← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3057–3096 · переход к 3062.

стр. 3057

فأطلقها، وفي رواية عن زيد بن أرقم لما أطلقها رسول اللّه ﷺ رأيتها تسيح في البرية وهي تقول "لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه". وفي دلائل النبوة للبيهقي (١) عن أبي سعيد قال: مر النبي ﷺ بظبية إلى خباء فقالت يا رسول اللّه حلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أراجع فتربطني فقال: ﷺ "صيد قوم وربيطة قوم" قال: فأخذ عليها فحلفت له [فحلها] فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها فربطها رسول اللّه ﷺ ثم أتى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها ثم قال: ﷺ لو علمت البهائم من الموت ما [تعلمون] ما أكلتم منها سمينا أبدًا، [وفي ذلك يقول صالح الشافعي من قصيدة له]. وجاء امرؤ قد صاد يومًا غزالة، .. لها ولد خشف تخلف بالكدا فنادت رسول اللّه والقوم حضر، .. فأطلقها والقوم قد سمعوا الندا (٢) ا. هـ. ١١٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ ويل لِلْأُمَرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم معلقَة بِالثُّرَيَّا يتذبذبون بَين السَّمَاء وَالأرْض وَلم يَكُونُوا عمِلُوا على شَيْء، رَوَاهُ أَحْمد من طرق رُوَاة بَعْضهَا ثِقَات (٣).

стр. 3058

١١٧٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ ويل لِلْأُمرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين أَقوام يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم معلقَة بِالثُّرَيَّا يدلون بَين السَّمَاء وَالأرْض وَإِنَّهُم لم يلوا عملا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة قوله ﷺ "ويل للعرفاء ويل للأمناء" أي شدة عذاب في الآخرة، وقال: ابن عباس أنه واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار (٢). قوله: العرفاء، والعرفاء جمع عريف والعريف القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، وهو فعيل بمعنى فاعل مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم، والعرافة عمل وقال الجوهري: العريف النقيب وهو دون الرئيس وقال غيره: (٣) والنقيب فوق العريف على القوم وقيل الأمير، قاله: صاحب المغيث (٤). قوله ﷺ : "ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا ليتذبذبون بين السماء والأرض لم يكونوا عملوا على شيء"، الثريا النجم المعروف

стр. 3059

وهو تصغير ثروي ويقال: ثري القوم يثرون وأثروا إذا كثروا وكثرت أموالهم ويقال: إن خلال أفحم الثريا الظاهرة كواكب خفية كثيرة العدد ومنه حديث إسماعيل ﵇ قال: لأخيه إسحاق إنك أثريت وأمشيت أي كثر. ثراؤك وهو المال وكثرت ماشيتك ا. هـ، قاله في النهاية. ١١٧٩ - وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن فِي النَّار حجرا يُقَال لَهُ ويل يصعد عَلَيْهِ العرفاء وينزلون، رَوَاهُ الْبَزَّار (١). قوله: عن سعد بن أبي وقَّاص (٢)، سعد بن أبي وقَّاص هو أحد العشرة هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهيب ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المكي المدني أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللّه ﷺ بالجنة وتوفي رسول اللّه ﷺ وهو عنهم راض وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب أمر الخلافة إليهم وأسلم قديما بعد أربعة وقيل بعد ستة وهو ابن سبع عشرة سنة وهو "أول من رمى بسهم في سبيل اللّه"، "وأول من أراق دما في سبيل اللّه" (٣) وهو من المهاجرين الأوليين هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول اللّه ﷺ إليها

стр. 3060

شهد مع رسول اللّه ﷺ بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وكان يقال: له فارس الإسلام وكان مجاب الدعوة وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء مشهورة في الصحابة روي له عن رسول اللّه ﷺ مائتان وسبعون حديثًا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر استعمله عمر بن الخطاب على الجيوش التي بعثها لقتال الفرس وهو كان أمير الجيش الذين هزموا الفرس بالقادسية وبجلولا وغنموهم وهو الذي فتح المدائن مدائن كسرى وهو الذي بني الكوفة وولاه عمر العراق قال: الزهري رمى سعد يوم أحد ألف سهم ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن فلم يقاتل في شيء من تلك الحروب توفي سنة خمس وخمسين وقيل غير ذلك توفي بقصره بالعقيق على عشرة أميال وقيل سبعة من المدينة (١). قوله: ﷺ "أن في النار حجرًا يقال له ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون" تقدم ذكره. ١١٨٠ - وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِيّ ﷺ مرت بِهِ جَنَازَة فَقَالَ طُوبَى لَهُ إِن لم يكن عريفا، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (٢). قوله: عن أنس تقدم ذكر أنس.

стр. 3061

قوله أن رسول اللّه ﷺ "مرت به جنازة فقال: طوبى له إن لم يكن عريفًا" طوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها وقيل غير ذلك. ١١٨١ - وَعَن الْمِقْدَام بن معدي كرب ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ ضرب على مَنْكِبَيْه ثمَّ قَالَ أفلحت يَا قديم إِن مت وَلم تكن أَمِيرا وَلا كَاتبا وَلا عريفا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). قوله عن المقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب أبو كريمة (وقيل: أبو صالح،) وقيل أبو يحيى الكندي صاحب رسول اللّه ﷺ مات بالشام وهو ابن إحدى وسبعين سنة روى له الجماعة سوى مسلم (٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطا واللّه تعالى أعلم. قوله أن رسول اللّه ﷺ ضرب علي منكبيه ثم قال: "أفلحت يا قديم" أي فزت يقال: لكل من أصاب خيرًا مفلح (٣) قال: الزمخشري (٤) في كتابه الكشاف والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه قاله البغوي في شرح السنة (٥) واللّه أعلم.

стр. 3062

وقيل الفلاح الفوز والبقاء (١) وقيل هو الظفر وإدراك البغية وقيل أنه عبارة عن أربعة أشياء بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل (٢) قالوا ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه (٣) وقديم تصغير المقدام ﵁. ١١٨٢ - وَعَن مَوْدُودُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ضُرَيْبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَيْفِ بْنِ جَارِيَةَ الْيَرْبُوعِيُّ عَن أَبِيه عَن جدّه ﵁. أَنه أَتَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِن رجلًا من بني تَمِيم ذهب بِمَالي كلّه فَقَالَ لي رَسُول اللّه ﷺ لَيْسَ عِنْدِي مَا أعطيكه ثمَّ قَالَ هَل لَك أَن تعرف على قَوْمك أَو أَلا أعرفك على قَوْمك قلت لا قَالَ أما إِن العريف يدْفع فِي النَّار دفعا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ومودود لَا أعرفهُ (٤). قوله: وعن مَوْدُودُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ضُرَيْبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سَيْفِ بْنِ جَارِيَةَ الْيَرْبُوعِيُّ عن أبيه عن جدّه [يزيد بن سيف بن حارثة اليربوعي عداده في أعراب البصرة، روى عنه أولاده قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: له صحبة، وكذا قال ابن حبان. وقال أبو عمر: يزيد بن سيف، ويقال ابن يوسف التميمي اليربوعي (٥)].

