← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3127–3166 · переход к 3132.

стр. 3127

الْمَسْألة يَا قبيصَة سحت يأكلها صَاحبهَا سحتا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). الْحمالَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ الدِّيَة يتحملها قوم من قوم وَقيل هُوَ مَا يتحمله المصلح بَين فئتين فِي مَاله ليرتفع بَينهم الْقِتَال وَنَحْوه. والجائحة: الآفة تصيب الإِنْسَان فِي مَاله. والقوام: بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا أفْصح هُوَ مَا يقوم بِهِ حَال الإِنْسَان من مَال وَغَيره. والسداد: بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة هُوَ مَا يسد حَاجَة المعون ويكفيه. والفاقة: الْفقر والاحتياج. والحجى: بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْعقل. قوله: وعن أبي بشر قبيصة بن المخارق بضم الميم بن عبد الله بن شداد الهلالي العامري البصري. وكنيته أبو بشر (وفد على رسول الله ﷺ فأسلم، وروى عنه ستة أحاديث، روى مسلم أحدها. روى عنه أبو عثمان النهدى،، وأبو قلابة، وكنانة بن نعيم، وابنه قطن بن قبيصة (٢). (وقوله) تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ قال الخطابي (٣): وفي هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة ويدخل في أبواب من العلم والحكم وذلك

стр. 3128

أنه قد جعل من تحل المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة غنيًا وفقيرين وجعل الفقر على ضربين فقرًا ظاهر أو فقرًا باطنًا فالغنى الذي تحل المسألة هو صاحب الحمالة، قال الحافظ (١): الحمالة بفتح الحاء المهملة هي الدية يتحملها قوم عن قوم وقيل هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ليرتفع بينهم القتال ونحوه ا. هـ. وقال المنذري في الحواشي على سنن أبي داوود: والحمالة هي الكفالة والحميل والكفيل والضمين والزعيم واحد، وتفسيرها أن يقع بين القوم تشاجر في الدماء والأموال ويحدث بسببها العداوة والشحناء ويخاف منها الفتن العظيمة فيتوسط رجل بينهم ويسعى في إصلاح ذات البين ويضمن مالا لأصحاب الدم أو المال أو نحوه يترضاهم بذلك تسكينًا للثائرة وجلبًا للألفة (٢) ا. هـ. وكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرمًا في دية أو غيرها قام أحدهم فيتبرع بإلتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الثائرة ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم وكانت العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدا تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما يتم به وجه مكرمته وتبرأ به ذمته (٣)، فهذا رجل صنع معروفًا وابتغى بما أعطاه صلاحًا فليس من المعروف أن تكون الغرامة عليه في ماله ولكن يعان

стр. 3129

على أداء ما تحمله منهم ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته ويخرج من عهدة ما ضمنه منه (١) ا. هـ. ولو سأل المتحمل من تلك الحمالة لم يعد ذلك نقصًا بل شرفًا وفخرًا ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله ﷺ في حمالته التي تحملها على عادتهم فأجابه رسول الله ﷺ إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ووعده النبي ﷺ بمال من الصدقة لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات (٢) وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية (٣) ومثل هذا يجوز صرف الزكاة إليه وإن كان غنيًا هذا ظاهر مذهب الشافعي وقد جاء في حديث "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة وذكر منهم الغني الغارم ولإصلاح ذات البين" (٤) أما من غرم في حاجة نفسه فيدفع إليه من الزكاة عند حاجته ما يقضي به ديونه وهو المراد بالقسمين الأخيرين (٥) والله أعلم.

стр. 3130

قوله: ﷺ "ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله" أي أهلكته فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من العيش، الجائحة بتقديم الجيم على الحاء أي حادثة إجتاحت أي أهلكت قال: الحافظ (١) الجائحة الآفة تصيب الإنسان في ماله ا. هـ، وقال: في النهاية (٢) الإجتياح من الجائحة وهي الآفَةُ التي تُهْلِك الثمار والأموال وتستأصلها، وكلُّ مُصِيبة عظيمة وفِتنةٍ مُبِيرَة: جائحة، والجمع الجوائح وجاحهم يجوحهم جرحًا [: إذا غشيهم بالجوائح وأهلكهم ومنه الحديث "أعاذكم الله من جوح الدهر"]. وقال في الديباجة: والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه والنار تحرقه والزرع تفسد زرعه ومتاعه وثماره ونحو ذلك وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها فإذا أصاب الرجل شيء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها (٣). وقال القرطبي في شرح مسلم الجائحة ما اجتاتحت المال وأتلفته إتلافًا ظاهرًا كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو وغير ذلك مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا مما لا تخفى آثاره (٤).

стр. 3131

تنبيه: واستنبطت الشافعية منه أن الجوائح في باب البيع غير مضمونة على البائع بل هي في ضمان المشترى فإذا اشترى ثمرة وقبضها بالتخلية فتلفت قبل قطافها كانت من ضمان المشترى ألا تراه ﷺ سوغ دفع الزكاة إليه فلو كانت الجوائح من ضمان البائع لم يكن لدفع الزكاة إليه وجه وقد روى مسلم (١) إن رجلا ابتاع ثمارًا فأصابتها جائحة فأمر رسول الله ﷺ بالصدقة عليه ثم قال: لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وأراد أنه ﷺ أنهم لا يحل لهم حبسه لعدم ما بيده (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "حتى يصيب قوامًا من عيش" القوام: ضبطه الحافظ وفسره هو ما يقوم به حال الإنسان من مال وغيره ا. هـ. قوله: أو قال: "سدادًا من عيش" والسداد قال الحافظ (٣): بكسر السين المهملة ما يسد به حاجة المعوز ويكفيه ا. هـ، وقال القرطبي (٤): السداد: بكسر السين ما يسد به الشيء وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد بالكسر وبه سمي سدادا الثغر والقارورة والحاجة وبفتحها الإصابة وقال: غيره

