← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3232–3271 · переход к 3237.

стр. 3232

يكون مصدر كف يكف كفًا ويكون معناه الحفظ والصيانة فكأنه قال: تلك الصدقة في حفظ الله وكلاءته فلا ينقص ثوابها ولا يبطل جزاؤها ويحتمل أن يكون الكف عبارة عن كفة الميزان التي يوزن فيها الأعمال فتكون من باب حذف المضاف فكأنه قال: فتربو في كفة ميزان الرحمن (١) ا. هـ. وقال الماوردي (٢): وغيره هذا الحديث وشبهه إنما عبر به النبي ﷺ على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا فكنى هنا عن قبول الصدقة بأخذهها بالكف وعن تضعيف أجرها بالتربية قال القاضي عياض (٣) رحمه الله تعالى: لما كان الشيء الذي يرتضي ويعز يلتقي باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا واستعير القبول والرضى إذا الشمال بضده في هذا وتقدم مثله عن الخطابي (٤) قال: وقيل المراد بكف الرحمن هنا وبيمينه كف الذي تدفع إليه الصدقة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة فيها لله ا. هـ.

стр. 3233

وقد تكرر ذكر الكف والحفنة واليد في الحديث وكلها تمثيل من غير تشبيه والله أعلم. قوله: ﷺ في رواية ابن خزيمة (١) "كما يربي أحدكم مهره أو فصيله" الحديث المهر ولد الفرس والجمع أمهار والأنثى مهرة وما أحسن قول مهيار (الديلمي) في وصف المهرة: قال لي العاذل: تسلو قلت: مه، ... إنّ أسباب هواها محكمه مهرة تسمع في السرج لها، ... تحت من يعلو عليها حمحمه. (٢) لطيفة: لها تعلق بالمعنى كان أبو عبد الله محمد بن حسان البسري، من الأولياء ذوي الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، وأنه خرج للغزاة مرة، فبينما هو في فلاة من الأرض إذ مات مهره الذي كان يركبه، فقال: اللهم أعرنا إياه فقام المهر حيا بإذن الله تعالى، فلما وصل إلى بسر، أخذ السرج عنه فسقط ميتا، وكان ﵀، إذا كان شهر رمضان دخل بيتا وقال لامرأته: طيني علي الباب وألقي إلي كل ليلة رغيفا من الكوة، فإذا كان يوم العيد فتحت الباب ودخلت فوجدت الثلاثين رغيفا في زاوية البيت فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام رضي الله تعالى عنه (٣)، وفي الأنساب لابن السمعاني، أن أبا

стр. 3234

عبد الله المذكور منسوب إلى بصرى، قرية من قرى الشأم فأبدلت الصاد سينا على قياس قولهم في السويق الصويق والسراط الصراط انتهى، وقال ابن الأثير (١): هذا كله خطأ في النقل والنحو، أما النقل فإنه منسوب إلى بسر، وبسر: قرية معروفة، وأما النحو فإبدال الصاد سينا ليس على إطلاقه إنما ذلك مع حروف معلومة، وقد ذكره الحافظ أبو القاسم بن عطاء الدمشقي، في تاريخ دمشق (٢)، وقال: إنه من قرية بسر وهذا هو الصواب والله تعالى أعلم (٣). وقوله: "كما يربي أحدكم فصيله" الحديث والفصيل ولد الناقة إذا فصل عن الرضاع أمه والجمع فصلان بض الفاء وفصال بكسرها (٤). فرع: دخل فَصيلُ (ولد الناقة) رَجُلٍ فِي بَيْتِ رَجُلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهُ إِلَّا بِنَقْضِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، بِأَنْ غَصَبَهُ وَأَدْخَلَهُ، نُقِضَ وَلَمْ يَغْرَمْ صَاحِبُ الْفَصِيلِ شَيْئًا. وإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْفَصِيلِ، نُقِضَ الْبِنَاءُ، وَلَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْضِ. وَإِنْ دَخَلَ بِنَفْسِهِ نُقِضَ أَيْضًا، وَلَزِمَ صَاحِبَ الْفَصِيلِ أَرْشُ النَّقْصِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. ثَانِيهِمَا: لَا أَرْشَ عَلَيْهِ. قاله في حياة الحيوان (٥).

стр. 3235

قوله: في آخر الحديث عن سعيد بن يسار مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل. قوله: وعن أبي برزة الأسلمي أبو برزة اسمه نضلة بن عبد الحارث وقيل نضلة بن عبد الله وقيل عبد الله بن نضلة من بني سلامي بفتح السين بن أسلم الأسلمي وفي نسبه خلاف أسلم قديمًا ومات بمرو وقيل بالبصرة وقيل بالمفازة بين سجستان وهراة سنة ستين أو أربع وستين (١). قوله ﷺ : "إن العبد ليتصدق بالكسوة تربوا عند الله حتى تكون مثل أحد" تقدم تفسيره وأحد اسم جبل بالمدينة معروف (٢). ١٢٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ليدْخل باللقمة الْخبز وقبضة التَّمْر وَمثله مِمَّا ينْتَفع بِهِ الْمِسْكِين ثَلَاثَة الْجنَّة رب الْبَيْت الْآمِر بِهِ وَالزَّوْجَة تصلحه وَالْخَادِم الَّذِي يناول الْمِسْكِين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ الْحَمد لله الَّذِي لم ينس خدمنا، رَوَاهُ الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَاللَّفْظ لَهُ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله. القبضة بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَإِسْكَان الْبَاء وبالصاد الْمُهْملَة هُوَ مَا يتَنَاوَلهُ الْآخِذ برؤوس أنامله الثَّلَاث. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: ﷺ "إن الله ليدخل باللقمة الخبز وقبضة التمر ومثله مما ينتفع به

