← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 362–401 · переход к 367.

стр. 362

يحدث النَّاس فَلَمَّا سكت وخلا قلت لَهُ أَسأَلك بِحَق وبحق لما حَدَّثتنِي حَدِيثا سمعته من رَسُول الله ﷺ وعقلته وعلمته فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ علقته وعلمته ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة فَمَكثْنَا قَلِيلا ثمَّ أفاق فَقَالَ لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة أُخْرَى ثمَّ أفاق وَمسح عَن وَجهه فَقَالَ أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله ﷺ أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة شَدِيدَة ثمَّ مَال خارا على وَجهه فأسندته طَويلًا ثمَّ أفاق فَقَالَ حَدثنِي رَسُول الله ﷺ أَن الله ﵎ إِذا كانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يدعى بِهِ رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل الله وَرجل كثير المَال فَيَقُول الله للقارئ ألم أعلمك مَا أنزلت على رَسُولي قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَا علمت فِيمَا علمت قَالَ كنت أقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان قارئ وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِصَاحِب المَال فَيَقُول الله ألم أوسع عَلَيْك حَتَّى لم أدعك تحْتَاج إِلَى أحد قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَاذَا عملت فِيمَا آتيتك قَالَ كنت أصل الرَّحِم وأتصدق فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان جواد وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل الله فَيَقُول الله لَهُ فِي مَاذَا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول الله

стр. 363

لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله بل أردْت أَن يُقَال فلأن جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول الله ﷺ على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق الله تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْوَليد أَبُو عُثْمَان الْمَدِينيِّ وَأَخْبرنِي عقبَة أَن شفيا هُوَ الَّذِي دخل على مُعَاوِيَة فَأخْبرهُ بِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان وحَدثني الْعَلَاء بن أبي حَكِيم أَنه كَانَ سيافًا لمعاوية قَالَ فَدخل عَلَيْهِ رجل فَأخْبرهُ بِهَذَا عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ مُعَاوِيَة قد فعل بهؤلاء هَذَا فَكيف بِمن بَقِي من النَّاس ثمَّ بَكَى مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا حَتَّى ظننا أَنه هَالك وَقُلْنَا قد جَاءَ هَذَا الرجل بشر ثمَّ أَفاق مُعَاوِيَة وَمسح عَن وَجهه وَقَالَ صدق الله وَرَسُوله ﷺ من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لا يبخسون أُولَئِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِي الآخرة إِلَّا النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ" (١). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحْو هَذَا لم يخْتَلف إِلَّا فِي حرف أَو حرفين. قوله: عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني الوليد بن أبي الوليد عثمان، أبو عثمان المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: مولى عثمان، وقال بعضهم: الوليد بن الوليد، وهو وهم. قال عبد الرحمن: سُئل أبو زرعة عنه فقال: ثقة.

стр. 364

قوله: أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا حدثه، الشفي هو الأصبحي أبو سهيل، وقيل: أبو عبيد، شفي بن ماتع الأصبحي المصري، يعد في تابعي المصريين، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابنه، توفي سنة خمس ومائة، وهو أصح ما قيل في تاريخ وفاته (١). [قوله: قد دنوت منه حتى قعدت بين يديه، الدنو هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي: والله (٢)] لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ ، الحديث؛ لأحدثنك هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنك، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه، وحدثنا هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنك قاله الكرماني (٣). قوله: ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، نشغ بفتح النون والشين المعجمتين وبعدها غين معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه إشفاقا وخوفا انتهى قاله الحافظ (٤). وقال الكرماني (٥): النشغ الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي أي يعلوه نفسه كأنه شهيق من شدة ما يرد عليه انتهى. قوله: أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، وأما معاوية المذكور في الحديث، فيكنى أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن

стр. 365

حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، وأمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بالخيف من منى، بويع لمعاوية بالكوفة في شهر بيع الأول سنة إحدى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن ﵁ فاجتمع الناس عليه تسع عشرة سنة وأربعة أشهر سبعة عشر يوما وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة وشهور (١). [والناس مجتمعون عليه فيها ولي مروان بن الحكم المدينة وخالد بن العاص بن هشام مكة،، وقيل في سنة اثنتين وأربعين مات عمرو بن العاصي وقيل بل في سنة ثلاثة وأربعين وكانت ولايته مصر عشر سنين متفرقة وأربعة أشهر، قال المسعودي: مات عمرو بن العاصي وله من العمر تسعون سنة وولي معاوية فمان ابنه عبد الله وقيل بل ولي مكانه أخاه معاوية بن عتبة بن أبي سفيان وهو الصحيح وخلف عمرو بن العاصي من الدنانير ألفين ثلاثمائة ألف دينار ومن الورق ألفي ألف دينار، وغلال بمائة ألف دينار بمصر خزنة وضيعته المعروفة بالرهط وكان قيمتها عشرة ألف دينار انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا] (٣). قوله: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية فدخل عليه