стр. 3132

السداد بكسر السين ما يسد الخلة ويدفع الحاجة أى ما يكفى حاجته يعنى ما يحصل به العيش من قوت ولباس (١) والسداد [يعنى بفتح السين والدال] العقل والتدبير (٢). لطيفة: حكى أن النضر بن شميل دخل على المأمون على التزوج (٣) ثم قال: المأمون حدثنا هشيم وساق الحديث أن المرأة سداد ففتح السين فقال:

стр. 3133

النضر بن شميل صدق أمير المؤمنين وأخطأ هشيم، حدثنا عوف عن الحسن وساق الحديث في السداد بكسر السين فقال: له المأمون ما الفرق بينهما ففرق بينهما بأن السداد بفتح السين هو العقل وبكسرها ما يسد الخلة فكتب له المأمون إلى وزيره بمال ثم أراد أن يترب الكتاب فقال: أَتْرِبِ الْكِتَابَ يَا غُلام ويريد بذلك ما ورد في الحديث "أتربوا الكتاب فإنه أنحج للحاجة" (١) يقال: أتربت الشيء إذا جعلت عليه التراب قاله في النهاية، (٢) فقال المأمون: فيكون ماذا؟ فقال: مترب ثم أخذ المأمون طينًا ليختم به الكتاب فقال: كيف الأمر في التطين، فقال النضر: طنه يا غلام، فقال: فهو ماذا، فقال النضر: فهو مطين، فاستحسن ذلك المأمون، ثم حمل الكتاب إلى الوزير فنظر فيه فإذا هو كتب له بخمسين ألف درهم فقال: الوزير ما الذي أوجب لك ذلك يا نضر فذكر القصة فقال: تلحن أمير المؤمنين وتأخذ هذا فقال: لم يلحن أمير المؤمنين وإنما لحن هشيم فدفع إليه ثمانين ألفًا وقال: هذه الثلاثون من كيسي قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله ﷺ : "ورجل أصابته فاقة" قال الحافظ (٣): الفاقة: الفقر والاحتياج.

стр. 3134

قوله ﷺ "حَتَّى يَقُومَ ثَلاثة مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ" يقول باللام الحديث فلا يحتاج إلى تقدير وشرط فيهم العقل وفي غير أبي داوود حتى يقوم بالميم قال النووي (١): هكذا هو في جميع نسخ مسلم يقوم ثلاثة هو صحيح أي يقومون بهذا الأمر فيقولون لقد أصابت فلانًا فاقة والحِجا بكسر الحاء المهملة مقصورًا هو العقل قاله المنذري والفاقة: الفقر والإحتياج قاله الحافظ (٢)، وإنما قال: النبي ﷺ "من قومه" لأنهم أهل الخبرة بباطنه والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا يصاحبه ولهذا قال: "من قومه" ولو كان المراد العقل المشهور لم يكن للتخصيص فائدة إذا هو مشروط في كل شهادة [وهو أولى من القول بأنه خرج مخرج الغالب فيما مفهوم له والله أعلم] وإنما شرط الحجا تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقظ فلا تقبل من مغفل وأما اشتراط الثلاثة فقال: بعض أصحابنا هو شرط في بينة الإعسار فلا تقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث قال الجمهور: تقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنى وحملوا الحديث على الإستحباب وهذا الحديث محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله: في تلفه والإعسار إلا ببينة وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله: في عدم المال (٣) ا. هـ. ولم يحتج في الجائحة إلى مثل هذا لظهور أمرها، وفيه من العلم أن من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام وطلب المحكوم له به حبسه وأدعى

стр. 3135

المطلوب الإفلاس والعدم فإن الواجب في ذلك أن ينظر فإن كان الطالب إنما استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل أن يقرضه مالا أو يبيعه متاعا فيقبضه إياه فإنه يحبس له ولا يقبل قوله في العُدم لأنه قد ثبت له ملك ما صار إليه وحصل في يده من ذلك فالظاهر من حاله الوجد واليسار حتى تقوم دلالة على إفلاس حادث بعده فإن أقام البينة على ذلك لم يحبس وخلي عنه وإن كان ذلك مستحقا عليه بجناية من إتلاف مال أو أرش جراحة أو من قبل مهر امرأة أو ضمان أو ما أشبهها مما لم يتقدم فيه تمليك ولا إقباض فإنه لا يحبس له وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منه أو بيع عليه وإلا أنظر إلى الميسرة وأصل الناس العدم والفقر (١) انتهى قاله: في الديباجة. قوله ﷺ : "فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت" قال: النووي (٢) هكذا هو في جميع نسخ مسلم سحتًا ورواه غيره سحت بالرفع وهو واضح ورواية مسلم صحيحة وفيه إضمار أي اعتقده سحتًا أو يؤكل سحتًا ا. هـ. والمراد بالسحت الحرام قال: الله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣) أي الحرام وهو ما كانوا يأكلون من هدايا اليهود ومنه الحديث أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به (٤) والله أعلم ذكره ابن عقيل.