стр. 3236

المسكين ثلاثة الجنة رب البيت الأمر به" الحديث رب البيت يعني المالك والقبضة قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال: هو ما يتناوله الأخذ يدًا ويراد أنامله الثلاث. ١٢٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله . رَوَاهُ مسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ مَالك مُرْسلا. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة أيضًا. قوله: ﷺ "ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا". ولبعض الفضلاء في ذلك (١): لا تقطعن عادة برّ ولا ... تجعل عقاب المرء في رزقه واعف عن الذنب فإن الذي ... نرجوه عفو الله عن خلقه وإن بدا من صاحب زلة ... فلا تعاتبه في ذاك واستبقه فإن قدر الذنب من مسطح ... يحط قدر النجم من أفقه وقد بدا منه الذي قد بدا ... وعوتب الصديق في حقه ا. هـ. قوله: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" الحديث سيأتي الكلام على التواضع في بابه. ١٢٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ يرفعهُ قَالَ مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا مد عبد يَده بِصَدقَة إِلَّا ألقيت فِي يَد الله قبل أَن تقع فِي يَد السَّائِل وَلَا فتح

стр. 3237

عبد بَاب مَسْأَلَة لَهُ عَنْهَا غنى إِلَّا فتح الله لَهُ بَاب فقر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١). وروي عن ابن عباس تقدم الكلام عليه. قوله: ﷺ "ما نقصت صدقة من مال وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل" تقدم الكلام على يد الله في أول الباب مبسوطًا. قوله: "ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر" المراد بذلك سؤال الناس إذا كان له غنى عن السؤال. ١٢٧١ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله قبل أَن تَمُوتُوا وَبَادرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة قبل أَن تشْغَلُوا وصلوا الَّذِي بَيْنكُم وَبَين ربكُم بِكَثْرَة ذكركُمْ لَهُ وَكَثْرَة الصَّدَقَة فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة تُرْزَقُوا وَتنصرُوا وَتجبرُوا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي حَدِيث تقدم فِي الْجُمُعَة (٢). ١٢٧٢ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنهم ذَبَحُوا شَاة فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا بَقِي مِنْهَا قَالَت مَا بَقِي مِنْهَا إِلَّا كتفها قَالَ بَقِي كلهَا غير كتفها" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ

стр. 3238

حَدِيث حسن صَحِيح وَمَعْنَاهُ أَنهم تصدقوا بهَا إِلَّا كتفها (١). قوله: وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة. قوله: "إنهم ذبحوا شاة" فقال النبي ﷺ : "ما بقي منها" قالت ما بقي منها إلا كتفها قال: "بقي كلها" الحديث هذا استفهام بمعنى ما تصدقت فهو باق عندك فهو غير فان كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢) ا. هـ قال الحافظ: (٣) معناه أنهم تصدقوا بها إلا كتفها ا. هـ، وقال: غيره معناه أي بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها. ١٢٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول العَبْد مَالِي مَالِي وَإِنَّمَا لَهُ من مَاله ثَلَاث مَا أكل فأفنى أَو لبس فأبلى أَو أعْطى فاقتنى مَا سوى ذَلِك فَهُوَ ذَاهِب وتاركه للنَّاس رَوَاهُ مُسلم (٤). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه أيضًا. قوله: ﷺ "يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فأبقى ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس"، قوله: أو أعطى فاقتنى (اقتنى) بمعنى: ادخر، يعني: ما تصدق به يكون له ذخيرة يوم القيامة (٥).

стр. 3239

١٢٧٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّكُم مَال وَارثه أحب إِلَيْهِ من مَاله قَالُوا يَا رَسُول الله مَا منا أحد إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ قَالَ فَإِن مَاله مَا قدم وَمَال وَارثه مَا أخر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: عن ابن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود. قوله: ﷺ "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر". قوله: "فإن ماله ما قدم" أي على موته بأن صرفه في حياته في مصارف الخير (٢) "ومال وارثه ما أخر"، أي: ما أخره من المال الذي يتركه ولا يتصدق منه حتى يموت (٣). ١٢٧٥ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بَينا رجل فِي فلاة من الأَرْض فَسمع صَوتا فِي سَحَابَة اسْقِ حديقة فلَان فَتنحّى ذَلِك السَّحَاب فأفرغ مَاءَهُ فِي حرَّة فَإِذا شرجة من تِلْكَ الشراج قد استوعبت ذَلِك المَاء كله فتتبع المَاء فَإِذا رجل قَائِم فِي حديقة يحول المَاء بمسحاته فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله مَا اسْمك قَالَ فلَان للاسم الَّذِي سمع فِي السحابة فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله لم سَأَلتنِي عَن اسْمِي قَالَ سَمِعت فِي السَّحَاب الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُول اسْقِ حديقة فلَان لاسمك فَمَا تصنع فِيهَا قَالَ أما إِذْ قلت هَذَا فَإِنِّي أنظر إِلَى مَا يخرج مِنْهَا

стр. 3240

فأتصدق بِثُلثِهِ وآكل أَنا وعيالي ثلثه وأرد ثلثه رَوَاهُ مُسلم. (١) الحديقة الْبُسْتَان إِذا كانَ عَلَيْهِ حَائِط. الْحرَّة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء الأرْض الَّتِي بهَا حِجَارَة سود. والشرجة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء بعْدهَا جِيم وتاء تَأْنِيث مسيل المَاء إِلَى الأرْض السهلة. والمسحاة بِالسِّين والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ المجرفة من الْحَدِيد. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ج: "بينا رجل في فلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان" الفلاة: الأرض المنقطعة عن الماء والحديقة البستان إذا كان عليه حائطا. هـ. ويقال: للقطعة من النخيل حديقة وإن لم يكن محاطا بها، والجمع الحدائق (٢). قوله فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة معنى تنحى قصد يقال: تنحيت الشيء وانتحيته ونحوته إذا قصدته ومنه سمي علم النحو لأنه قصد لكلام العرب (٣) والحرة قد ضبطها الحافظ (٤) وفسرها وهي الأرض التي بها حجارة سود ا. هـ.

