← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3477–3516 · переход к 3482.

стр. 3477

١٤١٢ - وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ لِأَن أجمع نَفرا من إخْوَانِي على صَاع أَو صَاعَيْنِ من طَعَام أحب إِلَيّ من أَن أَدخل سوقكم فأشتري رَقَبَة فَأعْتقهَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي الثَّوَاب مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم (١). قوله: وعن علي ﵁، تقدم الكلام على عليّ. قوله ﵁: لأن أجمع نفرًا من إخواني على صاع أو صاعين من طعام أحب إليّ من أن أدخل سوقكم فأشتري رقبة فأعتقها، الحديث، النفر من الثلاثة إلى التسعة وتقدم الكلام عليه، والصاع يذكر ويؤنث ويقال أيضًا صوع وصواع والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث، قال الخطابي (٢): سمي المد مدا لأن اليد تمد به لأنهم كانوا أقل ما يتصدقون به عادة والله أعلم. ١٤١٣ - وَرُوِيَ عَن الْحسن بن عَليّ ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِأَن أطْعم أَخا لي فِي الله لقْمَة أحب إِلَيّ من أَن أَتصدق على مِسْكين بدرهم وَلِأَن أعطي أَخا لي فِي الله درهمًا أحب إِلَيّ من أَن أَتصدق على مِسْكين بِمِائَة دِرْهَم رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ أَيْضا فِيهِ وَلَعَلَّه مَوْقُوف كَالَّذي قبله (٣). قوله: وروي عن الحسن بن علي ﵄ (٤)، هو أبو محمد أمير المؤمنين

стр. 3478

الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته وابن بنته فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين، ولد ﵁ في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة فحنكه رسول الله ﷺ بريقه الشريف وأذن في أذنه وسماه حسنا فقال علي ﵁ لما ولد الحسن جاءه رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قلت: سميته حربا، فقال رسول الله ﷺ : "بل هو حسن" (١) وكان رسول الله ﷺ يحبه حبا شديدا حتى إنه كان يقبل زبيبته وهو صغير وربما مس لسانه واعتنقه ولاعبه وربما جاء ورسول الله ﷺ ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله وربما [صعد معه إلى] المنبر، وقد ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ بينهما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين وعليهما قمصان أحمران فنزل إليهما واحتضنهما وأخذهما معه إلى المنبر وقال: "صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٢) " (٣) [إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن] نزلت إليهما وقال رسول الله ﷺ : "من أحب الحسن والحسين

стр. 3479

فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني" (١) وقال رسول الله ﷺ : "إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهما الرجس وطهرهما" (٢)، روي له عن رسول الله ﷺ أحاديث وروت عنه عائشة وروي عنه جماعات من التابعين منهم ابنه الحسن بن الحسن وأبى الحوار بالراء المهملة ربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين وآخرون، توفي ﵁ بالمدينة مسموما سنة تسع وأربعين، قيل: سنة خمسين، قيل: إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع وقبره فيه مشهور وصلى عليه سعيد بن العاصي (٣)، ذكر المسعودي أن وفاة الحسن كانت وله خمس وخمسون سنة مسموما، وذلك أن معاوية بن أبي سفيان دس إلى جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن أنك إن احتلت عليه حتى يموت وجهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك يزيد فكان سبب سمه ووفاته فلما مات ﵁ ودفن بالبقيع مع أمه فاطمة ووفي معاوية لجعدة بالمال وأرسل إليها إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بزواجه، فاشتكى الحسن ﵁ بالسم

стр. 3480

أربعين يومًا ثم توفي قاله في تاريخ كنز الدرر (١) وكان الحسن شبيها بالنبي ﷺ ، قال أبو أحمد العسكري: سماه النبي ﷺ الحسن وكناه أبا محمد ولم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية ثم روي عن ابن الأعرابي عن المفضل قال: إن الله تعالى حجب اسم الحسن والحسين حتى سمي بهما النبي ﷺ ابنيه الحسن والحسين، قال: قلت له فالذين باليمن قال: ذاك حسن بإسكان السين وحسين بفتح الحاء وكسر السين، وأرضعته أم الفضل امرأة العباس مع ابنها قثم بن العباس ونقلوا أن الحسن حج حجات ماشيا وكان يقول: إني أستحيي من الله تعالى أن ألقاه ولم امش إلى بيته وكان ﵁ حليما كريما ورعا، دعاه ورعه وحلمه إلى أن ترك الدنيا والخلافة لله تعالى وكان من المبارزين إلى نصرة عثمان بن عفان وولي الخلافة بعد قتل أبيه علي ﵁ وبايعه أكثر من أربعين ألفا كانوا بايعوا أباه، وقيل بايعه تسعون ألفا وبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك، ثم سار إليه معاوية من الشام وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين فأرسل إلى معاوية يبذل تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة بعده وعلى أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه وغير ذلك من القواعد فأجابه معاوية إلى

