← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3372–3411 · переход к 3377.

стр. 3372

الترمذي (١) وعن كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقال: يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان رواه الترمذي (٢). وعثمان بن عفان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واحد الخلفاء الراشدين وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد المنفقين في سبيل الله الإنفاق العظيم وأحد أصهار رسول الله ﷺ ولم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلا يوم قتله وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة وأبو بكر وعمر وقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بمصحف ففتحه فقتل وهو بين يديه وأعتق عشرين مملوكا وهو محصور ومناقبه كثيرة رضي الله تعالى عنه. قوله ﷺ : "أظل الله عبد في ظله يوم لا ظل إلا ظله أنظر معسر أو ترك لغارم" تقدم الكلام على الظل وعلى إنظار المعسر. ١٣٥٢ - وَرُوِيَ عَن أسعد بن زُرَارَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سره أَن يظله الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله فلييسر على مُعسر أَو ليضع عَنهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٣) وَله شَوَاهِد.

стр. 3373

قوله: وروى عن أسعد بن زرارة [هو أبو أمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين أسعد بن زرارة بضم الزاي وتخفيف الرائين بن عدس بضم العين المهملة وفتح الدال المهملة وبالسين المهملة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، ويقال له: أسعد الخير، غلبت عليه كنيته، وهو من أول الأنصار إسلاما، وكان سبب إسلامه ما ذكره الواقدي، أن أسعد بن زرارة خرج إلى مكة هو وذكوان بن عبد قيس يتنافران إلى عتبة بن ربيعة، فسمعا برسول الله ﷺ فأتياه، فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القرآن فأسلما، ولم يقربا عتبة، ورجعا إلى المدينة، وكانا أول من قدم بالإسلام إلى المدينة، وشهد العقبة الأولى والثانية وبايع فيهما، وكانت العقبة الأولى في ستة نفر أو سبعة والثانية في اثني عشر رجلا، والثالثة في سبعين وهو نقيب بني ساعدة، ويقال: إنه أول من بايع النبي ﷺ ليلة العقبة، وكان أول من جمع الأنصار بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ ، مات قبل بدر أيام بناء مسجد رسول الله ﷺ ، أخذته الذبحة والمسجد يبنى فكواه رسول الله ﷺ ومات في تلك الأيام، وذلك في سنة إحدى، وقيل: على رأس ستة أشهر من الهجرة (١)]. قوله ﷺ : "من سره أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه" تقدم الكلام أيضًا على ذلك.

стр. 3374

١٣٥٣ - وَرُوِيَ عَن شَدَّاد بن أَوْس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أنظر مُعسرا أَو تصدق عَلَيْهِ أظلهُ الله فِي ظله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١). قوله: وروى عن شداد بن أوس تقدم الكلام على شداد بن أوس في أوائل هذا التعليق في باب الرياء. قوله ﷺ : "من أنظر معسر أو تصدق عليه أظله الله في ظله يوم القيامة" تقدم أيضًا الكلام على الظل في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله في صدقة السر وإن المراد به ظل العرش.

стр. 3375

الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير كرما والترهيب من الإمساك والادخار شحا ١٣٥٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من يَوْم يصبح الْعباد فِيهِ إِلَّا ملكان ينزلان فَيَقُول أَحدهمَا اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَيَقُول الآخر اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه إِن ملكا بِبَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يَقُول من يقْرض الْيَوْم يجز غَدا وَملك بِبَاب آخر يَقُول اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا تلفا (٢). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مثل ابْن حبَان إِلَّا أَنه قَالَ بِبَاب من أَبْوَاب السَّمَاء (٣). ١٣٥٥ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى يَا عَبدِي أنْفق أنْفق عَلَيْك وَقَالَ يَد الله ملأى لا يغيضها نَفَقَة سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار أَرَأَيْتُم مَا أنْفق مُنْذُ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِنَّهُ لم يغض مَا بِيَدِهِ وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَبِيَدِهِ الْمِيزَان يخْفض وَيرْفَع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٤). لَا يغيضها بِفَتْح أَوله أَي لَا ينقصها.

стр. 3376

قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا". قوله: خلفًا: أي عوضا يقال أخلف الله عليك بخير وأخلف عليك خيرا أي أبدلك مما ذهب منك وعوضا عنه وأما أعط الثاني فهو مشارك للأول إذ التلف لا يعطي قاله ابن الأثير وغيره (١) قال: العلماء وهذا في الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك بحيث لا يذم ولا يسمي سرفا والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا (٢) انتهى. وهو موافق في المعنى لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٣) الآية وهذا يعم الواجبات والمندوبات [وقول الملك: "اللهم أعط ممسكا تلفا"؛ يعني: الممسك عن النفقات الواجبات، وأما الممسك عن المندوبات] فقد لا يستحق هذا الدعاء اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها وإن قلت في أنفسها كاللقمة واللحمة وما شاكل هذا فهذا قد يتناوله هذا الدعاء لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه وقل ما يكون كذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات ولا يطيب نفسا بها (٤) وأسند الترمذي الحكيم، عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ماذا قال:

стр. 3377

ربكم" قلت الله ورسوله أعلم قال: "قال ربكم حين استوى على عرشه، ونظر إلى خلقه: عبادي! أنتم خلقي، وأنا ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإلي فارفعوا حوائجكم، انصبوا إلي أنفسكم، أصب أرزاقكم، أتدرون ماذا قال ربكم؟ قال الله ﵎: عبدي! أنفق أنفق عليك، وأوسع أوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، ولا تصر، فأصر عليك، ولا تخزن، فأخزن عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلًا ولا نهارًا، ينزل الله منه الرزق على كل امرئ بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، فمن أكثر، أكثر له، ومن أقل، أقل له، ومن أمسك، أمسك عليه، يا زبير! فكل وأطعم، ولا توك فيوكى عليك، ولا تحص فيحصى عليك، ولا تقتر فيقتر عليك، ولا تعسر فيعسر عليك، يا زبير! إن الله يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، وإن السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار من أيقن، ولا يدخل الجنة من شك، يا زبير! إن الله يحب السخاء ولو بفلق تمرة، والشجاعة ولو بقتل عقرب أو حية، يا زبير! إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النافذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، والورع الصادق عند الحرام والخبيثات، يا زبير! عظم الأخوان، وجلل الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماش من الفجار والأشرار، وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، هذه وصية الله إلي، ووصيتي إليك يا زبير بن العوام" (١).