стр. 3241

قوله: "فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله" الشرجة مسيل الماء إلى الأرض وقد ضبطها الحافظ وفسرها (١) قوله: "يحول الماء بمسحاته" قد ضبط الحافظ المسحاة وفسرها هي المجرفة من الحديد ا. هـ. قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي قال: علماؤنا لما لم يكن من هذه الدنيا بد كان المأخوذ منها القوت كما قال: المقدام بن معد كرب قال: رسول الله ﷺ "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لَا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (٢) كما حكى عن بعض السلف وقد سئل عن سبب توبته فقال: كنت رجلا دهقانا واجتمع علي في ليلة ثلاثة أشغال كان لي زرع وكانت ليلتي في الماء وكان لي حمار فضاع مني وكان لي فقة في الطاحون ومتى اشتغلت بواحدة منها فأتني ما سواها وكانت ليلة الجمعة وكان بيني وبينها مسافة متى توجهت إليها فأتني الجميع فرجحت رواحي إلى الجمعة وتركت الجميع فلما رجعت من الجمعة وجدت الزرع قد سقي والحمار على المعلف والمرأة تغربل الدقيق فقلت ما أصدق من قال: من أصلح أمره مع الله أصلح الله له جميع أموره (٣) ا. هـ.

стр. 3242

١٢٧٦ - وَعَن عدي بن حَاتِم ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه الله لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا مَا قدم فَينْظر أشأم مِنْهُ فَلَا يرى إِلَّا مَا قدم فَينْظر بَين يَدَيْهِ فَلا يرى إِلَّا النَّار تِلْقَاء وَجهه فَاتَّقُوا النَار وَلَو بشق تَمْرَة" وَفِي رِوَايَة من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يسْتَتر من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَلْيفْعَل، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: وعن عدي بن حاتم الصحابي هو أبو طريف وقيل أبو وهب عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس بن عدي بن ربيعة بن جرول بفتح الجيم وإسكان الراء بن ثعل بضم المثلثة وفتح العين المهلمة بن يعرب بن قحطان الطائي الكوفي الصحابي وأبوه حاتم هو المشهور بالكرم قال: ابن الأعرابي (٢) كان حاتم من شعراء الجاهلية وكان جوادًا يشبه جوده شعره يصدق قوله فعله وكان حيثما نزل عرف منزله بحومان الطير على منازله لكثرة خيره وذبائحه قدم عدي على رسول الله ﷺ في شعبان سنة تسع من الهجرة فأسلم وكان نصرانيًا روي له عن رسول الله ﷺ ستة وستون حديثا اتفقا منها على ثلاثة وانفرد مسلم بحدثين نزل الكوفة وتوفي بها سنة تسع وستين وقيل ثمان وهو ابن مائة وعشرين سنة قال: ابن قتيبة وكان عدي طويلا إذا ركب الفرس كادت دجله تخط الأرض وشهد مع علي الجمل ثم

стр. 3243

صفين ولما توفي رسول الله ﷺ قدم على أبي بكر في وقت الردة بصدقة قومه وثبت على الإسلام وثبت معه قومه فلم يرتدوا فيمن ارتد من العرب وكان جوادا شريفا في قومه معظما عندهم وعند غيرهم حاضر الجواب وكان رسول الله ﷺ يكرمه إذا دخل عليه وشهد فتوح العراق زمن عمر فحضر وقعة القادسية ووقعة مهران وحضر أبو عبيدة وغير ذلك وكان مع خالد بن الوليد حين سار إلى الشام وشهد معه بعض فتوحه وكان عدي يفت الخبز للنمل ويقول إنهن جارات ولهن حق ومناقبه كثيرة (١). لطيفة غريبة: أدرك عدي وسفانة الإسلام فأسلما وروى أن سفانه ابنت حاتم (٢) حضرت بين يدي رسول الله ﷺ فقالت: يا محمد هلك الوالد وغاب الواجد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي الأعداء من أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه كان يفك العاني ويحمي الدمار ويفرج عن المكروب ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يطلب إليه أحد قط حاجة إلا قضاها أن ابنة حاتم الطائي فقال: سيدنا رسول الله ﷺ يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ا. هـ. قوله: ﷺ "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان" الترجمان: بفتح التاء وضمها وهو المعبر عن لسان بلسان وقال: ابن الأثير (٣)

стр. 3244

هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى والجمع والتاء والنون زائدتان ا. هـ كزعفران جمعه زعافر. قوله ﷺ : "فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه" أيمن منه وأشأم منه كلاهما منصوب على الظرف ويعني بهما يمينه وشماله مأخوذ من اليد اليمنى والشؤمى (١) ومنه قولهم لليد الشمال الشؤمى تأنيت الأشأم يعني [إذا كلم الله سبحانه عبدا من عباده، فقد تحير في ذلك الموطن بحيث لَا مهرب له ولا نصير، فإذا نظر إلى يمينه وشماله، فلا يرى إلا العمل، وإذا نظر إلى بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه (٢)]. قوله ﷺ : "فاتقوا النار ولو بشق تمرة" وشق التمرة بكسر الشين نصفها وجانبها وشق كل شيء نصفه وجانبه (٣) والمعنى لا تستقلوا من الصدقة ولو كان نصف تمرة (٤) وفيه دليل على أن الصدقة وقاية للمتصدق من النار قال: في الأحياء (٥) في كتاب ترتيب الأوراد وكانوا يكرهون أن ينقضي اليوم ولم يتصدقوا ولو بتمرة أو بصلة أو كسرة خبز لقوله "اتقوا النار ولو بشق

стр. 3245

تمرة" والمعنى لا تستقلوا من الصدقة شيئًا ولو كان نصف تمرة والمراد من قوله: "ولو بشق تمرة" يريد أن نصف التمرة يسد رمق الجائع كما يورث الشبعان كظة على وقاحته (١) وفيه الحث على الصدقة وأنه لا يمتنع منها لقلتها وإن قلتها سبب للنجاة من النار (٢) والله أعلم. ١٢٧٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ليق أحدكُم وَجهه النَّار وَلَو بشق تَمْرَة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح (٣). قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ليق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة" تقدم الكلام على ذلك. ١٢٧٨ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا عَائِشَة استتري من النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِنَّهَا تسد من الجائع مسدها من الشبعان رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (٤).

