← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3407–3446 · переход к 3412.

стр. 3407

فيمسك الله فضله وثوابه عنك (١) وهذا كله من باب مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كمال قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (٢) ومعناه: يمنعك الله كما منعت ويقتر عليك كما قترت ويمسك فضله عنك كما أمسكت، وقيل: معنى ولا تحصي أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع انفاقك (٣) والإحصاء للشيء معرفته قدرا أو وزنا أو عدا (٤) ومعنى ما ذكر أنك إذا فعلت ذلك جوزيت عليه بنسبة ما فعلت (٥)، والله أعلم. ١٣٦٥ - وَعَن بِلَال ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا بِلَال مت فَقِيرا وَلَا تمت غَنِيا قلت وَكَيف لي بذلك قَالَ مَا رزقت فَلَا تخبأ وَمَا سُئِلت فَلَا تمنع فَقلت يَا رَسُول الله وَكَيف لي بذلك قَالَ هُوَ ذَاك أَو النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَعِنْده قَالَ لي الق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ (٦). قوله: وعن بلال ﵁، تقدم الكلام على بلال. قوله ﷺ لبلال: "يا بلال مت فقيرا ولا تمت غنيا" والفقير هو الذي لا

стр. 3408

يملك شيئا وهو ضد الغني. ١٣٦٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتَاهُ الله حِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا. وَفِي رِوَايَة لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). وَالْمرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا للمغبط وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ وَله نِيَّته فَإِن تمنى زَوَالهَا عَنهُ فَذَلِك حرَام وَهُوَ الْحَسَد المذموم. قوله: وعن ابن مسعود ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"، وفي الرواية الأخرى: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" الحديث وقد فسر الحافظ: الحسد، فقال: والمراد بالحسد هنا الغبطة والإناء الساعات وتقدم الكلام على الحكمة وعلى ألفاظ الحديث في أوائل هذا التعليق. ١٣٦٧ - وَعَن طَلْحَة بن يحيى عَن جدته سعدى قَالَت دخلت يَوْمًا على طَلْحَة تَعْنِي ابْن عبيد الله فَرَأَيْت مِنْهُ ثقلا فَقلت لَهُ مَا لَك لَعَلَّه رَابَك منا شَيْء فنعتبك قَالَ لَا ولنعم حَلِيلَة الْمَرْء الْمُسلم أَنْت وَلَكِن اجْتمع عِنْدِي مَال وَلَا أَدْرِي كَيفَ أصنع بِهِ قَالَت وَمَا يغمك مِنْهُ ادْع قَوْمك فاقسمه بَينهم فَقَالَ يَا غُلَام عَليّ بقومي فَسَأَلت

стр. 3409

الخازن كم قسم قَالَ أَرْبَعمِائَة ألف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن طلحة بن يحيى عن جدته سعدى قالت دخلت يوما على طلحة تعني ابن عبيد الله فرأيت منه ثقلا، كنيته: أبو محمد القرشي التيمي المكي المدني (٢) هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أمه: الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت، سماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا لأنه كان حينئذ بالشام لكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال: ذاك يوم كله كان لطلحة. وري له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الأولى سنة ست وثلاثين وعمره أربع وستون سنة على الصحيح وقبره مشهور بالبصرة يزار ويتبرك به (٣)، ثبت مع النبي ﷺ يوم أحد

стр. 3410

ووقاه بيده وجاءته ضربة فاشلتها يومئذ (١) فقال ﷺ : "أوجب [طلحة] " (٢) أي وجبت له الجنة، قال ابن قتيبة: رأته ابنته عائشة بعد موته بثلاثين سنة في المنام فشكى إليها أن ماء قرب منه فآذاه فامرت به فاستخرج طريًا ودفن في دار له بالبصره لم يتغير منه سوى عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي الأرض من أثر الماء، وقيل: اشتروا له دارا بعشرة آلاف درهم ودفنوه بها وكان له عشر بنين سماهم بأسماء الأنبياء وكان له أربع بنات وهم محمد وموسى وعيسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة ومريم والصعبة، وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد طلحة الخير [ويوم العشير طلحة الفياض ويوم خيبر] طلحة الجود، وفي المستدرك عن سعدى المرية

стр. 3411

أنها دخلت على طلحة فوجدته مغموما فقالت: ما لك؟ قال: مال اجتمع عندي قلت: فأقسمه في أهلك وقومك ففعل فسألت الخازن كم قسم، قال: أربعمائة ألف درهم، وقال الواقدي (١): قتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل قتله مروان وقيل [غيره وقتل] ابنه محمد السجاد [يوم الجمل أيضًا] وكان الصحابة يتبركون به وبدعائه فذكر بسنده أنه قتل وفي يد خازنه ألف ألف ومائتا ألف وقومت أصوله وعقاره بثلاثين ألف ألف درهم، قال في [النهاية (٢)] ومنه الحديث أنه قال لطلحة: أنت الفياض سمي به لسعة عطائه وكثرته وكان قسم في قومه أربعمائة ألف وكان جوادا كما ذكر في ترجمته، قال ابن بطال (٣) يقال: فاض الإناء إذا امتلأ وأفاضه ملأه مشتق من الفيض بالفاء، ومنه الحديث في آخر الزمان يفيض المال فلا يجد الرجل من يقبل صدقته والظاهر أن فيضان المال كثرته بسبب نزول البركات وظهور الخيرات وقلة الرغبات لقصر الآمال ولعلمهم بقرب القيامة (٤). قولها: فقلت له ما لك لعلك رابك منا شيء فنعتبك، الحديث، يقال: رابني فلان إذا رأيت منه ما تكرهه، وهذيل تقول أرابني فلان (٥) ومعناه أي شيء رابك من الريبة أي ما الذي كرهته.

