← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3092–3131 · переход к 3097.

стр. 3092

ليتجر فيه بحيث يفي يربحه بكفايته غالبا فإن كان بقليا فخمسة دراهم أو باقلانيا فعشرة أو خباز فخمسون أو بقدر الكفاية أو عطارا فألف أو بزازا فالفان أو صيرفيا فخمسة الألف درهم أو جوهريا فعشرة الألف ويجوز أن يعطي الفقير ذلك لسد خلته (١) وخالف أبو حنيفة فقال لا يعطى مقدار نصاب وقال أحمد لا يعطى خمسين درهما ولا مقدارها من الذهب [لما روى الدارمي وغيره عن ابن مسعود أن النبي]﵇[قال (من سأل وعنده ما يكفيه، فإنما يستكثر من النار) قالوا: ما يكفيه؟ قال: (خمسون درهما أو ما يساوي خمسين درهما) أو وجود ما تحصل به] الكفاية بقوله حتى يصيب قواما من عيش ا. هـ. قاله في شرح الإلمام. قال: الحافظ الخطابي (٢): اختلف الناس في تأويله يعنى حديث سهل فقال: بعضهم من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة فقد حرمت عليه المسألة. ا. هـ. وقال غيره: ولا شك أنه يجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء (٣) وقال النووي في شرح مسلم: اختلف أصحابنا في مسألة القادر

стр. 3093

على الكسب على وجهين أصحهما أنه حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أحدها أن لا يذل نفسه، والثاني لا يلح في السؤال، والثالث: ولا يؤذي المسلمين فإن فقدت هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق (١). قال الحافظ في الكلام على حديث سهل: وقد ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية إلى أن من له خمسون درهما أو قيمتها من الذهب لا يدفع شيء من الزكاة ويؤيد هذا القول أيضا ما روى عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ "لا تحل الصدقة لمن يملك خمسين درهما أو عرضها من الذهب" رواه مسدد (٢). قوله: سفيان الثوري بضم السين وكسرها وفتحها والضم أشهر هو الإمام الكبير العالم الرباني المتفق على ارتفاع منزلته وكثرة علومه وصلابة دينه القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم. أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن مضر. الثوري نسب (٣) إلى جد له يقال له ثور وهو من تابعي التابعين ولد سنة سبع

стр. 3094

وسبعين وفي نسخة وستين وكان يتقدم سفيان في الحفظ على مالك، وقال: عبد الرزاق وروى أنا أبا جعفر الخليفة بعث الخشابين قدامه حين خرج إلى مكة وقال: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه فوصل النجارون إلى مكة ونصبوا الخشب فنودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض ورجله في حجر سفيان بن عيينة فقالا: يا أبا عبد الله لا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى أستار الكعبة فأخذها وقال: بريت منها أن دخل أبو جعفر فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة وانتقل سفيان إلى البصرة فمات فيها متواريا من سلطانها ودفن عشاء سنة ستين ومائة، وقال: أبو حاتم الرازي (١) سمعت قبيصة يقول: رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: نَظَرْتُ إِلَى رَبِّي كِفَاحًا فَقَالَ لِي ... هَنِيئًارِ ضَائِي عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيدِ فَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إِذَا أَقْبَلَ الدُّجَى ... بِعَبْرَةِ مُشْتَاقٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ فَدُونَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ أَرَدْتَهُ ... وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ قال في مختصر مجمع الأحباب: سمع سفيان الثوري أبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وعمرو بن مرة وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، واتفق العلماء على وصفه بالبراعة في العلم بالحديث والفقه والورع والزهد وخشونة العيش والقول بالحق وغير ذلك من المحاسن وقال ابن

стр. 3095

المبارك (١): كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري، وقال: عبد الرزاق سمعت الثوري يقول ما استودعت قلبي قط شيئًا فخانني، وقال ابن عيينة: أَنا من غلْمَان الثَّوْريّ وَمَا رَأَيْت أعلم بالحلال وَالْحرَام مِنْهُ والثناء عليه أكثر من أن تحصى وأوضح من أن تشهر وهو أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، قال محمد بن سعد: أجمعوا على أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة وتقدم الكلام على ابن المبارك في صلاة التسبيح وتقدم الكلام أيضا على الإمام أحمد بن حنبل قريبا وعلى الحسن البصري، وأما إسحاق بن راهويه (٢) فهو بالهاء والواو المفتوحتين والتحتانية الساكنة والهاء المكسورة وهو المشهور ويقال أيضا بالهاء المضمومة وبالتحتانية المفتوحة، قال: أبو الفرج (٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن مخلد

стр. 3096

بفتح الميم والخاء المعجمة الساكنة واللام المفتوحة أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد أئمة الإسلام، قال: عبد الله بن طاهر له لم قيل لك ابن راهوية قال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة فقال: المراوزة راهوي لأنه ولد في الطريق وهو بالفارسية راه وقال: الحسن بن عبد الصمد (١) سمعت إسحاق يقول أحفظ سبعين ألف حديث كلها نصب عيني أسند إسحاق عن جرير بن عبد الحميد وإسماعيل وسفيان بن عيينة وخلائق لا يحصون وهو ﵀ أحد أركان المسلمين وعلم من أعلام الدين توفي بنيسابور ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين والله أعلم. قوله: وقال: أصحاب الرأي يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحا مكتسبا. تنبيه: والمحدثون يسمون أصحاب القياس أصحاب الرأي يعنون أنهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر ا. هـ. قاله في النهاية (٢). ١٢٠٠ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سَأل النَّاس ليثري مَاله فَإِنَّمَا هِيَ رضف من النَّار ملهبة فَمن شَاءَ فَلْيقل وَمن شَاءَ فليكثر، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣).