стр. 3246

وقوله وعن عائشة ﵂ تقدم الكلام على عائشة. قوله: ﷺ "استتري من النار ولو بشق تمرة" أي نصف تمرة يريد أن لَا تستقلوا من الصدقة شيئًا والله أعلم. قوله: "تسد من الجائع مسدها من الشبعان فإنها تقع من الجائع موقعها من الشبعان" قيل أراد أن شق التمرة لَا يتبين له كبير موقع من الجائع إذا تناوله كما لا يتبين على شبع الشبعان إذا أكل فلا تعجزوا أن تتصدقوا به قيل لأنه يسأل هذا شق تمرة وهذا شق تمرة ثالتا ورابعا فيجتمع له ما يسد به جوعته (١) والله أعلم. قال أبو عبد الله الحليمي (٢) رحمه الله تعالى: لصدقة التطوع شرائط منها: أن تكون من فضل المال فأما من كان ماله مستغرقًا حاجته فلا ينبغي له أن يتصدق [بماله] على غيره ويحرم نفسه وهكذا إن كان له عيال فلا ينبغي له أن يتصدق بماله ويذر عياله ولا ينبغي أن يتصدق بجميع ماله ويحوج نفسه إلى غيره قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٣) قال ابن عباس (٤): العفو الفضل عن العيال وقال أبو هريرة قال رسول الله

стр. 3247

- ﷺ : "خير الصدقة ما أبقت غنى" (١) وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة ومنها: "أَنَّهُ إِذَا تَصَدَّقَ بَدَأَ بِذَوِي أَرْحَامِهِ"، أي أقربائه سواء الوارث وغيره "وَلَا يُمَيِّزُ فِيهَا بَيْنَ الْوَاصِلِ وَالْقَاطِعِ، بَلْ يَبْدَأُ بِذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ" (٢) أي المضمر العداوة في باطنه (٣) وفي ذلك أحاديث كثيرة وردت بذلك، ومنها أنه إن فضل عن ذوي قرابته فضل آثر الجيران فإن فضل عنهم شيء صرفه إلى المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافًا" وفي ذلك أحاديث كثيرة، ومنها أن لا يحصي ما يتصدق به فيعرض ذلك على قلبه ويثبته كما يثبت حساب تجارته (٤) وعن عائشة ﵂ قالت: جاء سائل فأخرجت له الخادم شيئًا فقالت لا تخرجي الشيء إلا بعلمي فقال رسول الله: ﷺ "لا تحصي فيحصي الله عليك" (٥) وفي ذلك أحاديث كثيرة، ومنها "أن يخفي الصدقة ولا يتحدث بها" (٦) قال: الله

стр. 3248

تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (١) الآية وقوله: ﷺ "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها" (٢) الحديث قال: الحليمي ومعنى ذلك أنها إذا لم تكن واجبة جرى فيها الرياء عند الإبداء وإذا أخفيت كانت من الرياء أبعد (٣). حكاية: قال: بعض العارفين (٤) ولقد وشى ببعض شيوخنا بالمغرب عند السلطان بأمر فيه حتفه وكان أهل البلد قد أجمعوا على ما وشي به وما قيل فيه مما يؤدى إلى هلاكه فأمر السلطان نائبه أن يجمع الناس ويحضر هذا الرجل فإن أجمعوا على ما قيل فيه أمر الوالي أن يقتله وإن قيل غير ذلك خلى سبيله فجمع الناس لميقات يوم معلوم وعرفوا ما جمعوا له وكلهم على لسان واحد أنه فاسق يجب قتله بلا مخالفة فلما جيء بالرجل مر في طريقه بخباز فأخذ منه نصف رغيف فتصدق به من ساعته فلما وصل إلى المحفل وكان الوالي من أكبر أعدائه أقيم في الناس وقيل لهم ما عندكم في هذا الرجل وما تقولون فيه وسموه فما بقي أحد من الناس إلا قال: هذا عدل رضي عن آخرهم فتعجب الوالي من قولهم خلاف ما يعلمه منهم وما كانوا يقولونه فيه قبل حضوره فعلم أن الأمر إلهى والشيخ يضحك فقال الوالي لم تضحك فقال: من صدق رسول الله ﷺ تعجبا به إيمانا به والله ما من أحد من

стр. 3249

هذه الجماعة إلا ويعتقد في خلاف ما شهد به وأنت كذلك وكلكم علي لَا لي فتذكرت النار فرأيتها أقوى غضبا منكم وتذكرت نصف رغيف فرأيته أكبر من نصف تمرة وسمعت عن رسول الله ﷺ يقول "اتقوا النار ولو بشق تمرة" فعليك يا أخي بالصدقة فإنها تطفيء غضب الرب ولها ظل يوم القيامة. ١٢٧٩ - وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ على أَعْوَاد الْمِنْبَر يَقُول اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَإِنَّهَا تقيم العوج وتدفع ميتَة السوء وَتَقَع من الجائع موقعها من الشبعان رَوَاهُ أَبُو يعلى (١) وَالْبَزَّار وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن أنس وَأبي هُرَيْرَة وَأبي أُمَامَة والنعمان بن بشير وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ (٢).

стр. 3250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3251

وروي عن أبي بكر الصديق تقدم الكلام عليه ﵁. قوله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء" الحديث أي ادفعوا النار عن أنفسكم بالخيرات من الصيام والصدقة ولو بنصف تمرة فإنه أيضا يدفع النار عن صاحبه، قال أبو سليمان الخطابي: الميتة بكسر الميم الحال السيئة يقال: مات فلان ميتة حسنة ومات فلان ميتة سيئة كما قالوا حسن القعدة والجلسة والركبة والمشية إذا ارادوا بها الحال والهيئة والاسم (١) ا. هـ.