стр. 3063

قوله: أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللّه إن رجلًا من بني تميم ذهب بمالي كلّه الحديث بنو تميم اسم قبيلة معروفة من العرب. قوله: ﷺ "ألا أعرفك على قومك" الحديث. العريف: القيم أو القائم بأمور القوم أو القبيلة ويلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم وهو حَقّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ النَّاسِ (١). ١١٨٣ - وَعَن غَالب الْقطَّان عَن رجل عَن أَبِيه عَن جدّه ﵁: أَن قوما كَانُوا على منهل من المناهل فَلَمَّا بَلغهُمْ الإِسْلام جعل صَاحب المَاء لِقَوْمِهِ مائَة من الإِبِل على أَن يسلمُوا فأسلموا وَقسم الْإِبِل بَينهم وبدا لَهُ أَن يرتجعها فَأرْسل ابْنه إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَذكر الحَدِيث وَفِي آخِره ثمَّ قَالَ إِن أبي شيخ كَبِير وَهُوَ عريف المَاء وَإنَّهُ يَسْأَلك أَن تجْعَل لي العرافة بعده، قَالَ إِن العرافة حق وَلا بُد للنَّاس من عرافة وَلَكِن العرفاء فِي النَّار، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يسم الرجل وَلا أَبَاهُ وَلَا جدّه (٢). قوله وعن غالب القطَّان عن رجل عن أبيه عن جدّه [في إسناده مجاهيل وغالب القطَّان قد وثقه غير واحد من الأئمة واحتج به البخارى ومسلم في صحيحيهما، وذكر ابن عدي هذا الحديث في كتاب الضعفاء في ترجمة غالب القطَّان مختصرا، وقال: ولغالب غير ما ذكرت وفي حديثه النكر وقال أيضًا: الضعف على أحاديث غالب بين (٣)].

стр. 3064

قوله: "أن قومه كانوا على منهل من المناهل" الحديث. المنهل من المياه: كلّ ما يطؤه الطريق، وما كان على غير الطريق لا يدعى منهلا، ولكن يضاف إلى موضعه، أو إلى من هو مختص به، فيقال: منهل بني فلان: أي مشربهم وموضع نهلهم (١). قوله ﷺ : "إن العرافة حق ولا بد للناس من عرافة ولكن العرفاء في النار" يريد إن فيها مصلحة للناس ورفقا بهم في أمورهم وأحوالهم ألا تراه ج يقول "ولابد للناس من عرافَة ولكن العرفاء في النار" (٢) الحديث ومعناه التحذير من التعرض للرياسة والتأمر على الناس لما في ذلك من الفتنة لأن فيها خمار التكبر وأخذ الرشا وأنه إذا لم يقم بحقها ولم يؤد الأمانة فيها أثم واستحق العقوبة في النار (٣)، والمعنى أن الحاكم يكون أسيرًا متحيرًا يوم القيامة حتى يحاسب فإن كان عادلا خلصه العدل وإن كان جائرًا دخل النار بظلمه (٤). وفي الحديث دليل على جواز تعريف العرفاء على العساكر ونحوها ولتيسر ضبط الجيوش ونحوها على الإمام بإتخاذ العرفاء، وأما قوله ﷺ "ولكن العرفاء في النار" فمحمول على العرفاء المقصرين في ولايتهم

стр. 3065

المرتكبون فيها ما لا يجوز كما هو المعتاد لكثير منهم قاله القرطبي وصاحب المغيث في غريب القرآن والحديث (١). ومنه حديث طاووس أنه "سأل ابن عباس ما معنى قول الناس أهل القرءان عرفاء أهل الجنة فقال: رؤساء أهل الجنة" (٢)، انتهي، قاله في النهاية (٣). ١١٨٤ - وَعَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة ﵄ قَالا قَالَ رَسُول اللّه ﷺ ليَأْتِيَن عَلَيْكُم أُمَرَاء يقربون شرار النَّاس ويؤخرون الصَّلَاة عَن مواقيتها فَمن أدْرك ذَلِك مِنْكُم فَلَا يكونن عريفا وَلا شرطيا وَلا جابيا وَلا خَازِنًا، رَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه (٤). قوله: وعن أبي سعيد وأبي هريرة تقدم الكلام عنهما ﵄، قوله ﷺ "ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا" والشرطي بضم الشين وسكون الراء وهو الواحد من أعوان الولاة والظلمة (٥).

стр. 3066

التَّرْهِيب من الْمَسْأَلَة وتحريمها مَعَ الْغنى وَمَا جَاءَه في ذمّ الطمع وَالتَّرْغِيب فِي التعفف والقناعة وَالْأكل من كسب يَده ١١٨٥ - عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ لا تزَال الْمَسْألة بأحدكم حَتَّى يلقى اللّه تَعَالَى وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعة لحم، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ (١). المزعة بِضَم الْمِيم وَسُكُون الزاء وبالعين الْمُهْملَة هِيَ الْقطعَة. ١١٨٧ - (٢) وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول الْمَسْألة كلوح فِي وَجه صَاحبهَا يَوْم الْقِيَامَة فَمن شَاءَ استبقى على وَجهه، الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته كلهم ثِقَات مَشْهُورُونَ (٣). قوله عن ابن عمر ﵁ تقدم الكلام على ابن عمر، قوله ﷺ "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللّه تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" الحديث المزعة بضم الميم [وسكون] الزاي وبالعين المهملة وهي اللحم قاله المنذري وقال: غيره أي قطعة يسيرة من اللحم والممزع المقطع ومنه قول الشاعر وباركت يد اللّه في ذاك الأديم الممزع أي المقطع ويعبر بالمزعة عن القليل يقال ما في [الإناء مزعة من الماء أي جرعة (٤).