стр. 3097

الرضف: بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء الْحِجَارَة المحماة قوله وعن عمر بن الخطاب: تقدم الكلام على عمر بن الخطاب أوائل هذا التعليق في حديث "إنما الأعمال بالنيات" ومن فضائله أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: فما أولته يا رسول الله قال: "الدين" رواه البخاري ومسلم (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ "بينما أن نائم رأيتني في الجنة وإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا القصر" فقالوا: لعمر "فذكرت غيرتك" فبكى عمر ﵁ وقال: أو عليك أغار يا رسول الله؟ رواه البخاري ومسلم (٢) أيضا قوله ﷺ "من سأل الناس ليثري ماله فإنما هي رضف من النار ملهبة، فمن شاء فليقل ومن شاء فليكثر" (٣) وتقدم معنى ليثري ماله والرضف هي الحجارة المحماة كذا فسره الحافظ رحمه الله تعالى. ١٢٠١ - وَرُوِيَ عَن حَكِيم بن حزَام ﵁ قَالَ جَاءَ مَال من الْبَحْرين فَدَعَا النَّبِي ﷺ الْعَبَّاس ﵁. فحفن لَهُ ثمَّ قَالَ أزيدك قَالَ نعم فحفن لَهٌ ثمَّ قَالَ أزيدك قَالَ نعم فحفن لَهُ ثمَّ قَالَ أزيدك قَالَ نعم، قَالَ أبق لمن بعْدك ثمَّ دَعَاني

стр. 3098

فحفن لي فَقلت يَا رَسُول الله خير لي أَو شَرّ لي قَالَ لا بل شَرّ لَك فَرددت عَلَيْهِ مَا أَعْطَانِي ثمَّ قلت لا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أقبل من أحد عَطِيَّة بعْدك قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ حَكِيم فَقلت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يُبَارك لي قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لَهُ فِي صَفْقَة يَده، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: وعن حكيم بن حزام بفتح الحاء وبالياء بن حزام بالزاي كنيته أبو خالد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزيز بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي المكي أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وكان شهد بدرا وكان إذا اجتهد في يمينه قال: والذي نجاني أن أكون قتيلا يوم بدر، ولد ﵁ قَبْلَ عَامِ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً على الأشهر وأمه اسمه فاختة بنت زهير وعمته خديجة بنت خويلد زوجة النبي ﷺ وعاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام ولا يشاركه في هذا أحد إلا حسان بن ثابت، والمراد بقولهم ستين سنة في الإسلام أي من حين ظهوره ظهورا فاشيا قالوا: وولد حكيم في جوف الكعبة ولا يعرف أحد ولد فيها غيره. أما ما روي أن علي بن أبي طالب ولد فيها فضعيف عند العلماء وذلك أن أمه دخلت تزور الكعبة فضربها الطلق وهي في الكعبة فولدته عَلَى نِطْعٍ، وكان ﵁: شديد المحبة لرسول الله ﷺ وهو الذي اشْترى حُلَّةَ ذِي يَزَنَ فَأَهْدَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَبِسَهَا، قَالَ حكيم: فَمَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ فِيهَا.

стр. 3099

وكان إسلامه يوم فتح مكة هو وأولاده كلهم توفي حكيم بالمدينة سنة ستين أو أربع وخمسين وكان حكيم من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام وأكبر هم وأعلمهم بالأنساب وكان كثير الصدقة والبر وكان حكيم قد شهد بدرا مع المشركين ولما سار رسول الله ﷺ إلى فتح مكة ومعه جنود خرج حكيم وأبو سفيان يتحسسان الأخبار فلقيهما العباس فأخذ أبا سفيان وأجاره وأخذ له أمانا من رسول الله ﷺ وأسلم أبو سفيان ومن صبح ذلك اليوم أسلم حكيم وشهد مع رسول الله ﷺ حنينا وأعطاه النبي ﷺ يوم حنين مائة بعير ولم يصنع من المعروف شيئا في الجاهلية إلا صنع مثله في الإسلام وكانت دار الندوة له باعها بمائة ألف درهم فقيل له بحت مكرمة قريش فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى وتصدق بثمنها، ذكر الزبير بن بكار (١): أن حكيما قالوا حج عاما في الإسلام فأهدى مائة بدنه مجللة بالحبرة وألف شاة وأوقف معه بعرفات بألف وصيف في أعناقهم أطوقة من الفضة منقوش فيها هؤلاء عتقاء الله من حكيم بن حزام وكان جوادا ﵁ قيل أنه أعتق في الجاهلية مائة رقبة وفي الإسلام مائة رقبة ولما حضرته الوفاة كان آخر كلامه لا إله إلا الله اللهم إني كنت أخشاك وأنا اليوم أرجوك وتوفي ﵁ وله من العمر مائة وعشرون سنة وحكيم بن حزام ابن أخي خديجة بنت خويلد أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ وابن عم الزبير بن العوام بن خويلد وأوصى إلى عبد الله بن الزبير قال النووي: روينا في صحيح البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام

стр. 3100

قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم فهل لي فيها من أجر فقال: النبي ﷺ "أسلمت على ما أسلفت من خير قلت فوالله لا ادع شيئا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله" (١) التحنث التبرر ومعناه رفع الحنث (٢). قوله: جاء مال من البحرين تقدم في الزكاة أن البحرين هو اسم لبلاد معروفة وإقليم مشهور يشتمل على مدن قاعدتها هجر (٣). قوله: فدعا النبي ﷺ العباس فحفن له ثم قال: أزيدك قال: نعم قال: أبق لمن بعدك قال: حكيم ثم دعاني فحفن لي الحديث تقدم الكلام على عمه العباس. وقوله قال: محمد بن سيرين تقدم الكلام على محمد بن سيرين. قوله: قال حكيم: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يبارك لي في صفقة يدي قال: اللهم بارك له في صفقة يده، الصفقة المراد بها البيعة وأصلها من وضع أحد المتبايعين يده في يد آخر عند البيع كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف

стр. 3101

مأخوذ من عادة العرب أنهم عند البيع يضعون أيديهم في أيدي من يبايعونه فسمي صفقة لهذا المعنى ويقال: الصفقة بالسين والصاد والصفق الاجتماع (١) ا. هـ. ١٢٠٢ - وَعَن أسلم قَالَ قَالَ لي عبد الله بن الأرقم أدللني على بعير من العطايا أستحمل عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت نعم جمل من إبل الصَّدَقَة فَقَالَ عبد الله بن الأرقم أَتُحِبُّ لَو أَن رجلا بادنا فِي يَوْم حَار غسل مَا تَحت إزَاره ورفغيه ثمَّ أعطاكه فَشَربته قَالَ فَغضِبت وَقلت يغْفر الله لَك لم تَقول مثل هَذَا لي قَالَ فَإِنَّمَا الصَّدَقَة أوساخ النَّاس يغسلونها عَنْهُم، رَوَاهُ مَالك (٢). البادن السمين. والرفغ بِضَم الرَّاء وَفتحهَا وبالغين الْمُعْجَمَة هُوَ الإِبِط وَقيل وسخ الثَّوْب والأرفاغ المغابن الَّتِي يجْتَمع فِيهَا الْعرق والوسخ من الْبدن. قوله وعن أسلم [هو أبو خالد، ويقال: أبو زيد القريشى العدوى المدنى، مولى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من سبى اليمن، هكذا قاله البخارى في التاريخ، وابن أبي حاتم، وآخرون. وحكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: هو حبشى، قالوا: بعث أبو بكر الصديق عمر، رضى الله عنهما، سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، واشترى أسلم. سمع أبا بكر الصديق، وعمر،