стр. 3481

ما طلب فاصطلحا على ذلك وظهرت المعجزة النبوية في قوله ﷺ للحسن: "إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (١). تنبيه: قيل السيد الذي لا يغلبه غضبه، وقيل: السيد الحليم، وقيل: السيد الذي يفوق قومه في الخير، قلت: قد خرج مصداق هذا القول في الحسن بن علي بتركه الأمر حين صارت الخلافة إليه خوفا من الفتنة وكراهة لإراقة دماء أهل الإسلام فأصلح الله بين أهل العراق وأهل الشام [وسمي ذلك] العام سنة الجماعة (٢) [بايع الحسن تسعون ألفا] فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسفك في أيامه محجمة دم (٣) أ. هـ. قيل: كان صلحهما لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وقيل في شهر ربيع الآخر، وقيل: في نصف جمادي الأولى من السنة المذكورة وكان وصي إلى أخيه الحسين (٤)، وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: طرقت النبي ذات ليلة فخرج وهو مشتمل على شيء قلت ما هذا فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما" رواه الترمذي (٥) وقال: حديث حسن، روينا في

стр. 3482

صحيح البخاري ومسلم (١) عن البراء قال: رأيت النبي ﷺ والحسن على عاتقه وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" وفي البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي ﵁، وعن أبيه. لطيفة: وروي عن عبد الله بن عباس قال: كنت عند النبي ﷺ فأتته فاطمة باكية فقال لها النبي ﷺ "فداك أبوك، ما أبكاك؟ " قالت: إن الحسن والحسين درجا يدبان فما دريت أين باتا؟ فقال: "إن الذي خلقهما ألطف بهما منك" ثم دعا النبي ﷺ لهما بالحفظ، قال: "اللهم إن كانا أخذا برا أو بحرا فسلمهما واحفظهما" فجاءه جبريل ﵇ فأخبره أنهما في حظيرة بني النجار وأن الله قد وكل بهما ملكا يكلؤهما فقام النبي ﷺ فأتى الحظيرة فإذا هما نائمان متعانقين وإذا الملك الموكل بهما قد بسط لهما أحد جناحيه وأظلهما بالآخر فأكب عليهما النبي ﷺ يقلبهما حتى انتبها من نومهما فحمل الحسن على عاتقه الأيمن والحسين على عاتقه الأيسر وقال: "والله لأشرفنكما كما شرفكما الله " فتلقاه الصديق فقال يا رسول الله ناولني أحد الصبيين أخفف عنك، فقال ﷺ : "نعم المطية مطيتهما ونعم الراكبان وأبوهما خير منهما" ذكر حديثا مطولا (٢)، قاله في تاريخ كنز الدرر (٣).

стр. 3483

قوله ﷺ : قال "لأن أطعم أخا لي في الله لقمة أحب إلي من أن أتصدق على مسكين بدرهم" الحديث، تقدم الكلام على المسكين. ١٤١٤ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن نَبِي الله ﷺ قَالَ رجلَانِ سلكا مفازة عَابِد وَالْآخر بِهِ رهق فعطش العابد حَتَّى سقط فَجعل صَاحبه ينظر إِلَيْهِ وَهُوَ صريع فَقَالَ وَالله إِن مَاتَ هَذَا العَبْد الصَّالح عطشا وَمَعِي مَاء لَا أُصِيب من الله خيرا أبدا وَلَئِن سقيته مائي لأموتن فتوكل على الله وعزم فرش عَلَيْهِ من مَائه وسقاه فَضله فَقَامَ فَقطع الْمَفَازَة فَيُوقف الَّذِي بِهِ رهق لِلْحسابِ فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى النَّار فتسوقه الْمَلَائِكَة فَيرى العابد فَيَقُول يَا فلَان أما تعرفنِي فَيَقُول وَمن أَنْت فَيَقُول أَنا فلَان الَّذِي آثرتك على نَفسِي يَوْم الْمَفَازَة فَيَقُول بلَى أعرفك فَيَقُول للْمَلَائكَة قفوا فيقفون فَيَجِيء حَتَّى يقف فيدعو ربه فَيَقُول يَا رب قد عرفت يَده عِنْدِي وَكَيف آثرني على نَفسه يَا رب هبه لي فَيَقُول هُوَ لَك فَيَجِيء فَيَأْخُذ بيد أَخِيه فيدخله الْجنَّة فَقلت لأبي ظلال أحَدثك أنس عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١). وَأَبُو ظلال اسْمه هِلَال بن سُوَيْد أَو ابْن أبي سُوَيْد وَثَّقَهُ البُخَارِيّ وَابْن حبَان لَا غَيره. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي ظلال أَيْضا عَن أنس بِنَحْوِهِ ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْإِسْنَاد إِن كَانَ غير قوي فَلهُ شَاهد من حَدِيث أنس ثمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ من طَرِيق