стр. 3412

قوله: "ولنعم حليلة المرء المسلم أنت" نعم تقال للمدح ويئس تقال للذم، والحليلة بالحاء المهملة هي الزوجة. ١٣٦٨ - وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ نشر الله عَبْدَيْنِ من عباده أَكثر لَهما من المَال وَالْولد فَقَالَ لأَحَدهمَا أَي فلَان ابْن فلَان قَالَ لبيْك رب وَسَعْديك قَالَ ألم أَكثر لَك من المَال وَالْولد قَالَ بلَى أَي رب قَالَ وَكَيف صنعت فِيمَا آتيتك قَالَ تركته لوَلَدي مَخَافَة الْعيلَة قَالَ أما إِنَّك لَو تعلم الْعلم لضحكت قَلِيلا ولبكيت كثيرا أما إِن الَّذِي تخوفت عَلَيْهِم قد أنزلت بهم وَيَقُول للْآخر أَي فلَان ابْن فلَان فَيَقُول لبيْك أَي رب وَسَعْديك قَالَ لَهُ ألم أَكثر لَك من المَال وَالْولد قَالَ بلَى أَي رب قَالَ فَكيف صنعت فِيمَا آتيتك فَقَالَ أنفقت فِي طَاعَتك ووثقت لوَلَدي من بعدِي بِحسن طولك قَالَ أما إِنَّك لَو تعلم الْعلم لضحكت كثيرا ولبكيت قَلِيلا أما إِن الَّذِي قد وثقت بهِ أنزلت بهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط (١). الْعيلَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء هُوَ الْفقر. والطول بِفَتْح الطَّاء هُوَ الْفضل وَالْقُدْرَة والغنى. قوله: وروي عن ابن مسعود ﵁، تقدم الكلام على ابن مسعود. قوله ﷺ : "نشر الله عبدين من عباده أكثر لهما من المال

стр. 3413

والولد" الحديث، معناه أحياهما يقال أنشر الله الميت إنشارا فنشر نشورا، قال الله : ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ (١) وقال الله : ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٣): ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٤) والنشور الإحياء بعد الموت للبعث يوم القيامة. قوله: فقال لأحدهما أي فلان ابن فلان قال لبيك رب وسعديك، تقدم الكلام على التلبية. قوله: قال ألم أكثر لك من المال والولد قال بلى أي رب، قال وكيف صنعت فيما آتيتك قال تركته لولدي مخافة العيلة، الحديث، العيلة قد فسرها الحافظ (٥) وضبطها فقال هو الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٦) وقد اتفق مثل هذا لعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين ﵁ فإنه لما حضرته الوفاة أحضر بنيه وهم أحد عشر ذكرا وأمر أن يجهز مما يخلف ثم تعطي زوجته ما يخصها وما بقي يفرق على بنيه فناب كل ابن دينار فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين لو وكلت أمرهم إلي فقال إن بنيى أحد

стр. 3414

رجلين أن يكونوا صالحين الله يتولى الصالحين أو غير ذلك فلا أعينهم على معصية الله تعالى ولقد جهز بعد موته أحد بنيه مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله وأما مسلمة فإنه لما مات ناب كل واحد أحد عشر ألف دينار ولقد رُؤِيَ أحد بنيه يوقد في أتون الحمام، ذكر هذه الحكاية جماعة منهم القرطبي في تاريخه وذكره ابن النحاس في تاريخه (١) وغيره. (٢) قوله: للآخر أي فلان ابن فلان فيقول لبيك أي رب وسعديك قال له ألم أكثر لك من المال والولد قال بلى أي رب، قال فكيف صنعت فيما آتيتك فقال أنفقته في طاعتك ووثقت لولدي من بعدي بحسن طولك، قال الحافظ: الطول هو الفضل والقدرة والغنا. ١٣٦٩ - وَعَن مَالك الدَّار أَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَخذ أَرْبَعمِائَة دِينَار فَجَعلهَا فِي صرة فَقَالَ للغلام اذْهَبْ بهَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ثمَّ تله فِي الْبَيْت سَاعَة حَتَّى تنظر مَا يصنع فَذهب بهَا الْغُلَام إِلَيْهِ فَقَالَ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ وَصله الله ورحمه ثمَّ قَالَ تعالى يَا جَارِيَة اذهبي بِهَذِهِ السَّبْعَة إِلَى فلَان وبهذه الْخَمْسَة إِلَى فلَان وبهذه الْخَمْسَة إِلَى فلَان حَتَّى أنفذها وَرجع الْغُلَام إِلَى عمر فَأخْبرهُ فَوَجَدَهُ قد أعد مثلهَا لِمعَاذ بن جبل فَقَالَ اذْهَبْ بهَا إِلَى معَاذ بن جبل وتله فِي الْبَيْت حَتَّى تنظر مَا يصنع فَذهب

стр. 3415

بهَا إِلَيْهِ فَقَالَ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ اجْعَل هَذِه فِي بعض حَاجَتك فَقَالَ ﵀ وَوَصله تعالي يَا جَارِيَة اذهبي إِلَى بَيت فلَان بِكَذَا اذهبي إِلَى بَيت فلَان بِكَذَا اذهبي إِلَى بَيت فلَان بِكَذَا فاطلعت امْرَأَة معَاذ وَقَالَت نَحن وَالله مَسَاكِين فَأَعْطِنَا فَلم يبْق فِي الْخِرْقَة إِلَّا دِينَارَانِ فدحى بهما إِلَيْهَا وَرجع الْغُلَام إِلَى عمر فَأخْبرهُ فسر بذلك فَقَالَ إِنَّهُم إخْوَة بَعضهم من بعض رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته إِلَى مَالك الدَّار ثِقَات مَشْهُورُونَ وَمَالك الدَّار لَا أعرفهُ (١). تله: هُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَاللَّام أَيْضا وَتَشْديد الْهَاء أَي تشاغل. فدحى بهما: بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي رمى بهما. قوله: وعن مالك الدار [هو مالك بن عياض المعروف بمالك الدار المدني مولى عمر بن الخطاب ويقال الجبلاني سمع أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وروى عنه أبو صالح السمان وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع وابناه عون بن مالك وعبد الله بن مالك وقدم مع عمر بن الخطاب الشام وشهد معه فتح بيت المقدس وخطبته بالجابية وقال أبو عبيدة: ولاه عمر كيلة عيال عمر، فلما قدم عثمان ولاه القسم، فسمى مالك الدار، وقال إسماعيل القاضي، عن علي بن المديني: كان مالك الدار خازنا لعمر (٢)].