стр. 3102

وعثمان، وأبا عبيدة، ومعاذ، أو ابن عمر، ومعاوية، وأبا هريرة، وحفصة، رضى الله عنهم، روى عنه ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ونافع، وآخرون. واتفق الحفاظ على توثيقه. وروى له البخارى ومسلم، وحضر الجابية مع عمر. توفى بالمدينة سنة ثمانين، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البخارى: صلى عليه مروان بن الحكم، وهذا يخالف الأول، لأن مروان بن الحكم مات سنة خمس وستين، وكان معزولا عن المدينة. قال البخارى في التاريخ: توفى أسلم وهو ابن مائة وأربع عشرة سنة، والله أعلم (١)]. قوله قال: لى عبد الله بن الأرقم [هو عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، والد عمر بن عبد الله بن الأرقم، له صحبة، أسلم عام الفتح، وكتب للنبي ﷺ ، ثم لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفان، ثم تركه ولما استكتبه رسول الله ﷺ أمن إليه ووثق به، فكان إذا كتب له إلى بعض الملوك يأمره أن يختمه ولا يقرؤه لأمانته عنده روى عنه: أسلم مولى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وقيل: بينهما رجل، وعمرو بن دينار مرسل، ويزيد بن قتادة (٢)]. قوله: أَتُحِبُّ لو أَنَّ رَجُلًا بَادِنًا قد فسر الحافظ (٣) البادن: بالسمين، غَسَلَ

стр. 3103

لَكَ مَا تَحْتَ إِزَارِهِ وَرُفْغَيهِ، ثُمَّ أَعْطَاكَهُ فَشَرِبْتَهُ؟، والرفغ: قد ضبطه الحافظ وفسره فقال (١): الرفغ الإبط وقيل وسخ الثوب والأرفاغ المغابن التي يجتمع فيها العرق والوسخ من البدن ا. هـ. وقال في النهاية: الرفغ واحد الأرفاغ: وهي أصول المغابن كالإبط والحوالب وغيرها من مطاوي الأعضاء وما تجتمع فيه الوسخ والعرق (٢) ا. هـ. قوله: "فإنما الصدقة أوساخ الناس يغسلونها عنهم" ومعنى أوساخ أي إنها تطهر أموالهم ونفوسهم قال: الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) الآية فهي كغسالة الأوساخ والمغابن جمع مغبن من غبن الثوب إذا ثناه وعطفه ومنه حديث عكرمة "من مس مغابنه فليتوضأ" (٤). أمره بذلك استطهارا واحتياطا فإن الغالب على من يلمس ذلك أن تقع يده على ذكره. قاله في النهاية. قوله: رواه مالك أي في الموطأ قال النووي (٥): هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي (٦) المدني إمام دار الهجرة وأحد أئمة

стр. 3104

المذاهب المتبوعة وهو من تابعي التابعين سمع نافعا ومحمد بن المنكدر وأبا الزبير الزهري وأبا حازم وخلائق آخرين وروى عنه يحيى الأنصاري والزهري وهما من شيوخه وابن جريج وابن الأوزاعي والثوري وابن عيينة وشعبة والليث وابن المبارك والشافعي وابن وهب خلائق كثيرة آخرون وأجمعت العلماء على إمامته وجلالته وعظم سيادته وتبجيله وتوقيره والإذعان له في الحفظ وتعظيم حديث رسول الله ﷺ وعن أبي سلمة الخزاعي قال (١): كان مالك إذا أراد أن يخرج يُحَدِّث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ومشط لحيته، فإن رفع أحد صوته في مجلسه، قال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (٢)، فمن رفع صوته عند حديث النبي ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي ﷺ . وعن محمد بن رمح قال (٣): رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله مالك والليث يختلفان في المسألة فقال النبي ﷺ : "مالك مالك مالك ورث جدي" يعني إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وقال الإمام أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين: أخذ مالك عن تسعمائة شيخ فيهم ثلاثمائة شيخ من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن اختارهم وارتضى دينه وفقهه وقيامه بحق الرواية وشروطها توفي بالمدينة في صفر سنة تسع وسبعين ومائة وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس

стр. 3105

وهو يومئذ والي المدينة ودفن بالبقيع وقبره بباب البقيع عليه قبة وولد مالك سنة ثلاث وتسعين من الهجرة وحملت به أمه في بطنها ثلاث سنين قال: مطرف بن عبد الله: (١) كان مالك طويلا عظيم [الهامة] أبيض الرأس واللحية شديد البياض لباسه الثياب العدنية وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المنكر وقال مصعب: (٢) سمعت مالك يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك وأحوال مالك ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم. ١٢٠٣ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ قلت للْعَبَّاس سل النَّبِي ﷺ يستعملك على الصَّدَقَة فَسَألهُ قَالَ مَا كنت لاستعملك على غسالة ذنُوب النَّاس، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٣). قوله وعن علي تقدم الكلام على علي بن أبي طالب. قوله: قلت للعباس سل النبي ﷺ يستعملك على الصدقة فسأله فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس" الحديث شرط العامل على الصدقات أن لا يكون ممن حرمت عليه الصدقة من ذوي القربى أي إذا عمل ليأخذ من الصدقة لقوله ﷺ للفضل بن العباس وقد طلب منه أن يجعله عاملا على الصدقة أليس في خمس الخمس ما يكفيكم ويغنيكم عن أوساخ

стр. 3106

الناس (١) وهذا هو الأصح المنصوص ولقوله ﷺ "إن هذه الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا آل محمد" (٢) وروي أن الحسن وضع في فمه تمرة من الصدقة فنزعها النبي ﷺ من فيه بلعابه وقال: "كخ كخ" وقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ولقوله ﷺ "نحن وبنو عبد المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه" (٣) وقيل يجوز أن يكون منهم لأنه يأخذه أجرة فجاز كأجرة النقال والحافظ (٤) وتقدم الكلام على ذلك في الزكاة في شروط العامل على الصدقات. فائدة: تحرم الصدقة على رسول الله ﷺ قال: النووي ومذهبنا أنه يحرم عليه صدقة الفرض بلا خلاف وكذا صدقة التطوع على الأصح وتجوز الصدقة على موالي قريش وإن الصدقة لا تحرم على قريش غير بني هاشم وبني عبد المطلب لأن عائشة قرشية وقبلت ذلك اللحم من بريرة على أن له حكم الصدقة وإنها حلال لها دون رسول الله ﷺ (٥).