стр. 3136

١٢١٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ استغنوا عَن النَّاس وَلَو بشوص السِّوَاك، رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس، قوله ﷺ "إستغنوا عن الناس ولو بشوص السواك"، وفي الحديث كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك (٢) أي يدلك أسنانه وينقيها، وقيل هو أن يستاك من سفل إلى علو واصل الشوص الغسل يقال: شاص يشوص وماص يموص إذا غسله (٣) والله أعلم، أي بغُسالته وقيل بما يتفتت منه عند التسوك (٤)، وفي

стр. 3137

الحديث أيضًا "استغنوا عن الناس ولو عن قضمة السواك" (١) القضمة بالكسر: ما انكسر منه وانشق إذا استيك به. ويروى بالفاء، قاله في النهاية (٢). ١٢١٥ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا يُؤمن عبد حَتَّى يَأْمَن جَاره بوائقه وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو لِيَسْكُت إِن الله يحب الْغَنِيّ الْحَلِيم الْمُتَعَفِّف وَيبغض البذي الْفَاجِر السَّائِل الْملح رَوَاهُ الْبَزَّار (٣). قوله: وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله ﷺ "لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه" الحديث. الإيمان في اللغة (٤): هو التصديق، والبوائق: الشر وغائلته، قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" سيأتي الكلام على ذلك في الضيافة. قوله: ﷺ "فليقل خيرًا أو ليسكت" سيأتي الكلام على ذلك أيضًا في الصمت. قوله ﷺ : "إن الله يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذيء الفاجر السائل الملح" البذيء بالذال المعجمة والمد هو المتكلم بالفحش ورديء الكلام.

стр. 3138

١٢١٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عرض عَليّ أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة وَأول ثَلَاثَة يدْخلُونَ النَّار فَأَما أول ثَلَاَثة يدْخلُونَ الْجنَّة فالشهيد وَعبد مَمْلُوك أحسن عبَادَة ربه ونصح لسَيِّده وعفيف متعفف ذُو عِيَال، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي منع الزَّكَاة (١). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه، قوله: ﷺ "عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة" إلى قوله "وعفيف متعفف ذو عيال" الحديث ذو بمعنى صاحب، قوله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه. أبو سلمة: اسمه: عبد الله الزهري القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ومن مشاهير التابعين وأعلامهم، وقيل: اسمه كنيته كان كتير الحديث سمع [جماعة من الصحابة،، وجماعة من التابعين (٢)]. كان النبي ﷺ يأمر كثيرًا بالتعفف عن السؤال ويقول ﷺ "من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله" (٣) وقال النبي ﷺ "ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا" (٤) وقال النبي ﷺ : "استغنوا عن الناس ومن قل من السؤال

стр. 3139

فهو خير" قالوا ومنك يا رسول الله فقال ﷺ : "ومني" (١). لطيفة: سمع عمر ﵁ سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه عش الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل فقال ألم أقل لك عش الرجل قال قد عشيته فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال لا تعد، ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ولعل الفقيه الضعيف المنة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول أما ضربه فهو تأديب وقد ورد الشرع بالتعزير وأما أخذ ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ المال فكيف استجازه عمر وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب ﵁ وإطلاعه على أسرار دين الله ومصالح عباده بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب صرفه إلى المصالح وإبل الصدقة وعلفها من المصالح ويتنزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة كاذبا كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب فإنه لا يملك ما يأخذه كأخذ

стр. 3140

الصوفي الصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في الباطن مقارف لمعصية لو عرفها المعطي لما أعطاه وقد ذكر أن ما أخذه على هذا المنوال لا يملكونه وهو حرام عليهم ويجب عليهم الرد إلى مالكه فاستدل بفعل عمر ﵁ على صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من الفقهاء ولا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل عمر (١) والله أعلم. ١٢١٧ - وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أَبِيه ﵁ قَالَ كَانَت لي عِنْد رَسُول الله ﷺ عدَّة فَلَمَّا فتحت قُرَيْظَة جِئْت لينجز إِلَيّ مَا وَعَدَني فَسَمعته يَقُول من يسْتَغْن يُغْنِيه الله وَمن يقنع يقنعه الله فَقلت فِي نَفسِي لا جرم لا أسأله شَيْئا رَوَاهُ الْبَزَّار (٢). وَأَبُو سَلمَة لم يسمع من أَبِيه قَالَه ابْن معِين وَغَيره. قوله: وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أبو سلمة اسمه عبد الله الزهري القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ومن مشاهير التابعين وأعلامهم وقيل اسمه كنيته كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وعائشة وغيرهم مات سنة أربع وتسعين وقيل أربع ومائة وله ثمان وسبعون سنه (٣) قاله في شرح الإلمام.

стр. 3141

قوله كانت لي عند رسول الله ﷺ عدة فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي ما وعدنى به، قريظة: بضم القاف وفتح الراء المهملة وفتح الظاء المشالة المعجمة قوم من يهود بقرب المدينة كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد. قوله ﷺ : "من يستغني يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله" القنع عبارة [عن الطبق الذي يؤكل عليه، والقنع هو الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، ويقال قنع قناعة فهو قنع، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل (١)]. قوله: "فقلت في نفسي لا جرم لا أسأله شيئًا" الحديث. قال الفراء: لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لابد ولا محالة فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقًا فلذلك يجاب عنه باللام كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لأتينك (٢) ا. هـ. ١٢١٨ - وَعَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر وَذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف عَن الْمَسْألة الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى والعليا هِيَ المنفقة والسفلى هِيَ السائلة، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (٣). وَقَالَ أَبُو دَاوُد اخْتلف على أَيُّوب عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ عبد