стр. 3252

وقال غيره: ميتة السوء جميع الأوجاع والهرم والفقر وأراد بميتة السوء ما لَا تحمد عاقبته ولا توثق غائلته من الحالات التي يموت عليها الإنسان عند الموت كالفقر المدقع والوصب الموجع وغيرهما (١) والظاهر أن المراد من ميتة السوء الموت على حالة مكروهة كالموت بتمزيق السباع ونهش الحيات أو ما قارب ذلك والله أعلم. ١٢٨٠ - وَعَن جَابر ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لكعب بن عجْرَة يَا كعْب بن عجْرَة الصَّلاة قرْبَان وَالصِّيَام جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كمَا يطفئ المَاء النَّار يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فبائع نَفسه فموثق رقبته ومبتاع نَفسه فِي عتق رقبته رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح. (٢)

стр. 3253

قوله: عن جابر تقدم الكلام على جابر. ١٢٨١ - وَعَن كعْب بن عجْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم وَدم نبتا على سحت النَّار أولى بِهِ يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فغاد فِي فكاك نَفسه فمعتقها وغاد فموثقها يَا كعْب بن عجْرَة الصَّلاة قرْبَان وَالصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كمَا يذهب الجليد على الصَّفَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: ﷺ لكعب بن عجرة "أنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به" السحت الحرام. قوله: ﷺ "لكعب بن عجرة يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصيام جنة

стр. 3254

والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار يا كعب بن عجرة الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموثقها" فبائع نفسه فموبق رقبته ومبتاع نفسه في عتق رقبته، معناه أن كل إنسان يسعى بنفسه فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى بإتباعها فيوبقها أي يهلكها بسخط الله (١). قوله: عن كعب بن عجرة (وعجرة بضم العين، هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق كعب بن عجرة بن أمية بن عدى بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مرى بن أراشة بن عامر بن عبيلة بن قسميل بن قران بن بلى حليف الأنصار. تأخر إسلامه، وشهد بيعة الرضوان وغيرها. روى له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وطارق بن شهاب، وأبو وائل، وابن أبي ليلى، وبنوه إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع أولاد كعب، وزيد بن وهب، والشعبى، وغيرهم، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢)، سكن الكوفة، وتوفى بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله سبع

стр. 3255

وسبعون، وقيل: خمس وسبعون سنة (١). قوله: ﷺ "والصدقة تطفيء الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا" (الجليد ما سقط من الصقيع فجمد وقيل هو الماء الجامد من البرد وقوله الصفا في الأصل جمع صفاة، قال الزجاج: الصفا في اللغة: الحجارة الصلبة الصلدة التي لَا تنبت شيئا، وقيل هي الصخرة والحجر الأملس (٢)). ١٢٨٢ - وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ كنت مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِيهِ ثمَّ قَالَ يَعْني النَّبِي ﷺ أَلا أدلك على أَبْوَاب الْخَيْر قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ الصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفئ الْخَطِيئَة كَمَا يطفئ المَاء النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيت حسن صَحِيح (٣) وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الصمت وَهُوَ عِنْد ابْن حبَان من حَدِيث جَابر (٤) في حَدِيث يَأْتِي فِي كتاب الْقَضَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ١٢٨٣ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الصَّدَقَة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتَة السوء" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيت حسن غَرِيب (٥) وروى ابْن الْمُبَارك فِي كتاب

стр. 3256

الْبر شطره الأخير وَلَفظه إِن الله ليدرأ بِالصَّدَقَةِ سبعين بَابا من ميتَة السوء (١) يدْرَأ بِالدَّال الْمُهْملَة أَي يدْفع وَزنه وَمَعْنَاهُ. قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام على أنس. قوله: ﷺ "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء" فيه الحث على الصدقة والترغيب فيها وقد جاء في الحديث أن الصدقة والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض أي يتصارعان ويتدافعا والمراد منه أن الله تعالى إذا أنزل البلاء بعبده فتصدق صحدت الصدقة فإذا صادفت البلاء نازلا منعته من الوصول، وروى أبو الليث السمرقندى (٢) أن قصارا في زمن عيسى ﵇ كان يمزق على الناس أقمشتهم فسألوا عيسى ﵇ أن يدعو عليه فدعا عليه بالهلاك فبينما هم عند غروب الشمس إذا القصار قد دخل ورزمته على رأسه فعجبوا من ذلك وأتوا عيسى ﵇ فطلبه فحضر برزمته فقال: أفتح رزمتك ففتحها فإذا فيها ثعبان عظيم مطوق وقد ألجم بلجام من حديد فقال له عيسى ﵇: ما صنعت اليوم من الخير؟ فقال: لم أصنع شيئا غير أن رجلا نزل إلي

стр. 3257

من صومعته أي موضعه الذي يتعبد فيه فشكى الجوع فدفعت إليه رغيفا كان معي فقال: عيسى علسه السلام إن الله بعث هذا الثعبان إليه فلما تصدق أمر الله تعالى ملكا فألجمه بهذا اللجام والله أعلم. حكاية: وعن معمر قال: وحدثني شيخ لنا أن امرأة جاءت إلى بعض أزواج النبي ﷺ ، فقالت لها: ادعي الله أن يطلق لي يدي، قالت: وما شأن يدك؟ قالت: كان لي أبوان، فكان أبي كثير المال كثير المعروف كثير الفضل - أو قالت: كثير الصدقة - ولم يكن عند أمي من ذلك شيء، لم أرها تصدقت بشيء قط، غير أنا نحرنا بقرة، فأعطت مسكينا شحمة في يده، وألبسته خرقة، فماتت أمي، ومات أبي، فرأيت أبي على نهر يسقي الناس، فقلت: يا أبتاه، هل رأيت أمي؟ قال لَا، أو ماتت؟ قالت: قلت: ثعم، قالت: فذهبت ألتمسها فوجدتها قائمة عريانة ليس عليها إلا تلك الخرقة، وتلك الشحمة في يدها وهي تضرب بها على يدها الأخرى، ثم تمص أثرها، وتقول: واعطشاه، فقلت لها: يا أمه، ألا أسقيك؟ قالت: بلى، فذهبت إلى أبي، فأخذت إناء من عنده، فسقيتها منه، فنبذني بعض من كان عنده قائما، فقال: من سقاها أشل الله يده، قالت: فاستيقظت وقد شلت يدي (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين بابا من ميتة السوء" قد ضبط الحافظ (٢) الدرء وفسره بالدفع وزنه ومعناه.