стр. 3107

تنبيه: قيل كانت الصدقة حلالا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل نبينا ﷺ وإنما حرمت الصدقة على نبينا واستدل القائل بقصة إخوة يوسف ﵈ بقوله تعالى: (وتصدق علينا .. ) الآية وهم أنبياء، لم تكن الصدقة حلا لا لأحد من الأنبياء ﵈، ذكر ذلك الحوفي في تفسيره (١) والله أعلم، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه. ١٢٠٤ - وَعَن أبي عبد الرَّحْمَن عَوْف بن مَالك الأشْجَعِيّ ﵁ قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ تِسْعَة أَو ثَمَانِيَة أَو سَبْعَة فَقَالَ أَلا تُبَايِعُونَ رَسُول الله ﷺ وَكُنَّا حَدِيث عهد ببيعة فَقُلْنَا قد بايعناك يَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ قَالَ أَلا تُبَايِعُونَ رَسُول الله ﷺ فبسطنا أَيْدِينَا وَقُلْنَا قد بايعناك يَا رَسُول الله فعلام نُبَايِعك قَالَ أَن تعبدوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا والصلوات الْخمس وتطيعوا وَأسر كلمة خُفْيَة وَلا تسألوا النَّاس فَلَقَد رَأَيْت بعض أُولَئِكَ النَّفر يسْقط سَوط أحدهم فَمَا يسْأَل أحدا يناوله إِيَّاه رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار (٢). قوله: وعن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي (٣) هو أبو عبد الرحمن، ويقال أبو محمد، ويقال: أبو حماد ويقال: أبو عمرو، عوف بن

стр. 3108

مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفانى أول مشاهده مع النبي ﷺ خيبر وشهد معه فتح مكة وكانت معه راية أشجع نزل الشام وسكن دمشق وكانت داره عند سوق الغزل العتيق روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديثا روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة واتفقوا على أنه توفي بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان وعبد الملك بن مروان هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ومروان كان في زمن النبي ﷺ ولم يره فإنه خرج مع أبيه الحكم حين نفاه رسول الله ﷺ عن المدينة فلم يزل إلى خلافة عثمان فرجع مع أبيه الحكم، قال العلماء: ولي مروان الخلافة ولم يثبت بها إلا أقل من سنة (١) قال ابن قتيبة كان معاوية جعل عبد الملك بن مروان على ديوان المدينة وهو ابن ست عشرة سنة وولاه أبوه مروان هجر ثم جعله خليفة بعده وكانت خلافة عبد الملك بعد أبيه سنة خمس وستين وبويع ابن الزبير بالخلافة أيضا سنة خمس وستين وولي الحجاج بن يوسف العراق سنة خمس وسبعين ونقش الدراهم والدنانير بالعربية سنة ست وسبعين وبني الحجاج واسط سنة ثلاث وثمانين وتوفي عبد الملك بدمشق سنة ست وثمانين وله ثنتان وستون سنة ولد بالمدينة وله من الولد مروان الأكبر والوليد وسليمان ويزيد ومروان الأصغر وهشام وأبو بكر ومسلمة وعبد الله وسعيد والحجاج

стр. 3109

ومحمد (١) وأما قول صاحب المهذب (٢) في أول باب العاقلة إن عوف بن مالك الأشجعي رجع عليه سيفه يوم خيبر فقتله فغلط صريح بل الذي رجع عليه سيفه فقتله هو عامر بن الأكوع عم سلمة بن عمرو بن الأكوع وحديثه في الصحيحين مشهور (٣) والله أعلم. قوله: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَلا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ " قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ ونبايِعُكَ؟ يا رسول الله ... " الحديث. المبايعة: المحالفة والمعاهدة ومبايعتهم إياه التزام طاعته والمبايعة مأخوذة من البيع كان كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره قاله ابن الأثير (٤). قوله: "ولا تسألوا الناس شيئًا". لطيفة: قال القاضي أبو بكر بن العربي (٥): في كتابه الأحكام في تفسير سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ

стр. 3110

(٢٠)﴾ (١) وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاثِيقِ فِي الذِّكْرِ أَلَا تَسْأَل أحدا إلا الله، فَقَدْ كَانَ أَبُو حَمْزَةَ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ سَمِعَ أَنَّ نَاسًا بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ على أَلَّا يَسْألوا أَحَدًا شَيْئًا، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا وَقَعَ سَوْطُهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا رَفْعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: رَبِّ، إنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيَّك إذْ رَأَوْهُ، وَأَنَا أُعَاهِدُك أَلَّا أَسْأَل أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا. قَالَ: فَخَرَجَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَبِينَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ بِاللَّيْلِ إذْ بَقِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِعُذْرٍ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ، فَبِينَا هُوَ يَمْشِي إلَيْهِمْ إذْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ عَلَى حَاشِيَةِ الطرِيقِ، فَلَمَّا حَصلَ فِي قَعْرِهِ قَالَ: أَسْتَغِيثُ؛ لَعَلَّ أَحَدًا يَسْمَعُنِي فَيُخْرِجُنِي، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الَّذِي عَاهَدْته يَرَانِي وَيَسْمَعُنِي، وَاَللّهِ لَا تَكَلَّمْت بِحَرْفٍ لِبَشَرٍ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا إذْ مَرَّ بِتِلْكَ الْبِئْرِ نَفَر، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَاشِيَةِ لطَّرِيقِ. قَالُوا: إنَّهُ لَيَنْبَغِي سَدُّ هَذِهِ الْبِئْرِ، ثُمَّ قَطَعُوا خَشَبًا، وَنَصَبُوهَا عَلَى فَمِ الْبِئْرِ غَطَّوْهَا بِالتُّرَابِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: هَذِهِ مَهْلَكَة، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللهِ لَا أَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: أَليْسَ الَّذِي عَاهَدْت يَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ، فَسَكَتَ وَتَوَكَّلَ، ثُمَّ اسْتَنَدَ فِي قَعْرِ الْبِئْرِ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ، فَإِذَا بِالتُّرَابِ يَقَعُ عَلَيْهِ، وَالْخَشَبُ يُرْفَعُ عَنْهُ، وَسَمِعَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: هَاتِ يَدَك. قَالَ: فَأَعْطَيْته يَدِي، فَأَقَلَّنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إلَى فَمِ الْبِئْرِ، فَخَرَجْت وَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ سَمِعْت هَاتِفًا يَقُولُ: كَيْفَ رَأَيْت ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ؟ ثم

стр. 3111

قال ابن العربي (١): فَهَذَا رَجُلٌ عَاهَدَ اللهَ، فَوَجَدَ الْوَفَاءَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَبِهِ فَاقْتَدُوا تَهْتَدُوا. أ. هـ. قال أبو نعيم (٢): في أواخر "الحلية" أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي كان مولى عيسى بن أبان القاضي وعرفت له آيات وكرامات. انتهى قاله في الديباجة. قوله: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه النفر من ثلاثة إلى تسعة تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أولى الكتاب فيه التمسك بالعموم لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، فيه الحث على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالا وإن كان حقيرًا، والله أعلم (٣).

