مثل عمله وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: لَهُ الثُّمُنُ مِنَ الصَّدَقَةِ قاله البغوي (١) في تفسيره وتقدم الكلام على شروطه المذكورة في كتب الفقه.
١١٦٢ - وَعَن مَسْعُود بن قبيصَة أَو قبيصَة بن مَسْعُود ﵁: قَالَ صلى هَذَا الْحَيّ من محَارب الصُّبْح فَلَمَّا صلوا قَالَ شَاب مِنْهُم سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِنَّه ستفتح عَلَيْكُم مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَإِن عمالها فِي النَّار إِلَّا من اتَّقى اللّه وَأدّى الأمَانَة، رَوَاهُ أَحْمد (٢)، وَفِي إِسْنَاده شَقِيق بن حبَان وَهُوَ مَجْهُول ومسعود لا أعرفهُ.
قوله: وعن مَسْعُودِ بْنِ قَبِيصَةَ، أَوْ قَبِيصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، قوله: "صَلَّى هَذَا الْحَيُّ مِنْ مُحَارِبٍ الصُّبْحَ" الحي: هو اسْم لمنزل الْقَبِيلَة ثمَّ سميت الْقَبِيلَة بِهِ لِأَن بَعضهم يحيى بِبَعْض.
قوله ﷺ : "ستفتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها في النار إلا من اتقى اللّه وأدى الأمانة" تقدم الكلام على العمال، قوله: وَفِي إِسْنَاده شقِيق بن حبَان وَهُوَ مَجْهُول قال الحافظ: ومسعود لَا أعرفهُ.
[مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يروي عن أبي هريرة. روى عنه شقيق، وقال أبو حاتم: مجهول].
١١٦٣ - وَعَن سعد بن عبَادَة ﵁: أَنَّ رَسُول اللّه ﷺ قَالَ لَهُ قُم على صَدَقَة بني فلَان وَانْظُر أَن تَأتي يَوْم الْقِيَامَة ببكر تحمله على عاتقك أَو كاهلك لَهُ
стр. 3018
رُغَاء يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ يَا رَسُول اللّه اصرفها عني فصرفها عَنهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات إِلَّا أَن سعيد بن الْمسيب لم يدْرك سَعْدا (١). وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضًا عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ بعث رَسُول اللّه ﷺ سعد بن عبَادَة فَذكر نَحوه وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢).
الْبكر: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف هُوَ الفتي من الْإِبِل وَالأُنْثَى بكرَة.
قوله: وعن سعد بن عبادة كنيته أبو ثابت (٣) قيل أبو قيس سعد بن عبادة بن دليم بضم الدال المهملة وفتح اللام بن حارثة بن حرام بن خزيمة بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني اتفقوا على أنه كان نقيب بني ساعدة وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها وكان سيدا جوادا وجيها في الأنصار ذا رياسة وسيادة وكرم وكان مشهور بالكرم وكان يحمل كلّ يوم إلى النبي ﷺ جفنة مملوءة ثريدا ولحما وثريد لها ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة مشهورة وليس في الصحابة من اسمه
стр. 3019
سعد بن عبادة غير اثنين أحدهما هذا، والثاني: سعد بن عبادة الزرقي أنصاري أيضًا وأسند سعد بن عبادة عن النبي ﷺ الحديث فأخرج له الإمام أحمد بن حنبل في المسند سبعة أحاديث وليس له في الصحيح شيء، وقال: ابن سعد بإسناده عن ابن عباس أن سعد بن عبادة ماتت أمه وهو غائب عنها مع رسول اللّه ﷺ في غزوة دومة الجندل وكانت في شهر ربيع الأول سنة خمسة من الهجرة فلما قدم رسول اللّه ﷺ المدينة أتى قبرها فصلى عليها، واسم أم سعد عمرة بنت مسعود بن قيس وكانت من المبايعات وليس فيهن من اسمها عمرة بنت مسعود غيرها فأما عمرة غير بنت مسعود فكثير، توفي ﵁ سنة ست عشرة وقيل، خمس عشرة قيل أربع عشرة وقيل إحدى عشرة وهو شاذ بل غلط واتفقوا على أنه كان بأرض حوران من الشام وأجمعوا على أنه توفى بحوران [وحوران قرية من قرى الشام] قال: الحافظ أبو القاسم بن عساكر وغيره وهذا القبر المشهور في المزة القرية المعروفة بقرب دمشق يقال أنه قبر سعد بن عبادة فيحتمل أنه نقل من حوران إليها قالوا يقال: أن الجن قتلته وانشدوا فيه البيتين المشهورين (١).