стр. 3067

وفى الحديث تأويلان قالهما الإمام أبو عبد اللّه القرطبى في كتابه: قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذل السؤال بالكتاب والشفاعة أحدهما: حمل الحديث على وجهه وأنه يأتى هذا العبد الذي جعل مسألة الناس حرفته، وسؤال الخلق دون الحق دأبه، وعادته يوم القيامة وقد تساقط لحم وجهه فيبقى عظما أجرد قبيح المنظر والثانى: أن المراد أنه يأتى في القيامة ولا قدر له ولا وجه ولا وجاهة عند اللّه تعالى كما جاء في بعض طرق الحديث "أنه يلقى اللّه ولا وجه له عنده"، كما يقال: لفلان وجه عند الناس. قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبى: وقد يجمع له الوجهان: كشف الوجه، وعدم الجاه زيادة في عقوبته (١) انتهى. وعلامة ذنبه حين طلب وسأل بوجهه كما جاءت به الأحاديث الأخر بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي (٢)، قال ابن عقيل وجاء في الحديث "أن أهل المعاصى يحشرون على الهيئة التي كانوا يتعاطونها في الدنيا يحشر شارب الخمر والقدح بيده و الكوز معلق في عنقه والقدح بيده" (٣) وقال في الميسر: وقد عرفنا اللّه تعالى أن الصور في الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال اللّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٤) (٥) وهذا فيمن سأل

стр. 3068

لغير ضرورة سؤالا منهيا عنه وأكثر منه كما في الرِّواية الأخرى من سأل تكثرا فإنما يسأل جمرا (١) قال ابن بطالى فيه ذم السؤال وتقبيحه، وفهم البخاري، ﵀، أن الذي يأتى يوم القيامة لا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرا لغير ضرورة إلى السؤال (٢)، أي يستكثر بسؤاله المال لا يريد به سد الخلة قال وجازاه اللّه من جنس ذنبه حين بذل ماء وجهه وعنده الكفاية (٣) والحكمة في ذهاب لحم وجهه وصول حر الشمس إلى العظام بحيث لا يقيها شئ وقال في المفهم: وخص الوجه لأنه بذله فيما أمر بصونه عنه ففى هذا الحديث النهى عن السؤال واتفق العُلماء على تحريم ذلك إلا لضرورة فإذا كان قادرا على الكسب فالصحيح أن السؤال حرام وقيل مكروه بشرط أن لا يذل نفسه وأن لا يلح فيه وأن لا يؤذى المسؤول وإن فقد أحد الشروط فهو حرام، وقال في الميسر وقد عرفنا اللّه - سبحانه - أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال اللّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٤) فالذى يبذل وجهه لغير اللّه في الدنيا، من غير ضرورة، بل للتكثر يصيبه شين في الوجه بذهاب اللحم عنه، ليظهر للناس فيه على صورة المعنى الذي خفي عليهم (٥).

стр. 3069

١١٨٦ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِنَّمَا الْمسَائِل كدوح يكدح بهَا الرجل وَجهه فَمن شَاءَ أبقى على وَجهه وَمن شَاءَ ترك إِلَّا أَن يسْأَل ذَا سُلْطَان أَو فِي أَمر لا يجد مِنْهُ بدا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وَعِنْده الْمَسْألة كد يكد بهَا الرجل وَجهه الحَدِيث وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ كد فِي رِوَايَة وكدوح فِي أُخْرَى (١). "الكدوح" بِضَم الْكَاف آثَار الخموش. قوله: وعن سمرة بن جندب تقدم الكلام عليه. قوله ج: "إنما المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك "قال: الحافظ المنذري: الكدوح بضم الكاف آثار الخموش ا. هـ، وقال غيره الكدوح بضم الكاف والدال وبالواو والحاء المهملة وهي الآثار من الخدش والعض ونحوه (٢)، وقيل الكدوح أكثر من الخدش وكل أثر من خدش أو عض ونحوه فهو كدوح (٣) وكدوح للمبالغة كصبور أي يريق بالسؤال ماء وجهه ومن أراق ماء وجهه فكأنه جرحه (٤) انتهى.

стр. 3070

ويجوز أن يكون مصدرا سمى به الأثر والكدوح في غير هذا السعي والحرص والعمل (١)، وقال: صاحب المغيث في رواية الترمذي والمسألة كد يكد بها الرجل وجهه وفي رواية أخرى كدوح وفي أخرى خدوش أو خموش الكد: الإتعاب يقال: كد يكد في عمله كدا، إذا استعجل وتعب كأنه يشير إلى الحديث الذي جاء فيه: "جاءت مسألته خدوشا في وجهه" لأن الوجه إذا خدش فقد أتعب ويحتمل أن يريد بالوجه ماءه ورونقه (٢) واللّه أعلم قاله في النهاية (٣). قوله ﷺ : "إلا أن يسئل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا" إنما جاز سؤال السلطان لأنه لا يلحقه منة فيما يأخذ منه (٤). وقوله ﷺ : "أو في أمر لا يجد منه بدا" يريد ما تدعو الحاجة إليه والضرورة إلى المسألة فيه ككتاب أو ثوب أو غير ذلك، وأباح أيضًا سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك إذ هم أهل الفضل بها، فإن أوقع حاجته باللّه تعالى فهو أولى وأفضل وأعلى (٥) على ما يأتي، وكان سفيان الثورى مع

стр. 3071

ورعه وفضله يقول: جوائز السلطان أحب إلى من صدقة الإخوان لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن ومثل هذا عن العُلماء الفضلاء في وجمع فيه الناس أبوابا واللّه أعلم ذكره القرطبى في كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة (١). وقال بعضهم: سؤال السلطان هو: أن يسأل حقه من بيت المال الذي في يده وليس على معنى استباحة الأموال التي تخونها أيديهم من غصب ونحوه واللّه أعلم (٢). ١١٨٨ - وَعَن مَسْعُود بن عَمْرو ﵁ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا يزَال العَبْد يسْأَل وَهُوَ غَنِي حَتَّى يخلق وَجهه فَمَا يكون لَهُ عِنْد اللّه وَجه، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (٣). قوله: وعن مسعود بن عمرو [ذكر البغوي أنه مسعود بن عمرو بن ربيعة بن عمرو القاري، حليف بني زهرة، شهد بدرًا وروى عن النبي ﷺ في كراهة السؤال، روى عنه سعيد بن يزيد، تفرد بحديثه محمد بن جامع العطار، وهو متروك، كذا أورده ابن عبد البر، وأقره ابن الأثير وزاد: وله حديث آخر رواه عنه الحسن في النهي عن قتل الحيات، قال ابن حجر: ودعواه تفرد محمد بن

стр. 3072

جامع به ليس بصحيح، فقد أخرجه البغوي، وابن السكن، والطبراني، وابن مندة، وأبو نعيم، وغيرهم، من طرق ليس فيها محمد بن جامع، لكن كلها تدور على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١)]. قوله: "لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فما يكون له عند اللّه وجه" الحديث]. قوله ﷺ : "لا يزال العبد يسأل وهو غني" وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢). فائدة: قال ابن الأثير في الجامع: إِذا أطلق المحدّثون: ابْن أبي ليلى، يعنون: عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، وَإِذا أطلقهُ الْفُقَهَاء يُرِيدُونَ ابْنه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (٣). قال في مسمع الأحباب: ابن أبي ليلى أدرك مائة وعشرين من أصحاب النبي ﷺ وليا ولي القضاء ركب أول يوم فاصطفت له الناس فنظر إليه مجنون من المجانين وقال: انظروا إلى من جمع اللّه له سرور الدنيا بحزن الآخرة فقال ابن أبي ليلى: لو سمعتها قبل أن أراك ما وليت لهم شيئًا أسند عن علماء الصحابة وروى عن جماعة من التابعين،