стр. 3378

وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: للزبير "يا زبير، إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل له" (١). فائدة: وفي كتاب الأربعين (٢) على مذهب المحققين من الصوفية للحافظ أبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني بإسناده إلى عمران بن حصين قال قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرَفِ عِمَامَتِي مِنْ وَرَائِي فَقَالَ: "يَا عِمْرَانُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْإِنْفَاقَ، وَيُبْغِضُ الْإِقْتَارَ، فَأَنْفَقْ وَأَطْعِمْ، وَلَا تُصِرُّ صَرًّا فَيَعْسُرَ عَلَيْكَ الطَّلَبُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ النَّظَرَ النَّاقِدَ عِنْدَ مَجِيءِ الشُّبُهَاتِ، وَالْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّهَوَاتِ، وَيُحِبُّ السَّمَاحَةَ وَلَوْ عَلَى تَمَرَاتٍ، وَيُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ" (٣) قاله في حياة الحيوان (٤). قوله: وعنه تقدم الكلام عليه.

стр. 3379

قوله: ﷺ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (١) فيتضمن الحث على الإنفاق والتبشير بالخلف من فضل الله . قوله: ﷺ "يد الله ملآى" ملآى بفتح الميم وإسكان اللام بعدها همزة مفتوحة تأنيث ملآن قال: القرطبي (٢) في شرح مسلم كذا صحت الرواية ورواه بعضهم ملا مثل دعا حكاه القاضي عياض (٣) قال: وقيل يصح هذا على نقل الهمزة وفي رواية لمسلم ملآن بزيادة نون وقالوا إنها غلط من ابن نمير راويها وإن الصواب ملآى كما في سائر الروايات (٤) لأن اليمين مؤنثة وملآى هو كناية عن كرمه وسعة فضله وهذه استعارة وحمل هذه على الاستعارة عادة التخاطب وحصول التعاظم وكل ما أطلق على الله تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كلها عين والأيدي والجنب والأصبع فهي كلها مؤولة في حقه لاستحالة حملها على ظواهرها (٥) وقال المازري (٦): إطلاق اليدين على الله تعالى متأول على القدرة وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وآكد في النفوس وذكر اليمين والشمال حتى يتمم

стр. 3380

المثال لأنا نتناول باليمين ما نكرمه بالشمال ما دونه ولأن اليمين في حقنا يقوى لما لا يقوى له الشمال (١) فنحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) وما قاله

стр. 3381

رسول الله ﷺ فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله وما خفي علينا ءامنا به ووكلنا علمه إلى الله وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به وبالله التوفيق. وقوله ﷺ : "لا يغيضها نفقة" قال الحافظ (١) رحمه الله تعالى: لا يغيضها بفتح أوله أي لا ينقصها ا. هـ، وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي: (٢) تقديره لا ينقصها شيء يقال: غاض الشيء إذا نقص وغضته أنا (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ (٤) أي تنقص ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (٥) أي ذهب وإنما خاطبهم رسول الله ﷺ بما يفهمونه وأراد الإخبار بأن الله تعالى لا ينقصه الإنفاق ولا يمسك خشية الإملاق جل الله تعالى عن ذلك (٦). قوله ﷺ : "سحاء الليل والنهار" بفتح السين والحاء المهملتين وتشديد الحاء ممدود مهموز مرفوع على أنه خبر بعد خبر قال قاضى القضاة محدث الإسلام ولى الدين العراقى (٧) كذا ضبطناه عن شيخنا والدي ﵀

стр. 3382

وضبطه القاضي عياض (١) عن أبي بحر سحا بالتنوين على المصدر ونقله في المشارق وعن جميع شيوخهم إلى الصدفي وابن عيسى وذكر النووي (٢) أنه الأصح الأشهر وعلى كل حال فقوله: الليل والنهار منصوبان على الظرف متعلقان [بما في] سحاء من معنى الفعل وهي الرواية المشهورة (٣) ومنه حديث أبي بكر أنه قال: "لأسامة حين أنفذ جيشه إلى الشام أغر عليهم غارة سحا إلى أي تسح عليهم البلاء دفعة من غير تلبث فالسح الصب والسيلان كأنها لامتلائها بالعطاء تسيل أبدا في الليل والنهار" (٤)، قال النووي (٥): ضبطناه بوجهين بنصب الليل والنهار ورفعهما النصب على الظرف والرفع على أنه فاعل ووقع عند الطبري (٦) في حديث عبد الرزاق لا يغيضها سح الليل والنهار برفع سح على أنه فاعل يغيضها [وخفض الليل والنهار بالإضافة على التوسع، كما قالوا: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار] (٧) ويقال سح يسح سحا فهو ساح وسحاء أي دائمة الصب والهطل بالعطاء وهو كناية عن كثرة العطاء والفضل (٨) مأخوذ من قولهم سح الماء سحا إذا سال من فوق