стр. 3142

الْوَارِث الْيَد الْعليا المتعففة وَقَالَ أَكْثَرهم عَن حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب المنفقة وَقَالَ وَاحِد عَن حَمَّاد المتعففة (١). قَالَ الْخطابِيّ (٢): رِوَايَة من قَالَ المتعففة أشبه وَأَصَح فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ أَن ابْن عمر ذكر أَن رَسُول الله ﷺ ذكر هَذَا الْكَلّام وَهُوَ يذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف عَنْهَا فعطف الْكَلَام جزم على سَببه الَّذِي خرج عَلَيْهِ وعَلى مَا يطابقه فِي مَعْنَاهُ أولى وَقد يتَوَهَّم كثير من الناس أَن معنى الْعليا أَن يَد الْمُعْطِي مستعلية فَوق يَد الآخِذ يجعلونه من علو الشَّيْء إِلَى فَوق وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ من علا الْمجد وَالْكَرم يُرِيد التعفف عَن الْمَسْألة والترفع عَنْهَا انْتهى كَلَامه وَهُوَ حسن. قوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر. قوله: إن رسول الله ﷺ قال: وهو على المنبر وذكر "الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة السفلى هي السائلة" الحديث هكذا وقع في صحيحي البخاري ومسلم (٣) العليا المنفقة من الإنفاق وكذا ذكره أبو داوود عن أكثر الرواة (٤)، قال الحافظ (٥): وقال أبو

стр. 3143

داوود: اختلف أبوب عن نافع في هذا الحديث قال: عبد الوارث اليد العليا المتعففة بالعين المهملة من العفة الصحيح الرواية الأولى قال ابن عبد البر (١) رحمه الله تعالى: ففيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة (٢) ويتضمن التحذير لذوي الأنفة من ذل السؤال (٣) وفيه إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح وما يكون موعظة أو علما أو قربة إلى الله تعالى (٤)، قلت لا يلزم من كونه ﵇ قال: ذلك على المنبر أن يكون في خطبة الجمعة فقد كان ﵊ يرقى المنبر فيما يهم من حادثة وموعظة (٥) ا." هـ. والله أعلم. وفيه التصريح بأن اليد العليا هي المنفقة وبهذا قال الجمهور: وهو الصحيح كما تقدم ونقل عن الخطابي أنها المتعففة وقال النووي (٦): بعد تصحيح رواية المنفقة ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة والمتعففة أعلى من السائلة. وقوله: وذكر الصدقة والتعفف عنها أي التعفف من أخذ الصدقة في كلام الخطابي بعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه بالسين والبائين

стр. 3144

الموحدتين وعلى ما يطابقه في معناه أولى وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا أن يد المعطي مستعلية فوق يد الأخذ يجعلونه من علا الشيء إلى فوق وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هو من علا المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها (١) ا. هـ. قال الحافظ (٢): وهو حسن وقال: غيره وهذا الذي اختاره الخطابي وجه حسن ولا يمتنع ما أنكره لأنك إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وقد صحت لفظة المنفقة فكأن المراد أن هذه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل والمجد ونيل الثواب وقد زعم قوم مالوا إلى الترفة أن اليد العليا هي الأخذة والسفلى المعطية، قَالَ ابْن قتيْبَة: وَلَا أرى هَؤُلَاءِ إِلَّا قوما استطابوا السُّؤَال، فهم يحتجون للدناءة، وَالنَّاس إِنَّمَا يعلون بِالْمَعْرُوفِ والعطايا لَا بِالْأَخْذِ وَالسُّؤَال، والمعالي للصانعين لَا للمصطنع إِلَيْهِم. (٣) والله أعلم. فائدة: سئل أبو نصر عن قوله اليد العليا خير من اليد السفلى؟ قال: لأن الدافع إذا دفع ماله فإنه يقرب نفسه إلى الفقير والقابض إذا قبض يقرب نفسه إلى الغني فصار الدافع أفضل من القابض ذكره في كتاب النوازل للحنفية (٤).

стр. 3145

١٢١٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الأيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل السُّفْلى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فاستعف عَن السُّؤَال وَعَن الْمَسْأَلَة مَا اسْتَطَعْت فَإِن أَعْطَيْت شَيْئا أَو قَالَ خيرا فلير عَلَيْك وابدأ بِمن تعول وارضخ من الْفضل وَلَا تلام على الكفاف، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْغَالِب على رُوَاته التوثيق وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده (١). قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود قوله: ﷺ الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت الإستعفاف طلب العفاف وقيل الإستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء (٢) ومنه الحديث "اللهم إني أسألك العفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقدر" (٣) ا. هـ.

стр. 3146

قوله: "وإبدأ بمن تعول وأرضخ من الفضل ولا تلام على الكفاف" وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا مبسوطًا إن شاء الله. ١٢٢٠ - وَعَن مَالك بن نَضْلَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الأيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل السُّفْلى فأعط الْفضل وَلا تعجز عَن نَفسك، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (١). قوله: وعن مالك بن نضلة (ويقال: مالك بن عوف بن نضلة بن خديج، ويقال: جريج بن حبيب بن حدير بن غنم بن كعب بن عصيم بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن الجشمي، الجشمي صاحب ابن مسعود روى عنه أبو الأحوص، واسمه عوف بن مالك، له صحبة، وعداده في أهل الكوفة (٢). قوله ﷺ "الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك" الحديث الفضل ما فضل عن الكفاية.