стр. 3416

قوله: أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تلّه في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. قوله: تله، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال أي تشاغل. قوله: فوجده قد أعدَّ مثلها لمعاذ بن جبل، فقال للغلام: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتلَّه في البيت حتى تنظر ما يصنع فذهب بها إليه فقال يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك فقال ﵀ ووصله تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا اذهبي إلى بيت فلان بكذا اذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ وقالت نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحى بهما إليها. قوله: "دحى" قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي رمي بهما إليها والله أعلم. ١٣٧٠ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ كانَت عِنْد رَسُول الله ﷺ سَبْعَة دَنَانِير وَضعهَا عِنْد عَائِشَة فَلَمَّا كانَ عِنْد مَرضه قَالَ يَا عَائِشَة ابعثي بِالذَّهَب إِلَى عَليّ ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ وشغل عَائِشَة مَا بِهِ حَتَّى قَالَ ذَلِك مرَارًا كل ذَلِك يغمى على رَسُول الله ﷺ ويشغل عَائِشَة مَا بِهِ فَبعث إِلَى عَليّ فَتصدق بهَا وَأمسى رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيد الْمَوْت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ فَأرْسلت عَائِشَة بمصباح لَهَا إِلَى امْرَأَة من نسائها فَقَالَت أهدي لنا فِي مصباحنا من عكتك السّمن فَإِن رَسُول الله ﷺ أَمْسَى فِي حَدِيد الْمَوْت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (١).

стр. 3417

وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة بِمَعْنَاهُ (١). قوله: وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁، تقدم الكلام على مناقبه في قيام الليل مبسوطا. قوله: وأمسى رسول الله ﷺ في حديد الموت ليلة الاثنين، حديد الموت هو [شدة الموت وكرباته وسكراته]. قوله: فأرسلت عائشة بمصباح لها إلى امرأة من نسائه فقالت أهدي لنا في مصباحنا من عكتك السمن فإن رسول الله ﷺ أمسى في حديد الموت، والمصباح السراج، سمي بذلك لأنه مطلب به الضياء وهو الصبح والصباح، والعكة: بضم العين وتشديد الكاف وهي وعاء من جلود مستدير يخص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص وقد تكرر في الحديث (٢) فإذا كان للخَلّ فهي زُكْرَة، فإذا استَطَال كَهَيْئَة الزِّقِّ، فإن كان لِلَّبَن فهي وَطْبٌ، وللسَّمْن نِحْىٌ، ولِلرُّبِّ حَمِيتٌ (٣). ١٣٧١ - وَعَن عبد الله بن الصَّامِت قَالَ كنت مَعَ أبي ذَر ﵁ فَخرج

стр. 3418

عطاؤه وَمَعَهُ جَارِيَة لَهُ قَالَ فَجعلت تقضي حَوَائِجه ففضل مَعهَا سَبْعَة فَأمرهَا أَن تشتري بِهِ فُلُوسًا قَالَ قلت لَو أَخَّرته للْحَاجة تنوبك أَو للضيف ينزل بك قَالَ إِن خليلي عهد إِلَيّ أَن أَيّمَا ذهب أَو فضَّة أوكئ عَلَيْهِ فَهُوَ جمر على صَاحبه حَتَّى يفرغه فِي سَبِيل الله رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (١). وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالطَّبَرَانِيّ بِاخْتِصَار الْقِصَّة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أوكى على ذهب أَو فضَّة وَلم يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله كَانَ جمرا يَوْم الْقِيَامَة يكوى بِهِ هَذَا لفظ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله أَيْضا رجال الصَّحِيح (٢). [قوله]: وعن عبد الله بن الصامت [عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ابن أخي أبي ذر، روى عن: حذيفة بن اليمان، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمه أبي ذر الغفاري وعائشة أم المؤمنين، وغيرهم، روى عنه: حميد بن هلال العدوي، وسعيد بن أبي الحسن البصري، وسوادة بن عاصم، وعمرو بن مرة، وجماعة وثقه النسائي وابن سعد والعجلى وقال أبو حاتم: يكتب حديثه (٣). وأما عمه فهو أبو ذر اسمه جندب، بضم الجيم،

стр. 3419

وبضم الدال وبفتحها، ابن جنادة، بضم الجيم، وقيل: اسمه برير، بموحدة مضمومة، وراء مكررة، ابن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن الرفيقة بن حرام بن غفار بن مليك بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الغفارى الحجازى، وأمه رملة بنت الرفيقة، وكان أبو ذر، ﵁، من السابقين إلى الإسلام، ثبت في صحيح مسلم أنه قدم إلى رسول الله ﷺ في أول الإسلام، فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي ﷺ ، ثم هاجر إلى النبي ﷺ إلى المدينة، وصحبه حتى توفى رسول الله ﷺ ، روى له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على اثنى عشر حديثا، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر توفى أبو ذر بالربذة سنة اثنين وثلاثين. قال المدائنى: وصلى عليه ابن مسعود، ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفى، وكان أبو ذر طويلا عظيما، رضى الله عنه، وكان زاهدا، متقللا من الدنيا، وكان مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته، وكان قوالا بالحق (١)]. قوله: كنت مع أبي ذر ﵁ فخرج عطاؤه ومعه جارية له، المراد بقوله (فخرج عطاؤه) هو ما يخصه من بيت الماء في ذلك الزمان.

стр. 3420

قوله: قال إن خليلي عهد إلي أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه فهو جمر على صاحبه، وتقدم الكلام على الوكاء في أحاديث الباب. ١٣٧٢ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ أهديت للنَّبِي ﷺ ثَلَاث طوائر فأطعم خادمه طائرا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد أَتَتْهُ بهَا فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ ألم أَنْهَك أَن ترفعي شَيْئا لغد فَإِن الله يَأْتِي برزق غَد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (١). ورواة أبي يعلى ثِقَات. قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام على أنس. قوله: أهدي لرسول الله ﷺ ثلاث طوائر، فأطعم خادمه طائرًا، فلما كان من الغد أتته بها فقال لها رسول الله ﷺ : "ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فإن الله يأتي برزق غد". ١٣٧٣ - وَعَن أنس أَيْضا ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يدّخر شَيْئا لغد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا من رِوَايَة جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي عَن ثَابت عَنهُ (٢).