стр. 3383

ولم يرد أسح ومثله ديمة هطلاء ولم يردا أهطل وعبر ﷺ عن توالي النعم بسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه قال: القاضي عياض قال: المازري ويحتمل أنه يريد بذلك أن قدرة الله على الأشياء على وجه واحد لا تختلف ضعفا وقوة وإن المقدورات تقع بها على جهة واحدة ولا تختلف قوة وضعفا كما تختلف أفعالنا باليمين والشمال تعالى الله عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدثين (١) انتهى. وفي رواية يمين الله ملاء واليمين هنا كناية عن محل عطاءه ووصفها بالإمتلاء لكثرة منافعها وخص اليمين بذلك لأنها في الأكثر مظنة العطاء على طريق المجاز والإتساع (٢) وما أتم هذه البلاغة وأحسن هذه الاستعارة فلقد نبه ﷺ بما ذكر من حيث الاشتقاق على معان دقيقة وذلك أنه وصف يد الله تعالى اليمين لأنها مظنة العطاء ثم أشار ﷺ إلى أنها هي المعطية عن ظهر غنى لأن الماء إذا أنصب من فوق أنصب بسهولة ثم أشار ﷺ إلى جزالة عطايها وغزارتها لأن السح يستعمل فيما ارتفع عن القطر وبلغ حد السيلان وأشار ﷺ أيضًا إلى أنه لا مانع لعطائه لأن الماء إذا أخذ في الانصباب لم يستطع أحد أن يرده ثم وصف السح بالدوام تنبيها على أنه لا انقطاع لمادة عطائه (٣) ا. هـ.

стр. 3384

قوله ﷺ : "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما بيده وكان عرشه على الماء" أي كان سريره خلق قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوق الماء فالعرش في أصل اللغة السرير والعرش المضاف إليه عبارة عن موجود عظيم هو أعظم المخلوقات خلقه الله تعالى على الماء فاستوى عليه بمعنى أنه سخره كيف شاء ا. هـ فهذا كالدليل والشاهد لما قدمه من أن يمينه لا يغيضها نفقة ولما ذكر خلق السموات والأرض استشعر الخاطر ما قبل ذلك فذكر أن الله تعالى كان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء، وفي ذلك دليل على أن خلق العرش والماء كان قبل خلق الأرض والسموات، وفي صحيح البخاري (١) من حديث عمران بن حصين فذكر الحديث إلى أن قال فقال ﵊ "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض" وقد أجمع علماء الإسلام على أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام واختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون على قولين (٢) واختلفوا هل كان قبل السموات والأرض مخلوق قبلهما فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شيء وإنما خلق من العدم المحض وقال آخرون: بل كان قبل خلق السموات والأرض

стр. 3385

مخلوقات أخر لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (١) الآية. [فقال قائلون]: خلق القلم قبل هذه الأشياء [كلها، وهذا هو اختيار] ابن جرير وابن الجوزي وغيرهما، قال: ابن جرير (٢) وبعد القلم السحاب الرقيق وبعده [العرش] واحتجوا بالحديث الذي رواه أبو داود والترمذي (٣) عن عبادة بن الصامت موقوفًا: [إن أول ما خلق الله القلم. ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة] (٤) قال: الترمذي حديث حسن صحيح غريب والذي عليه الجمهور فيما نقله أبو العلاء وغيره أن العرش مخلوق قبل ذلك وهذا هو الذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك من طريق ابن عباس كما دل عليه الحديث الذي رواه مسلم (٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول "كتب الله تعالى الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء" فدل هذا على أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقدم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما دل على ذلك الجماهير ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات قال: ابن جرير

стр. 3386

وقد قيل أن الله تعالى خلق بعد القلم الكرسي ثم خلق بعد الكرسي العرش ثم بعد ذلك خلق الماء فوضع عرشه على الماء (١) ا. هـ قاله في الديباجة. وعن كعب الأحبار قال: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٢) على أي شيء كان الماء قال: على متن الريح (٣) ا. هـ والمتن الظهر وفيه إشارة إلى أن العرش كان مخلوقا قبل خلق السموات والأرض ولم يكن تحت العرش قبل خلق السموات والأرض إلا الماء والله ممسكه بقدرته (٤) وقال: أبو بكر الأصم ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٥) كقولهم السماء على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما

стр. 3387

ملتصقا بالآخر (١) وفيه دلالة على كمال قدرته لأن العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى ممسك ذلك بغير عمد لما استقام (٢). لطيفة: قال: ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٣) قال: كان يصعد [بخار] من الماء إلى السماء فاستصبر فعاد صبيرا فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٤) (٥) الصبير سحاب أبيض متراكب متكاثف يعني تكاثف البخار وتراكم فصار سحابا قاله في النهاية (٦) ا. هـ. وحكى أبو جعفر الطبري في تاريخه (٧) عن ابن عباس إن أول ما خلق الله العرش فاستوى عليه وحكى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله الماء قبل العرش ثم وضع العرش عليه وذكر أيضًا عن وهب بن منبه قال: كان العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض على الماء فلما أراد الله تعالى أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاء الماء قبضة ثم فتح

стр. 3388

القبضة فارتفعت دخانا فخلق منه السموات وقال الطبري (١): أيضًا وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: أن الله تعالى خلق الماء قبل العرش لصحة الحديث الذي رواه أبو رزين العقيلى (٢) والله أعلم وقال ابن عباس: "كان العرش على الماء وكان الماء على الريح" (٣). لطيفة: في رواية مقاتل بن سليمان جعل الله ﷻ العرش أربعة أركان وجعل بين كل ركن وركن وجوها لا يعلم عددها إلا الله سبحانه أكثر من نجوم السماء وتراب الأرض وورق الشجر وليس لطول العرش ولا لعرضه منتهى يعلمه أحد إلا الله ﷻ وتحت العرش الماء الذي قال الله تعالى فيه ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٤) وهو بحر عظيم لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى والكرسي تحت العرش وهو قدر سبع سموات والأرض كما أخبر الله تعالى عنه في كتابه العزيز وسع كرسيه السموات والأرض ا. هـ. سؤال: إن قيل لم خلق الله العرش بعد أن لا حاجة له إليه قيل لوجوه: أحدها جعله موضع خدمة ملائكته لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ

стр. 3389

مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (١)، الثاني: أراد إظهار قدرته وعظمته كما قال مقاتل السماء والأرض في عظم الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي مع السماء والأرض في عظم العرش كحلقة في فلاة وكلها في جنب عظمة الله كذرة في جنب الدنيا فخلقه لذلك ليعلم أن خالقه أعظم منه، والثالث خلق العرش إشارة لعباده لطريق دعوته ليدعونه من الفوق لقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٢) والرابع خلقه لإظهار شرف محمد ﷺ وهو قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣) وهو مقامه تحت العرش، والخامس خلقه معدن كتاب الأبرار لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾ (٤) السادس قيل هو مرآة الملائكة يرون الآدميين وأحوالهم كي يشهدوا عليهم في القيامة السابع العرش أعلا العالم وليس مكان أعلا منه ولا أظهر ولذلك فالإستواء عليه والإستواء الإستيلاء عند قوم فمن استولى على أعظم المخلوقات فقد استولى على ما دونه والله أعلم (٥). قوله ﷺ : "وبيده الميزان يخفض ويرفع" الحديث، قال: الخطابي:

стр. 3390

الميزان هنا مثل وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق يخفض ويرفع أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ويخفض أخرى (١) وفي الحديث أيضًا أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، والقسط [الميزان، سمي] به من القسط العدل أراد أن الله تعالى يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد [المرتفعة إليه، وأرزاقهم النازلة من] عنده كما يرفع الوزان يده ويخفضها [عند الوزن] وهو تمثيل لما [يقدره] الله تعالى [وينزله وقيل: أراد] بالقسط القسم من الرزق الذي يصيب كل مخلوق وخفضه تقليله ورفعه تكثيره قاله في النهاية (٢) فقد يكون عبارة عن الرزق ومقاديره وقد يكون عبارة عن جملة المقادير وهذا أظهر وقد يكونان عبارة عن تصاريف المقادير بالخلق بالعزة والذل كما قال تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٣) ذكرهما القاضي عياض والنووي (٤) ومن أسمائه تعالى الخافض الرافع وفسر الخافض بأنه الذي يخفض الجبارين والفراعنة أي يضعهم ويهينهم ويخفض كل شيء يريد خفضه (٥) وفسر الرفع بأنه الذي يرفع المؤمنين بالأسعاد وأولياؤه بالتقريب (٦) ا. هـ

стр. 3391

١٣٥٦ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يَا ابْن آدم إِنَّك إِن تبذل الْفضل خير لَك وَإِن تمسكه شَرّ لَك وَلَا تلام على كفاف وابدأ بِمن تعول وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى" رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (١). الكفاف بِفَتْح الْكَاف مَا كف عَن الْحَاجة إِلَى النَّاس مَعَ القناعة لَا يزِيد على قدر الْحَاجة. وَالْفضل: مَا زَاد على قدر الْحَاجة. قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة. قوله ﷺ : "يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف" قد فسر الحافظ (٢) ﵀ الفضل بما زاد على قدر الحاجة والكفاف: بما كف عن الحاجة إلى الناس مع القناعة لا يزيد على قدر الحاجة ا. هـ. فقوله: "أن تبذل الفضل خير لك" الحديث هو بفتح الهمزة من أن ومعناه أن بذلك الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك خير لك لبقاء ثوابه لك وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسكه عن الواجب استحق العقاب عليه وإن أمسكه عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر ومعنى ولا تلام على كفاف أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعى كمن كان له نصاب زكوي ووجبت الزكاة فيه بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفايته وجب عليه إخراج الزكاة

стр. 3392

ويحصل كفايته من جهة مباحة (١) ا. هـ. وقال القرطبي: فإمساكه عن الواجبات شر على كل حال بلا شك وإمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شر بالنسبة إلى ما فوت الممسك على نفسه من الخير (٢). وقال: في حدائق الأولياء (٣): في هذا الحديث بيان ما يؤدي إليه إمساك الفضل الذي هو شر لابن ءادم دينا ودنيا وما زاد على المهم ملوم عليه ما يتقرب به سواء تناولته حتى سمنت أو أمسكته وبخلت به على نفسك وغيرك ولا تلام على كفاف فهو الحسنة بين سيئتين الغلو والتقصير. وروى ابن أبي الدنيا (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ "اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف ومن أبغضني فأكثر ماله وولده" ومنه قوله: ﷺ "اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا" (٥). وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

стр. 3393

يَا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى شَيْئَيْنِ لَوْ جُمِعَا ... عِنْدِي لَكُنْتَ إِذَا مِنْ أَسْعَدِ الْبَشَرِ كَفافُ عَيشٍ يَقيني ذُلَّ مَسألةٍ ... وخِدمَةُ العِلمِ حتَّى يَنقَضي عُمُري (١) وأنشد أبو العتاهية: تَبْغي مِنَ الدُّنْيا الْكَثيرَ وَإنَّمَا ... يَكْفيكَ مِنْها مِثْلُ زادِ الرّاكِبِ لا يُعْجِبَنَّكَ ما تَرى فَكأنَّهُ ... قَدْ زالَ عَنْكَ زَوالَ أَمْسِ الذّاهِبِ (٢) ١٣٥٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا طلعت شمس قطّ إِلَّا وبجنبيها ملكان يناديان اللَّهُمَّ من أنْفق فأعقبه خلفا وَمن أمسك فأعقبه تلفًا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٣). وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَاكِم وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من يَوْم طلعت شمسه إِلَّا وبجنبيها ملكان يناديان نِدَاء يسمعهُ خلق الله كلهم غير الثقلَيْن يَا أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم إِن مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى وَلَا آبت الشَّمْس إِلَّا وَكَانَ بجنبيها ملكان يناديان نِدَاء يسمعهُ خلق الله كلهم