стр. 3484

عَليّ بن أبي سارة وَهُوَ مَتْرُوك. ١٤١٥ - وَعَن ثَابت الْبنانِيّ عَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن رجلًا من أهل الْجنَّة يشرف يَوْم الْقِيَامَة على أهل النَّار فيناديه رجل من أهل النَّار فَيَقُول يَا فلَان هَل تعرفنِي فَيَقُول لَا وَالله مَا أعرفك من أَنْت فَيَقُول أَنا الَّذِي مَرَرْت بِي فِي الدُّنْيَا فاستسقيتني شربة من مَاء فسقيتك قَالَ قد عرفت قَالَ فاشفع لي بهَا عِنْد رَبك قَالَ فَيسْأَل الله تَعَالَى جلّ ذكره فَيَقُول إِنِّي أشرفت على النَّار فناداني رجل من أَهلهَا فَقَالَ لي هَل تعرفنِي قلت لَا وَالله مَا أعرفك من أَنْت قَالَ أَنا الَّذِي مَرَرْت بِي فِي الدُّنْيَا فاستسقيتني شربة من مَاء فسقيتك فاشفع لي عِنْد رَبك فشفعني فِيهِ فيشفعه الله فيأمر بِهِ فَيخرج من النَّار (١). رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ يصف النَّاس يَوْم الْقِيَامَة صُفُوفا ثمَّ يمر أهل الْجنَّة فيمر الرجل على الرجل من أهل النَّار فَيَقُول يَا فلَان أما تذكر يَوْم اسْتَسْقَيْت فسقيتك شربة قَالَ فَيشفع لَهُ ويمر الرجل على الرجل فَيَقُول أما تذكر يَوْم ناولتك طهُورا فَيشفع لَهُ ويمر الرجل على الرجل فَيَقُول يَا فلَان أما تذكر يَوْم بعثتني لحَاجَة كذَا وَكذَا فَذَهَبت لَك فَيشفع لَهُ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِنَحْوِ ابْن مَاجَه (٢). قَوْله بِهِ رهق بِفَتْح الرَّاء وَالْهَاء بعدهمَا قَاف أَي غشيان للمحارم وارتكاب للطغيان والمفاسد.

стр. 3485

قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "إن رجلين سلكا مفازة" المفازة الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها قيل سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها (١) والله أعلم قاله في الديباجة (٢). قوله: "عابد والآخر به رهق" وضبطه الحافظ (٣) وفسره فقال: أي غشيان المحارم وارتكاب للطغيان والمفاسد. قوله لأبي ظلال: أحدثك عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: نعم، قال الحافظ (٤): أبو ظلال اسمه هلال بن سويد أو ابن أبي سويد وثقه البخاري وابن حبان لا غير (٥)، وأبو ظلال بكسر الظاء المعجمة وتخفيف اللام اسمه هلال كما ذكر الحافظ (٦) وهو أعمى.

стр. 3486

١٤١٦ - وَعَن كدير الضَّبِّيِّ أَن رجلًا أَعْرَابِيًا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَخْبرنِي بِعَمَل يقربنِي من الْجنَّة وَيُبَاعِدنِي من النَّار فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَو هما أعملتاك قَالَ نعم قَالَ تَقول الْعدْل وَتُعْطِي الْفضل قَالَ وَالله لا أَسْتَطِيع أَن أَقُول الْعدْل كل سَاعَة وَمَا أَسْتَطِيع أَن أعطي الْفضل قَالَ فتطعم الطَّعَام وتفشي السَّلَام قَالَ هَذِه أَيْضا شَدِيدَة قَالَ فَهَل لَك إبل قَالَ نعم قَالَ فَانْظُر إِلَى بعير من إبلك وسقاء ثمَّ اعمد إِلَى أهل بَيت لَا يشربون المَاء إِلَّا غبا فاسقهم فلعلك لَا يهْلك بعيرك وَلَا ينخرق سقاؤك حَتَّى تجب لَك الْجنَّة قَالَ فَانْطَلق الْأَعرَابِي يكبر فَمَا انخرق سقاؤه وَلَا هلك بعيره حَتَّى قتل شَهِيدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ إِلَى كدير رُوَاة الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِاخْتِصَار وَقَالَ لست أَقف على سَماع أبي إِسْحَاق هَذَا الْخَبَر من كدير (١). قَالَ الْحَافِظ قد سَمعه أَبُو إِسْحَاق من كدير وَلَكِن الحَدِيث مُرْسل وَقد توهم ابْن خُزَيْمَة أَن لكدير صُحْبَة فَأخْرج حَدِيثه فِي صَحِيحه وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ شيعي تكلم فِيهِ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقواهُ أَبُو حَاتِم وَغَيره وَقد عده جمَاعَة من الصَّحَابَة وهما مِنْهُم وَلَا يَصح وَالله أعلم (٢).