стр. 3421

قوله: وعن أنس أيضًا ﵁، تقدم الكلام على أنس أيضًا. قوله: [ورواه البيهقي من رواية جعفر بن سليمان الضبعي]. قوله: كان رسول الله ﷺ : "لا يدخر شيئا لغده" الحديث. فائدة: جاء في هذا الحديث أن رسول الله ﷺ كان لا يدخر شيئا لغد وجاء في حديث آخر أن رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع (١)، الحديث فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: إن هذا الحديث فيه جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته كما جرى للنبي ﷺ ، أما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخر لقوت عياله فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل يشتري مالا يضيق على المسلمين كقوت أيام وشهور وإن كان في وقت سعة اشترى قوت سنة أو أكثر، قال النووي (٢): هكذا نقل القاضي (٣) هذا التفصيل عن أكثر العلماء وعن قوم: إباحته مطلقا. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀: ووجه الجمع بين هذا الحديث والحديث الآخر وهو أنه ﷺ كان لا يدخر شيئا لغد يعني لا يدخر لنفسه شيئا، وذلك الحديث على الادخار لعياله وهو ﷺ وإن كان يأكل

стр. 3422

معهم لكنهم المقصودون بالادخار حتى لو لم يكن عنده أهله لم يدخر لنفسه شيئا (١)، أ. هـ. ويحتمل وجه آخر في الجمع وهو أنه كان لا يدخر لنفسه طعاما يصلح للأكل كالخبز والطعام المطبوخ والفاكهة كما يفعله بعض غالب الناس ولا يمنع أن يدخر لنفسه ما لا يصلح للأكل كالحب والدقيق ونحوهما والله أعلم. وروي عن سلمان الفارسي أنه كان يجتهد في تعجيل ادخار قوته فيخاطب في ذلك فيقول إن النفس إذا ادخرت قوتها اطمأنت (٢) أي تفرغت للعبادة [والتفكر] في كتاب الله تعالى [كما ورد أن] الله تعالى يقول: "يا عبدي إذا كان عندك القوت فتعبد" كذا في طبقات الأولياء، ونقل في الروضة في كتاب السير (٣) عن إمام الحرمين أنه ذكر في كتابه الغياثى (٤) أنه يجب على الإنسان مواساة الفقراء إشباع الجائع وإطعام [المضطر] بما زاد على قوت السنة وهو يوهم أنه يعطيه إياهم من غير رجوع وليس كذلك بل يعطيه إياهم ثم يرجع عليهم عند يسارهم ويكون سبيله سبيل المقرض كما صرح بذلك

стр. 3423

أبو الفتوح العجلي (١)، ويؤيده ما نقله هبة الله المفسر في كتاب الناسخ والمنسوخ (٢) أن التصدق بما زاد على قوت السنة كان أولا ثم نسخ بآية الزكاة والله أعلم ذكره ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قوله: أهدى لرسول الله ﷺ ثلاث طوائر، الحديث. قال الخطابي (٣): كان النبي ﷺ يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة وكان المعنى في ذلك أن الهدية [إنما] يراد بها ثواب الدنيا فكان النبي ﷺ يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة وأما الصدقة فيراد بها ثواب الآخرة ولأن الصدقة أوساخ الناس فصانه الله عنها وأبدلها بخمس الخمس والفيء وهي ما أخذ من الكفار من غير قتال وتقدم الكلام عليه في السؤال في حديث حكيم بن حزام [ ....... ] وقال بعضهم أيضًا: والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة هبة لثواب الآخرة والهدية هبة تنقل إلى المثيب إكراما له. قال ابن بطال (٤): وإنما كان الرسول ﷺ يأكل الهدية لما فيها من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة ويجوز أن يثيب عليها بمثلها وبأفضل منها فلا منة ولا ذلة بخلاف الصدقة، أ. هـ. فرع في الحديث: إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد فالمراد به

стр. 3424

الفرض والنفل جميعا بالنسبة إليه ﵇ على المرجح، وأما آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب فإنما يحرم عليهم صدقة الفرض على الصحيح وفي النفل خلاف وليس ذلك لغناهم ولكن تشريفا لمنزلتهم واختلف في مواليهم، وأما السؤال لغير المحتاج فحرام لما فيه من الذلة ومخالفة الأحاديث الصريحة في تسميتها سحتا، أ. هـ قاله في شرح الإلمام (١). فائدة لطيفة: حكى الزمخشري (٢) وغيره في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (٣) الآية، عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنملة والفأر والعقعق وهو طائر على قدر الحمامة على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب وهو لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به بل يهيئ وكره في المواضع المشرفة وفي طبعه الزنى والخيانة ويوصف بالسرقة والخبث، والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك وفي طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي فكم عقد ثمين اختطفه من يمين. قال الشاعر: إذَا بَارَكَ اللهُ فِي طَائِرٍ ... فَلَا بَارَكَ اللهُ فِي الْعَقْعَقِ قَصِيرُ الْجَنَاحِ طَوِيلُ الذِّنَابِ ... مَتَى مَا يَجِدْ غَفْلَةً يَسْرِقْ

стр. 3425

يُقَلِّبُ عَيْنَيْنِ فِي رَأْسِهِ ... كَأَنَّهُمَا قَطْرَتَا زِئْبَقِ الحكم في حله، فيه وجهان: أحدهما: يؤكل الغراب الزرع، والثاني: يحرم وهو الأصح تبعا للبغوي قاله في حياة الحيوان (١). ١٣٧٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول إِنِّي لألج هَذِه الغرفة مَا ألجها إِلَّا خشيَة أَن يكون فِيهَا مَال فأتوفى وَلم أنفقهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٢). لألج أَي لأدخل. والغرفة بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْعلية. قوله: وعن سمرة بن جندب ﵁، تقدم. قوله ﷺ : "إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه" قد فسر الحافظ الولوج بالدخول والغرفة هي العلية. ١٣٧٥ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا أبقى صبح ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء إِلَّا شَيْئا أعده لدين رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَطِيَّة عَن أبي سعيد وَهُوَ إِسْنَاد حسن وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (٣).