стр. 3394

غير الثقلَيْن اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا تلفا وَأنزل الله فِي ذَلِك قُرْآنًا فِي قَول الْملكَيْنِ يَا أَيهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم فِي سُورَة يُونُس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ (١) وَأنزل فِي قَوْلهمَا اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكًا تلفًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ (٢) إِلَى قَوْله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾ (٣) (٤). قوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام على أبي الدرداء ﵁. قوله: و"ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى" تقدم الكلام على ذلك في السؤال وصدقة السر ا. هـ. قوله ﷺ : "ما طلعت شمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان" الجنب بسكون النون وفتحها الناحية. قوله ﷺ : "اللهم من أنفق فأعقبه خلفا ومن أمسك فأعقبه تلفا" تقدم الكلام على ذلك في أول الباب. قوله ﷺ : "وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين" والثقلان في اللغة الإنس والجن لأن التكليف عليهما وما سواهما لا

стр. 3395

وزن له ولا يعبأ به فكأنه لا ثقل له (١) وقيل سميا بذلك لتفضيلهما بالعقل والتمييز [قاله عياض (٢) وقال] غيره وسمي الجن والإنس ثقلين لأنهما فضلا بالتمييز على سائر الحيوان وكل شيء له وزن وقدر يتنافس فيه فهو ثقل (٣) ا. هـ، وذكر أبو عمرو الزاهد أن أصل الكلمة من النفاسة لا من الثقل، والثقل: بيض النعام لاستوائه ونقائه ويقال لعزيز القوم بيضة البلد ويقال لكل خاطر نفيس ثقل فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما كذا في النهاية وجمل الغرائب (٤). قوله ﷺ : "ولا أبت الشمس إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان" الحديث. قوله: "آبت" أي غربت من الأوب وهو الرجوع يقال: آب أي رجع لأن الشمس ترجع بالغروب إلى موضعها الذي طلعت منه ولو استعمل ءابت الشمس إذا طلعت لكان له وجه من حيث أنها رجعت إلى مطلعها لكنه لم يستعمل والله أعلم قاله في النهاية (٥). قوله: فإن ما قل وكفى خير ممن كثر وألهى وروى ابن أبي الدنيا عن عمر أنه كان يقول في دعائه اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى ولا تقل لي فيها

стр. 3396

فأنسى فإن ما قل وكفى خير ممن كثر وألهى (١) ا. هـ. قوله: ﷺ عن قول المالكين "اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا" تقدم. ١٣٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول مثل الْبَخِيل والمنفق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان من حَدِيد من ثديهما إِلَى تراقيهما فَأَما الْمُنفق فَلَا ينْفق إِلَّا سبغت أَو وفرت على جلده حَتَّى تخفي بنانه وَتَعْفُو أَثَره وَأما الْبَخِيل فَلَا يُرِيد أَن ينْفق شَيْئا إِلَّا لَزِمت كل حَلقَة مَكَانهَا فَهُوَ يوسعها فَلَا تتسع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). الْجنَّة بِضَم الْجِيم مَا أجن الْمَرْء وستره وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا الدرْع وَمعنى الحَدِيث أَن الْمُنفق كلما أنْفق طَالَتْ عَلَيْهِ وسبغت حَتَّى تستر بنان رجلَيْهِ وَيَديه والبخيل كلما أَرَادَ أَن ينْفق لَزِمت كل حَلقَة مَكَانهَا فَهُوَ يوسعها وَلَا تتسع شبه ﷺ نعم الله تَعَالَى ورزقه بِالْجنَّةِ وَفِي رِوَايَة بالجبة فالمنفق كلما أنْفق اتسعت عَلَيْهِ النعم وسبغت ووفرت حَتَّى تستره سترا كَامِلا شَامِلًا والبخيل كلما أَرَادَ أَن ينْفق مَنعه الشُّح والحرص وَخَوف النَّقْص فَهُوَ بِمَنْعه يطْلب أَن يزِيد مَا عِنْده وَأَن تتسع عَلَيْهِ النعم فَلَا تتسع وَلَا تستر مِنْهُ مَا يروم ستره وَالله سُبْحَانَهُ أعلم. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.

стр. 3397

قوله ﷺ : "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما" الحديث والجنة الستر والدرع وتقدم الكلام على ذلك في الصدقة، وقوله ﷺ : "فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت عليه ووفرت على جلده حتى تخفى بنانه وتعفو أثرة أي أثر مشية" وسبغت عليه أي امتدت وطالت وإسباغ الوضوء [إكماله] وإتمامه وهو المبالغة فيه (١) والبنان بفتح الباء الموحدة الأنامل وتقدم الكلام على هذه الألفاظ مبسوطا وقد تكلم الحافظ على الجنة ومعنى الحديث والله أعلم، وقال: الكرماني (٢) أيضًا: حاصل الحديث أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعت يداه فامتدت بالعطاء وإن البخيل يضيق وتنقبض يده عن الإنفاق وقيل ضرب المثل بهما لأن المنفق يستره الله بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة كستر هذه الجنة لابسها والبخيل كمن لبس جبة إلى ثديه فيقي مكشوفا ظاهر العورة مفتضحا في الدارين (٣) قال: ابن بطال يريد أن المنفق إذا أنفق كفرت الصدقة ذنوبه ومحتها كما أن الجنة إذا سبغت عليه سترته [ووقته] والبخيل [لا تطاوعه نفسه على البذل فيبقى غير مكفر عنه الآثام كما أن] الجنة تبقى من بدنه ما لا يستره [فيكون] معرضا للأفات [انتهى] وقال ابن قيم الجوزية ولو لم يكن في [الصدقة] يعني المذكورة في الحديث إلا هذه الفائدة وحدها