стр. 366

رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. العلاء بن أبي حكيم الشامي وكان سيافا لمعاوية، واسم أَبِي حَكِيم يحيى. رَوَى عَن: شفي بْن ماتع الأصبحي، ومعاوية بْن أَبي سفيان رَوَى عَنه: أَبُو عُثْمَان الْوَلِيدُ بْنُ أَبي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ قال البخاري: يعد في الشاميين. وَقَال العجلي: شامي، تابعي، ثقة. قوله: ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (١)، قيل: نزلت هذه الآية في أهل الرياء (٢) والله أعلم. قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الفصيح في العاصي إثبات الياء ويجوز حذفها، وهذا الذي يستعمله معظم المحدثين أو كلهم، كنيته: أبو محمد وقيل أبو عبد الده، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم القرشي الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة وقيل: إحدى عشرة سنة، وأمه ريطة بنت مُنيَّة بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم، أسلمت وقالوا: وكان النبي ﷺ يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، أسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدًا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ ، وثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: ما كان أحدًا أكثر حديثًا عن رسول الله ﷺ منه إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب

стр. 367

ولا أكتب، وكان ﵁، تلاء للقرآن، روي له عن سول ﷺ الله سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر حديثا وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين حديثا، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، توفي عبد الله سنة ثلاث وستين وقيل خمس وستين بمصر وقيل غير ذلك، وكان عمره ثنتين وسبعين سنة ومناقبه كثيرة (١). ٣٠ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِي قَالَ قلت يَا رَسُول الله ﷺ أَخْبرنِي عَن الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد الله بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك الله صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائيا مكاثرا بَعثك الله مرائيا مكاثرا يَا عبد الله بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بَعثك الله على تِلْكَ الْحَال" (٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قوله: فقال: يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبا وإن قاتلت مراءيا مكاثرا بعثك الله مراءيا مكاثرًا، الاحتساب هو [طلب الثواب والاجتهاد في تحسين النية وإخلاصها لله]، وتقدم معنى الرياء في أول الباب.

стр. 368

قوله: "على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال" [الحالة هي الصفة، يشير إلى قوله ﷺ : "الناس مجزيون بأعمالهم"]. ٣١ - عَن أبي بن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : بشر هَذِه الأمة بالسناء والرفعة وَالدّين والتمكين فِي الأرْض فَمن عمل مِنْهُم عمل الآخِرَة للدنيا لم يكن لَهُ فِي الآخِرَة من نصيب" (١) رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله ﷺ : "بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَة من نصبب". قوله: عن أبي بن كعب، هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، وقيل: أبي بن كعب بن المنذر بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري المدني له كنيتان أحدهما أبو المنذر كناه بها رسول الله ﷺ ، والثانية: أبو الطفيل كناه بها عمر بن الخطاب كنى بابنه الطفيل، وأمه: اسمها صهيلة بضم الصاد بنت الأسود وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، والأوس والخزرج هم جماع الأنصار وهما ابنا حارثة بالحاء والثاء بن ثعلبة، وأما النجار فقيل سمي بذلك لأنه اختتن بالقدوم، وقيل ضرب وجهه رجل

стр. 369

بالقدوم فنجره أي نحته، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بسبعة، وقال محمد بن سعد الواقدي: أول من كتب لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة أبي بن كعب وأول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان، توفي ﵁ بالمدينة ودفن بها، قيل: سنة ثلاثين في خلافة عثمان قال أبو نعيم الأصبهاني: وهذا هو الصحيح وقيل غير ذلك، قال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات في خلافة عمر وكان أبيض الرأس و اللحية لا يغير شيبه قصيرًا نحيفًا ﵁ ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض" الحديث، السناء بالمد ارتفاع المنزلة والقدر عند الله وقد سني يسني أي ارتفع والسنا بالقصر الضوء وفيه: "عليكم بالسنا والسنوت" بالقصر نبات معروف من الأدوية له حمل إذا يبس وحركته الريح سمعت له زجلا، الواحدة سناة وبعضهم يرويه بالمد قاله في النهاية (٢). قوله ﷺ : "فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" الحديث، قال الشيخ زين الدين بن رجب قد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا في الحديث (٣)، انتهى.