стр. 3487

أعملتاك أَي بعثتاك واستعملتاك وحملتاك على الْإِتْيَان وَالسُّؤَال وَقَوله لَا يشربون المَاء إِلَّا غبا بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي يَوْمًا دون يَوْم. ١٤١٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قالَ أَتَى النَّبِي ﷺ رجل فَقَالَ مَا عمل إِن عملت بِهِ دخلت الْجنَّة قَالَ أَنْت بِبَلَد يجلب بِهِ المَاء قَالَ نعم قَالَ فاشتر بهَا سقاء جَدِيدا ثمَّ اسْقِ فِيهَا حَتَّى تخرقها فَإنَّك لن تخرقها حَتَّى تبلغ بهَا عمل الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير ورواة إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا يحيى الْحمانِي (١). قوله: وعن كدير الضبي [كدير بالتصغير، الضبي، يقال هو ابن قتادة مختلف بها صحبته، سكن الكوفة، روى عنه: أبو إسحاق السبيعي وقال أبو عمر ابن عبد البر: حديثه عند أكثرهم مرسل (٢)]. قوله: أن رجلًا [أعرابيًا] أتى النبي ﷺ ، وتقدم أن الأعرابي هو الذي يسكن البادية. قوله: فقال أخبرني بعمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ : "أو هما أعملتاك" قال: نعم، قال الحافظ (٣): أعملتاك أي بعثتاك واستعملتاك وحملتاك على الإتيان والسؤال. قوله: "فهل لك إبل"، قال: نعم، قال: "فانظر إلى بعير من إبلك وسقاء ثم

стр. 3488

اعمد إلى أهل بيت" أي اقصد. قوله ﷺ : "لا يشربون الماء إلا غبا فاسقهم" الغب: قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي: يومًا دون يوم والله أعلم. قوله: يحيى الحماني، تقدم الكلام على يحيى الحماني. ١٤١٨ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رجلًا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنِّي أنزع فِي حَوْضِي حَتَّى إِذا ملأته لإبلي ورد عَليّ الْبَعِير لغيري فسقيته فَهَل فِي ذَلِك من أجر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي كل ذَات كبد أجرا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات مَشْهُورُونَ (١). قوله: وعن عبد الله بن عمر ﵄، وتقدم الكلام عليه. قوله: أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال إني أنزع في حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل في ذلك من أجر، أنزع في حوضي أي استقي منه الماء باليد، يقال: نزعت الدلو أنزعها إذا أخرجها وأصل النزع الجذب والقلع، ومنه نزع الميت روحه ونزع النفوس إذا جذبها (٢). قوله: فقال رسول الله ﷺ : "إن في كل ذات كبد [حري] أجر"، الحرى فعلى من الحر وهي تأنيث حران وهما للمبالغة يريد أنه لشدة حرها قد

стр. 3489

عطشت ويبست من العطش، والمعنى أن في سقي كل ذي كبد حري أجر، وقيل: أراد بالكبد الحري حياة صاحبها لأنه تكون كبده حري إذا كان فيه حياة يعني في سقي كل ذي روح من الحيوان، ويشهد له ما في الحديث الآخر: "في كل كبد حارة وفي أخرى رطبة" قاله في النهاية (١). ١٤١٩ - وَعَن مَحْمُود بن الرّبيع أَن سراقَة بن جعْشم قَالَ يَا رَسُول الله الضَّالة ترد على حَوْضِي فَهَل لي فِيهَا من أجر إِن سقيتها قَالَ اسقها فَإِن فِي كل ذَات كبد حراء أجرا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن جعْشم ﵁ (٣). قوله: وعن محمود بن الربيع [هو أبو نعيم، ويقال: أبو محمد محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة ابن عامر بن عدى بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن خزرج الأنصاري الخزرجى المدني، ثبت عنه في الصحيح أنه قال: عقلت عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهى من دلو من بئر في دارنا، وأنا ابن خمس سنين، وروى عنه أنس بن مالك، وابنه أبو بكر بن أنس، ورجاء بن حيوة، والزهري، ومكحول. قال الواقدى: توفى سنة تسع