стр. 3398

[لكان العبد حقيقا] بالاستكثار منها والمبادرة إليها (١). ١٣٥٩ - وَعَن قيس بن سلع الْأَنْصَارِيّ ﵁ أَن إخْوَته شكوه إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا إِنَّه يبذر مَاله وينبسط فِيهِ قلت يَا رَسُول الله آخذ نَصِيبي من التمرة فأنفقه فِي سَبِيل الله وعَلى من صحبني فَضرب رَسُول الله ﷺ صَدره وَقَالَ أنْفق ينْفق الله عَلَيْك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك خرجت فِي سَبِيل الله وَمَعِي رَاحِلَة وَأَنا أَكثر أهل بَيْتِي الْيَوْم وأيسره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَقَالَ تفرد بِهِ سعيد بن زِيَاد أَبُو عَاصِم (٢) عن قيس بن سلع الأنصاري [هو قيس بن سلع بفتحتين وقيل: قيس بن أسلع، والأول أكثر، وهو أنصاري من أهل المدينة وروى عن النبي ﷺ حديثا واحدا (٣)]. قوله: إن أخوته شكوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أنه يبذر ماله ويتبسط فيه الحديث، التبذير هو إنفاق المال فيما لا ينبغي والإسراف هو الصرف فيما ينبغي زائدا على ما لا ينبغي قال النووي في المنهاج (٤): الأصح أن صرف المال في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير والله أعلم.

стр. 3399

قوله تفرد به سعيد بن زياد أبو عاصم [سعد بن زياد أبو عاصم مولى سليمان بن علي سكن البصرة وأدرك عمر بن عبد العزيز وأحسبه كان مع مواليه بالحميمة سمع نافعا مولى بنت شجاع وعمر بن مصعب وكيسان مولى عبد الله بن الزبير، عمر العبشمي العبلي حكى عنه الأصمعي وموسى بن إسماعيل وأبو عبد الله بن أبي الأسود وإسحاق بن أبي إسرائيل وعبد الرحمن بن المبارك العبشي والقواريري ومحمد بن أبي بكر المقدمي، قال إسحاق بن أبي إسرائيل: نا سعد بن زياد أبو عاصم مولى سليمان بن علي، مات الحجاج وأنا ابن عشر سنين، قال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالمتين]. ١٣٦٠ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الأخلاء ثَلَاثَة فَأَما خَلِيل فَيَقُول أَنا مَعَك حَتَّى تَأتي قبرك وَأما خَلِيل فَيَقُول لَك مَا أَعْطَيْت وَمَا أَمْسَكت فَلَيْسَ لَك فَذَلِك مَالك وَأما خَلِيل فَيَقُول أَنا مَعَك حَيْثُ دخلت وَحَيْثُ خرجت فَذَلِك عمله فَيَقُول وَالله لقد كنت من أَهْون الثَّلَاثَة عَليّ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا عِلّة لَهُ (١). قوله عن أنس تقدم الكلام عن أنس. قوله ﷺ "الأخلاء ثلاثة" [وتفسير هذا: أن ابن آدم في الدنيا لا بد له من أهل يعاشرهم، ومال يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما، فالسعيد من اتخذ من ذلك ما يعينه على ذكر الله تعالى، وينفعه في الآخرة، فيأخذ من

стр. 3400

المال ما يبلغ به إلى الآخرة، ويتخذ زوجة صالحة تعينه على إيمان، فأما من اتخذ أهلا ومالا يشغله عن الله تعالى، فهو خاسر (١)] ١٣٦١ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّكُم مَال وَارثه أحب إِلَيْهِ من مَاله قَالُوا يَا رَسُول الله مَا منا أحد إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ من مَال وَارثه قَالَ فَإِن مَاله مَا قدم وَمَال وَارثه مَا أخر رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (٢). قوله: وعن ابن مسعود ﵁ تقدم الكلام عن ابن مسعود. قوله ﷺ : "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" [في هذا الحديث تنبيه للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته، ولا يكون خازنا له وممسكه عن إنفاقه في طاعة الله، فيخيب من الانتفاع به في يوم الحاجة إليه، وربما أنفقه وارثه في طاعة الله فيفوز بثوابه (٣)]. ١٣٦٢ - وَعنهُ ﵁ قَالَ دخل النَّبِي ﷺ على بِلَال وَعِنْده صَبر من تمر فَقَالَ مَا هَذَا يَا بِلَال قَالَ أعد ذَلِك لأضيافك قَالَ أما تخشى أَن يكون لَك دُخان فِي نَار جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (٤). وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَقَالَ أما تخشى أَن يفور لَهُ بخار فِي نَار جَهَنَّم (٥).

стр. 3401

قوله: وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: قال دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صبر من تمر" بلال هو أبو عبد الله ويقال أبو عبد الكريم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عمرو بلال بن رباح الحبشي القرشي التيمي مولى أبو بكر الصديق أمه حمامة مولاة لبني جمح وكان بلال ﵁ قديم الإسلام والهجرة شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان ممن يعذب في الله تعالى فيصبر على العذاب وكان أمية بن خلف يعذبه ويتابع عليه العذاب فقدر الله تعالى أن بلالا قتله يوم بدر وكان بلال ممن أسلم أول النبوة ومن أول من أظهر إسلامه وكانوا يطوفون به ويعذبونه اشتراه أبو بكر بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وأعتقه لله وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح وكان بلال يؤذن لرسول الله ﷺ حياته سفرا وحضرا وهو أول من أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله ﷺ ذهب إلى الشام للجهاد وأقام بها إلى أن مات وقيل إنه أذن لأبي بكر مدته وأذن لعمر مرة حين قدم عمر الشام فلم ير باكيا كان أكثر من ذلك اليوم، وفي صحيح البخاري (١) عن قيس بن أبي حازم قال: قال بلال لأبي بكر: "إن كنت إنما اشتريتني لنفسك، فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله، فدعني وعمل الله" فتوفي بدمشق سنة عشرين وقيل إحدى وعشرين وقيل ثمان عشرة وهو ابن أربع وستين سنة وقيل كان قرن أبي بكر ﵁ وقيل غير ذلك وكان ينزل داريا قرية بقرب دمشق ودفن