стр. 3426

قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم الكلام على أبي سعيد. قوله: "ما أحب أن لي أحدا ذهبا أبقى صبح ثالثة وعندي منه شيء إلا شيئا أعده لدين" الحديث، سيأتي الكلام على أحد في الحديث بعده. ١٣٧٦ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ لي أَبُو ذَر يَا ابْن أخي كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ آخِذا بِيَدِهِ فَقَالَ لي يَا أَبَا ذَر مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا وَفِضة أنفقهُ فِي سَبِيل الله أَمُوت يَوْم أَمُوت أدع مِنْهُ قيراطا قلت يَا رَسُول الله قِنْطَارًا قَالَ يَا أَبَا ذَر أذهب إِلَى الْأَقَل وَتذهب إِلَى الْأَكْثَر أُرِيد الْآخِرَة وتريد الدُّنْيَا قيراطا فَأَعَادَهَا عَليّ ثَلَاث مَرَّات رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن عبد الله بن عباس ﵄، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله: كنت مع رسول الله ﷺ آخذا بيده فقال لي يا أبا ذر: "ما أحب أن لي أحدا ذهبا وفضة أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت أدع منه قيراطا" الحديث، أحد: جبل، قيل: أكبر جبل في الدنيا أحد لأنه يبلغ إلى الأرض السفلى فلهذا ذكره النبي ﷺ ولأنه أكبر جبل عندهم وإلا ففي الدنيا جبال أكبر من أحد، ويقال: إن في وادي من الأودية جبلان شامخان ملتقيان من فوق وبين هذا وهذا من الأرض مسيرة ثلاثة أيام (٢).

стр. 3427

١٣٧٧ - وَعنهُ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ الْتفت إِلَى أحد فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا يسرني أَن أحدا تحول لآل مُحَمَّد ذَهَبا أنفقهُ فِي سَبِيل الله أَمُوت يَوْم أَمُوت أدع مِنْهُ دينارين إِلَّا دينارين أعدهما للدّين إِن كَانَ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَإسْنَاد أَحْمد جيد قوي (١). قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده" هو من أحاديث الصفة التي فيها مذهبان مشهوران، أحدهما: تأويل اليد بالقدرة، ثانيهما: إقرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه والكف عن تفسير الصفة المذكورة وإن ظاهرها ليس بمراد والله أعلم. ١٣٧٨ - وَعَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ دخلت على سعيد بن مَسْعُود نعوده فَقَالَ مَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ وَلَكِن لَيْت مَا فِي تابوتي هَذَا جمر فَلَمَّا مَاتَ نظرُوا فَإِذا فِيهِ ألف أَو أَلفَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن قيس بن أبي حازم [هو أبو عبد الله قيس بن أبي حازم، واسمه

стр. 3428

عبد عوف بن الحارث، وقيل: اسمه عوف الأحمسى، بالحاء والسين المهملتين، البجلى، الكوفى، التابعى، الجليل، المخضرم. أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النبي ﷺ فتوفى النبي ﷺ وهو في الطريق، وأبوه صحابى، روى قيس عن جماعات من الصحابة. روى عنه جماعات من التابعين. قال جماعة من الحفاظ: روى قيس عن العشرة أصحاب رسول الله ﷺ ، هكذا رويناه عن الحافظ عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، والحاكم أبى عبد الله، وغيرهما. قال ابن خراش وغيره: وليس في التابعين من روى عن العشرة غير قيس، وقال أبو داود السجستانى: روى عن تسعة منهم، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف. قال أبو داود: أجود الناس إسنادا قيس بن أبي حازم. توفى سنة أربع وثمانين، وقيل: سبع وثمانين، وقيل: ثمان وسبعين، ﵀ (١)]. قوله: قال دخلنا على سعيد بن مسعود نعوده، الحديث، سعيد هذا هو ابن [مسعود أبو مسعود الكندي قال ابن منده: لا تصح له صحبة، وهو كوفي، وذكره البخاري والبغوى في الصحابة، روى عنه قيس بن أبي حازم، ومسلم بن يسار (٢)]. ١٣٧٩ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رجلا توفّي على عهد رَسُول الله ﷺ فَلم يُوجد لَهُ كفن فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ انْظُرُوا إِلَى دَاخِلَة إزَاره فأصيب دِينَار أَو

стр. 3429

دِينَارَانِ فَقَالَ كَيَّتَانِ (١). وَفِي رِوَايَة توفّي رجل من أهل الصّفة فَوجدَ فِي مِئْزَره دِينَار فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كَيَّة ثم توفّي آخر فَوجدَ فِي مِئْزَره دِينَارَانِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كَيَّتَانِ رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طرق ورواة بَعْضهَا ثِقَات أثبات غير شهر بن حَوْشَب (٢). قوله: وعن أبي أمامة ﵁، تقدم الكلام على أبي أمامة. قوله: أن رجلا توفي على عهد رسول الله ﷺ فلم يوجد له كفن فأتى النبي ﷺ فقال: "انظروا إلى داخلة إزاره فأصيب دينار أو ديناران فقال كيتان" وفي رواية: "توفي رجل من أهل الصفة" (٣)، الحديث، الصفة موضع بمسجد رسول الله ﷺ يأوي فيه الفقراء الغرباء. فائدة: أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله ﷺ وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله ﷺ ، وقيل: أهل الصفة كان رسول الله يأتيهم فيقول: "السلام عليكم يا أهل الصفة" فيقولون: وعليك يا رسول الله، فيقول: "كيف أصبحتم" فيقولون: بخير يا رسول الله (٤)، وعن نعيم المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا

стр. 3430

حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقى من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى بالنبي ﷺ بعشائه فنتعشى معه فإذا فرغنا قال رسول الله ﷺ : "ناموا في المسجد" (١). قال أبو الفرج بن الجوزي: قلت هؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة [وإنما أكلوا] من الصدقة ضرورة فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا (٢) قاله في مجمع الأحباب. ١٣٨٠ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ توفّي رجل من أهل الصّفة فوجدوا فِي شملته دينارين فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَقَالَ كَيَّتَانِ رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). قَالَ الْحَافِظ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ ادخر مَعَ تلبسه بالفقر ظَاهرا ومشاركته الْفُقَرَاء فِيمَا يَأْتِيهم من الصَّدَقَة وَالله أعلم. قوله: وعن عبد الله بن مسعود ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: توفي رجل من أهل الصفة فوجدوا في شملته دينارين فذكروا ذلك