стр. 3073

قال: النووي (١) اسم أبي ليلى يسار وهو صحابي شهد أحدا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه ﷺ ثم انتقل إلى الكوفة سكنها وحضر مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها وقتل معه بصفين وقال: عبد الملك بن عمير رأتهما عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب النبي ﷺ يسمعون لحديثه وينصتون له منهم البراء بن عازب، وقال عبد اللّه بن الحارث: ما شعرت أن النساء يلدن مثل ابن أبي ليلى ولد عبد الرحمن لست سنين بقيت من خلافة عمر وهو تابعي كبير جليل واتفقوا على توثيقه وجلالته، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ا. هـ واللّه أعلم. ١١٨٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من سَأل النَّاس فِي غير فاقة نزلت بِهِ أَو عِيَال لَا يطيقهم جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بِوَجْه لَيْسَ عَلَيْهِ لحم. ١١٩٠ - وَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ من فتح على نَفسه بَاب مَسْألة من غير فاقة نزلت بِهِ أَو عِيَال لا يطيقهم فتح اللّه عَلَيْهِ بَاب فاقة من حَيْثُ لا يحْتَسب، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَهُوَ حَدِيث جيد فِي الشواهد (٢). قوله وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس. قوله: ﷺ "من سأل الناس في غير فاقة نزلت به أوعيال لا يطيقهم" الفاقة الحاجة والفقر قوله ﷺ : "جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم" الحديث تقدم الكلام على ذلك في أول الباب.

стр. 3074

١١٩١ - وَعَن عَائِذ بن عَمْرو ﵁ أَن رجلًا أَتَى النَّبِيّ ﷺ يسْأَله فَأعْطَاهُ فَلَمَّا وضع رجله على أُسْكُفَّة الْبَاب، قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لَو يعلمُونَ مَا فِي الْمَسْألة مَا مَشى أحد إِلَى أحد يسْأَله، رَوَاهُ النَّسَائِيّ (١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق قَابُوس عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄، قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لَو يعلم صَاحب الْمَسْألة مَا لَهُ فِيهَا لم يسْأَل (٢). قوله: وعن عائذ بن عمرو (عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد بن رواحة بن زبينة بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني، يكنى أبا هبيرة، ويقال لولد عثمان وأوس ابني عمرو: مزينة، نسبا إلى أمهما. وكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة، سكن البصرة، وابتنى بها دارا، وتوفي في إمارة عبيد اللّه بن زياد، أيام يزيد بن معاوية، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي، لئلا يصلي عليه ابن زياد. روى عنه الحسن، ومعاوية بن قرة، وعامر الأحول، وغيرهم. (٣) قوله أن رجلًا أتى رسول اللّه ﷺ يسأله فأعطاه فلما وضع رجله على اسكفة الباب الحديث اسكفة الباب بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء

стр. 3075

المفتوحة هي عتبته قاله: في الصحاح وغيرها (١). قوله ﷺ : "لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله" وفي رواية الطبراني عن ابن عباس "لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل" (٢) قال: الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (٣) في كتابه المذكور في أول الباب إذا كان السائل صادقا في سؤاله محتاجا إلى ما يدفع به ضرورته وفاقته فله أن يسأل وعلى الناس أن يعطوه كما دل عليه حديث جرير وغيره وأما إذا كان السائل من الملحين في السؤال الملحفين في طلب النوال الذين اتخذوه ديدنا وعادة وحرفة وصنعة فإنهم يقامون ويخرجون لأنهم يشوشون على الناس وعلى هذا يحمل كراهة مالك وما روى عن معاذ بن جبل في ذلك واللّه أعلم قال: معاذ ﵁ "إذا كان يوم القيامة نادى منادي أين بغضاء اللّه في أرضه فيقوم سؤال المساجد" (٤)، وقال: صالح المري قلت: للحسن قد كثر السؤال فمن أعطى قال: من رق قلبك عليه (٥) واللّه أعلم. قوله: ورواه الطبراني في الكبير من طريق قابوس عن عكرمة قابوس لا

стр. 3076

ينصرف للمعجمة والتعريف قال النابغة: نُبِّئْتُ أن أبا قابوسَ أوعدني ... ولا قرارَ على زَأْرٍ من الأسَدِ قاله في الصحاح (١). ١١٩٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَسْألة الْغَنِيّ شين فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَزَاد وَمَسْألة، الْغَنِيّ نَار إِن أعطي قَلِيلا فقليل وَإِن أعطي كثيرًا فكثير (٢). قوله وعن عمران بن حصين تقدم الكلام عليه في الجمعة مبسوطًا. قوله ﷺ : "مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة" الشين هو الشيء الفاحش القبيح يكون في وجهه أي يأتي بوجه ليس عليه لحم كما صرح به في الحديث الآخر وتقدم تحريم الصدقة على الأغنياء واختلفوا في القوي المكتسب، فقيل يحرم عليه لأنه في معناهم وبه قال: الشافعي لحديث فيه (٣) وأباحه مالك وأبو حنيفة وحملا التحريم على المسألة واللّه أعلم.

стр. 3077

١١٩٣ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ سَأَلَ مَسْألةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (١). قوله: وعن ثوبان تقدم الكلام عليه أيضا، قوله: ﷺ "من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة" تقدم الكلام على الشين. ١١٩٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سَأَلَ وَهُوَ غَنِي عَن الْمَسْألة يحْشر يَوْم الْقِيَامَة وَهِي خموش فِي وَجهه، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (٢). وقوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر قوله ﷺ "من سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه" أي خدوش يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشه خمشًا، وخموشا الخموش مصدر ويجوز أن يكون جمعا للمصدر حيث سمي به قاله في النهاية وخدش الجلد يخدشه خدشا إذا قشره بعود أو نحوه والخدوش جمعه لأنه سمي به الأثر وإن كان مصدرا قاله في النهاية (٣).