стр. 3112

١٢٠٥ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ بايعني رَسُول الله ﷺ خمْسا وأوثقني سبعا وَأشْهد الله عَليّ سبعا أَن لَا أَخَاف فِي الله لومة لائم قَالَ أَبُو الْمثنى قَالَ أَبُو ذَر فدعاني رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَل لَك إِلَى الْبيعَة وَلَك الْجنَّة قلت نعم وَبسطت يَدي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يشْتَرط عَليّ أَن لا أسأَل النَّاس شَيْئا قلت نعم قَالَ وَلا سَوْطك إِن سقط مِنْك حَتَّى تنزل فتأخذه. وَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ سِتَّة أَيَّام ثمَّ اعقل يَا أَبَا ذَر مَا يُقَال لَك بعد فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع قَالَ أوصيك بتقوى الله فِي سر أَمرك وعلانيته وَإِذا أَسَأْت فَأحْسن وَلا تسألن أحدا شَيْئا وَإِن سقط سَوْطك وَلا تقبضن أَمَانَة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (١). ١٢٠٦ - وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ رُبمَا سقط الخطام من يَد أبي بكر الصّديق ﵁ فَيضْرب بِذِرَاع نَاقَته فينيخها فَيَأْخذهُ قَالَ فَقَالُوا لَهُ أَفلا أمرتنا فنناولكه قَالَ إِن حبي ﷺ أَمرنِي أَن لَا أسأَل النَّاس شَيْئا، رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي مليكَة لم يدْرك أَبَا بكر ﵁ (٢). الخطام بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة هُوَ مَا يوضع على أنف النَّاقة وفمها لتقاد بِهِ.

стр. 3113

١٢٠٧ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من يُبَايع فَقَالَ ثَوْبَان مولى رَسُول الله ﷺ بَايعنَا يَا رَسُول الله قَالَ على أَن لَا تسْأَل أحدا شَيْئا فَقَالَ ثَوْبَان فَمَا لَهُ يَا رَسُول الله قَالَ الْجنَّة فَبَايعهُ ثَوْبَان قَالَ أَبُو أُمَامَة فَلَقَد رَأَيْته بِمَكَّة فِي أجمع مَا يكون من النَّاس يسْقط سَوْطه وَهُوَ رَاكب فَرُبمَا وَقع على عاتق رجل فَيَأْخذهُ الرجل فيناوله فَمَا يَأْخُذهُ حَتَّى يكون هُوَ ينزل فَيَأْخذهُ رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (١). ١٢٠٨ - وَعَن أبي ذَر ﵁. قَالَ أَوْصَانِي خليلي ﷺ بِسبع بحب الْمَسَاكِين وَأَن أدنو مِنْهُم وَأَن أنظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل مني وَلا أنظر إِلَى من هُوَ فَوقِي وَأَن أصل رحمي وَإِن جفاني وَأَن أَكثر من قَول لا حول وَلا قُوَّة إِلَا بِالله وَأَن أَتكَلّم بمر الْحق وَلا تأخذني فِي الله لومة لائم وَأَن لا أسأَل النَّاس شَيْئا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن أبي ذَر وَلم يسمع مِنْهُ (٢). قوله وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر، قوله: بايعني رسول الله ﷺ خمسًا وأوثقني سبعًا وأشهد الله عليَّ سبعًا. الحديث، تقدم معنى المبايعة في الحديث قبله.

стр. 3114

قوله: وعن ابن أبي مليكة اسمه [عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير، بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، المكي الأحول. كان قاضيا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنا له روى عن: جده أبي مليكة، وله صحبة، وعن عائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وطائفة. وعنه: عمرو بن دينار، وأيوب، وحاتم بن أبي صغيرة، وابن جريج، ونافع بن عمر الجمحي، وعبد الواحد بن أيمن، ويزيد بن إبراهيم التستري، وجرير بن حازم، وأبو عامر الخزاز، وعبد الجبار بن الورد، وابن لهيعة، والليت بن سعد، وخلق كثير. روى أيوب. عن ابن أبي مليكة قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف، فكنت أسأل عن ابن عباس وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغير واحد، ومات سنة سبع عشرة ومائة (١)]. قوله: وربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق الحديث. الخطام: ضبطه الحافظ وفسره فقال: الخطام هو ما يوضع على أنف الدابة وفمها لتقادى به ا. هـ. قوله: عن أبي أمامة واسمه صدي بن عجلان وتقدم الكلام على مناقبه، قوله ﷺ "من يبايع" فقال: ثوبان مولى رسول الله ﷺ بايعنا يا رسول الله قال: "ألا تسألوا أحدًا شيئًا" تقدم معنى المبايعة وتقدم الكلام على ثوبان مولى رسول الله ﷺ .

стр. 3115

قوله رواه الطبراني (١) من طريق علي بن يزيد هو علي بن يزيد بن أبي هلال الألهاني، ويقال: الهلالي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن، الشامي الدمشقي اتفقوا على تضعيفه]. قوله، وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر قوله ﵁ أوصاني خليلي ﷺ تقدم الكلام على الخليل في صلاة الضحى، قوله: "وأن أصل رحمي وإن جفاني" والمراد بالرحم القرابة سواء كان وارثا أو غير وارث وتقدم الكلام على الرحم والصلة. قوله: رواه الطبراني (٢) من رواية الشعبي، والشعبي بفتح الشين وسكون العين، هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل بفتح الشين الكوفي نسب إلى شعب وهو بطن من همدان بسكون الميم وإهمال الدال ولد لست سنين مضت من خلافة عثمان وروى عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم وقال: أدركت خمسمائة من الصحابة وقال: ما كتبت سوداء في بيضاء قط ولا حدثني أحد بحديث فأحببت أن يعيده علي ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته وقال: ابن عيينة كان الشعبي أكبر الناس في زمانه (٣) وكان ضئيلا فقيل ما لنا نراك نحيفًا فقال: إني كنت زوحمت في الرحم وذلك لأنه كان أحد التوءمين وهو: كاتب عبد الله بن مطيع العدوي أمير العريش يوم

стр. 3116

الحرة وأمه كانت من سبي [جلولاء] هي قرية من ناحية فارس (١) توفي بالكوفة فجأه في بضع ومائة وقيل سنة أربع ومائة وهو ابن سبع وتسعين سنة (٢) قال الحافظ أبو نعيم عن ابن سيرين قال: قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَلِلشَّعْبِيِّ حَلْقَة عَظِيمَة، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ (٣). وعن عاصم بن سليمان قال: ما رأينا أحدًا كان أعلم بحديث أهل الكوفة والبصرة والحجاز والأفاق من الشعبي (٤) وقال: رجل للشعبي يا معشر الفقهاء والعلماء فقال: الشعبي لسنا بفقهاء ولا بعلماء ولكنا قوم قد سمعنا حديثًا فنحن نحدثكم بما سمعنا إنما الفقيه من تورع عن محارم الله والعالم من خاف الله (٥) وقال: ﵁ العلم أكثر من عدد القطر فخذ من كل شيء أحسنه ثم تلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٦) (٧) ا. هـ.