стр. 3258

تتمة: حديث أنس: وروى ابن المبارك شطره الأخير ولفظه "إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين بابا من ميتة السوء" يدرأ بالدال المهملة أي يدفع وزنه ومعناه ا. هـ، واعلم ان النبي ﷺ حث على الصدقة قبل أن يمر الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها ففي صحيح مسلم (١) من حديث حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن، فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها" السبب المقتضي لعدم قبول الصدقة إذ ذاك ما يخرجه الله تعالى من كنوز الأرض فلا يجد الإنسان من يقبل صدقته ففيه الحث على المبادرة بالصدقة واغتنام مكانها قبل تعذرها ففي ذلك الزمان تظهر الكنوز ويقل الناس بعد هلاك يأجوج ومأجوج (٢) ونبه بذكر الذهب على أن غير الذهب من باب أولى أن لا يقبل ثم روى مسلم (٣) في صحيحه عقبه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلَاذَ كبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا".

стр. 3259

(قوله) "في هذا قطعت" أي بسببه. قال: القرطبي (١) الذي تخرجه الأرض من كنوزها هو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ (٢) أي كنوزها في أحد التفسيرين وقيل موتاها ا. هـ. وذكر ابن حزم الطبري (٣): أن في بحيرة طبرية سبعمائة موفرة بالذهب والجوهر لا تقوم الساعة حتى تظهر بسبب انحسار الماء عنها، وفي حديث آخر "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب" (٤) يحسر أهو بفتح الياء، المثناة تحت وكسر السين أي ينكشف لذهاب مائه (٥) يقال: حسرت العمامة عن رأسى والثوب عن بدني أي كشفتها ومنه أيضا حسرت المرأة عن وجهها أي كشفت والحاسر الذي لا سلاح عليه (٦) وروى مسلم أيضا في صحيحه (٧) عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لَا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة، يلذن به، من قلة الرجال وكثرة

стр. 3260

النساء حتى يطوف بالرجل الواحد أربعين إمرأة" السبب في ذلك كثرة القتل كما أخبر به في الحديث الثابت في أشراط الساعة وأن يكثر الهرج والمراد به القتل والمراد بأربعين امرأة أقارب الإنسان وقوله: "يلذن به" أي ينتمين إليه (١) قاله ابن عقيل في شرح الأحكام ا. هـ. ١٢٨٤ - وَعَن أبي كبْشَة الْأَنمَارِي ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ثَلاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلَا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده الله عزا وَلَا فتح عبد بَاب مَسْألة إِلَّا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نَحْوهَا وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه الله مَالا وعلما فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ ربه ويصل فِيهِ رَحمَه وَيعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بِأَفْضَل الْمنَازل وَعبد رزقه الله علما وَلم يرزقه مَالا فَهُوَ صَادِق النِّيَّة يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فأجرهما سَوَاء وَعبد رزقه الله مَالا وَلم يرزقه علما يخبط فِي مَاله بِغَيْر علم وَلَا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلَا يصل فِيهِ رَحمَه وَلَا يعلم لله فِيهِ حَقًا فَهَذَا بأخبث الْمنَازل وَعبد لم يرزقه الله مَالا وَلَا علما فَهُوَ يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت فِيهِ بِعَمَل فلَان فَهُوَ بنيته فوزرهما سَوَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (٢).

стр. 3261

قوله وعن أبي كبشة الأنماري تقدم الكلام عليه وعلى تفسير الحديث في أوائل الكتاب. ١٢٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ ضرب رَسُول الله ﷺ مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان من حَدِيد قد اضطرت أَيْدِيهِمَا إِلَى ثديهما وتراقيهما فَجعل الْمُتَصَدّق كلما تصدق بِصَدقَة انبسطت عَنهُ حَتَّى تغشى أنامله وَتَعْفُو أَثَره وَجعل الْبَخِيل كلما هم بِصَدقَة قلصت وَأخذت كل حَلقَة بمكانها قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأَنا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَقُول بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا فِي جيبه يوسعها وَلَا تتوسع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه مثل الْمُنفق الْمُتَصَدّق والبخيل كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان أَو جنتان من حَدِيد من لدن ثديهما إِلَى تراقيهما فَإِذا أَرَادَ الْمُنفق أَن ينْفق اتسعت عَلَيْهِ الدرْع أَو مرت حَتَّى تجن بنانه وَتَعْفُو أَثَره فَإذا أَرَادَ الْبَخِيل أَن ينْفق قلصت ولزمت كل حَلقَة موضعهَا حَتَّى أخذت بترقوته أَو بِرَقَبَتِهِ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أشهد أَنه رأى رَسُول الله ﷺ يوسعها وَلَا تتسع (١) الْجنَّة بِضَم الْجِيم وَتَشْديد النُّون كل مَا وقى الإِنْسَان ويضاف إِلَى مَا يكون مِنْهُ التراقي جمع ترقوة بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا لحن وَهُوَ الْعظم الَّذِي يكون بَين ثغرة نحر الإِنْسَان وعاتقه وقلصت بِفَتْح الْقَاف وَاللَّام أَي انجمعت وتشمرت وَهُوَ ضد استرخت وانبسطت والجيب هُوَ الْخرق الَّذِي يخرج الإِنْسَان مِنْهُ رَأسه فِي الثَّوْب وَنَحْوه.