стр. 3078

١١٩٥ - وَعَن مَسْعُود بن عَمْرو ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه أُتِي بِرَجُل يُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ كم ترك قَالُوا دينارين أَو ثَلَاَثة، قَالَ ترك كيتين أَو ثَلاث كيات فَلَقِيت عبد الله بن الْقَاسِم مولى أبي بكر فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ لَهُ ذَاك رجل كَانَ يسْأَل النَّاس تكثرا، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي (١). قوله عن مسعود بن عمرو [مسعود بن عمرو الثقفي سكن المدينة، روى عن النبي ﷺ في كراهية السؤال. روى عنه سعيد بن يزيد، والذي انفرد بحديثه محمد بن جامع العطار، وهو متروك الحديث]. قوله أنه أتى برجل يصلي عليه النبي ﷺ فقال: "كم ترك" قالوا: دينارين أو ثلاثة فقال: ترك كيتين أو ثلاثة كيات فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر فذكرت ذلك له فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثرا أي يسأل الناس ليكثر ما عنده من المال بما يأخذه منهم وذلك محرم عليه. فائدة: رواه البيهقي (٢) من رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني، الحماني: بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، قال السمعاني: (٣) هَذِه

стр. 3079

النِّسْبَة إِلَى حمان بن عبد الْعَزِيز بن كَعْب بْن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَهِي قَبيلَة من تَمِيم نزلت الْكُوفَة وَالْمَشْهُور بِهَذ النِّسْبَة أَبُو يحيى عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن مَيْمُون الْحمانِي روى عَن الأعْمَش وَالثَّوْري وَغَيرهمَا روى عَنهُ ابْنه أَبُو زَكَرِيَّا يحيى، والله أعلم. ١١٩٦ - وَعَن حبشِي بن جُنَادَة ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سَأل من غير فقر فَكَأنَّمَا يَأْكُل الْجَمْر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصّحِيح وَابْن خُزَيمَة فِي صَحِيحه (١). وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الَّذِي يسْأَل من غير حَاجَة كمثل الَّذِي يلتقط الْجَمْر (٢). وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مجَالد عَن عَامر عَن حبشِي أطول من هَذَا وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة أَتَاهُ أَعْرَابِي فَأخذ بِطرف رِدَائه فَسَألهُ إِيَّاه فَأعْطَاهُ وَذهب فَعِنْدَ ذَلِك حرمت الْمَسْأَلَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْمَسْأَلَة لا تحل لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي إِلَّا لذِي فقر مدقع أَو غرم مقطع وَمن سَأَلَ النَّاس ليثري بِهِ مَاله كَانَ خموشا فِي وَجهه يَوْم الْقِيَامَة

стр. 3080

ورضفا يَأْكُلهُ من جَهَنَّم فَمن شَاءَ فليقلل وَمن شَاءَ فليكثر قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (١). زَاد فِيهِ رزين: وَإِنِّي لأعطي الرجل الْعَطِيَّة فَينْطَلق بهَا تَحت إبطه وَمَا هِيَ إِلَّا النَّار فَقَالَ لَهُ عمر وَلم تُعْطِي يَا رَسُول الله مَا هُوَ نَار فَقَالَ أَبى الله لي الْبُخْل وأبوا إِلَّا مَسْأَلَتي قَالُوا: وَمَا الْغنى الَّذِي لا تنبغي مَعَه الْمَسْألة قَالَ قدر مَا يغديه أَو يعشيه وَهَذِه الزِّيَادَة لهَا شَوَاهِد كَثِيرَة لكني لم أَقف عَلَيْهَا فِي شَيْء من نسخ التِّرْمِذِيّ (٢). "الْمرة": بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء هِيَ الشدَّة وَالْقُوَّة. والسوي: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء هُوَ التَّام الْخلق السَّالِم من مَوَانِع الاكْتِسَاب. يثري: بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي مَا يزِيد مَاله بِهِ. والرضف: يَأْتِي وَكَذَا بَقِيَّة الْغَرِيب. قوله: وعن حبشى بن جنادة [هو حبشي بن جنادة بن نصر بن أسامة بن الحارث بن معيط بن عمرو بن جندل بن مرة بن صعصة ومرة أخو عامر بن صعصعة ويقال لكل من ولده سلولي نسبوا إلى أمهم سلول بنت ذهل بن شيبان يكنى أبا الجنوب يعد في الكوفيين رأى النبي ﷺ في حجة الوداع، روى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي (٣)].

стр. 3081

قوله: ﷺ "من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر" أي الذي يأخذه يصير جمرًا فإن شئت اسأل القليل أو الكثير فالجمر أيضا كان قليلا أو كثيرا، وفى رواية: "كمثل الذي يلتقط الجمر" رواه الترمذي من رواية مُجالدٍ عن عامر بن حبشي أطول من هذا. قوله: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو واقف بعرفة أتاه أعرابي فأخذ بطرف ردائه فسأله إياه فأعطاه وذهب فعند ذلك حرمت المسألة الحديث تقدم الكلام على حجة الوداع وعلى الأعرابي. قوله: ﷺ "إن المسألة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي" المرة: الشدة والقوة، قاله: الحافظ والسوي هو التام الخلق السالم من موانع الاكتساب أي الصحيح الأعضاء، قاله المنذري. قوله: ﷺ "إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع" قال في النهاية: أي شديدًا يفضي بصاحبه إلى الدقعاء (١) وقيل هو سوء لاحتمال الفقر، وقيل: الفقر المدقع الذي لا يملك معه شيئا أو يملك ما لا يقع موقعا في كفايته (٢) وهذا عند الشافعية وعكسه الحنفية (٣). قوله: أو غرم مفظع المفظع الشديد الشنيع وقد أفظع يفظع فهو مفظع وفظع الأمر فهو فظيع قاله: في النهاية (٤) والغرم بضم الغين المعجمة وسكون الراء هو ما يلزم أداؤه تكلفا.

стр. 3082

قوله: ﷺ : "من سأل الناس ليثري به ماله كانت خموشا في وجهه يوم القيامة ورضفا يأكله من جهنم" الحديث قوله: ليثري به ماله أي يزيد ماله به كذا فسره الحافظ المنذري وتقدم الكلام على الخموش في الأحاديث المتقدمة، والرضف الحجارة المحماة وتقدم الكلام عليه في الزكاة. قوله: قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة قال: قدر ما يغذيه أو يعيشه واختلف العلماء في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة فقال: الأكثرون حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة وهو قول مالك والشافعي قال: أصحاب الرأي حده أن يملك مائتي درهم وقال: قوم من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة ولما روى عن ابن مسعود قال: قال: رسول الله ﷺ "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش" قيل: وما يغنيه قال: "خمسون درهما أو قيمته من الذهب" وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وقالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين وقيل أربعون درهما لما روى أن النبي ﷺ قال: "من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا" (١) والله أعلم ذكره البغوي (٢) وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا.