стр. 3490

وتسعين، وهو ابن ثلاث وتسعين. وقال غيره: سنة ست وتسعين (١)]. قوله: أن سراقة بن جعشم، هو: أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم، وجعشم بضم الجيم وإسكان العين والشين المعجمة هو قول الجمهور من الطوائف، وحكي الجوهري (٢): ضم الشين وفتحها، وسراقة من مشهوري الصحابة، وري له عن رسول الله ﷺ تسعة عشر حديثًا، روى البخاري أحدها، كان ينزل قديدا بضم القاف بين مكة والمدينة، قيل: سكن مكة ويعد في أهل المدينة، أسلم عند النبي ﷺ بالجعرانة حين انصرف من الحديبية والطائف وحديثه في خروجه وراء النبي ﷺ مهاجرا مشهورا في الصحيحين، توفي سراقة أول خلافة عثمان سنة أربع وعشرين، وقيل: توفي بعد عثمان والصحيح الأول (٣). قوله: فإن في كل ذات كبد حري أجر، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله. ١٤٢٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَيْنَمَا رجل يمشي بطرِيق اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحر فَوجدَ بِئْرا فَنزل فِيهَا فَشرب ثمَّ خرج فَإِذا كلب يَلْهَث يَأْكُل الثرى من الْعَطش فَقَالَ الرجل لقد بلغ هَذَا الْكَلْب من الْعَطش مثل الَّذِي كانَ مني فَنزل الْبِئْر فَمَلَأ خفه مَاء ثم أمْسكهُ بِفِيهِ حَتَّى رقي فسقى الْكَلْب فَشكر الله لَهُ فغفر لَهُ قَالُوا يَا رَسُول الله إِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا فَقَالَ فِي كل كبد

стр. 3491

رطبَة أجر رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (١). وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فَشكر الله لَهُ فَأدْخلهُ الْجنَّة (٢). ١٤٢١ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سبع تجْرِي للْعَبد بعد مَوته وَهُوَ فِي قَبره من علم علما أَو كرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث قَتَادَة تفرد بِهِ أَبُو نعيم عَن الْعَزْرَمِي (٣). قَالَ الْحَافِظ تقدم أَن ابْن مَاجَه رَوَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد حسن لَكِن لم يذكر ابْن مَاجَه غرس النّخل وَلَا حفر الْبِئْر وَذكر موضعهما الصَّدَقَة وَبَيت ابْن السَّبِيل وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه لم يذكر فِيهِ الْمُصحف وَقَالَ أَو نَهرا أكراه يَعْنِي حفره (٤). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: "فإذا كلب يلهث" أي يخرج لسانه من العطش (٥)، واللهث تنفس بسرعة وتحرك أعضاء الفم معه وامتداد اللسان وخلقة الكلب أنه يلهث على

стр. 3492

كل حال (١). قوله: "يأكل الثرى من العطش" الثرى التراب الندي (٢). قوله: فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب" الحديث، يقال: رقيت في السلم بالكسر إذا صعدت (٣)، ومضارعه يرقى بفتحها بخلاف الماضي من رقية اللسعة والعين فإنه بفتح القاف في الماضي وبكسرها في المضارع (٤). قوله: "فشكر الله له" معناه: قبل عمله أي جزاه الله فغفر له، وقيل: أثابه وضاعفه، وقيل: أثنى عليه بذلك وذكره به لملائكته (٥)، أ. هـ. لطيفة: عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: بلغني أن أبا شعيب المقفع كان قد حج سبعين حجة راجلا، أحرم في كل حجة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التوكل، فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: يشتري مني سبعين حجة بشربة ماء، قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب ثم قال: هذا خير لي من حجي لأن النبي ﷺ قال: "فِي كُل ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (٦) الحديث قاله في البستان (٧).

стр. 3493

قوله: "فِي كُلِّ ذَاتِ كبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" أي في إرواء كل حيوان أجر، والرطبة كناية عن الحياة، وقيل: الكبد إذا ظمئت ترطبت وكذا إذا ألقيت على البنان، وقيل: كنى بالرطوبة عن الحياة فإن الميت يابس الكبد، وقيل: بما يؤول أمرها إليه، والكبد مؤنث سماعي قاله في النهاية (١) وغيرها. فائدة: قال النووي في شرح مسلم (٢): الحيوان المحترم يحصل الثواب بالإحسان إليه، وخرج بالمحترم الحربي والكافر والمرتد والزاني المحصن وتارك الصلاة والكلب العقور، ويمتثل أمر الشارع في قتله وأما غير العقور مما لا ينتفع به بنص الشافعي على جواز قتله والله أعلم، قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ : "سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره من علم علما أو كرى نهرا" وقال ابن خزيمة (٤) في صحيحه: يعني "حفره" وتقدم الكلام على هذا الحديث في العلم مبسوطًا. ١٤٢٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ صَدَقَة أعظم أجرا من مَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٥). قوله: وروي عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: "ليس صدقة أعظم أجرا من ماء" الحديث.