стр. 370

واعلم أن العمل لغير الله أقسام تارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغير أمر دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (١) الآية، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ (٢) الآية، ولذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٣) الآية، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي تتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله تعالى والعقوبة وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" (٤) وغيره من الأحاديث (٥)، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٦) الآية، وممن روي عنه هذا المعنى وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف

стр. 371

منهم: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب وغيره، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله عملا فيه حبة من خردل من رياء" (١) وسيأتي هذا الحديث في الأصل ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنية أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية، وقد ذكرت أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا أنه لا أجر له، وقال الإمام أحمد بن حنبل ﷺ عنه أن التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم ولا يكونوا مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخالطه به غيره، وأما إذا كان العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرا أو وديعة فلا يضره بلا خلاف وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازي على أصل نيته في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد بن حنبل وابن جرير الطبري ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازي بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، فأما إذا عمل العامل لله خالصا ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك ففرح بفضل الله ورحمته فاستبشر بذلك لم يضره ذلك، والله أعلم (٢).

стр. 372

٣٢ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه الله وَأُرِيد أَن يرى موطني، فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ حَتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) (٢) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شرطيهما وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه ثمَّ قَالَ رَوَاهُ عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك فَأرْسلهُ لم يذكر فِيهِ ابْن عَبَّاس. قوله: عن ابن عباس، هو: عبد الله بن عباس تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا قريبًا. قوله: إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد رسول الله ﷺ حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية، والمراد بقوله: "إني أقف الموقف" وفي الرواية الأخرى "وأريد أن يرى موطني" الموطن المشهد من مشاهد الحرب قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (٣) (٤). قوله: رواه عبدان عن ابن المبارك فأرسله أما الحديث المرسل فتقدم الكلام عليه والله أعلم.

стр. 373

وأما ابن المبارك، اسمه: عبد الله بن المبارك أدرك جماعة من التابعين وأكثر روايته عن الأئمة وأعلام التابعين، قال أبو الفرج بن الجوزي ولد عبد الله بن المبارك سنة ثلاث عشرة ومائة وهو من تابع التابعين، وتوفي [بهيت] لما قفل من البحر سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاثين وستين سنة (١)، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا في مواضع من هذا التعليق إن شاء الله تعالى. ٣٣ - عَن أبي هِنْد الدَّارِيّ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء وَسُمْعَة رايا الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَسمع" (٢) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه أَنه "سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول من رايا بِالله لغير الله فقد برئ من الله" (٣). قوله: عن أبي هند الداري، أبو هند الداري، اسمه: برير بن عبد الله وهو أخو تميم لأمه وتميم الداري كنى بابنته رقية لم يولد له غيرها، وإنما العقب لأخيه لأمه أبي هند (٤) والله أعلم.

стр. 374

قوله ﷺ : "من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة وسمع" تقدم الكلام على الرياء والسمعة واشتقاقهما في أول الباب وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث بعده مبسوطًا. ٣٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: من سمع النَّاس بِعَمَلِهِ سمع الله بِهِ سامع خلقه وصغره وحقره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: عن عبد الله بن عمرو يعني ابن العاصي تقدم الكلام على مناقبه قريبًا. قوله ﷺ : "من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره" الحديث، وفي رواية: "أسامع خلقه" بالألف يقال: سمعت بالرجل تسميعا وتسمعة إذا شهرته وسامع بالرفع اسم فاعل من سمع وأسامع جمع أسمع

стр. 375

وأسمع جمع قلة لسمع وسمع فلان بعمله إذا أظهره ليسمع فمن رواه سامع خلقه بالرفع جعله من صفة الله تعالى أي سمع الله سامع خلقه به الناس، ومن رواه سامع أراد أن الله تعالى يسمع به أسماع خلقه يوم القيامة، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله سمعه الله وأراه ثوابه من غير أن يعصيه وقيل: من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك ثوابه، وقيل: أراد أن يفعل فعلا صالحا في السر ثم يظهره ليسمعه الناس ويحمد عليه فإن الله يسمع به ويظهر للناس غرضه وإن عمله لم يكن خالصا وقيل يريد من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه ومنه الحديث "إنما فعله سمعة ورياء" أي: ليسمعه الناس ويروه (١) والله تعالى أعلم. ٣٥ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ من سمع سمع الله بِهِ وَمن يراء يراء الله بِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). سمع بتَشْديد الْمِيم وَمَعْنَاهُ من أظهر عمله للنَّاس رِيَاء أظهر الله نِيَّته الْفَاسِدَة في عمله يَوْم الْقِيَامَة وفضحه على رُؤُوس الأشهاد. قوله: عن جندب بن عبد الله، هو: جندب بن عبد الله بن [سفيان البجلي العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع

стр. 376

مصعب بن الزبير. روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر بن عبد الله، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل. وله رواية عن أُبي بن كعب، وحذيفة، روى عنه الحسن، أن النبي ﷺ قال: "من صلى صلاة الصبح كان في ذمة الله فانظر لا يطلبنك الله بشيء من ذمته". قال ابن منده، وأبو نعيم: ويقال له: جندب الخير، والذي ذكره ابن الكلبي أن جندب الخير هو جندب بن عبد اللّه بن الأخرم الأزدي الغامدي (١)]. قوله ﷺ : "من سمَّع سمع الله به" الحديث. فسر الحافظ هذا الحديث فقال: سمع هو بتشديد الميم ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد، انتهى. فائدة: الأشهاد الملائكة الحفظة وقيل عموم الملائكة وقال الضحاك: هم الأنبياء والمرسلون، ودليله قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢) وقيل: الأنبياء والملائكة والعلماء الذين بلغوا الرسالات، وقال قتادة: هم الخلائق أجمع (٣) قال الله

стр. 377

تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) فقيل: الحفظة يشهدون للأنبياء بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب واحدهم شاهد كطائر وأطيار وصاحب وأصحاب (٢) ويجوز أن يكون شهيدا كشريف وأشراف ويتيم وأيتام (٣) انتهى قاله في الديباجة، وفسره النووي أيضًا أبسط من ذلك، فقال نقلا عن العلماء (٤): معناه من رايًا بعمله وسمَّعه للناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيرا سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه على رؤوس الأشهاد وقيل معناه: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه وقيل: أراه الله تعالى ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه وقيل: معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله وكان ذلك حظه منه انتهى. ٣٦ - وَعَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء رايا الله بِهِ وَمن قَامَ مقَام سمعة سمع الله بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسنَاد حسن (٥).

стр. 378

[سيدنا عوف بن مالك الأشجعي الصحابي]: قوله: وعن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي، كنيته: أبو عبد الرحمن ويقال: أبو محمد ويقال: أبو حماد ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني أول مشاهده مع النبي ﷺ خيبر وشهد معه فتح مكة وكانت معه راية أشجع، نزل الشام وسكن دمشق وكانت داره عند سوق الغزل، روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وستون حديثا، روى البخاري منها واحدا ومسلم خمسة، روى عنه أبو أيوب الأنصاري والمقدام بن معدي كرب وأبو هريرة، وروى عنه من التابعين جماعات واتفقوا على أنه توفي بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان (١). انتهى. [عبد الملك بن مروان]: تنبيه: في ذكر خلافة عبد الملك بن مروان ونسبه، أما نسبه: فكان يكنى بأبي الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكل بني أمية يلقون رسول الله ﷺ في عبد مناف، وأمه: عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، روى أن حبرا من أحبار الروم من أهل الشام أحسبه راهبا قدم المدينة فبينما هو يمشي في بعض أزقتها رأى عبد الملك بن مروان وهو غلام يسعى وعلى يديه بازي فاستوقفه الحبر ثم سأله عن نفسه فأخبره عبد الملك فقال له الحبر: إني مبشرك ببشارة فما جزاءي عليها فقال عبد الملك: إذا عرفت

стр. 379

البشارة عرفت قدر جزاءي بها فقال له الحبر إنك نملك الأرض فقال عبد الملك: الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فقال له الحبر: ما لي عندك إن كان ما قلته حقا، فقال عبد الملك: أرأيت إن ضمنت لك أيكون من ذلك ما لم يقدر، قال: لا، قال: أفرأيت إن لم أضمن أيمنع من ذلك ما قدر أو يتأخر عن حينه، فقال له الحبر: لا فقال عبد الملك: فما أرى للضمان وجها وإن يكن ما تقول حقا وتأتينا نحسن إليك إن شاء الله تعالى، وبويع له بالخلافة في شهر رمضان سنة ست وستين، وقيل: سنة خمس وستين وله إحدى وأربعون سنة وأشهر وكانت خلافته في أصح الروايات سنة إحدى وعشرين سنة وستة أشهر وخلص له الأمر ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر وكان لما مات أخوه عبد العزيز ولي مصر عبد الله بن مروان أخوه أيضا وهو صاحب المسجد بمصر المعروف بمسجد عبد الله وكان عبد الله حدثا فإنه كان آخر ولد مروان انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (١). ٣٧ - وَعَن معَاذ بن جبل عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع الله بهِ على رُؤُوس الْخَلائق يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بِإِسْنَاد حسن (٢).

стр. 380

٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ من رايا بِشَيْء فِي الدُّنْيَا من عمله وَكله الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ انْظُر هَل يُغني عَنْك شَيْئا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا (١). قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "من رايا بشيء في الدنيا من عمله وكله الله إليه يوم القيامة" تقدم الكلام على الرياء. وقوله: "وكله الله إليه يوم القيامة" وكله بمعنى جعله معتمدًا على [الشيء] (٢). ٣٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من تزين بِعَمَل الآخِرَة وَهُوَ لا يريدها وَلا يطْلبهَا لعن فِي السَّمَوَات وَالأرْض رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط (٣). ٤٠ - وَرُوِيَ عَن الْجَارُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من طلب الدُّنْيَا بِعَمَل الآخِرَة طمس وَجهه ومحق ذكره وَأثبت اسْمه فِي النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير (٤).