стр. 3083

١١٩٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سَأل النَّاس تكثرا فَإِنَّمَا يسْأَل جمرا فليستقل أَو ليستكثر، رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه (١). ١١٩٨ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سَأَلَ النَّاس عَن ظهر غنى استكثر بهَا من رضف جَهَنَّم، قَالُوا وَمَا ظهر غنى قَالَ عشَاء لَيْلَة، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زوائده على الْمسند وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَإِسْنَاده جيد (٢). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله: ﷺ "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر" الحديث قال: النووي (٣) ضبطناه بالمثلثة في قوله ليستكثر بعد الكاف وكذا هو في معظم الأصول وهو الظاهر وضبطه بعض الأئمة المعتمدين في نسخته بالباء الموحدة وله وجه وهو بمعنى الأول أن يصير ماله كثيرا عظيما المراد به أن يسأل مع استغنائه وفيه وعيد شديد لمن سأل مع عدم الاحتياج وتهديد أبلغ في التهديد والمنع

стр. 3084

وليس بتخيير وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١) والمراد بجمر جهنم التعذيب بها يوم القيامة فلما كانت المسألة سبب التعذيب بها أطلق المسألة عليها من باب إطلاق اسم المسبب على السبب، قاله: ابن عقيل وقال: القاضي عياض (٢) معناه يعاقب بالنار ويحتمل أن يكون على ظاهره وإن الذي يأكله يصير جمرا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة وقال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣) في كتابه قمع الحرص "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرًا" أي من غير حاجة ولا ضرورة به إلى ما يسألهم وإنما يسأل استكثارا ليكثر ما عنده من المال بما يأخذه منهم وذلك محرم عليه لأن المسألة من أموال الناس لا تحل إلا لضرورة على ما يأتي بيانه فمن سألها عن غير حاجة أخذ حراما وأكل مالا بالباطل وهو دعوى الفقر وأخذ ما لا يحل ولهذا توعد عليه بالنار فقال: "إنما يسأل جمرا" يعني يأكله غدا أو يحرقه أو لأن فيه إظهارا منه للفقر وقد أغناه الله وكتما لنعمة الله تعالى فبدل شكرها كفرا وكذب في سؤاله وأخذ صدقة يستحقها الفقراء وهم أولى بها فمنعهم حقوقهم بأخذها وكل هذه فواحش ومعاصي باطنة وظاهرة توجبما عذاب النار وحكم من هذا فعله أن يؤخذ ذلك منه (٤).

стр. 3085

١١٩٩ - وَعَن سهل ابْن الحنظلية ﵁ قَالَ قدم عُيَيْنه بن حصن والأقرع بن حَابِس ﵄ على رَسُول الله ﷺ فَسَألَاهُ فَأمر مُعَاوِيَة فَكتب لَهما مَا سَألَا فَأَما الأقْرَع فَأخذ كِتَابه فلفه فِي عمَامَته وَانْطَلق وَأما عُيَيْنه فَأخذ كِتَابه وأتى بِهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَترَانِي حَامِلا إِلَى قومِي كتابا لا أَدْرِي مَا فِيهِ كصحيفة المتلمس فَأخْبر مُعَاوِيَة بقوله رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من سَألَ وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يستكثر من النَّار، قَالَ النُّفَيْلِي وَهُوَ أحد رُوَاته قَالُوا وَمَا الْغنى الَّذِي لا تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَة قَالَ قدر مَا يغديه ويعشيه، رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ (١). وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ فِيهِ من سَألَ شَيْئا وَعِنْده مَا يُغْنِيه فَإِنَّمَا يستكتر من جمر جَهَنَّم، قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا يُغْنِيه قَالَ مَا يغديه أَو يعشيه كَذَا عِنْده أَو يعشيه بِأَلف (٢). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة بِاخْتِصَار إِلَّا أَنه قَالَ قيل يَا رَسُول الله وَمَا الْغنى الَّذِي لا تنبغي مَعَه الْمَسْأَلَة قَالَ أَن يكون لَهُ شبع يَوْم وَلَيْلَة أَو لَيْلَة وَيَوْم (٣). قَوْله: كصحيفة المتلمس هَذَا مثل تضربه الْعَرَب لمن حمل شَيْئا لَا يدْرِي هَل يعود عَلَيْهِ بنفع أَو ضرّ وَأَصله أَن المتلمس واسْمه عبد الْمَسِيح قدم هُوَ

стр. 3086

وطرفة الْعَبْدي على الْملك عَمْرو بن الْمُنْذر فأقاما عِنْده فنقم عَلَيْهِمَا أمرا فَكتب إِلَى بعض عماله يَأْمُرهُ بِقَتْلِهِمَا وَقَالَ لَهما إِنِّي قد كتبت لَكمَا بصلَة فاجتازا بِالْحيرَةِ فَأعْطى المتلمس صَحِيفَته صَبيا فقرأها فَإِذا فِيهَا الْأَمر بقتْله فألقاها وَقَالَ لطرفة افْعَل مثل فعلي فَأبى عَلَيْهِ وَمضى إِلَى عَامل الْملك فقرأها وَقَتله. قَالَ الْخطابِيّ اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيله يَعْنِي حَدِيث سهل فَقَالَ بَعضهم من وجد غداء يَوْمه وعشاءه لم تحل لَهُ الْمَسْأَلة على ظَاهر الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَن وجد غداء وعشاء على دَائِم الْأَوْقَات فَإِذا كَانَ عِنْده مَا يَكْفِيهِ لقُوته الْمدَّة الطَّوِيلَة حرمت عَلَيْهِ الْمَسْأَلة وَقَالَ آخَرُونَ هَذَا مَنْسُوخ بالأحاديث الَّتِي تقدم ذكرهَا يَعْنِي الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَقْدِير الْغنى بِملك خمسين درهما أَو قيمتهَا أَو بِملك أُوقِيَّة أَو قيمتهَا (١). قَالَ الْحَافِظ ﵁ ادِّعَاء النّسخ مُشْتَرك بَينهمَا وَلَا أعلم مرجحا لأحَدهمَا على الآخر وَقد كَانَ الشَّافِعِي ﵀ يَقُول قد يكون الرجل بالدرهم غَنِيا مَعَ كَسبه وَلَا يُغْنِيه الْألف مَعَ ضعفه فِي نَفسه وَكَثْرَة عِيَاله وَقد ذهب سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَالْحسن بن صَالح وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه إِلَى أَن من لَهُ خَمْسُونَ درهما أَو قيمتهَا من الذَّهَب لَا يدْفع إِلَيْهِ شَيء من الزَّكَاة وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة يَقُولَانِ من لَهُ أَرْبَعُونَ درهما فَهُوَ غَنِي وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي يجوز دَفعهَا إِلَى من يملك دون النّصاب وَإِن كَانَ