стр. 3147

١٢٢١ - وَعَن حَكِيم بن حزَام ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى وَمن يستعف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (١). قوله: وعن حكيم بن حزام تقدم الكلام على حكيم. قوله ﷺ : "وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" قال ابن الأثير في النهاية (٢): أي ما كان عفوا قد فضل عن غني وقيل ما فضل عن قوت العيال وكفايتهم والظهر يراد في مثل هذا اتساعًا إشباعا للكلام وتمكينًا كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال ا. هـ، وفي رواية "خير الصدقة ما أبقت غني" (٣) فإذا أعطيتها غيرك أبقت بعدها لك ولهم غنى وكانت على استغناء منك ومنهم عنها (٤) وقيل معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غني ويعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه، وقيل خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله لآن من تصدق بالجميع يندم غالبًا أو قد يندم إذا إحتاج ويود أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا فإنه لا يندم عليه

стр. 3148

بل يسر بها وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة والفقر فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه (١). قال: القاضي عياض (٢) جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله والله أعلم، وقال: في شرح مشارق الأنوار قال: الإمام شهاب الدين التوربشتى هو عبارة عن تمكن المتصدق عن غنى ما وذلك مثل قولهم هو على ظهر سير وراكب متن السلامة ونحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والإستواء عليه (٣) ا. هـ. قال: أبو عبيد الهروي يعني ما فضل عن أهلك وقال: غيره خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة فتجزل له العطية (٤). لطيفة: عن جابر بن عبد الله قال: قدم أبو حصين السلمى بذهب من معدنهم فقضى دينًا كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمامة فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ضع هذا حيث أراك الله أو حيث رأيت، قال: فجاءه عن يمينه فأعرض عنه ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه ثم جاءه من بين يديه فنكس رسول الله ﷺ رأسه فلما أكثر عليه أخذها من يده فحذفه بها لو

стр. 3149

أصابته لعقرته ثم أقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: "يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول" رواه البزار (١) وقد رواه أبو داود في سننه (٢) من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله بنحوه وفي رواية أخرى خذ عنا مالك لا حاجة لنا به ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٣). لطيفة أخرى: كان بشر يقول الفقراء ثلاثة لا يسأل وإن أعطي لم يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس وفقير يسأل عند ضاقته فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين فإذن اتفق كلهم على ذم السؤال وعلى أنه مع الفاقة تحط المرتبة والدرجة (٤) ا. هـ. قَالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَم، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِن خُرَاسَان: كَيْفَ تَرَكْتَ الفُقَرَاءَ مِن أَصْحَابِك .. ؟

стр. 3150

قَال: تَرَكْتُهُمْ؛ إِن أُعْطُوا شكَرُوا، وَإِنْ مُنعُوا صَبرُوا، وَظَنَّ أنَهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِتَرْكِ السُّؤَال؛ قَدْ أَثْنى عَلَيْهِمْ غَايَةَ الثَّنَاء، فَقَال شَقِيق: هَكَذَا تَرَكْتُ كِلَابَ بَلْخ - قَالَ ﵁: الفُقَرَاءُ عِنْدَنَا؛ إِنْ مُنِعُوا شكَرُوا، وإِن أُعْطُوا آثَرُوا فَقَبَّلَ إِبْرَاهِيمُ رَأْسَهُ وَقَال: صَدَقْتَ يَا أُسْتَاذِي ... ! فإذن درجات أرباب الأحوال في الرضى والصبر والشكر والسؤال كثير فلابد لسالك طريق الآخرة من معرفتها ومعرفة أسبابها واختلاف درجاتها (١). قوله ﷺ : "ومن يستعفف يعفه الله" قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي (٢) في كتابه قمع الحرص قال علماؤنا الاستعفاف الصبر ومنه قوله: تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (٣) قال ابن عرفة وغيره: من أهل اللغة أي ليصبروا فالمعنى من يستعفف عن السؤال للخلق يعفه الله أي يجازيه على استعفافه بصيانة وجهه ورفع فاقته وربما أثمر له العفة غنى قلبه بربه عن خلقه والتيه به على عباده كما قال: بعضهم فأحسن: لَبِسْتُ بِالْعِفَّةِ ثَوْبَ الْغَنِيِّ ... فَصِرْتُ أَمْشِي شَامِخَ الرَّاسِ إِذَا رَأَيْتُ التِّيهَ مِنْ ذِي الْغِنَا ... تُهْتُ عَلَى التَّائِهِ بِالْيَأسِ أ. هـ قوله: يعفه الله بفتح الفاء، قوله ﷺ : "ومن يستغن يغنه الله" الحديث قال التيمي: من يستغني يغنه الله شَرط وَجَزَاء وعلامة الْجَزْم حذف الْيَاء أَي من

стр. 3151

يطْلب الْغنى من الله يُعْطه ومن يطلب العفاف وهو ترك المسألة يعطه الله العفاف وقال بعضهم معناه من طلب من نفسه العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء يعفه الله أي يصيره عفيفًا ومن ترقى من هذه المرتبة إلى ما هو أي منها وهو إظهار الاستغناء عن الخلق يملأ الله قلبه غني لكن أن أعطى شيئًا لم يرده. قاله الكرماني (١). ومعنى قوله: ومن يستغن أي بالله يغنه أي يخلق في قلبه غنى أو يعطيه ما يستغني به عن الخلق (٢) وقد يجمع الله له الأمرين غنى قلبه ويده تفضلا منه وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي الأشهب قال: سمعت بكر بن عبد الله يقول في دعائه: اللهم ارزقنا من فضلك رزقا تزيدنا لك به شكرًا وإليك فاقةً وفقرًا وبها عمن سواك غنى وتعففًا (٣) ا. هـ. ١٢٢٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: أَن أُنَاسًا من الأَنْصَار سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ فَأَعْطَاهُمْ ثمَّ سَألوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثمَّ سَألوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذا نفد مَا عِنْده قَالَ مَا يكون عِنْدِي من خير فَلَنْ أدخره عَنْكُم وَمن استعف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله وَمن يتصبر يصبره الله وَمَا أعْطى الله أحدا عَطاء هُوَ خير لَهُ وأوسع من الصَّبْر، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٤).