стр. 3431

للنبي ﷺ فقال "كيتان" الحديث، قال الحافظ (١): وإنما كان كذلك لأنه ادخر مع تلبسه بالفقر ظاهرا ومشاركته الفقراء فيما يأتيهم من الصدقة والله أعلم، وقد مات على عهد رسول الله ﷺ كثير من الصحابة وتركوا أموالا فما قال فيهم رسول الله ﷺ مثل ما قال في هذا لأنهم لم يبطنوا خلاف ما أظهروا وهذا الذي كان من أهل الصفة أظهر الفاقة وكان عنده هذان الديناران فلما أظهر خلاف ما أبطن قال الرسول ﷺ : "كيتان من نار" انتهى، قاله في متن اللطائف لابن عطاء الله (٢). وأجاب ابن عطية ﵀ بأنهما كانا يعيشان من الصدقات وعندهما الذهب أو أن هذا كان في صدر الإسلام ثم قرر الشرع ضبط المال وأداء حقه (٣) والدليل على ذلك فرض الزكوات في أصناف الأموال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٤) الآية، ولهذا قال ﵇: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وأن الله تعالى تولى قسم المواريث بنفسه" (٥) فلو كان الإنسان يحرم عليه أن يدخر المال لورثته لما تولى الله سبحانه قسمة

стр. 3432

المال المخلف بنفسه فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) الآية، ولما نهى عن إضاعة المال فالصحيح من هذا كله الذي استقرت عليه الشريعة المطهرة وأجمع عليه فقهاء الأمصار وعلماء الأمة أن الإنسان له أن يأخذ المال من حله وعليه أن يخرج منه زكاته فمن منع زكاة ماله فذلك هو الأمر الشنيع والحال الفظيع الذي جاء في الوعيد الشديد، والله أعلم. تتمة: وقد قال بعض الفضلاء في ذلك: مات فقير كان بالصفية ... خلف دينارًا له مخفية قال النبي سيد البرية ... كية أي بالنار بئس الكية ١٣٨١ - وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ كنت جَالِسا عِنْد النَّبِي ﷺ فَأتي بِجنَازَة ثم أُتِي بِأُخْرَى فَقَالَ هَل ترك من دين قَالُوا لَا قَالَ فَهَل ترك شَيْئا قَالُوا نعم ثَلَاثَة دَنَانِير فَقَالَ بأصابعه ثَلَاث كيات الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن جيد وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبُخَارِيّ بِنَحْوِهِ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن سلمة بن الأكوع ﵁ الصحابي، هو: أبو مسلم ويقال أبو إياس ويقال أبو عامر سلمة بن عمرو بن الأكوع. فائدة: قال شيخ الإسلام النووي في الأذكار (٣): وقد كان من الصحابة جماعات لهم كنى قبل أن يولد لهم كأبي هريرة وأبي حمزة وخلائق لا

стр. 3433

يحصون من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ولا كراهة في ذلك بل هو [محبوب] قال (١): والأدب أن [يخاطب] أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية، وكذلك إذا كتب إليه رسالة وكذا إن روى عنه رواته فيقول: حدثنا الشيخ الإمام أبو فلان بن فلان وما أشبهه والأدب أن لا يذكر الرجل كنيته في كتابه ولا في غيره إلا أن لا يعرف إلا بكنيته أو كانت الكنية أشهر من اسمه والسنة أن يكنى الرجل بأكبر أولاده لأن النبي ﷺ كنى بأبي القاسم لأنه أكبر بنيه، وفي حديث أبي شريح هانئ الصحابي لما كناه النبي ﷺ بأبي شريح وهو أكبر أولاده، أ. هـ. قاله في الديباجة (٢). واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن [سلامان بن أسلم الأسلمي] شهد بيعة الرضوان بالحديبية وبايع رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم وكان ﵁ شجاعا راميا محسنا خيرا فاضلا، غزى مع رسول الله ﷺ سبع غزوات ويقال شهد غزوة مؤتة، روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وسبعون حديثا، اتفقا على ستة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بتسعة روى عنه ابنه إياس ومولاه يزيد بن أبي عبيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون وكان يسكن المدينة فلما قتل عثمان خرج إلى الربذة فسكنها وتزوج هناك وولد له فلم يزل بها حتى كان قبل وفاته بليال عاد إلى المدينة فتوفي

стр. 3434

بها سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة وكان يصفر لحيته ورأسه، قال ابنه إياس: ما كذب أبي قط وقال النبي ﷺ "خير رجالتنا سلمة بن الأكوع" (١) ومناقبه كثيرة (٢) وتقدم تفسير الحديث في الحديث قبله. ١٣٨٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن أَعْرَابِيًا غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ خَيْبَر فَأَصَابَهُ من سَهْمه دِينَارَانِ فَأَخذهُمَا الْأَعرَابِي فجعلهما فِي عباءة فخيط عَلَيْهِمَا ولف عَلَيْهِمَا فَمَاتَ الْأَعرَابِي فَوجدَ الديناران فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ كَيَّتَانِ رَوَاهُ أَحْمد وَإِسْنَاده حسن لَا بَأْس بِهِ فِي المتابعات (٣). قوله عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام على أبي هريرة وتقدم أيضًا معنى الحديث في الحديث قبله. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ أعرابيا غزا مع رسول الله ﷺ خيبر فأصابه من سهمه ديناران" والأعرابي هو الذي يسكن البادية وخيبر تقدم الكلام عليها في باب أكل اللوحة الثوم والبصل والله أعلم. ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن ١٣٨٣ - عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا أنفقت الْمَرْأَة من طَعَام بَيتهَا

стр. 3435

غير مفْسدَة كَانَ لَهَا أجرهَا بِمَا أنفقت ولزوجها أجره بِمَا اكْتسب وللخادم مثل ذَلِك لَا ينقص بَعضهم من أجر بعض شَيْئا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١) وَعند بَعضهم إِذا تَصَدَّقت بدل أنفقت. قوله: عن عائشة ﵂ هي عائشة أم المؤمنين بنت الصديق (٢) ﵂ وأمها أم رومان بنت عويمر الكنانية تزوجها رسول الله ﷺ بعد وفاة خديجة ﵂ بثلاث سنين [قبل الهجرة] خطبها رسول الله ﷺ من أبيها أبي بكر ﵁ فقال يا رسول الله أو تحل لك؟ قال "نعم" فقال له أبو بكر: ألست أخاك؟ قال "بلى في الإسلام وهي لي حلال" (٣) فتزوجها رسول الله ﷺ وأحبها حبا شديدا وقالت عائشة: أتتني أمي أم رومان وإني لفي [أرجوحة] ومعي صواحب لي فصرخت في فأتيتها ما أدري ما تريد بي فأخذت بيدي حتى وقفت على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن على الخير والبركة، وعلى خير طائر (٤)، فأسلمتني