قوله ﷺ : لسعد بن عبادة "قم على صدقة بني فلان وانظر: أن تأتي يوم القيامة ببكر تحمله على عاتقك أو كاهلك" والبكر ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو [الفتي] من الإبل والأنثى بكرة وقوله عاتقك أو كاهلك العاتق والكاهل معروفان [العاتق: هو من المنكب إلى اصل العنق هذا قول أبي
стр. 3020
عبيدة وقال الأصمعي هو موضع الرداء من الجانبين، والكاهل من الإنسان ما بين كتفيه وقيل موصل العنق في الصلب] والرغاء: يأتي تفسيره في الحديث بعده.
١١٦٤ - وَعَن عبد اللّه بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فَمَا أَخذ بعد ذَلِك فَهُوَ غلُول، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١).
قوله وعن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه [هو بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد اللّه بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى أبو عبد اللّه، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، ﵃، بخراسان. روى له عن رسول اللّه ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (٢)].
قوله ﷺ : "من استعملناه على عمل فرزقناه" أي من وليناه على عمل وفرضنا له شيء معلوما على ذلك.
قوله: "فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" الحديث والغلول هو ما أخذ أحد
стр. 3021
الغزاة خيانة ولم يحضره لأمير الجيش سواء قل أو كثر ففيه وعيد شديد وسيأتي الكلام عليه في الجهاد إن شاء اللّه تعالى مبسوطا.
١١٦٥ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ بَعثه على الصَّدَقَة فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيد اتَّقِ اللّه لا تَأتي يَوْم الْقِيَامَة بِبَعِير تحمله لَهُ رُغَاء أَو بقرة لَهَا خوار أَو شَاة لَهَا ثُغَاء، قَالَ يَا رَسُول اللّه إِن ذَلِك لكذلك قَالَ إِي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، قَالَ فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ لا أعمل لَك على شَيْء أبدًا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده صَحِيح (١).
الرُّغَاء: بِضَم الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ صَوت الْبَعِير.
والخوار: بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة صَوت الْبَقر.
والثغاء: بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وبالغين الْمُعْجَمَة ممدودا هُوَ صَوت الْغنم قوله: وعن عبادة بن الصامت الصحابي، هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي وسالم هذا يقال: له الحبلي لعظم بطنه ويقال: للمنتسبين إليه بنو الحبلي شهد عبادة بن الصامت العقبة الأولى والثانية مع رسول اللّه وشهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وكان أحد النقباء ليلة العقبة كان نقيبًا على العوامل بني عمرو بن الخزرج وآخى
стр. 3022
رسول اللّه ﷺ بينه وبين أبي مرشد الغنوي واستعمله النبي ﷺ على الصدقات وكان يعلم أهل الصفة القرآن ولما فتح الشام أرسله عمر بن الخطاب ومعاذا وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم فأقام عبادة بن الصامت بحمص ومعاذا بفلسطين وأبو الدرداء بدمشق ثم صار عبادة إلى فلسطين روي له عن رسول اللّه ﷺ مائة حديث وثمانون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بآخرين قال: الأوزاعي أول من ولي قضاء فلسطين عبادة وكان فاضلًا خيرا جميلا طويلا جسميا توفي ببيت المقدس وقيل بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة وقيل توفي سنة خمس وأربعين والأول أصح وأشهر، ومناقبه كثيرة مشهورة (١).
قوله ﷺ "اتق اللّه يا أبا الوليد لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء" سيأتي الكلام على الرغاء والخوار والثغاء في حديث عدي بن عميرة الذي بعد واللّه أعلم.
١١٦٥ - م - وَعَن عدي بن عميرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول من استعملناه مِنْكُم على عمل فكتمنا مخيطا فَمَا فَوْقه كَانَ غلولا يَأْتِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَقَامَ إِلَيْهِ رجل أسود من الْأَنْصَار كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه اقبل عني عَمَلك، قَالَ وَمَا لَك قَالَ سَمِعتك تَقول كَذَا وَكَذَا، قَالَ وَأَنا أَقُول الْآن من استعملناه مِنْكُم على عمل فليجئ بقليله وَكَثِيره فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخذ وَمَا نهي
стр. 3023
عَنهُ انْتهى، رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (١).
قوله: وعن عدي بن عميرة بفتح العين وكسر الميم [وبالراء ابن فروة بن زرارة بن الأرقم بن النعمان بن عمرو بن وهب بن ربيعة الكندي الحضرمي أبو زرارة وهو والد عدي بن عدي الذي قبله وأخوه العرس بن عميرة. سكن الكوفة، ثم انتقل إلى الجزيرة وسكنها، ومات بها (٢)].
قوله ﷺ "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلول يأتي به يوم القيامة" المخيط بكسر الميم وسكون الخاء الإبرة وفي الحديث دليل على أن قليل ما غنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة ليس لأحد أن يستبد به وإن قل إلا الطعام الذي وقعت فيه رخصة (٣) ا. هـ.
والغلول: هو ما يأخذه أحد الغزاة مختصا به ولا يحضره لأمير الجيش (٤)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الجهاد.