стр. 3152

قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه. قوله: أنا أناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، الأنصار هم الذين نصروا رسولى الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة. قوله حتى إذا نفد ما عنده، نفذ بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فني قوله: ﷺ "ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم" ومعناه أقتنيه وأرفعه دونكم والخير المال قال: الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (١) أي لحب المال (٢). قوله ﷺ : "ومن استعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله" الاستعفاف طلب العفاف أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها ورزقه من حيث لا يحتسب (٣). قوله: ومن يستغن أي يطلب الغنا من الله والغنا مقصور هو اليسار (٤) وفي الحديث الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا (٥) وتقدم الكلام على ذلك في حديث حكيم بن حزام مبسوطًا والله أعلم.

стр. 3153

١٢٢٣ - وَعَن سهل بن سعد ﵁: قَالَ جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد عش مَا شِئْت فَإنَّك ميت واعمل مَا شِئْت فَإنَّك مَجْزِي بِهِ وأحبب من شِئْت فَإنَّك مفارقه وَاعْلَم أَن شرف الْمُؤمن قيام اللَّيْل وعزه استغناؤه عَن الناس، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن سهل بن سعد هو أبو العباس وقيل أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني (٢) كان اسمه حزنا فسماه رسول الله ﷺ سهلا قال: الزهري سمع من النبي ﷺ وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين قال ابن سعد: هو آخر من حدّث من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف فروي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا اتفقا على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر والله أعلم. قوله: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، جبريل هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام وتقدم الكلام عليه في الجمعة مبسوطًا والله أعلم.

стр. 3154

قوله ﷺ : "وإعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس" تقدم في قيام الليل. ١٢٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض وَلَكِن الْغنى غنى النَّفس، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). الْعرض: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء هُوَ كل مَا يقتنى من المَال وَغَيره. قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض" و"عن" هنا يحتمل معناها أوجهًا أحدها أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ (٣) أي ليس علة الغنى وسببه كثرة العرض. ثانيها: أن تكون للظرفية أي ليس الغناء في كثرة العرض. ثالثها: أنها بمعنى الباء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) أي بالهوى أي ليس الغنا بكثرة العرض (٥).

стр. 3155

والعرض: بفتح العين والراء المهملتين وبالضاد المعجمة قد فسره الحافظ فقال: هو كل ما يقتني من المال وغيره. هـ. وقال: غيره هو حطام الدنيا ومتاعها من أي نوع كان سمي بذلك لزواله وقال: بعضهم في كتاب العين العرض ما قيل من الدنيا وجمعه عروض ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (١) وفي الحديث الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وأما العرض بإسكان الراء فهو ما عدا النقد والنقد الدراهم والدنانير قاله: أبو زيد والأصمعي وغيرهما وقال: أبو عبيد العرض المتاع الذي لا يدخله كيل ولا وزن ولا يكون حيوانا ولا عقارًا (٢) ا. هـ قوله ﷺ : "إنما الغنى غنى النفس" ومعنى هذا الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس (٣) ا. هـ. وبيانه: أنه إذا استغثت نفسه كفت عن المطامع، فعزت وعظمت، فحصل لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيا بماله، فقيرا بحرصه وشرهه، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله ودناءة همته، فيكثر ذاموه من الناس، ويصغر قدره فيهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل صغير (٤) قال العلماء: علامة غنى النفس أن لا

стр. 3156

يحرص ولا يلحف في الطلب، وعلامة غنى القلب القناعة والرضا بما وجد وعكوف همه على المسبب دون السبب (١) ا. هـ، قاله في الديباجة. وقال النووي: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْغِنَى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حِرْصِهَا لَا كَثْرَةَ الْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ غِنًى. ثم حكى عن الإمام المازني أنه قال: يحتمل أن يريد الغنى النافع والذي يكف عن الحاجة وليس ذلك على ظاهره لأنه معلوم أن كثير المال غني (٢) ا. هـ. وأنشد دريد لسالم بن وابصة شعرًا منه بيتًا: غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة ... فإن زاد شيئًا عاد ذلك الغنى فقرًا (٣) ١٢٢٥ - وَعَن زيد بن أَرقم ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من علم لَا ينفع وَمن قلب لا يخشع وَمن نفس لَا تشبع وَمن دَعْوَة لَا يُسْتَجَاب لهَا، رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٤). قوله: وعن زيد بن أرقم هو أبو عمر وقيل أبو عامر وقيل أبو سعيد وقيل أبو سعد وقيل أبو حمزة وقيل أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي المدني وهو الذي ذكر للنبي ﷺ قول عبد الله بن أبي بن

стр. 3157

سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ﴾ (١) الآية فأنزل الله تصديق زيد (٢) وغزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة استصغره النبي ﷺ يوم أحد وكان يتيمًا في حجر عبد الله بن رواحة وسار معه في غزوة مؤته روي له عن رسول الله ﷺ سبعون حديثًا اتفقا على أربعة وللبخاري حديثان ولمسلم ستة روى عنه أنس بن مالك وابن عباس وخلائق من التابعين نزل الكوفة وابتنى بها دارًا في كنده وتوفي بها سنة ست وقيل سنة خمس وخمسين وقال: محمد بن سعد وآخرون سنة ثمان وستين وشهد صفين مع علي وكان من خاصة أصحابه روى له الجماعة ومناقبه كثيرة مشهورة (٣) والله أعلم. قوله: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع" الخشوع الخضوع "ومن نفس لا تشبع" الحديث فقوله: "ومن قلب لا يخشع" الخشوع الخضوع، وقوله: "ومن نفس لا تشبع" يحتمل وجهين: أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها الله تعالى ولا تفتر عن الجمع لشدة ما فيها من الحرص. ثانيها: أن يراد به كثرة الأكل (٤).