стр. 3436

إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين" (١) وفي رواية قالت عائشة: ثم أقبلت أمي تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء، فخرجوا وبنى بي رسول الله ﷺ وأنا يومئذ بنت تسع سنين، وكانت ﵂ تفتخر بأشياء لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل أتى بصورتها وقال لرسول الله ﷺ هذه زوجتك ومنها أنه كان يصلي وأنا معترضة بين يديه كالجنازة ولم يفعل ذلك بأحد من نساءه غيري ومنها أنها كانت أعلم الناس على الإطلاق، قال عطاء بن أبي رباح (٢): كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا ولم يرو أحد من الأحاديث أكثر منها، وقال أبو موسى الأشعري (٣): ما أشكل على أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط فسألنا عائشة عنه إلا وجدنا عندها علما وقد تفردت من بين الصحابة بمسائل لم تكن إلا عندها ومن مناقبها نزول الوحي

стр. 3437

على رسول الله ﷺ في لحافها ولم ينزل عليه في لحاف غيرها وأقرأها جبريل الروح الأمين السلام على لسان بعلها ورأته مع رسول الله ﷺ في حجرتها ونزل القرآن العظيم ببراءتها وقبول عذرها وتوفي رسول الله ﷺ في نوبتها وليلتها وقد امتزج ريقه المطهر بريقها ورأسه المقدس في حجرها ومات بين حاقنتها وذاقنتها وسحرها ونحرها ونزلت آية التيمم ببركتها وكانت أكرم أهل زمانها وعابدة أوانها وأقامت بعد رسول الله ﷺ تسرد الصوم بقية عمرها وتفتي في [الفقه ويؤخذ بقولها فأي] فخر كفخرها. وعن عبد الله عن عروة، عن عائشة، قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أعظم عنده مني؟ (١) " الحديث، وصدقت ﵂ كانت أحظى النساء عند رسول الله ﷺ وأحبهن إليه بعد خديجة وبنى بها بالمدينة [بعد بدر] وهي بنت تسع سنين ومات رسول ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة، ونشرت عنه علما كثيرا لأنها روت عنه فيما ذكر أصحاب [الأعداد ألفين حديثا ومائتين حديثا وعشرة أحاديث]. قوله ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها" أي طعام زوجها الذي في بيتها كما صرح به في الرواية الأخرى وفي رواية "إذا أطعمت المرأة من بيت

стр. 3438

زوجها" وعند بعضهم "إذا تصدقت" فإن قلت: الطعام إما للزوج فلا يجوز لها الإنفاق منه وإما للزوجة فلا دخل للزوج فيه قلت: هو للزوج وهذا ورد بناء على عادتهم لأنهم يأمرون أزواجهم بالإنفاق على الفقراء من طعام البيت قاله الكرماني (١). قوله ﷺ "غير مفسدة" يقتضي اليسير الذي لا يجحف بالزوج، قال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود: فرق بعض العلماء بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج ولها النظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافا لكن بمقدار العادة وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، فأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه (٢) اهـ. قال النووي في شرح مسلم (٣): معناه من غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقا إما بالصريح وإما بالعرف ولا بد من هذا التأويل، ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة فإن زاد على المتعارف لم يجز وهذا معنى قوله ﷺ إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة فأشار ﷺ إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة

стр. 3439

ونبه بالطعام أيضًا على ذلك لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس وفي كثير من الأحوال واعلم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف. ويمكن أن يحمل ذلك على ما إذا أنفقت من مالها الذي اكتسبته وأعطاه لها في نفقتها فلها الأجر وإن لم يأذن لها في إنفاقه لأنه خالص ملكها وله الأجر باكتسابه ودفعه لها فجعل الأجر فيما أعطاه لها فكيف ما انضم إلى ذلك أنها تصدقت به فكان باكتسابه سببا لتلك الصدقة (١) اهـ. قوله ﷺ : "وللخازن مثل ذلك" الخازن هو الوكيل إذا علم رضا المالك جاز له أن يتصدق بغير إذنه ويؤيد ذلك قوله : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (٢) ونقل ابن عبد البر إجماعا أن للرجل أن يأكل من مال صديقه بغير إذنه إذا استطاب نفسه وقد تظاهرت سنة رسول الله ﷺ على ذلك (٣)، أما إذا علمت الزوجة أو الوكيل أن الزوج لا يرضى بذلك أو شكت فيه كانت آثمة فضلا عن أن يكون لها أجر (٤). قاله ابن عقيل.

стр. 3440

قوله ﷺ : "لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا" هكذا وقع في جميع النسخ شيئًا بالنصب فيقدر له ناصب فيحتمل أن يكون تقديره من غير أن ينقص الله من أجورهم شيئا ويحتمل أن يقدر من غير أن ينقص الزوجة من أجر المرأة والخازن شيئًا (١) والله أعلم. ١٣٨٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يحل للْمَرْأَة أَن تَصُوم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأذن فِي بَيته إِلَّا بِإِذْنِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (٢). ١٣٨٥ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد أَن أَبَا هُرَيْرَة ﵁ سُئِلَ عَن الْمَرْأَة هَل تَتَصَدَّق من بَيت زَوجهَا قَالَ لَا إِلَّا من قوتها وَالْأَجْر بَينهمَا وَلَا يحل لَهَا أَن تَتَصَدَّق من مَال زَوجهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ (٣). زَاد رزين الْعَبدَرِي فِي جَامعه فَإِن أذن لَهَا فالأجر بَينهمَا فَإِن فعلت بِغَيْر إِذْنه فالأجر لَهُ وَالْإِثْم عَلَيْهَا. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" هذا محمول على صوم التطوع المندوب الذي ليس له زمن معين وهذا النهي للتحريم

стр. 3441

كما صرح به أصحابنا وحكاه النووي في الروضة (١) وشرح مسلم (٢) عن أصحابنا وحكاه في شرح المهذب (٣) عن جمهور أصحابنا ثم قال: وقال بعض أصحابنا يكره والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذن زوجها صح باتفاق أصحابنا وكان الصوم حراما لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم فهو كالصلاة في دار مغصوبة وقال صاحب البيان (٤): قبوله إلى الله تعالى، قال النووي (٥): ومقتضى المذهب في نظائرها الجزم بعدم الثواب كما في الصلاة في دار مغصوبة قاله العراقي (٦). قال النووي في شرح مسلم (٧): وسببه أن الزوج له حق الاستمتاع بها في كل الأيام وحقه واجب على الفور فلا يفوته بتطوع ولا بواجب على التراخي فإن قيل فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك ويفسد صومها فالجواب أن صومها يمنعه من الاستمتاع في العادة لأنه يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، وقوله ﷺ وزوجها شاهد إلا بإذنه هذا الحديث فيه النهي عن الصوم بأن يكون زوجها شاهدا إلا بإذنه والمراد