стр. 381

قوله: عن الجارود، هو: الجارود بن [المعلى بن العلاء، وقيل: الجارود بن عمرو بن العلاء، وقيل: الجارود بن المعلى بن عمرو بن حنش بن يعلى، قاله ابن إسحاق. وقال الكلبي: الجارود، واسمه بشر بن حنش بن المعلى، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس العبدي، وأمه دريمكة بنت رويم من بني شيبان، وإنما لقب الجارود، لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم وجردهم. وفد على رسول الله ﷺ سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم، وكان نصرانيا، ففرح النبي ﷺ بإسلامه، فأكرمه وقربه، وتروى عنه من الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين: أبو مسلم الجذمي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وزيد بن علي أبو القموص، وابن سيرين (١)]. فائدة تتعلق باسم الجارودية: أما الجارودية ففرقة من الزيدية من الشيعة وهم من أبي الجارود نسبوا إليه زعموا أن النبي ﷺ نص على إمامة علي بالوصف والتسمية وأن أن الناس كفروا بتركهم الاقتداء به بعد النبي ﷺ ثم بعده الحسن ثم الحسين ثم إن الإمامة شورى في ولديهما فمن خرج منهم داعيا إلى سبيل ربه وكان عالما فاضلا انتهى قاله في الأنساب (٢).

стр. 382

* قوله ﷺ في حديث الجاورد: "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء". (١) [خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: "إنما تركها من جرائي" (٢) فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف النالس، هل يكتب حسنة؟ قال: لا، لأنه إنما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي (٣)، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، والله أعلم (٤)، ومذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه بخلاف الخاطر (٥)، انتهى، قاله في شرح الإلمام. قوله ﷺ : "إنما تركها من جرائي" قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتشديد

стр. 383

الراء أي من أجلي وقال غيره: أي من أجلي وبسببي، وجراء: تمد وتقصر يقال: علت ذلك من جراك ومن جرائك أي من أجلك، وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركها لله ، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح فأما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن بذلك ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك، وأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل" (١) ومن سعى في حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله ﷺ : "بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٢) وقوله ﷺ في الحديث: "ما لم

стр. 384

تتكلم به أو تعمل" يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه، ويدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: "لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان" (١) يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله فهما في الوزر سواء (٢). [المعصية بأحد الحرمين]: تنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا عملها كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان ومكان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) قال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وقد روي في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان جماعة من الصحابة

стр. 385

يتقون سكنى الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة (١)، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات (٢)، وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة على نحو ذلك (٣) وقد تضاعف السيئات لشرفا فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد (٤). قوله ﷺ في حديث ابن عباس: زاد في رواية: "أو محاها" يعني أن عمل السيئة إما تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستعفار وعمل الحسنات (٥). وقوله بعد ذلك: "ولا يهلك على الله هالك" أي: لا يعاقب مع هذه المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: "لا يهلك على الله

стр. 386

إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في الحسنات وأعرض عنها" ولهذا قال ابن مسعود ﵁: ويل لمن غلب وحدانه عشراته (١)، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ مرفوعا هكذا: هلك من غلب واحده عشرًا (٢) انتهى كلام ابن رجب (٣). سؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار (٤). تنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى من الدنيا جميعًا (٥). سؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في طاعته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم

стр. 387

توفي العباد من أصول حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها (١) قاله أيضا في كشف الأسرار (٢)، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن النبي ﷺ قال لرجل: "يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات والسيئات" فقال يا رسول الله: سوف أبني ولا أهدم (٣)، علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة بعد الحسنة وأقبح السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من المرض الأول (٤). قوله ﷺ : "يقول الله تعالى وإذا تحدث عبدي لله" (٥). قوله ﷺ : "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة" تقدم معناه في الأحاديث قبله. تنبيه: وورد في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: "ومن قام برجل مسلم مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة" (٦) أي من أظهر

стр. 388

رجلا بصلاح وليس بصالح أو شهره بين الناس بالصلاح والزهد ليعتقدوه ويحصل له جاه عندهم ليأخذ منهم شيئًا كما ترى في زماننا يعتقدون الجهال ويغترون بهم فيأمر الله تعالى ملائكته أن يظهروا أنه كذاب (١)، انتهى. ٤١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يخرج فِي آخر الزَّمَان رجال يختلون الدُّنْيَا بِالدّينِ يلبسُونَ للنَّاس جُلُود الضَّأْن من اللين ألسنتهم أحلى من الْعَسَل وَقُلُوبهمْ قُلُوب الذئاب يَقُول الله أبي يغترون أم عَليّ يجترئون فَبِي حَلَفت لأبْعَثَن على أُولَئِكَ مِنْهُم فتْنَة تدع الْحَلِيم حيران رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبيد سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة فَذكره وَرَوَا مخْتَصرا من حَدِيث ابْن عمر وَقَالَ حَدِيث حسن (٢). قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "يخرج آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين" الحديث معنى يختلون الدنيا بالدين يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يريك دينا وورعا حتى إذا