стр. 3158

وقيل: هو استعاذة من الحرص والطمع والشره وتعلق النفس بالآمال البعيدة وهذا الحديث وغيره من الأدعية المسجعة دليل لما قاله كثير من العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو التكلف فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والإفتقار وفراغ القلب فأما ما حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظًا فلا بأس بذلك (١). ١٢٢٦ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا ذَر أَتَرَى كثْرَة المَال هُوَ الْغنى قلت نعم يَا رَسُول الله قَالَ أفترى قلَّة المَال هُوَ الْفقر قلت نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا الْغنى غنى الْقلب والفقر فقر الْقلب، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيت يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٢). قوله وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر. قوله ﵁: قال: لي رسول الله ﷺ "يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى" قلت: نعم يا رسول الله قال: "أفترى قلة المال هو الفقر" قلت نعم يا رسول الله قال: "إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب". وقوله: "أفترى"بضم التاء المثناة ومعناها أتظن. لمَحْمُود الْوَرَّاقُ: الْفَقْرُ فِي النَّفْسِ وَفِيهَا الْغِنَى ... وَفِي غِنَى النَّفْسِ الْغِنَى الْأَكْبَرُ مَنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَلَمْ ... يَقْنَعْ فَذَاكَ الْمُوسِرُ الْمُعْسِرُ

стр. 3159

وَكلَّ مَنْ كَانَ قَنُوعًا وَإِنْ ... كَانَ مُقِلًّا فَهْوُ الْمُكْثِرُ (١) ولعُثْمَانُ بْنُ سَعْدَانَ: تَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيكَ وَاسْتَعْمَلِ الرِّضَا ... فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي فَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كثْرَةِ الْمَالِ إِنَّمَا ... يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ (٢) ولغيره: إِذَا عُوْفِيَ المَرْءُ فِي جِسْمِهِ ... وَمَلّكَهُ اللهُ قَلْبًا قَنُوْعَا وَأَلْقَى المَطَامِعَ عَنْ نَفْسِهِ ... فَذَاكَ الغَنِيّ وَلَو مَاتَ جُوْعَا (٣) ذكرها القرطبي (٤) في كتابه. ١٢٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِين الَّذِي ترده اللُّقْمَة وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَة وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غنى يُغْنِيه وَلا يفْطن لَهُ فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ وَلا يقوم فَيسْأَل الناس، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٥). قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله ﷺ : "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقماتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين

стр. 3160

الذي لا يجد غنى يغنيه" ولا يعطي له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسئل الناس ومعنى الحديث ليس المسكين الكامل المسكنة والذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها ليس هو بهذا الطواف بل هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يعطي له فيتصدق عليه ولا يسئل الناس وليس معناه أصل المسكنة عن الطواف بل معناه نفي كمال المسكنة كقوله ﷺ ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) الآية أي ليس البر الكامل والغرض من هذا التأويل أن من ردته اللقمة واللقمتان لا يخرج عن أصل المسكنة لكن المسكنة الكاملة لا تحصل إلا بالخمول والانقطاع (٢). قوله: "لا يجد غني فيغنيه" بكسر الغين وبالقصر ضد الفقر وإن صح الرواية بالفتح وبالمد فهو الكفاية ا. هـ. تنبيه: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَفِي المِسْكين، فَقِيلَ: الفَقِير الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، والمِسْكين الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يكْفيه، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. (٣) وَقِيلَ فِيهِمَا بالعَكْس، وإلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. والفَقِير مَبْنيٌّ عَلَى فَقُرَ قِياسًا، وَلَمْ يُقَل فِيهِ

стр. 3161

إِلَّا افْتَقَرَ يَفْتَقِرُ فَهُوَ فَقِير. أ. هـ. قاله ابن الأثير في النهاية (١). وقوله: ترده اللقمة واللقمتان تفسير لما وقع في بعض الروايات الأكلة والأكلتان وهي بضم الهمزة ولا يجوز الفتح لأن المراد بالفتح فعل الأكل ولا يناسب ها هنا (٢) والله أعلم، قاله: ابن عقيل في شرح الأحكام. ١٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قد أَفْلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بِمَا آتَاهُ، رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (٣). ١٢٢٩ - وَعَن فضَالة بن عبيد ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول طُوبَى لمن هدي لِلإِسْلَامِ وَكَانَ عيشه كفافا وقنع، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٤). الكفاف من الرزق مَا كفا عَن السُّؤَال مَعَ القناعة لا يزِيد على قدر الْحَاجة. قوله: وعن عبد الله بن عمر تقدم الكلام على ابن عمر قوله: ﷺ "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا" أفلح تقدم الكلام عليه في حديث قديم. قوله: "ورزق كفافًا" والكفاف: ما كف عن السؤال (وألا يزيد على) قدر الحاجة ولا ينقص.