стр. 3494

لطيفة: الماء معروف والجمع: أمواه ومياه، ومن عجيب لطف الله تعالى أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل أو معالجة حتى [يصلح للأكل] إلا الماء فإن الله تعالى أكثر منه ولم يحوج إلى معالجة لعموم الحاجة إليه أ. هـ. قاله الكمال الدميري (١). ١٤٢٣ - وَعَن أنس ﵁ أَن سَعْدا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أُمِّي توفيت وَلم توص أفينفعها أَن أَتصدق عَنْهَا قَالَ نعم وَعَلَيْك بِالْمَاءِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢). قوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام على أنس. قوله: أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: "نعم وعليك بالماء" الحديث، في هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصل ثوابها إليه وهو ثابت بإجماع العلماء (٣) وشذ من قال من المبتدعة أنه لا يصل إلى الميت من الثواب إلا ما عمله أو تسبب في عمله وهذا حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه الحاوي (٤) عن بعض أصحاب الكلام أن الميت لا يلحقه

стр. 3495

بعد موته ثواب فهذا مذهب باطل قطعا و [خطأ] بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه (١)، وكذلك أجمعوا على وصول الدعاء إليه وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصح الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام عند الشافعي وكذلك إذا أوصى بحج التطوع على الأصح (٢) عندنا ففيه القولان. واختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضي عنه أو لا، وللشافعي في المسألة قولان قديم وجديد مشهوران أشهرهما لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلا بل يطعم عن كل يوم مد من طعام وهو مروي عن عائشة ورفعه ابن عمر إلى النبي ﷺ وهذا القول هو الجديد. والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام عنه وهو القديم (٣). قال النووي (٤): وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأخبار الصحيحة الصريحة فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من مات وعليه

стр. 3496

صوم صام عنه وليه" (١) والمراد بالولي القريب سواء كان عصبة أو وارثا أو غيرهما، وقيل: المراد الوارث وقيل العصبة، والصحيح الأول، ولو صام عنه أجنبي إذا كان بإذن الولي صح وإلا فلا في الأصح، ولا يجب على الولي الصوم عنه لكن يستحب هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت لا نذر ولا غيره وبه قال مالك وأبو حنيفة، قال القاضي عياض (٢) وغيره وهو قول جمهور العلماء (٣). وأما الصلاة عن الميت فممنوعة عند الشافعي، وأجراها بعض أصحابه مجرى الصوم في الإطعام (٤). وقال الإمام أحمد بن حنبل: يصل ثواب الجميع كالحج وأجمع الكل على أنه لا يصام عن أحد في حياته، واختلفوا في وصول ثواب القراءة إلى الميت فالجمهور من العلماء نفوا ذلك وهو المشهور من مذهب الشافعي (٥)، وقال جماعة من أصحابنا يصل ثوابها وبه قال الإمام أحمد بن

стр. 3497

حنبل، قاله النووي (١) وغيره، وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم وغير ذلك، وفي صحيح [البخاري في باب] من مات وعليه نذر، أن ابن عمر أمر امرأة ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلي عنها (٢). وحكى صاحب الحاوي (٣) عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهوية أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت واختاره ابن عصرون وكل هذه المذاهب ضعيفة دليلهم القياس على الدعاء والصدقة والحج فإنها تصل إلى الميت بالإجماع (٤) أ. هـ. ١٤٢٤ - وَعَن سعد بن عبَادَة ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي مَاتَت فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ المَاء فحفر بِئْرا وَقَالَ هَذِه لأم سعد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ إِن صَحَّ الْخَبَر وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قلت يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ سقِيِ المَاء وَالْحَاكِم بِنَحْوِ ابْن حبَان وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٥).

стр. 3498

قَالَ المملي الْحَافِظ ﵀ بل هُوَ مُنْقَطع الإِسْنَاد عِنْد الْكل فَإِنَّهُم كلهم رَوَوْهُ عَن سعيد بن الْمسيب عَن سعد وَلم يُدْرِكهُ فَإِن سَعْدا توفّي بِالشَّام سنة خمس عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة ومولد سعيد بن الْمسيب سنة خمس عشرَة. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن سعد وَلم يُدْرِكهُ أَيْضا فَإِن مولد الْحسن سنة إِحْدَى وَعشْرين (١). وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا وَغَيره عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن رجل عَن سعد وَالله أعلم (٢). قوله: وعن سعد بن عبادة ﵁، وقع في الوسيط أن سعدا السائل عن فضل سقي الماء هو سعد بن أبي وقاص، والصواب أنه سعد بن عبادة (٣) بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة، أحد نقباء النبي ﷺ [الإثني عشر شهد سعد العقبة، وبدرا]، وقيل غير ذلك، بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري سيد الخزرج، كنيته [أبو ثابت وقيل]، أبو قيس كان من نقباء أحد نقباء النبي ﷺ الإثنى عشر واتفقوا على أنه كان نقيب بني ساعدة وكان حامل راية الأنصار في المشاهد كلها وكان سيدا جوادا وجيها في الأنصار ذا رياسة وسيادة وكرم وكان مشهورا بالكرم وكان يبعث إلى النبي