стр. 389

ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث قبح الله الفاعل لذلك، يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغه والختل الخداع (١) وهو أن يعمل الرجل عملا وفي نيته بعمله أن يخدع الناس وختل الذئب الصيد إذا تخفى له، ومنه حديث الحسن في طلاب العلم وصنفٌ تعلموه للاستطالة والختل أي للخداع، قاله في النهاية (٢). قوله: "يلبسون للناس جلود الضأن من اللين" يضرب المثل بلين جلود الضأن كما في الحديث [كناية عن إظهار التمسكن والتلين مع الناس]. قوله: "ألسنتهم أحلى من العسل قلوبهم قلوب الذئب" وفي رواية قلوبهم أمر من الصبر "يلبسون للناس جلود الضأن من اللين يشترون الدنيا بالدين" وفي سنن أبي داود وابن ماجه عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس صوف الكباش قلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأبيحن لهم فتنة تاع الحليم حيران" (٣) وهو في الحلية من حديث

стр. 390

فرقد السبخي عن أنس قال أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء ما بال عبادي يدخلون بيوتي يعني المساجد بقلوب غير طاهرة وأيد غير نقية أبي يغترون أو إياي يخادعون وجلالي وعلوي في ارتفاعي لأبتلينهم ببلية تدع الحليم منهم حيران لا ينجو منهم إلا من دعا كدعاء الغريق (١)، وفي الحلية أيضا أن الأوزاعي حدث عن هارون بن رباب الأسدي وكان من الزهاد أنه قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم حسن يقولون سبحانك وبحمدك على حكمك بعد علمك ويقول الأربعة الأخر: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك (٢) انتهى. قوله: "أبي يغترون"، ومعنى "أبي يغترون" أي بإمهالي يغترون، وقوله في الحديا: "فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تاع الحليم حيران" فبي للقسم، وتدع الحليم تترك، وأراد بالحليم العالم قاله في شرح المصابيح (٣). لطيفة: وروى أبو طالب المكي في قوت القلوب أن رجلا كان يخدم موسى ﵇ فجعل يقول حدثني موسى ﷺ ، حدثني موسى نجي الله، حدثني موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله. ففقده موسى ﵇ وجعل يسأل عنه فلا يحس له أثرا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال يا موسى أتعرف ذاك

стр. 391

الرجل الذي كان يخدمك قال: نعم، قال: هو هذا الخنزير فقال موسى ﷺ : "يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله لم أصابه ذلك، فأوحى الله تعالى إليه لو دعوتني بالذي دعى به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين، فالذي يطلب الدنيا بإظهار الزهد فيها فإن ذلك خداع قبيح جدًّا" (١). لطيفة أخرى: كان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يعيب على من لبس عباءة وفي قلبه شهوة من شهوات الدنيا تساوي أكثر من قيمة العبادة يشير أي أن إظهار الزهد في الدنيا باللباس الدني إنما يصلح لمن فرغ قلبه من التعلق بها بحيث لا يتعلق قلبه بأكثر من قيمة ما لبسه في الظاهر حتى يستوي ظاهره وباطنه في الفراغ من الدنيا وما أحسن قول بعض العارفين وقد سئل عن الصوفي فقال: الصوفي من لبس الصوف على الصبا وسلك كريق المصطفى وذاق الهوى بعد الجفا وكانت الدنيا منه خلف القفا، ذكره ابن رجب الحنبلي (٢)، وقال كعب الأحبار: يظهر في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون الناس ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتون ويؤثرون الدنيا على الآخرة، وفي آخر الحديث: "يقربون الأغنياء دون الفقراء أولئك الجبارون أعداء الرحمن" (٣).

стр. 392

٤٢ - وَرُوِيَ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تحبب إِلَى النَّاس بِمَا يحبونَ وبارز الله بِمَا يكْرهُونَ لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط (١). قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه في باب الرياء. قوله ﷺ : "من تحبب إلى الناس بما يحبون وبارز الله بما يكرهون لقى الله وهو عليه غضبان" الحديث، غضب الله تعالى هو [ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يراه من أليم عذابه وما يشاهده من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها]. ٤٣ - وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعوذوا بِالله من جب الْحزن قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم مائَة مرّة وَمِائَة قيل يَا رَسُول الله وَمن يدْخلهُ قَالَ الْقُرَّاء المراؤون بأعمالهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَابْن مَاجَه (٢) وَلَفظه تعوذوا بِالله من جب