стр. 3402

بباب الصغير من دمشق وكان أدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف العارضين ومناقبه كثيرة (١). قوله: وَعِنْده صَبر من تمر الصبر، جمع صبرة وهو الكومة من الطعام وغيره. قوله "أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا" الحديث قال العلماء خوف الإقلال من سوء الظن بالله وسوء الظن بالله كفر وذلك أن الله تعالى وعد على الإنفاق خلفًا في الدنيا وثوابًا في العقبى فقال في الخلف: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٢) وقال في الثواب: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (٣) وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) الآية وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٥) الآية فمن أمسك عن الإنفاق خشية الفقر والإقلال فكأنه لم يصدق الله ولا رسوله في قولهما ولذلك كان النبي ﷺ يقول: "وأي داء أدوى من البخل" رواه البخاري (٦)، فلما كان البخل يحرم العبد الخلف في الدنيا

стр. 3403

والثواب في الآخرة ويسيء ظنه بالله تعالى واستعاذ منه رسول الله ﷺ في قوله "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن" الحديث رواه البخاري (١)، والذي يذهب الإقلال عن القلب شيئان، أحدهما: حسن ظنه بالله تعالى أنه يخلف عليه: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٢): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٣) والثاني: أن يكون الرجل لا مشيئة له في شيء من الأشياء قد اجتزئ بالقوت المقيم لمهجته فهذا يعطي من عسره ويسره فلا يخاف إقلالا لأنه رفع باله عن جميع ذلك وانقطعت مشيئته في نفسه وفي غيره لتدبير الله تعالى فيه وفيهم وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله غدا والله أعلم قاله القرطبي (٤). ١٣٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ عَاد بِلَالًا فَأخْرج لَهُ صبرا من تمر فَقَالَ مَا هَذَا يَا بِلَال قَالَ ادخرته لَك يَا رَسُول الله قَالَ أما تخشى أَن يَجْعَل لَك بخار فِي نَار جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا رَوَاهُ أَبُو

стр. 3404

يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عن أبي هريرة. قوله: "أن النبي ﷺ عاد بلالا فأخرج له صبرا من تمر" الحديث تقدم الكلام على بلال وعلى معنى هذا الحديث في الحديث قبله. ١٣٦٤ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ قَالَت قَالَ لي رَسُول الله ﷺ لَا توكي فيوكأ عَلَيْك (٢). وَفِي رِوَايَة أنفقي أَو انفحي أَو انضحي وَلَا تحصي فيحصي الله عَلَيْك وَلَا توعي فيوعي الله عَلَيْك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (٣). انفحي بِالْحَاء الْمُهْملَة وانضحي وأنفقي الثَّلَاثَة معنى وَاحِد وَقَوله: لَا توكي قَالَ الْخطابِيّ لَا تدخري والإيكاء شدّ رَأس الْوِعَاء بالوكاء وَهُوَ الرِّبَاط الَّذِي يرْبط بِهِ يَقُول لَا تمنعي مَا فِي يدك فتنقطع مَادَّة بركَة الرزق عَنْك انْتهى (٤). قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ سيأتي الكلام على مناقبها مبسوطا

стр. 3405

قريبا إن شاء الله تعالى في باب ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها. قولها: قالت قال لي رسول الله ﷺ لا توكي فيوكأ عليك" وفي رواية "أنفقي أو انفحي أو انضحي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك" الحديث، قوله ﷺ "لا توكي فيوكأ عليك" قد فسره الحافظ فقال قال الخطابي (١): أي لا تدخري والإيكاء شد الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به وقال بعضهم: الوكاء الحبل الذي يشد به السرة والكيس وغيرهما (٢) إلى قوله فينقطع مادة بركة الرزق عنك اهـ فإن مادة الرزق متصلة باتصال النفقة ومنقطعة بانقطاعها (٣) ذكره في شرح المشارق (٤). قوله ﷺ "أنفقي" معناه أعطي. وقوله ﷺ "أو انفحي" هو بفتح الفاء وبحاء مهملة وأصل النفح الضرب بالعصا أو بالسيف وكان الذي ينفق يضرب المعطى له بما يعطيه ويحتمل أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة أو من نفح الريح إذا هبت باردة فكأنه أمر بعطية سهلة كثيرة وفي حديث أبي ذر "ونفح بها يمينا وشمالا" أي أعطاه في كل وجه (٥).

стр. 3406

وقوله ﷺ "أو انضحي" بكسر الضاد فمعناه أيضًا أعطي وأصل النضح الرش وكأنه أمر بالتصدق بما تيسر وإن كان قليلا وفي الحديث "أرضخي" أي أعطي بغير تقدير ويطلق النضح أيضًا على الصب ولعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح ويفيد تكرار هذه الألفاظ تأكد أمر الصدقة والحث عليها على أي حال تيسرت بكثير أو قليل بمقدر أو غير مقدر في الطاعة والنهي عن الإمساك والبخل وعن ادخار المال في الوعاء (١) فقوله "أنفقي أو انفحي أو انضحي" قال الحافظ (٢): الثلاثة بمعنى واحد. قوله ﷺ "ولا تحصي فيحصي الله عليك" أي لا تبخلي فتجازين على بخلك وأصل هذا من الإحصاء الذي هو العد وعبر عن البخل بالإحصاء لأن البخيل يعد ماله ويتحرز به ويغار عليه (٣) فيحتمل قوله "ولا تحصي فيحصي الله عليك" وجهين: أحدهما: أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود، والآخر: أن يحاسبك عليه في الآخرة كذا في الميسر (٤). قوله ﷺ : "ولا توعي فيوعي الله عليك" أي لا تمسكي المال في الوعاء