стр. 3499

- ﷺ لما قدم المدينة في كل يوم جفنة مملوءة ثريدا ولحما أو بلبن أو عسل وزيت أو بسمن والأكثر بلحم وكانت جفنة سعد تدور مع النبي ﷺ في بيوت أزواجه، ونقلوا أنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متوالدون إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وآباءه هؤلاء وله ولأهله في الجود والكرم أشياء كثيرة وكان يكتب بالعربية وكانت الكتابة في العرب قليلا، وكان يحسن العوم والرمي وكان من أجل ذلك يسمى الكامل، ذكر في غير موضع في الصحيحين، وروي له الأربعة وله في الكتب الأربعة أربعة أحاديث وكان من دعائه: اللهم لا شرف إلا بفعال ولا فعال إلا بمال ولا مال إلا من رزقك فارزقني من فضلك رزقا كثيرا مباركا يبلغني شرف الدنيا والآخرة، توفي سنة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، واتفقوا على أنه كان بأرض حوران من أرض الشام وتوفي بها، ويقال: إن الجن قتلته ولم يختلفوا أنه وُجِدَ مَيِّتًا فِي مُغْتَسَلِهِ وَقَدْ أُحْضِرَ جَسَدُهُ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَوْنَهُ: قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ قال سعد بن عبد العزيز: أول مدينة فتحت بالشام بصري، وفيها مات سعد بن عبادة، وعن محمد بن سيرين أن سعدا بال قائما فلما رجع قال لأصحابه إني لأجد دبيبا فمات (١).

стр. 3500

[قوله] قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء" فحفر بئرًا وقال: هذه لأم سعد، أم سعد اسمها: عمرة بنت مسعود بن عمر، من المبايعات توفيت بالمدينة ورسول الله ﷺ غائب في غزوة (١). قوله: أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن أمي توفيت ولم توص أفينفعها أن أتصدق عنها قال نعم وعليك بالماء، وعن سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء" فحفر بئرًا وقال: [هذه لأم سعد وفي رواية أنه]، سأله عن نفس الصدقة عنها: هل تنفعها، قال: نعم (٢)، فسأله ثانيا عن أفضل الصدقة، فقال: "سقي الماء" فحفر لها بئرا، في حديث آخر أن سعد بن عبادة استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها (٣)، قال القاضي عياض (٤): اختلف في نذر أم سعد ما كان فقيل: كان نذرا مطلقا، وقيل: كان صوما، وقيل: كان عتقا، وقيل: صدقة، واستدل كل قائل بأحاديث وردت في

стр. 3501

قصة أم سعد. واسمها عمرة بنت مسعود بن عمرو من المبايعات توفيت بالمدينة ورسول الله ﷺ غائب في غزوة دومة الجندل وكانت في شهر ربيع الأول سنة خمس من [الهجرة وكان] سعد بن عبادة [معه في] تلك الغزوة فلما [قدم] رسولى الله ﷺ المدينة أتى قبرها [وصلى] عليها (١) أ. هـ. ففي حديث النذر دليل على أن من مات وعليه حق من حقوق الله تعالى كالزكاة والنذر والكفارة يجب أداؤه من التركة قبل الوصايا والميراث كما يجب أداء ديون الآدمي وسواء أوصي به أو لم يوص وبه قال الشافعي (٢). قوله: رواه أبو داود أيضًا وغيره عن أبي إسحاق السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، منسوب إلى سبيع جد القبيلة، وهو سبيع بن صحب وهو بطن من همدان، واسم أبي إسحاق [عمرو بن] عبد الله الهمداني [الكوفي] التابعي الجليل [ولد أبو إسحاق] لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. قال أحمد العجلي: كوفي، تابعي، ثقة، سمع ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، والشعبي أكبر منه بسنتين، ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة شيئًا، ولم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث وسائر ذلك

стр. 3502

إنما هو كتاب أخذه وقال على بن المديني: سمع السبيعي من سبعين شيخا لم يرو عنهم غيره. قال الحافظ أبو نعيم: روى أبو إسحاق عن أربعة وعشرين من أصحاب النبي ﷺ أسند عن جماعة من الصحابة وانفرد بالرواية عن جماعة من الصحابة والتابعين، ولم يشاركه فيها أحد، توفي سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وعشرين ومائة (١) والله أعلم. ١٤٢٥ - وَعَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من حفر مَاء لم تشرب مِنْهُ كبد حرى من جن وَلَا إنس وَلَا طَائِر إِلَّا آجره الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن جابر ﵁، تقدم الكلام على جابر. قوله ﷺ : "من حفر ماء لم تشرب منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة" الحديث، تقدم الكلام على الكبد الحري في أحاديث الباب. ١٤٢٦ - وَعَن عَليّ بن الْحسن بن شَقِيق قَالَ سَمِعت ابْن الْمُبَارك وَسَأَلَهُ رجل يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قرحَة خرجت فِي ركبتي مُنْذُ سبع سِنِين وَقد عَالَجت