стр. 3117

١٢٠٩ - وَعَن حَكِيم بن حزَام ﵁ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ فَأَعْطَانِي ثمَّ سَأَلته فَأَعْطَانِي ثمَّ سَأَلته فَأَعْطَانِي ثمَّ قَالَ يَا حَكِيم هَذَا المَال خضر حُلْو فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلا يشْبع وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى قَالَ حَكِيم فَقلت يَا رَسُول الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لا أرزأ أحدا بعْدك شَيْئا حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بكر ﵁: يَدْعُو حكيما ليعطيه الْعَطاء فيأبى أَن يقبل مِنْهُ شَيْئا ثمَّ إِن عمر ﵁ دَعَاهُ ليعطيه فَأبى أَن يقبله فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين أشهدكم على حَكِيم أَنِّي أعرض عَلَيْهِ حَقه الَّذِي قسم الله لَهُ فِي هَذَا الْفَيْء فيأبى أَن يَأْخُذهُ وَلم يرزأ حَكِيم أحدا من النَّاس بعد النَّبِي ﷺ حَتَّى توفّي ﵁ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِاخْتِصَار (١). يرزأ برَاء ثمَّ زَاي ثمَّ همزَة مَعْنَاهُ لم يَأْخُذ من أحد شَيْئا، وإشراف النَّفس بِكَسْر الْهمزَة وبالشين الْمُعْجَمَة وَآخره فَاء هُوَ تطلعها وطمعها وشرهها. وسخاوة النَّفس ضد ذَلِك. قوله وعن حكيم بن حزام تقدم الكلام عليه مبسوطًا، قوله: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني الحديث قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه قمع الحرص بالزهد والقناعة وقد قسم علماؤنا رحمة الله عليهم المسألة ثلاثة أقسام محرمة ومكروهة وجائزة فالمحرمة هي التي تكون بمعنى الفقر وليس بفقير أو يظهر من الفقر أكثر مما هو فيه

стр. 3118

والمكروه هو الذي يسأل وله أوقية لأن النبي ﷺ أعطى حكيم بن حزام مرات وكان يملك أكثر من ذلك غير أنه كان ممن يجوز له أخذ الصدقة لأنه كان من المؤلفة قلوبهم ولو كان حرامًا ما أعطاه غير ذلك له ومن كان له دون الآربعين وسأل بالمعروف فلا حرج عليه ومن اضطر إلى المسألة ففرض عليه أن يسأل ولا يكون المسئول حينئذ أفضل من السائل لأن موسى والخضر ﵉ استطعما أهل قرية ومن سأل على غير وجه الفقر بالمعروف لأمر نزل به من جائحة أصابته أو حمالة تحمل بها أو دية لزمت أو ليكافيء على ما يؤتى إليه فهذا حلال ولا يكون المسئول أفضل من السائل (١) ا. هـ. قوله ﷺ "يا حكيم هذا المال خضر حلوة" خضر بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة أيضًا، وقوله: "حلوة" بضم الحاء المهملة وسكون اللام وشبهه للرغبة فيه الميل إليه بالأخضر الحلو المستلذ فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده وكذلك الحلو باجتماعهما أشد وفيه إشارة إلى عدم بقائه فإن الأخضر أسرع الألوان إستحالة وتغيرًا (٢) ووقع للأصيلي أن هذا المال خضرة حلوة بزيادة التاء أي ناعم مشتهى شبهه بالمراعي الشهية للأنعام ومن روي أن هذا المال شيء كالخضرة خضرة أنث على معنى التأنيث المشبه به أي أن هذا المال شيء كالخضرة وقال: ثابت معناه أن هذا

стр. 3119

المال شهية كالبقلة الخضرة إلى الدواب، قاله القاضي عياض (١). قوله فمن أخذه بسخاوة نفس والسخاوة والسخاء الجود وسخاوة النفس يجوز أن تكون راجعة إلى الأخذ أي من أخذه في حال كون نفسه سخية به لا لكنزه ويجوز أن تكون راجعة إلى الدافع أي من أخذه ممن يدفعه سخية به نفسه (٢). قوله ﷺ "ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه" الحديث هاشراف النفس هو تطلعها وطمعها وشرهها وسخاوة النفس ضد ذلك قاله المنذري والمشرف إلى الشيء بالشين المعجمة هو المتطلع إليه والحريص عليه. قوله ﷺ وكان كالذي يأكل ولا يشبع قيل هو الذي به داء لا يشبع بسببه قال: الخطابي يريد أن سبيله سبيل من يأكل من ذي سقم وآفة فيزداد سقمًا ولا يجد شبعًا فينجع فيه الطعام (٣) ا. هـ. وقيل المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية (٤). قوله واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا.

стр. 3120

قوله: قال: حكيم فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. قوله: إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، يرزأ ضبطه الحافظ وفسره، وقال: معناه لم يأخذ من أحد شيئًا وقال: غيره وأصل الرزء النقصان أي لم ينقص أحدًا شيئًا بالأخذ منه والفيء هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد قاله في النهاية (١)، وقال الكرماني (٢): والفيء لغة هو الخراج والغنيمة واصطلاحًا هم المال المأخوذ من الكفار بدون إيجاف فيل وركاب قال ابن بطال: فيه إعطاء السائل من مال واحد مرتين وما كان عليه رسول الله ﷺ من الكرم (٣) وفيه أنه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا إلا بعد إعطاء الإمام وإنما أشهد عمر ﵁ على حكيم لأنه خشي سوء تأويله فأراد أن يبرئ ساحته بالإشهاد عليه (٤) والله أعلم. وقال أبو إسحاق الشيرازي (٥): الفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال

стр. 3121

كالمال الذي تركوه فزعًا من المسلمين والخراج والجزية والأموال التي يموت عنها من لا وارث له من أهل الذمة والله أعلم. ١٢١٠ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من يكفل لي أَن لَا يسْأَل النَّاس شَيْئا أتكفل لَهُ بِالْجنَّةِ فَقلت أَنا فَكَانَ لا يسْأَل أحدا شَيْئا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح. وَعند ابْن مَاجَه قَالَ لا تسْأَل النَّاس شَيْئا قَالَ فَكَانَ ثَوْبَان يَقع سَوْطه وَهُوَ رَاكب فَلَا يَقُول لأحَد ناولنيه حَتَّى ينزل فَيَأْخذهُ (١). ١٢١١ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاث وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن كنت لحالفا عَلَيْهِنَّ لا ينقص مَال من صَدَقَة فتصدقوا وَلا يعْفُو عبد عَن مظْلمَة إِلَا زَاده الله بهَا عزا يَوْم الْقِيَامَة وَلا يفتح عبد بَاب مَسْألة إِلَا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر، رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده رجل لم يسم وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار (٢). وَتقدم فِي الإِخْلَاص من حَدِيث أبي كبْشَة الأنمَارِي مطولا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (٣).

стр. 3122

وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير من حَدِيث أم سَلمَة وَقَالَ فِي حَدِيثه وَلا عَفا رجل عَن مظْلمَة إِلَّا زَاده الله بهَا عزا فاعفوا يعزكم الله وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ (١). ١٢١٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ عمر ﵁ يَا رَسُول الله لقد سَمِعت فلَانا وَفُلَانًا يحسنان الثَّنَاء يذكران أنك أعطيتهما دينارين قَالَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَالله لَكِن فلانا مَا هُوَ كَذَلِك لقد أَعْطيته مَا بَين عشرَة إِلَى مائَة فَمَا يَقُول ذَلِك أما وَالله إِن أحدكُم ليخرج مَسْأَلته من عِنْدِي يتأبطها يَعْني تكون تَحت إبطه نَارا فَقَالَ قَالَ عمر ﵁ يَا رَسُول الله لم تعطيها إيَّاهُم قَالَ فَمَا أصنع يأبون إِلَا ذَلِك ويأبى الله لي الْبُخْل رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَرِجَال أَحْمد رجال الصَّحِيح (٢). وَفِي رِوَايَة جَيِّدَة لأبي يعلى وَإِن أحدكُم ليخرج بِصَدَقَتِهِ من عِنْدِي متأبطها وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ نَار قلت يَا رَسُول الله كَيفَ تعطيه وَقد علمت أنَّهَا لَهُ نَار قَالَ فَمَا أصنع يأبون إِلَا مَسْألتي ويأبى الله لي الْبُخْل (٣). قوله: وعن ثوبان تقدم الكلام على ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قوله: ﷺ

стр. 3123

"من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا أتكفل له الجنة"، الكفالة: الضمان. قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف، هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني يجتمع نسبه مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن وأمه الشفاء بنت عوف أسلمت وهاجرت ولد ﵁ بعد الفيل بعشر سنين أسلم عبد الرحمن قديما قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وهو أحد السابقين الثمانية إلى الإسلام وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد الثلاثة الذين انتهت إليهم الخلافة ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان وهو أحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ومن مناقب عبد الرحمن التي لا توجد لغيره من الناس أن رسول الله ﷺ صلى وراءه في غزوة تبوك حين وجده قد صلى بالناس ركعة وحديثه هذا في صحيح مسلم (١) وقولنا لا توجد لغيره من الناس إحتراز من صلاة النبي ﷺ خلف جبريل ﵇ حين أعلمه بالمواقيت وقيل إن رسول الله ﷺ صلى خلفه الركعة الثانية من صلاة الفجر وأتم الذي فاته وقال: "ما قبض نبي حتى

стр. 3124

يصلي خلف رجل صالح من أمته" (١) وهو ﵁ من قدماء المهاجرين وكبار البدريين شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﵁ وجرح عبد الرحمن يوم أحد إحدى وعشرين جراحة وجرح في رجله فعرج وسقطت ثنيتاه وكان كثير الإنفاق في سبيل الله أعتق يوم أحد ثلاثيق عبدًا روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستين حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة وفي الحديث عن النبي ﷺ "أن عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء أمين في الأرض" (٢) وكان كثير المال محظوظًا في التجارة قيل أنه دخل على أم سلمة فقال: يَا أُمَّهْ، قَدْ خِفْتُ أَنْ يُهْلِكَنِي كَثْرَةُ مَالِي، قالت: يَا بُنَيَّ، أَنْفِقْ. وعن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله

стр. 3125

بشطر ماله أربعة آلاف ثم أربعين ألفًا ثم تصدق بأربعين ألف دينار ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم خمسمائة راحلة وفي كتاب الترمذي (١) أن عبد الرحمن بن عوف أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف قال الترمذى: حديث حسن صحيح وقال عروة بن الزبير: أوصي عبد الرحمن لمن بقي فمن شهد بدرًا لكل رجل بأربعمائة دينار وكانوا مائة رجل فأخذوها وأخذ عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل الله تعالى وخلف مالًا عظيمًا من ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منها وترك ألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ترعى وكان له أربع نسوة، صالحت امرأة منهن عن نصميبها بثمانين ألفًا وقدمت عير من الشام فيها سبعمائة راحلة ففرقها في سبيل الله بأحمالها وأقتابها وأحلاسها وباع أرضًا له من عثمان بن عفان بأربعين ألف دينار وقسمها في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين فقالت عائشة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لمن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون فسقى الله عبد الرحمن من سلسبيل الجنة" (٢) وكان ﵁ من تواضعه لا يعرف من بين عبيده وكان أهل المدينة

стр. 3126

عيلا على عبد الرحمن ثلث يقرضهم ماله وثلث يقضي ديونهم من ماله وثلث يصلهم وكان عامة ماله من التجارة وكان أبيض مشربًا بحمرة حسن الوجه رقيق البشرة أهدب الأشفار أقنى له جبهة ضخم الكفين غليظ الأصابع لا تغير شعره توفي سنة ثنتين وثلاثين وقيل سنة إحدى وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة وقيل خمس وسبعين وقيل ثمان وسبعين ودفن بالبقيع (١). قوله ﷺ ثلاث "والذي نفسي بيده إن كنت الحالف عليهن ما نقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفوا عبد عن مظلمة يريد به وجه الله إلا رفعه الله بها يوم القيامة" الحديث تقدم الكلام عليه في الإخلاص في أوائل هذا التعليق وروى من حديث أبي كبشة الأنماري. ١٢١٣ - وَعَن أبي بشر قبيصَة بن الْمخَارِق ﵁ قَالَ تحملت حمالَة فَأتيت رَسُول الله ﷺ أسأله فِيهَا فَقَالَ أقِم حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَة فنأمر لَك بهَا ثمَّ قَالَ يَا قبيصَة إِن الْمَسْألة لا تحل إِلَّا لأحد ثَلَاثَة رجل تحمل حمالَة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيبهَا ثمَّ يمسك وَرجل أَصَابَته جَائِحَة اجتاحت مَاله فَحلت لَهُ الْمَسْألة حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش أَو قَالَ سدادا من عَيْش وَرجل أَصَابَته فاقة حَتَّى يَقُول ثَلَاثَة من ذَوي الحجى من قومه لقد أَصَابَت فلانا فاقة فَحلت لَهُ الْمَسْألة حَتَّى يُصِيب قواما من عَيْش أَو قَالَ سدادا من عَيْش فَمَا سواهن من