стр. 3407

فيمسك الله فضله وثوابه عنك (١) وهذا كله من باب مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كمال قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٢) ومعناه: يمنعك الله كما منعت ويقتر عليك كما قترت ويمسك فضله عنك كما أمسكت، وقيل: معنى ولا تحصي أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع انفاقك (٣) والإحصاء للشيء معرفته قدرا أو وزنا أو عدا (٤) ومعنى ما ذكر أنك إذا فعلت ذلك جوزيت عليه بنسبة ما فعلت (٥)، والله أعلم. ١٣٦٥ - وَعَن بِلَال ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا بِلَال مت فَقِيرا وَلَا تمت غَنِيا قلت وَكَيف لي بذلك قَالَ مَا رزقت فَلَا تخبأ وَمَا سُئِلت فَلَا تمنع فَقلت يَا رَسُول الله وَكَيف لي بذلك قَالَ هُوَ ذَاك أَو النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَعِنْده قَالَ لي الق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ (٦). قوله: وعن بلال ﵁، تقدم الكلام على بلال. قوله ﷺ لبلال: "يا بلال مت فقيرا ولا تمت غنيا" والفقير هو الذي لا

стр. 3408

يملك شيئا وهو ضد الغني. ١٣٦٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتَاهُ الله حِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا. وَفِي رِوَايَة لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). وَالْمرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا للمغبط وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ وَله نِيَّته فَإِن تمنى زَوَالهَا عَنهُ فَذَلِك حرَام وَهُوَ الْحَسَد المذموم. قوله: وعن ابن مسعود ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"، وفي الرواية الأخرى: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" الحديث وقد فسر الحافظ: الحسد، فقال: والمراد بالحسد هنا الغبطة والإناء الساعات وتقدم الكلام على الحكمة وعلى ألفاظ الحديث في أوائل هذا التعليق. ١٣٦٧ - وَعَن طَلْحَة بن يحيى عَن جدته سعدى قَالَت دخلت يَوْمًا على طَلْحَة تَعْنِي ابْن عبيد الله فَرَأَيْت مِنْهُ ثقلا فَقلت لَهُ مَا لَك لَعَلَّه رَابَك منا شَيْء فنعتبك قَالَ لَا ولنعم حَلِيلَة الْمَرْء الْمُسلم أَنْت وَلَكِن اجْتمع عِنْدِي مَال وَلَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهِ قَالَت وَمَا يغمك مِنْهُ ادْع قَوْمك فاقسمه بَينهم فَقَالَ يَا غُلَام عَليّ بقومي فَسَأَلت

стр. 3409

الخازن كم قسم قَالَ أَرْبَعمِائَة ألف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن طلحة بن يحيى عن جدته سعدى قالت دخلت يوما على طلحة تعني ابن عبيد الله فرأيت منه ثقلا، كنيته: أبو محمد القرشي التيمي المكي المدني (٢) هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أمه: الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت، سماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا لأنه كان حينئذ بالشام لكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال: ذاك يوم كله كان لطلحة. وري له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الأولى سنة ست وثلاثين وعمره أربع وستون سنة على الصحيح وقبره مشهور بالبصرة يزار ويتبرك به (٣)، ثبت مع النبي ﷺ يوم أحد

стр. 3410

ووقاه بيده وجاءته ضربة فاشلتها يومئذ (١) فقال ﷺ : "أوجب [طلحة] " (٢) أي وجبت له الجنة، قال ابن قتيبة: رأته ابنته عائشة بعد موته بثلاثين سنة في المنام فشكى إليها أن ماء قرب منه فآذاه فامرت به فاستخرج طريًا ودفن في دار له بالبصره لم يتغير منه سوى عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي الأرض من أثر الماء، وقيل: اشتروا له دارا بعشرة آلاف درهم ودفنوه بها وكان له عشر بنين سماهم بأسماء الأنبياء وكان له أربع بنات وهم محمد وموسى وعيسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة ومريم والصعبة، وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد طلحة الخير [ويوم العشير طلحة الفياض ويوم خيبر] طلحة الجود، وفي المستدرك عن سعدى المرية

стр. 3411

أنها دخلت على طلحة فوجدته مغموما فقالت: ما لك؟ قال: مال اجتمع عندي قلت: فأقسمه في أهلك وقومك ففعل فسألت الخازن كم قسم، قال: أربعمائة ألف درهم، وقال الواقدي (١): قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل قتله مروان وقيل [غيره وقتل] ابنه محمد السجاد [يوم الجمل أيضًا] وكان الصحابة يتبركون به وبدعائه فذكر بسنده أنه قتل وفي يد خازنه ألف ألف ومائتا ألف وقومت أصوله وعقاره بثلاثين ألف ألف درهم، قال في [النهاية (٢)] ومنه الحديث أنه قال لطلحة: أنت الفياض سمي به لسعة عطائه وكثرته وكان قسم في قومه أربعمائة ألف وكان جوادا كما ذكر في ترجمته، قال ابن بطال (٣) يقال: فاض الإناء إذا امتلأ وأفاضه ملأه مشتق من الفيض بالفاء، ومنه الحديث في آخر الزمان يفيض المال فلا يجد الرجل من يقبل صدقته والظاهر أن فيضان المال كثرته بسبب نزول البركات وظهور الخيرات وقلة الرغبات لقصر الآمال ولعلمهم بقرب القيامة (٤). قولها: فقلت له ما لك لعلك رابك منا شيء فنعتبك، الحديث، يقال: رابني فلان إذا رأيت منه ما تكرهه، وهذيل تقول أرابني فلان (٥) ومعناه أي شيء رابك من الريبة أي ما الذي كرهته.
следующие страницы →