стр. 393

الْحزن قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن قَالَ وَاد فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة قيل يَا رَسُول الله وَمن يدْخلهُ قَالَ أعد للقراء المرائين بأعمالهم وَإِن من أبْغض الْقُرَّاء إِلَى الله الَّذين يزورون الْأُمَرَاء وَفِي بعض النّسخ الْأُمَرَاء الجورة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِنَحْوِهِ (١) إِلَّا أَنه قَالَ يلقى فِيهِ الغرارون قيل يَا رَسُول الله وَمَا الغرارون قَالَ المراؤون بأعمالهم فِي الدُّنْيَا. قوله: وروي عنه، تقدم. قوله ﷺ : "تعوذوا بالله من جب الحزن" قالوا: وما جب الحزن؟ قال: "واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة" الحديث، وفي آخره: قيل يا رسول الله: ومن يدخله، قال: "القراء المراءون بأعمالهم" وفي رواية: "تتعوذ منه جهنم كل يوم أربع مائة مرة" أعد ذلك الجب للقراء المرائين بأعمالهم، وفي حديث آخر ذكره أسد بن موسى أنه ﵊ قال: "إن في جهنم لواديًا، وإن جهنم لتتعوذ من شر ذلك الوادي في كل يوم سبع مرات وإن في ذلك الوادي لجبا إن جهنم والوادي ليتعوذان من شر ذلك الجب وإن في

стр. 394

ذلك الجب لحية إن جهنم والوادي وذلك الجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية أعدها الله للأشقياء من حملة القرآن" (١). قوله ﷺ : "وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء الجورة" قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك (٢)، قال أبو عمر: روى ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس الأمراء والفقهاء" وفي رواية: "إذا فسدت فسدت الأمة السلطان والعلماء" (٣) وفي حديث إسماعيل بن سميع عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "العلماء أمناء - يعني على الرسل - على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان يعني في الظلم فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم" (٤) ويقال: شر الأمراء أبعدهم من العلماء وشر العلماء أقربهم من الأمراء (٥) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه

стр. 395

لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم (١)، الحديث، وعن حذيفة ﵁: قال: إياكم ومواقف الفتن قيل: وما مواقف الفتن قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول له ما ليس فيه (٢) وسيأتي الكلام في الدخول على الأمراء وتصديقهم على كذبهم في بابه إن شاء الله تعالى. ٤٤ - وَرَوَاهُ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن فِي جَهَنَّم لواديا تستعيذ جَهَنَّم من ذَلِك الْوَادي فِي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة مرّة أعد ذَلِك الْوَادي للمرائين من أمة مُحَمَّد ﷺ لحامل كتاب الله والمتصدق فِي غير ذَات الله والحاج إِلَى بَيت الله وللخارج فِي سَبِيل الله. (٣) قَالَ الْحَافِظ رفع حَدِيث ابْن عَبَّاس غَرِيب وَلَعَلَّه مَوْقُوف وَالله أعلم. ٤٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أحسن الصَّلَاة حَيْثُ يرَاهُ النَّاس وأساءها حَيْثُ يَخْلُو فَتلك استهانة استهان بهَا ربه ﵎ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي كِتَابه وَأَبُو يعلى كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن مُسلم الهجري عَن أبي الْأَحْوَص عَنهُ (٤) وَرَوَاهُ من هَذِه الطّرق ابْن جرير

стр. 396

الطَّبَرِيّ مَرْفُوعا أَيْضا وموقوفا على ابْن مَسْعُود وَهُوَ أشبه (١). قوله: وعن ابن مسعود، هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمح (٢) الهذلي حليف بني زهرة الكوفي وأمه أم عبد بنت عبد ود، أسلمت وهاجرت فهو صحابي بن صحابية وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وشهد مع رسول الله ﷺ بدر وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد كلها وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ كان يلبسه إياها إذا قام فإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود في ذراعه، وكان ﵁ كثير الولوج على رسول الله ﷺ والخدمة له، وثبت في صحيح مسلم عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذنك على أن يرفع الحجاب وسمع سوادي حتى أنهك" (٣)، والسواد

стр. 397

بكسر السين السرار وكان يعرف بصاحب السواد والسواك والنعل، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين حديثا، نزل الكوفة في آخر أمره، وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، قيل: عاد إلى المدينة واتفقوا على أنه توفي وهو ابن بضع وستين سنة، والذين قالوا: توفي بالمدينة، قالوا: دفن بالبقيع قيل: وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر، وكان ﵁ من كبار الصحابة وساداتهم وفقائهم ومقدميهم في القرآن والفقه والفتاوى، ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وكنا جئنا وما نرى ابن مسعود وأمه. إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله ﷺ ولزومهم له (١) وبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة وكتب إليهم بعثت إليكم عمار أميرًا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرًا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي وقال أبو ظبية: مرض ابن مسعود فعاده عثمان فقال: ما تشتكي؟ قال ذنوبي قال مما تشتهي قال رحمة ربي قال: ألا آمر لك بطبيب، قال: الطبيب أمرضني قال: ألا آمرك بعطاء قال لا حاجة لي فيه قال: يكون لبناتك قال: أتخشى علي بناتي الفقر وإني قد أمرتهن أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة

стр. 398

إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا" (١) ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة (٢). قوله: رواه عبد الرزاق وأبو يعلى من رواية إبراهيم بن مسلم الهجري الهجري بفتح الهاء والجيم منسوب إلى هجر مدينة باليمن. قوله: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة" استهانة بها وبه ﵎ الحديث. قوله: وقوله: عن أبي الأحوص الجشمي، واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة ولأبيه صحبة. ٤٦ - وَعَن شَدَّاد بن أَوْس ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول من صَامَ يرائي فقد أشرك وَمن صلى يرائي فقد أشرك وَمن تصدق يرائي فقد أشرك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الْمجِيد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب وَسَيَأْتِي أتم من هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٣).

стр. 399

قوله: وعن شداد بن أوس الصحابي، هو: أبو يعلى قيل: أبو عبد الرحمن شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام وهو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ وهو أنصاري نجاري مدني سكن بيت المقدس وأعقب به، روي له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثا روى البخاري منها حديثا ومسلم أخر، روى عنه ابنه يعلى وجماعة من التابعين توفي ﵁ ببيت المقدس سنة ثمان وخمسين وقيل: إحدى وأربعين وقيل: أربع وستين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن وحديثه المذكور "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (١) الحديث رواه مسلم، قالوا: وكان شداد عليما حليما كثير العبادة والوارع والخوف من الله تعالى ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله ﷺ : "من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك" الحديث، وفي كتاب النوازل الخفية: سئل إبراهيم بن يوسف عن رجل صلى رياء أيؤجر عليه قال: لا ولكن عليه الوزر، وقال بعضهم: يكفر بذلك وقال بعضهم لا أجر له ولا وزر عليه وصار كأنه لم يعمل ذلك العمل (٣). قوله: رواه البيهقي من طريق عبد الحميد بن بهرام. تقدم الكلام على البيهقي.

стр. 400

٤٧ - وَعَن ربيح بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن نتذاكر الْمَسِيح الدَّجَّال فَقَالَ أَلا أخْبركُم بِمَا هُوَ أخوف عَلَيْكُم عِنْدِي من الْمَسِيح الدَّجَّال فَقُلْنَا بلَى يَا رَسُول الله فَقَالَ الشّرك الْخَفي أَن يقوم الرجل فَيصَلي فيزين صلَاته لما يرى من نظر رجل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ (١) ربيح بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وحاء مُهْملَة وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وأما قوله: عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ربيح بضم الراء وفتح الباء وسكون الياء وبالحاء المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الحافظ رحمه الله تعالى. قوله: في حديثه: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال". قال القاضي عياض (٢): واختلف في المسيح الدجال فأكثر الرواة يقول إنه بفتح الميم وكسر السين المخففة مثل المسيح بن مريم ولا فرق بينهما في اللفظ ولكن عيسى بن مريم مسيح هدى والدجال مسيح

стр. 401

ضلالة، ورواه بعض الرواة مسيح بكسر الميم والسين المشددة وقاله غير واحد كذلك إلا إنه بالخاء المعجمة وقاله بعضهم بكسر الميم وتخفيف السين والدجال بفتح الدال والجيم المشددتين فقيل سمي بذلك لأنه ممسوح العين وقيل لأنه أعور والأعور يسمى مسيحًا. وسمي دجالا لتمويهه والدجل التمويه والتغطية يقال دجل فلان إذا موه ودجل الحق غطاه بباطله، وحكى غيره أنه سمي دجالا لكذبه وهو كاذب وجمع دجال دجالون وسمي مسيحا لأنه يسمح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها (١)، قال العلماء: له عينان مغيبتان إحداهما طافئة بالهمز ذاهبة النور عمياء لا تبصر شيئا والثانية طافية بلا همز أي ناتئة كأنها عنبة طافية لكنه يبصر بها ويمكث في الأرض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينيه كافر، وأنه يتبعه سبعون ألفا سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وان عيسى ﵊ ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لير البلدة المعروفة بقرب بيت المقدس وكل هذه الألفاظ ثابتة عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وبعضها في البخاري (٢) قاله في شرح مشارق الأنوار. وأما الدجال فإنه محبوس يخرج في آخر الزمان يدل عليه حديث تميم الداري وقيل إنه لم يولد بعد وسيولد في أخر الزمان والأول هو الصحيح وإنه
следующие страницы →