стр. 3087

صَحِيحا مكتسبا مَعَ قَوْلهم من كَانَ لَهُ قوت يَوْمه لَا يحل لَهُ السُّؤَال اسْتِدْلَالا بِهَذَا الحَدِيث وَغَيره وَاللّه أعلم. قوله: وعن سهل بن الحنظلية، سهل هذا هو: ابن الربيع وهو صحابي أنصاري أوسي والحنظلية أمة لأنها غلبت عليه قوله: قال: قدم عيينة بن حصن [هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان الفزاري يكنى: أبا مالك، أسلم بعد الفتح، وقيل: أسلم قبل الفتح، وشهد الفتح مسلما، وشهد حنينا أو الطائف أيضا، وكان من المؤلفة قلوبهم، ومن الأعراب الجفاة، وقيل: إنه دخل على النبي ﷺ من غير إذن، فقال له: "أين الإذن"؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر! وكان ممن ارتد وتبع طليحة الأسدي، وقاتل معه، فأخذ أسيرًا، وحمل إلى أبي بكر ﵁، فكان صبيان المدينة يقولون: يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك؟! فيقول: ما آمنت بالله طرفة عين، فأسلم، فأطلقه أبو بكر، وكان عيينة في الجاهلية من الجرارين، يقود عشرة آلاف، وتزوج عثمان بن عفان ابنته، فدخل عليه يوما، فأغلظ له، فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه بهذا، فقال: إن عمر أعطانا فأغنانا وأخشانا فأتقانا، وقال أبو وائل: سمعت عيينة بن حصن، يقول لعبد الله بن مسعود: أنا ابن الأشياخ الشم، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وهو عم الحر بن قيس، وكان الحر رجلا صالحا من أهل القرآن، له منزلة من عمر بن الخطاب، فقال عيينة لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا الرجل؟ قال: إني أخاف أن تتكلم بكلام لا

стр. 3088

ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر، فقال: يابن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل! فغضب عمر غضبا شديدا، حتى هم أن يوقع به، فقال ابن أخيه يا أمير المؤمنين، إن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (١)، وإن هذا لمن الجاهلين، فخلى عنه، وكان عمر وقافا عند كتاب الله (٢)]. قوله: والأقرع بن حابس على رسول الله ﷺ الأقرع بن حابس التميمي شهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينا وحصار الطائف وشهد مع خالد بن الوليد فتح العراق والأنبار وكان على مقدمة خالد. قال ابن دريد اسم الأقرع نواس (٣) وقال في شرح الإلمام. والأقرع: قيل إنه لقب واسمه فراس وقيل: بل هو اسمه ولقب الأقرع لقرع كان في رأسه وكان شريفا في الجاهلية والإسلام واستعمله عبد الله بن عامر على جيش بعثه إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش ﵁ ومناقبه كثيرة (٤). قوله: في الحديث فأمر معاوية فكتب لهما ما سألاه، معاوية هو ابن أبي سفيان واسم أبيه طلحة وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا، وإنما أمر النبي

стр. 3089

- ﷺ معاوية أن يكتب لهما ما سأله لأنه أحد كتاب الوحي وكان يكتب له المراسلات إلى الملوك وغيرها فأمره بذلك على عادته فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، تقدم الكلام على الأقرع، وأما عيينة بن حصن فأخذ كتابه وأتى به رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أتراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس، أتراني بضم التاء ومعناه [أتظنني على جهة الإنكار والتعجب]. قوله: كصحيفة المتلمس، الصحيفة: الكتاب قال الحافظ المنذري: هذا مثل تضربه العرب لمن حمل شيئا لا يدري هل يعود عليه بنفع أو ضر وأصله إن المتلمس، واسمه عبد المسيح قدم هو وطرفة العبدي على الملك عبد بن المنذر إلى آخره، وقال: في التنقيح المتلمس هو جرير بن عبد المسيح الضبعي الشاعر المشهور جاهلي ورأيت في بعض الكتب جرير بن عبد الله وقيل عبد اللات هجا هو وطرفة العبدي الشاعر عمرو بن هند ملك الحيرة فكتب له ولطرفة بن العبد كتابيين أوهمهما أنه أمر لهما بجوائز وكتب له يأمره بقتلهما والقصة مشهورة عند العرب وأن المتلمس لما علم ما في كتابه رمى به وهرب فضرب العرب المثل بصحيفته (١) ا. هـ. أعجوبة قال في حياة الحيوان: ولطرفة بن عبد قصة عجيبة مع عمرو بن المنذر بن امرء القيس ويقال له: عمرو بن هند وكان لا يبتسم ولا يضحك وكانت العرب تسميه مُضَرِّطَ الْحِجَارَةِ لِشِدَّةِ مُلْكِهِ، فإنه ملك ثلاثا وخمسين

стр. 3090

سنة وكانت العرب تهابه هيبة شديدة وكان طرفة غلاما معجبا فجعل يَتَخَلَّجُ في مشيه بين يديْهِ، فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه من مجلسه، فقال له المتلمس حين قاما: يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك، فقال: كلا، ثم إنه كتب لهما كتابين إلى المكعبر وكان عامله على البحرين وعمان فخرجا حتى إذا هبطا بأرض قريبة من الحيرة فإذا هما بشيخ معه كسرة يأكلها وهو يتبرز ويقصع القمل فقال له المتلمس: بالله ما رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك! فقال له: وما الذي أنكرته علي؟ فقال: تتبرز، وتأكل، وتقصع القمل! قال: أخرج خبيثا وأدخل طيبا وأقتل عدوا ولكن أحمق مني وألأم حامل حتفه بيمينه قال: فنبهني وكأنما كنت نائما فإذا أنا بغلام من أهل الحيرة يسقى غنيمة له من نهر الحيرة قلت: يا غلام أتقرأ قال: نعم فقلت أقرأ هذه فإذا فيها باسمك اللهم من عمرو بن هند إلى المكعبر إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فأقطع يديه ورجليه وادفنه حيا فألقيت الصحيفة وقلت: يا طرفة والله معك مثلها قال: كلا، ما كان ليكتب لي مثل ذلك ثم أتى طرفة إلى الأمير فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا فضرب المثل بصحيفة المتلمس لمن يسعى في حتفه بنفسه ويغرر بها (١) ا. هـ. وقيل السبب في قتل طرفة العبدي الشاعر أنه كان قد هجا عمرو بن هند ملك الحيرة ثم مدحه فحقد عليه وأراد قتله فكره أن يقتله بحضرة بكر بن وائل وخاف أن يهجوه المتلمس لأنه خاله فكتب لطرفة والمتلمس إلى