١١٦٦ - وَعَن أبي حميد السَّاعِدِيّ ﵁ قَالَ اسْتعْمل النَّبِيّ ﷺ رجلًا من الأزد يُقَال لَهُ ابْن اللتبية على الصَّدَقَة فَلَمَّا قدم قَالَ هَذَا لكم وَهَذَا أهدي إِلَيّ، قَالَ فَقَامَ رَسُول اللّه ﷺ فَحَمدَ اللّه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِنِّي أسْتَعْمل
стр. 3024
الرجل مِنْكُم على الْعَمَل مِمَّا ولاني اللّه فَيَأْتِي فَيَقُول هَذَا لكم وَهَذَا هَدِيّه أهديت لي أَفلا جلس فِي بَيت أَبِيه وَأمه حَتَّى تَأتيه هديته إِن كانَ صَادِقًا وَاللّه لا يَأْخُذ أحد مِنكم شَيْئا بِغَيْر حَقه إِلَّا لَقِي اللّه يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة فَلَا أَعرفن أحدا مِنْكُمْ لَقِي اللّه يحمل بَعِيرًا لَهُ رُغَاء أَو بقرة لهَا خوار أَو شَاة تَيْعر ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى رئي بَيَاض إبطَيْهِ يَقُول اللَّهُمَّ هَل بلغت، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (١).
اللتبية: بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة ثمَّ هَاء تَأْنِيث نِسْبَة إِلَى حَيّ يُقَال لَهُم بَنو لتب بِضَم اللَّام وَسُكُون التَّاء وَاسم ابْن اللتبية عبد اللّه.
وَقَوله: وتيعر هُوَ بمثناة فَوق مَفْتُوحَة ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ثمَّ عين مُهْملَة مَفْتُوحَة وَقد تكسر أَي تصيح واليعار صَوت الشَّاة.
قوله وعن أبي حميد الساعدي، أبو حميد اسمه عبد الرحمن، وقيل المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل ابن سعد بن مالك، وقيل غير ذلك الأنصاري الساعدي من بني ساعدة بطن من الأنصار الخزرجي المدني توفي في خلافة معاوية روى عنه جماعة ووصف صلاة النبي ﷺ روي له عن رسول اللّه ﷺ ستة وعشرون حديثًا (٢).
стр. 3025
قوله: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد يقال: له ابن اللتبية على الصدقة الحديث والأزد بفتح الهمزة وإسكان الزاي المعجمة من أزدشنوءة، ويقال: لهم الأسد بالسين المهملة الساكنة نسبة إلى الأسد، واللتبية بإسكان التاء المتناة ومنهم من فتحها قالوا وهو خطأ ومنهم من يقول الأتبية بفتحها قالوا وهو خطأ أيضًا (١) قال: الحافظ الدمياطي الصَّواب الأول وهو الذي جاء في الصحيحين نسبة إلى حي يقال: لهم بنو لُتب بضم اللام وسكون التاء قاله: المنذري، وقال: في المفهم (٢) الرِّواية المعروفة هنا بفتح التاء وقد جاء في الرِّواية الأخرى الأتبية وكلاهما صحيح الرِّواية جائز وابن اللتبية اسمه عبد اللّه قاله: المنذري.
قوله فقام رسول اللّه ﷺ اللوحة فحمد اللّه وأثنى عليه أي خطيبا ذكر البخاري أن هذه الخطبة كانت عشية بعد العصر.
قوله: "واللّه لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي اللّه يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي اللّه يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر" الرغاء بضم الراء والغين المعجمة والمد هو صوت الإبل وفيه وجهان أحدهما يحمله بصورته والثاني يحمل إثمه (٣).
стр. 3026
والخوار بضم الخاء صوت البقر وقد روى بالجيم والهمزة وهو رفع الصوت والإستغاثة وَالْمَشْهُورُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. قاله: في النهاية (١).
[وقوله ج:] أو شاة تيعر هو بمثناة فوق مفتوحة ثم مثناة تحت [ساكنة ثم عين مهملة] مكسورة ومفتوحة معناه تصيح [واليعار صوت الشاة] بضم الياء المثناة (٢) ا. هـ.
الخوار: بالخاء مستعمل في الشاة والظباء والجؤار للبقر والناس ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (٣) وفي حديث موسى ﵇ له جؤار إلى اللّه أي صوت عال، ا. هـ. قاله عياض (٤).
[قوله ض:] ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، الإبط ما تحت الجناح [والجمع آباط] قال الشيخ أبو عبد اللّه بن أبي جمرة في [إقليد] التقليد على المدونة ﷺ استدل بعضهم على سعة الأكمام بهذا الحديث وهو قوله إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه لأن بياض الإبط لا يرى إلا مع سعة الكم وفي الأثر كانت أكمام الصحابه واسعة وإنما كانت ضيقة في الأسفار (٥) ا. هـ.