стр. 3127

الْمَسْألة يَا قبيصَة سحت يأكلها صَاحبهَا سحتا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). الْحمالَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الدِّيَة يتحملها قوم من قوم وَقيل هُوَ مَا يتحمله المصلح بَين فئتين فِي مَاله ليرتفع بَينهم الْقِتَال وَنَحْوه. والجائحة: الآفة تصيب الإِنْسَان فِي مَاله. والقوام: بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أفْصح هُوَ مَا يقوم بِهِ حَال الإِنْسَان من مَال وَغَيره. والسداد: بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة هُوَ مَا يسد حَاجَة المعون ويكفيه. والفاقة: الْفقر والاحتياج. والحجى: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْعقل. قوله: وعن أبي بشر قبيصة بن المخارق بضم الميم بن عبد الله بن شداد الهلالي العامري البصري. وكنيته أبو بشر (وفد على رسول الله ﷺ فأسلم، وروى عنه ستة أحاديث، روى مسلم أحدها. روى عنه أبو عثمان النهدى،، وأبو قلابة، وكنانة بن نعيم، وابنه قطن بن قبيصة (٢). (وقوله) تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ قال الخطابي (٣): وفي هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة ويدخل في أبواب من العلم والحكم وذلك

стр. 3128

أنه قد جعل من تحل المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة غنيًا وفقيرين وجعل الفقر على ضربين فقرًا ظاهر أو فقرًا باطنًا فالغنى الذي تحل المسألة هو صاحب الحمالة، قال الحافظ (١): الحمالة بفتح الحاء المهملة هي الدية يتحملها قوم عن قوم وقيل هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ليرتفع بينهم القتال ونحوه ا. هـ. وقال المنذري في الحواشي على سنن أبي داوود: والحمالة هي الكفالة والحميل والكفيل والضمين والزعيم واحد، وتفسيرها أن يقع بين القوم تشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببها العداوة والشحناء ويخاف منها الفتن العظيمة فيتوسط رجل بينهم ويسعى في إصلاح ذات البين ويضمن مالا لأصحاب الدم أو المال أو نحوه يترضاهم بذلك تسكينًا للثائرة وجلبًا للألفة (٢) ا. هـ. وكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها قام أحدهم فيتبرع بإلتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الثائرة ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدا تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما يتم به وجه مكرمته وتبرأ به ذمته (٣)، فهذا رجل صنع معروفًا وابتغى بما أعطاه صلاحًا فليس من المعروف أن تكون الغرامة عليه في ماله ولكن يعان

стр. 3129

على أداء ما تحمله منهم ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما ضمنه منه (١) ا. هـ. ولو سأل المتحمل من تلك الحمالة لم يعد ذلك نقصًا بل شرفًا وفخرًا ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله ﷺ في حمالته التي تحملها على عادتهم فأجابه رسول الله ﷺ إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ووعده النبي ﷺ بمال من الصدقة لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات (٢) وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية (٣) ومثل هذا يجوز صرف الزكاة إليه وإن كان غنيًا هذا ظاهر مذهب الشافعي وقد جاء في حديث "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة وذكر منهم الغني الغارم ولإصلاح ذات البين" (٤) أما من غرم في حاجة نفسه فيدفع إليه من الزكاة عند حاجته ما يقضي به ديونه وهو المراد بالقسمين الأخيرين (٥) والله أعلم.

стр. 3130

قوله: ﷺ "ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله" أي أهلكته فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من العيش، الجائحة بتقديم الجيم على الحاء أي حادثة إجتاحت أي أهلكت قال: الحافظ (١) الجائحة الآفة تصيب الإنسان في ماله ا. هـ، وقال: في النهاية (٢) الإجتياح من الجائحة وهي الآفَةُ التي تُهْلِك الثمار والأموال وتستأصلها، وكلُّ مُصِيبة عظيمة وفِتنةٍ مُبِيرَة: جائحة، والجمع الجوائح وجاحهم يجوحهم جرحًا [: إذا غشيهم بالجوائح وأهلكهم ومنه الحديث "أعاذكم الله من جوح الدهر"]. وقال في الديباجة: والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه والنار تحرقه والزرع تفسد زرعه ومتاعه وثماره ونحو ذلك وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها فإذا أصاب الرجل شيء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها (٣). وقال القرطبي في شرح مسلم الجائحة ما اجتاتحت المال وأتلفته إتلافًا ظاهرًا كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا مما لا تخفى آثاره (٤).

стр. 3131

تنبيه: واستنبطت الشافعية منه أن الجوائح في باب البيع غير مضمونة على البائع بل هي في ضمان المشترى فإذا اشترى ثمرة وقبضها بالتخلية فتلفت قبل قطافها كانت من ضمان المشترى ألا تراه ﷺ سوغ دفع الزكاة إليه فلو كانت الجوائح من ضمان البائع لم يكن لدفع الزكاة إليه وجه وقد روى مسلم (١) إن رجلا ابتاع ثمارًا فأصابتها جائحة فأمر رسول الله ﷺ بالصدقة عليه ثم قال: لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وأراد أنه ﷺ أنهم لا يحل لهم حبسه لعدم ما بيده (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "حتى يصيب قوامًا من عيش" القوام: ضبطه الحافظ وفسره هو ما يقوم به حال الإنسان من مال وغيره ا. هـ. قوله: أو قال: "سدادًا من عيش" والسداد قال الحافظ (٣): بكسر السين المهملة ما يسد به حاجة المعوز ويكفيه ا. هـ، وقال القرطبي (٤): السداد: بكسر السين ما يسد به الشيء وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد بالكسر وبه سمي سدادا الثغر والقارورة والحاجة وبفتحها الإصابة وقال: غيره
следующие страницы →