стр. 3091

المكعبر عامله على البحرين كتابين بمثلهما جميعا. قوله ﷺ : من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثره من النار قال النفيلي: وهو أحد رواته قالوا: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: "قدر ما يعْديه أو يعشيه" رواه أبو دود ورواه ابن حبان (١) وقال فيه قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟، قال: "ما يغديه، أو يعشيه" كذا عنده أو يعشيه بالألف ورواه ابن خزيمة (٢) إلا أنه قال: قيل يا رسول الله وما الغنى الذي لا ينبغي معه مسألة قال: أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم وفي حديث علي الذي تقدم قبل هذا الحديث قالوا: وما ظهر غنى؟ قال: عشاء ليلة وفي أخرى خمسون درهما أو قيمتها وفي أخرى أوقية أو عدلها ويحتمل أن يستفاد من لفظ غنى يغنيه فإن معناه شيء يقع موقعا من حاجته فمن له ذلك فهو الغنى فإن قلت: ليس في هذه الأحاديث ما يدل على كمية الغنى، قلت: قال مالك والشافعي: لا حد للغنى معلوما وإنما يعتبر حال الإنسان قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنيا مع الكسب ولا يغنيه الألف أمع ضعفه في نفسه وكثرة عياله] (٣) والصحيح من مذهبه أن الغنى عن حاجته وحاجة من تلزمه مؤنته وقضاء دين نصابا والحاجة تندفع بكفاية سنة وفي وجه كفاية العمر كأن يشتري عقارا تفي غلته بكفايته أو يشتري من له حرفة آلة حركته أو رأس مال

стр. 3092

ليتجر فيه بحيث يفي يربحه بكفايته غالبا فإن كان بقليا فخمسة دراهم أو باقلانيا فعشرة أو خباز فخمسون أو بقدر الكفاية أو عطارا فألف أو بزازا فالفان أو صيرفيا فخمسة الألف درهم أو جوهريا فعشرة الألف ويجوز أن يعطي الفقير ذلك لسد خلته (١) وخالف أبو حنيفة فقال لا يعطى مقدار نصاب وقال أحمد لا يعطى خمسين درهما ولا مقدارها من الذهب [لما روى الدارمي وغيره عن ابن مسعود أن النبي]﵇[قال (من سأل وعنده ما يكفيه، فإنما يستكثر من النار) قالوا: ما يكفيه؟ قال: (خمسون درهما أو ما يساوي خمسين درهما) أو وجود ما تحصل به] الكفاية بقوله حتى يصيب قواما من عيش ا. هـ. قاله في شرح الإلمام. قال: الحافظ الخطابي (٢): اختلف الناس في تأويله يعنى حديث سهل فقال: بعضهم من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة فقد حرمت عليه المسألة. ا. هـ. وقال غيره: ولا شك أنه يجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء (٣) وقال النووي في شرح مسلم: اختلف أصحابنا في مسألة القادر

стр. 3093

على الكسب على وجهين أصحهما أنه حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أحدها أن لا يذل نفسه، والثاني لا يلح في السؤال، والثالث: ولا يؤذي المسلمين فإن فقدت هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق (١). قال الحافظ في الكلام على حديث سهل: وقد ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية إلى أن من له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب لا يدفع شيء من الزكاة ويؤيد هذا القول أيضا ما روى عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحل الصدقة لمن يملك خمسين درهما أو عرضها من الذهب" رواه مسدد (٢). قوله: سفيان الثوري بضم السين وكسرها وفتحها والضم أشهر هو الإمام الكبير العالم الرباني المتفق على ارتفاع منزلته وكثرة علومه وصلابة دينه القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم. أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن مضر. الثوري نسب (٣) إلى جد له يقال له ثور وهو من تابعي التابعين ولد سنة سبع

стр. 3094

وسبعين وفي نسخة وستين وكان يتقدم سفيان في الحفظ على مالك، وقال: عبد الرزاق وروى أنا أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة وقال: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصل النجارون إلى مكة ونصبوا الخشب فنودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض ورجله في حجر سفيان بن عيينة فقالا: يا أبا عبد الله لا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها وقال: بريت منها أن دخل أبو جعفر فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة وانتقل سفيان إلى البصرة فمات فيها متواريا من سلطانها ودفن عشاء سنة ستين ومائة، وقال: أبو حاتم الرازي (١) سمعت قبيصة يقول: رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: نَظَرْتُ إِلَى رَبِّي كِفَاحًا فَقَالَ لِي ... هَنِيئًارِ ضَائِي عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيدِ فَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إِذَا أَقْبَلَ الدُّجَى ... بِعَبْرَةِ مُشْتَاقٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ فَدُونَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَهُ ... وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ قال في مختصر مجمع الأحباب: سمع سفيان الثوري أبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وعمرو بن مرة وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، واتفق العلماء على وصفه بالبراعة في العلم بالحديث والفقه والورع والزهد وخشونة العيش والقول بالحق وغير ذلك من المحاسن وقال ابن

стр. 3095

المبارك (١): كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري، وقال: عبد الرزاق سمعت الثوري يقول ما استودعت قلبي قط شيئًا فخانني، وقال ابن عيينة: أَنا من غلْمَان الثَّوْريّ وَمَا رَأَيْت أعلم بالحلال وَالْحرَام مِنْهُ والثناء عليه أكثر من أن تحصى وأوضح من أن تشهر وهو أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، قال محمد بن سعد: أجمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة وتقدم الكلام على ابن المبارك في صلاة التسبيح وتقدم الكلام أيضا على الإمام أحمد بن حنبل قريبا وعلى الحسن البصري، وأما إسحاق بن راهويه (٢) فهو بالهاء والواو المفتوحتين والتحتانية الساكنة والهاء المكسورة وهو المشهور ويقال أيضا بالهاء المضمومة وبالتحتانية المفتوحة، قال: أبو الفرج (٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن مخلد

стр. 3096

بفتح الميم والخاء المعجمة الساكنة واللام المفتوحة أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد أئمة الإسلام، قال: عبد الله بن طاهر له لم قيل لك ابن راهوية قال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة فقال: المراوزة راهوي لأنه ولد في الطريق وهو بالفارسية راه وقال: الحسن بن عبد الصمد (١) سمعت إسحاق يقول أحفظ سبعين ألف حديث كلها نصب عيني أسند إسحاق عن جرير بن عبد الحميد وإسماعيل وسفيان بن عيينة وخلائق لا يحصون وهو ﵀ أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين توفي بنيسابور ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين والله أعلم. قوله: وقال: أصحاب الرأي يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحا مكتسبا. تنبيه: والمحدثون يسمون أصحاب القياس أصحاب الرأي يعنون أنهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر ا. هـ. قاله في النهاية (٢). ١٢٠٠ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سَأل النَّاس ليثري مَاله فَإِنَّمَا هِيَ رضف من النَّار ملهبة فَمن شَاءَ فَلْيقل وَمن شَاءَ فليكثر، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣).
следующие страницы →