стр. 3262

قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: ضرب رسول الله ﷺ "مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد" وفي رواية النسائي (١) "عليهما جبتان أو جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما" الجنة قد ضبطها الحافظ وفسرها (٢) فقال: كل ما وقى الإنسان أي ستره كالدرع. قوله: "من لدى ثديهما إلى تراقيهما" الحديث، لدى ظرف مكان بمعنى عند وفيه لغات إلا أنه أقرب مكانا من عند وأخص منه فإن عند يقع على المكان وغيره تقول لي عند فلان مال أي في ذمته ولا يقال ذلك في لدن (٣) والله أعلم. قوله: ثديهما بضم المثلثة جمع ثدي نحو الفلوس والفلس والتراقي جمع الترقوة بفتح التاء وضمها وهي العظم الذي يكون بين نقرة نحر الإنسان وعاتقه قاله النووي (٤) وقال: عياض (٥) الترقوة كل واحد من العظمين الذين بين نقرة النحر والعاتق ومنه لَا يجاوز تراقيهم وإلى تراقيهما. قوله: ﷺ "فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى

стр. 3263

أنامله وتعفو أثره" أي تمحوه أثر مشيه لطولها (١). قوله: ﷺ "وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها" وقلصت قد ضبطها الحافظ (٢) وفسرها فقال: أي انجمعت وتشمرت وهو ضد استرخت وانبسطت. قوله: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بأصبعه هكذا في جيبه يوسعها ولا تتوسع، والجيب قد فسره الحافظ (٣) ﵀ فقال: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه وفي هذا دليل على لباس القميص وكذا ترجم عليه البخاري (٤) ﵀ باب جيب القميص من عند الصدر لأنه المفهوم من لباس النبي ﷺ في هذه القصة مع أحاديث صحيحة جاءت به (٥). قوله ﷺ في رواية النسائي "فإذا أراد المنفق أن ينفق اتسعت عليه أو مرت به حتى تجن بنانه" بالجيم والنون وفي رواية "حتى تخفى" بالخاء المعجمة وفي رواية "حتى تغشى أنامله" ومعنى تجن أي تستر وتغطي (٦) وبه سمي الجني من الجنة لاستتارهم عن الناس وجن الليل وجن عليه الليل وجنه واجنة إذا أظلم عليه فستره والجنة منه لأن شجرها ستر أرضها وداخلها

стр. 3264

وجمعه جنات وجنان (١) ا. هـ. وقوله: أثره بفتح الهمزة المثلثة وكسر الهمزة وسكون المثلثة لغتان (٢) والبنان بفتح الموحدة أطراف الأصابع من الرجلين واليدين الواحدة بنانة ويقال: للأصابع بنانة وهو مشتق من ابن الرجل المكان إذا قام فيه فالبنان تلزم ما تقبض غليلا وقال: الزجاج (٣) البنان الأصابع وغيرها من الأعضاء حكاه في التحصيل (٤) في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٥) وقال الجوهري (٦): أبَنّ بالمكان: أقام به، ثم قال بعده: والبنانة واحدة البنان وهي أطراف الأصابع وجمع القلة بنانات ويقال بنانة مخضب لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فإنه يوحد ويذكر وقال الزجاج (٧): والبَنان بِهِ يُعْتمل كُلّ مَا يكون للإقامة والحياة. قاله في الحواشي، قوله: "وتعفو أثره" بفتح الهمزة والمثلثة وكسر الهمزة وسكون المثلثة لغتان ومعنى وتعفو أثره أي تمحو أثر مشيه لسبوغها وطولها وإسبال ذيلها والسابغ الكامل وهو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق ويحتمل هو تمثيل لكثرة الجود والبخل فإن المعطي إذا

стр. 3265

أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعود ذلك وإذا أمسك صار ذلك عادة له وقيل معنى تمحو أثره أي تذهب بخطاياه وتمحوها والله أعلم (١) ومعنى الحديث: أن الموفق إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعته نفسه وانبسطت بالعطاء يداه كالذي لبس درعًا فاسترسلت عليه وأخرج منها يديه فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه فحصنته، وأنَّ البخيل إذا أراد الإنفاق حرج به صدره واشمأزت عنه نفسه وانقبضت عنه يداه كالذي أراد أن يستجن بالدرع وقد غلت يداه إلى عنقه فحال ما ابتلي به بينه وبين ما يبتغيه فلا يزيده لبسها إلا ثقلا والتزاما في العنق وأخذا بالترقوة هكذا قاله في الميسر في شرح مشارق الأنوار (٢). ١٢٨٦ - وَعَن مَالك ﵀ أَنه بلغه عَن عَائِشَة ﵂ أَن مِسْكينا سَأَلَهَا وَهِي صَائِمَة وَلَيْسَ فِي بَيتهَا إِلَّا رغيف فَقَالَت لمولاة لَهَا أعطيها إِيَّاه فَقَالَت لَيْسَ لَك مَا تفطرين عَلَيْهِ فَقَالَت أعطيها إِيَّاه قَالَت فَفعلت فَلَمَّا أمسينا أهْدى لَهَا أهل بَيت أَو إِنْسَان مَا كَانَ يهدي لَهَا شَاة وكفنها فدعتها عَائِشَة فَقَالَت كلي من هَذَا خير من قرصك (٣). ١٢٨٧ - قَالَ مَالك وَبَلغنِي أَن مِسْكينا استطعم عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَبَين يَديهَا عِنَب فَقَالَت لإِنْسَان خُذ حَبَّة فأعطه إِيَّاهَا فَجعل ينظر إِلَيْهَا

стр. 3266

ويعجب فَقَالَت عَائِشَة ﵂ أتعجب كم ترى فِي هَذِه الْحبَّة من مِثْقَال ذرة ذكره فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا بلاغا بِغَيْر سَنَد. (١) قَوْله وكفنها أَي مَا يَسْتُرهَا من طَعَام وَغَيره. قوله: وعن مالك مناقب الإمام مالك معروفة مشهورة قال: أرباب السير وقع في زمان الإمام مالك واقعة غريبة وهي أن إمرأة غسلت إمرأة ميتة ثم ضربت بيدها على فرجها وقالت لها قاتلك الله ما كان أزناك فلصقت يد الغاسلة على فرج الميتة وتحير الناس في خلاصها فسألوا مالكا فقال هذه الغاسلة قذفت الميتة فخذوا منها حد القذف فأخذوا منها حد القذف فخلصت يدها (٢). قوله: أنه بلغه عن عائشة أن مسكينًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا

стр. 3267

رغيف فقالت لمولاة لها أعطه إياه إلى أن قال: وقال: ما لك وبلغني أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويحجب فقالت عائشة أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة وكانوا لَا يردون السائل إذ كانت هذه أخلاق رسول الله ﷺ ما سأله قط أحد شيئا فقال لَا لكنه ألا يقدر على شيء سكت ذكره في الموطأ تقدم الكلام على المسكين والفقير والاختلاف فيهما. قوله: فلما أمسينا أهدى لها أهل بيت شاة وكفنها (١) أي ما يسترها من طعام وغيره قاله الحافظ (٢)، وقال: في النهاية (٣) أي ما يغطيها وقيل ما يغطيها من (الرُّغْفان). قوله ذكره في الموطأ: وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن كتاب مالك فقال: ما أحسنه لمن تدين به (٤)، وقال: الإمام الشافعي إذا جاء الحديث عن مالك فأشدد يديك به (٥)، وقال: مالك شاورني الخليفة هارون الرشيد في ثلاثة أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه وفي أن ينقض منبر رسول الله ﷺ ويجعله من جوهر وذهب وفضة وفي أن يقدم نافع بن أبي نعيم إماما

стр. 3268

يصلي بالليل في مسجد رسول الله ﷺ فقلت يا أمير المؤمنين أم تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الأفاق وكل مجتهد مصيب وأما نقض منبر رسول الله ﷺ واتخاذك إياه من جوهر وذهب فضة فإني لَا أرى أن تحرم الناس أثر رسول الله ﷺ وأما تقديمك نافعا فإن نافعا إمامًا في القراءة فلا يؤمن أن تندر منه في المحراب فتحفظ عليه فقال الرشيد وفقك الله يا أبا عبد الله (١) وقال: للشافعي ما في الأرض كتاب من علم أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس (٢) انتهى قاله في مجمع الأحباب. روى البيهقي في الشعب (٣) من حديث صالح المري عن الحسن بن أنس أن سائلا أتى النبي ﷺ فأعطاه تمرة فقال: السائل سبحان الله نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة فقال: النبي ﷺ أو ما علمت أن فيها مثاقيل ذر كبير ثم أتاه أخر فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي من الأنبياء لَا تفارقني هذه التمرة ما بقيت ولا أزال أرجو بركتها أبدا فأمر له النبي ﷺ بمعروف وفي رواية [قال للجارية] اذهبي إلى أم سلمة فمريها فلتعطه الأربعين درهما التي عندها قال: أنس فما لبث الرجل أن استغنى وأعطى سعد بن أبي وقاص سائلا تمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد يا هذا إن الله قد قبل منا مثاقيل الذر وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التميمي عند النبي ﷺ فقال: حسبي لَا أبالي أن لا أسمع غيرها وسمعها رجل عند الحسن فقال انتهت الموعظة فقال:

стр. 3269

الحسن فقه الرجل (١) والذرة نملة حمراء حقيرة لا يرجح منها ميزان (٢) ومقدار الذرة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (٣) الآية قيل قال: النيسابوري سبعون ذرة تزن جناح بعوضة وسبعون جناح بعوضة تزن حبة (٤) والله أعلم. ١٢٨٨ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وزانية وغني فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَقَالا فِيهِ فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد تقبلت ثمَّ ذكر الحَدِيت (٥).

стр. 3270

١٢٨٩ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "كل امرئ فِي ظلّ صدقته حَتَّى يقْضى بَين النَّاس قَالَ يزِيد فَكَانَ أَبُو الْخَيْر مرْثَد لَا يخطئه يَوْم إِلَّا تصدق فِيهِ بِشَيْء وَلَو بكعكة أَو بصلَة" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). ١٢٩٠ - وَفي رِوَايَة لابْنِ خُزَيْمَة أَيْضا عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن مرْثَد بن أبي عبد الله الْيَزنِي أَنه كَانَ أول أهل مصر يروح إِلَى الْمَسْجِد وَمَا رَأَيته دَاخِلا الْمَسْجِد قطّ إِلَّا وَفِي كمه صَدَقَة إِمَّا فلوس وَإِمَّا خبز وَإِمَّا قَمح قَالَ حَتَّى رُبمَا رَأَيْت البصل يحملهُ قَالَ فَأَقُول يَا أَبَا الْخَيْر إِن هَذَا ينتن ثِيَابك قَالَ فَيَقُول يَا ابْن أبي حبيب أما إِنِّي لم أجد فِي الْبَيْت شَيْئا أَتصدق بِهِ غَيره إِنَّه حَدثنِي رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ظلّ الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة صدقته (٢).

стр. 3271

قوله وعن عقبة بن عامر تقدم الكلام على عقبة. قوله ﷺ : "كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس" قال: يزيد فكان أبو مرثد لَا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو بكعكة أو بصلة الحديث، يزيد هو ابن أبي حبيب كنيته أبو رجاء المصري (١) وهو تابعي قال: ابن يونس كان مفتي أهل مصر في زمانه وعالم أهلها وكان حليما عاقلا وهو كان أول من أظهر العلم بمصر والكلام في الحلال والحرام وقيل كانوا قبل ذلك يتحدثون بالفتن والملاحم والترغيب في الخير وقال: الليث بن سعد يزيد سيدنا وعالمنا واسم أبي حبيب سويد وقال: ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وروى أنه كان أسود حبشيا وقيل نوبيا كان أبوه من دنقلة ونشأ بمصر وأهلها [علوية] فقلبهم عثمانية ولما كثرت المسائل عليه لزم بيته مات سنة ثمان وعشرين ومائة ونيف على خمس وسبعين سنة واسم أبي حبيب سويد مولى ابن الطفيل الأزدي أسند عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وغيرهما وأراد الوليد بن عبد الملك (٢) أن يولي يزيد القضاء فلبس يزيد فروة
следующие страницы →