стр. 3442

بشهوده حضوره أن يكون مقيما في البلد ومفهومه أن لها صوم التطوع في غيبته وهو كذلك بلا خلاف كما ذكره النووي في شرح المهذب (١) وهو واضح لزوال معنى النهي. وَأَمَّا قَضَاؤُهَا رَمَضَانَ وَصَوْمُهَا الْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ فَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ وَالْأَمَةُ الْمُسْتَبَاحَةُ لِسَيِّدِهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَالزَّوْجَةِ وَأَمَّا الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا فحكمها مبسوط في كتب الفقه والله أعلم. وَمَا الْمُرَادُ بِغَيْبَتِهِ هُنَا؟ هَلْ الْمُرَادُ الْغَيْبَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَوْ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْغَيْبَةِ عَنْ الْبَلَدِ وَلَوْ قَلَّتْ الْمَسَافَةُ وَقَصُرَتْ مُدَّتُهَا؟ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْحَدِيثِ تَرْجِيحُ هَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ لَكِنْ لَوْ ظَنَّتْ قُدُومَهُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ فَمَتَى ظَنَّتْ قُدُومَهُ فِي يَوْمٍ حَرُمَ عَلَيْهَا صَوْمُهُ وَلَوْ بَعُدَتْ بَلَدُ الْغَيْبَةِ وَطَالَتْ مُدَّتُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْرُمَ اسْتِصْحَابًا لِلْغَيْبَةِ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهَا. وفِي مَعْنَى غَيْبَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ فَلَهَا حِينَئِذٍ الصَّوْمُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فِيمَا يَظْهَرُ. هَلْ الْمُرَادُ إذْنُهُ صَرِيحًا أَوْ يَكْفِي مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ احْتِفَافِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ احْتِفَافَ الْقَرَائِنِ وَاطِّرَادَ الْعَادَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ.

стр. 3443

وفي كلام المالكية أن هذا مخصوص بمن علمت كراهة الزوج لذلك أما إذا علمت أنه لا يكره ذلك فلا إثم عليها في إنشاء الصوم والشافعية قضوا بسقوط نفقتها إذا صرح الزوج بمنعها منه فإن لم يصرح فلهم في سقوط نفقتها وجهان، ذكره العراقي في شرح الأحكام (١). قوله ﷺ : "ولا تأذن في بيته" أي وهو شاهد إلا بإذنه فيه تخصيص المنع بحضور الزوج وهو يدل على أن ذلك لحق الزوج في زوجته إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوش على الزوج مقصوده وخلوته بها وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدم (٢) اهـ. وفيه إشارة إلى أنه (لا يفتات) على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم إلا بإذنهم وهذا محمول على ما لا يعلم رضا الزوج ونحوه به فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز كما سبق في النفقات (٣) اهـ. وفيه منع الزوجة من الإدخال عليها قالت الشافعية للزوج منعها من إدخال أبويها وأولادها وقال بعضهم والأولى أن لا يفعل. قوله ﷺ في رواية لأبي داود إن أبا هريرة سئل عن المرأة هل تصدق من بيت زوجها قال "لا إلا من قوتها والأجر بينهما" قوله والأجر بينهما قال

стр. 3444

النووي (١): معنى هذه الأحاديث أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجر، وليس معناه أنه يزاحم المالك في أجر أحدهما، والمراد: المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره ونحوه فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا أو نحوهما فحيث ليس له قيمة كثيرة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف فأجر الوكيل أكثر وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلا فيكون مقدار الأجر سواء. والله أعلم. وأما قوله ﷺ (الأجر بينهما نصفان) فمعناه قسمان وإن كان أحدهما أكثر كما قال الشاعر: إذا مت كان الناس نصفان بيننا. (وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أن يكون سواء لأن الأجر فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء ولا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقوله ﷺ الأجر بينكما ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه والمختار الأول بل معناه أن هذه النفقة والصدقة التي أخرجها الخازن أو المرأة أو المملوك ونحوهم بإذن المالك يترتب على جملتها ثواب على قدر المال والعمل فيكون ذلك مقسوما بينهما لهذا

стр. 3445

نصيب بماله ولهذا نصيب بعمله فلم يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله (١). وقال الخطابي (٢): إذا أخذت المرأة من مال زوجها أكثر من نفقتها، وتصدقت به ورضي بذلك يكون الأجر بينهما نصفين فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها، ونصف للزوج بما أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها؛ لأن الأكثر حق الزوج، وهذا الحديث مفسر عند العلماء على عادة أهل الحجاز فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الضيفان ويطعموا السائلين فحرض رسول الله ﷺ أمته على هذه العادة الحسنة وأما إذا أنفقت المرأة بغير إذن زوجها [يحصل لها مظلمة وإثم،] سواء أكان قليلا أو كثيرا. [وقوله:] نصف أجره أي مثله لما في مسلم كان لها أجرها وله مثله بما اكتسب ولها بما أنفقت وللخازن مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيئا اهـ قاله في شرح الإلمام (٣). قوله ﷺ "ولا يحل لها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه" واعلم أنه لا بد في العامل وهو الخزان وفي الزوجة والمملوك من إذن المالك في ذلك

стр. 3446

فإن لم يكن أذن أصلا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصدقهم من مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان أحدهما الإذن الصريح في النفقة والصدقة والثاني الإذن المفهوم من اطراد العرف كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطرد العرف فيه وعلم بالعرف رضا المالك والزوج به فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم هذا إذا علم رضاه لاطراد العرف وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شحيحا يشح بذلك وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها والتصدق بماله إلا بصريح إذنه والله أعلم قاله في الديباجة. ١٣٨٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يجوز لامْرَأَة عَطِيَّة إِلَّا بِإِذن زَوجهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب (١). قوله عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها" العطية الهبة هذا محمول على غير الرشيدة قال الكرماني (٢) وأقول وأن المراد من مال زوجها لا من
следующие страницы →