стр. 3162

١٢٣٠ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا ابْن آدم إِنَّك أَن تبذل الْفضل خير لَك وَأَن تمسكه شَرّ لَك وَلا تلام على كفاف وابدأ بِمن تعول وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى رَوَاه مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (١). قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي، قوله: ﷺ "يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفافًا، واليد العليا خير من اليد السفلى" سيأتي الكلام على بذل الفضل في باب الإنفاق في وجوه الخير مبسوطًا إن شاء الله تعالى. ١٢٣١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ والطمع فَإِنَّهُ هُوَ الْفقر وَإِيَّاكُم وَمَا يعْتَذر مِنْهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢). ١٢٣٢ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ أَتَى النَّبِي ﷺ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أوصني وأوجز فَقَالَ النَّبِي ﷺ عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ فقر حَاضر وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ، رَوَاهُ الْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد كَذَا قَالَ (٣). قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر، قوله: ﷺ "إياكم

стр. 3163

والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم ومما يعتذر منه" الحديث ومعنى يعتذر منه (أي يقبح عند الله وعند الناس). ١٢٣٣ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ القناعة كنز لَا يفنى، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَرَفعه غَرِيب (١). قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم ذكره. قوله: ﷺ "القناعة كنز لا يفنى" الحديث لأن الإنفاق منها كنز لا ينقطع كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي ومنه الحديث الآخر "عز من قنع، وقل من طمع" لأن القانع لا يذله الطلب فلا يزال عزيزًا قاله في النهاية (٢) ولبعض الفضلاء. أَفادتني القناعةُ كلَّ عزٍّ ... وهَلْ عِزٍّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَهْ فَصَيِّرْها لنفسِكَ رأسَ مالٍ ... واجعل بعدها التَّقْوى بِضَاعَهْ أحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ وَأَكرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي ... وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ (٣)

стр. 3164

١٢٣٤ - وَعَن عبد الله بن مُحصن الخطمي ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أصبح آمنا فِي سربه معافى فِي بدنه عِنْده قوت يَوْمه فَكَأَنمَا حيزت لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١). فِي سربه بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة أَي فِي نَفسه. قوله وعن عبد الله بن محصن الخطمي واختلفوا في اسم عبد الله بن محصن فقيل عبيد الله بن محصن وقيل عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته وكنيته العقيلي وقال بعض الفضلاء أيضًا: لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فإنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْكَ في الدِينِ واسْتَرْزِقِ الله مَمَّا في خَزَائِنِه ... فإنما الرِزْقُ بين الكَافِ والنُونِ فَاِستَغنِ بِاللهِ عَن دُنيا المُلوكِ ... كما اِستَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدينِ لماذا أذل المخلوق على طمع ... ولو سألت الذي أعطاه يعطيني لِكَسْرَةٌ مَنْ رَغِيفِ الْخُبْزِ تُشْبِعُنِي ... وَشَرْبَةٌ مِنْ قَرَاحٍ الْمَاءِ تُرْوِينِي وَخِرْقَةٍ مِنْ خَشِينِ الثَّوْبِ تَسْتُرُنيِ ... حَيًّا وَإِنْ مِتُّ تَكْفِينِي لِتكْفِينِي قوله: وعن عبد الله بن محصن الخطمي واختلفوا في اسم عبد الله بن محصن فقيل عبيد الله وقيل عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته وكنيته العقيلي ولم يرو عن عبيد الله هذا من أصحاب السنن غير الترمذي وابن

стр. 3165

ماجه روى له هذا الحديث خاصة والخطمي بفتح الخاء المعجمة منسوب إلى خطمة من الأنصار وهم بنو عبد الله بن مالك بن اوس (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "من أصبح أمنًا في سربه" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي في نفسه وقال: غيره السرب نفس الإنسان أي أمناء في نفسه وفلانة واسع السرب أي رضي البال قال: ابن الأثير (٢): ويروى السرب بفتح السين وهو المسلك والطريق، يقال خل سربه: أي طريقه. قوله ﷺ : "حيزت له الدنيا" حيزلت بكسر الحاء المهملة أي جمعت والحيازة الجمع والضم إلى النفس. قوله ﷺ : "بحذافيرها" الحذافير الجوانب وقيل الأعالي واحدها حذفار، وقيل حذفور أي فكإنما أعطى الدنيا بأسرها، ومنه حديث المبعث. فإذا نحن بالحي قد جاءوا بحذافيرهم أي جميعهم ا. هـ، قاله في النهاية (٣). قال الجوهري (٤): السرب بالفتح الإبل وما يرعى من المال فالإنسان ابن وقته [يهمه وقته الذي هو فيه]، فالأمن والعافية وحصول القوت اليومي

стр. 3166

كحيازة الدنيا كلها إذ مالك الدنيا كلها إنما ينال منها قوته والله أعلم. وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١) في كتابه "قمع الحرص": خرَّج الإمام الحافظ أبو بكر بن محمد بن إسحاق السني الحافظ عن ابن عمر قال: قال رسول الله: "ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في بدنك آمنًا في سربك عندك قوت يومك" فعلى الدنيا العفاف (٢) وأنشدوا في المعنى: رَضِيتُ مِنَ الدُّنْيَا بِقُوتٍ يُقِيمُنِي ... فَلَا أَبْتَغِي مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا فَضْلَا وَلَسْتُ أَرُومُ الْقُوتَ إِلَّا لِأَنَّهُ ... يُعِينُ عَلَى عِلْمٍ أَرُدُّ بِهِ جَهْلَا وعن ابن عباس ﵁. قال: قال موسى ﵇: "رب ما علامة من صافيته من خلقك" فأوحى الله تعالى إليه "أقنعه باليسير وأدخر له في الآخرة الكثير" (٣)، وعن ابن عباس ﵁. قال: قال: موسى ﵇ "أي رب أي عبادك أغنى" قال: "الراضي بما أعطيه" قال: فأي عبادك أحب إليك قال: "أكثرهم لي ذكرًا" قال: "يا رب فأي عبادك أحكم" قال: "الذي يحكم على نفسه بما يحكم به على الناس" (٤) انتهى.
следующие страницы →