стр. 3503

بأنواع العلاج وَسَأَلت الْأَطِبَّاء فَلم أنتفع بِهِ قَالَ اذْهَبْ فَانْظُر موضعا يحْتَاج النَّاس المَاء فاحفر هُنَاكَ بِئْرا فَإِنِّي أَرْجُو أَن تنبع هُنَاكَ عين ويمسك عَنْك الدَّم فَفعل الرجل فبرأ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١). وَقَالَ وَفِي هَذَا الْمَعْنى حِكَايَة شَيخنَا الْحَاكِم أبي عبد الله ﵀ فَإِنَّهُ قرح وَجهه وعالجه بأنواع المعالجة فَلم يذهب وَبَقِي فِيهِ قَرِيبا من سنة فَسَأَلَ الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبَا عُثْمَان الصَّابُونِي أَن يَدْعُو لَهُ فِي مَجْلِسه يَوْم الْجُمُعَة فَدَعَا لَهُ وَأكْثر النَّاس التَّأْمِين فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة الأُخْرَى أَلْقَت امْرَأَة فِي الْمجْلس رقْعَة بِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيتهَا وَاجْتَهَدت فِي الدُّعَاء للْحَاكِم أبي عبد الله تِلْكَ اللَّيْلَة فرأت فِي منامها رَسُول الله ﷺ كَأَنَّهُ يَقُول لَهَا قولي لأبي عبد الله يُوسع المَاء على الْمُسلمين فَجئْت بالرقعة إِلَى الْحَاكِم فَأمر بسقاية بنيت على بَاب دَاره وَحين فرغوا من بنائها أَمر بصب المَاء فِيهَا وَطرح الجمد فِي المَاء وَأخذ النَّاس فِي الشّرْب فَمَا مر عَلَيْهِ أُسْبُوع حَتَّى ظهر الشِّفَاء وزالت تِلْكَ القروح وَعَاد وَجهه إِلَى أحسن مَا كَانَ وعاش بعد ذَلِك سِنِين (٢). [قوله]: وعن علي بن الحسن بن شقيق [هو علي بن الحسن بن شقيق بن دينار بن مشعب العبدي، أبو عبد الرحمن مولى عبد القيس، ويقال: إنه مولى آل الجارود العبدي، قال أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي: وكان شقيق بصريا قدم خراسان قال أحمد بن حنبل: لم يكن به بأس. تكلموا فيه

стр. 3504

للإرجاء، وقد رجع عنه. وقال الحسين بن حبان: قال ابن معين: ما أعلم أحدا قدم علينا من خراسان كان أفضل من ابن شقيق. كان عالما بابن المبارك، وتوفي في سنة خمس عشرة ومئتين (١)]. قوله: سمعت ابن المبارك، هو الإمام المجمع على إمامته وجلالته في كل شيء الذي تستنزل الرحمة بذكره وترتجي المغفرة بحبه وهو من تابعي التابعين عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي أبو عبد الرحمن وكان أبوه تركيا مملوكا لرجل من همدان، وأمه: خوارزمية، قال أبو أسامة: ما رأيت أطلق للعلم من ابن المبارك الشام ومصر واليمن والحجاز، قال ابن مهدي: ابن المبارك أفضل من الثوري، فقيل: إن الناس يخالفونك فقال: لم يعرفوا ما رأيت مثل ابن المبارك، وقال أبو أسامة ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس، وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين، وقال ابن أبي جميل: قلنا لابن المبارك يا عالم الشرق حدثنا فسمعها سفيان، فقال: ويحكم هو عالم المشرق والمغرب وما بينهما، وقيل: لما قدم هارون الرشيد الرقة أشرفت أم ولد له من قصره فرأى الغبرة قد ارتفعت والبغال قد انقطعت وانجفل الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: قد قدم عالم من خراسان يقال له ابن المبارك فقالت: هذا والله الملك لا ملك لهارون الذي لا يجمع الناس إلا بالسوط والخشب، ولد بمرو سنة

стр. 3505

ثماني عشرة ومائة وتوفي بهيت [منصرفا من الغزو وهيت مدينة معروفة على الفرات فوق الأنبار من] العراق سنة إحدى وثمانين ومائة (١) والله أعلم. قوله: سمعت ابن المبارك: وسأله رجل يا أبا عبد الرحمن قرحة خرجت في ركبتي منذ سبع سنين، القرحة: جمعها قروح، والقرحة: حبات تخرج في بدن الإنسان، وقيل: القرحة كالدمل والورم والجرح كالقطع والشق فيفرق بينهما. قوله: وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله فإنه قرح وجهه، هو: الإمام الجليل أبو عبد الله [محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري المعروف بابن البيع من أهل العلم والحفظ والتصانيف الحسنة في علوم الحديث وغيرها رحل الكثير وسمع بخراسان وما وراء النهر والعراق والحجاز وغيرها روى عن أبي العباس الأصم وغيره روى عنه الدارقطني وغيره من الأئمة في الدنيا وكان فيه تشيع وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وتوفي بنيسابور في صفر سنة خمس وأربعمائة (٢)]. قوله: فسأل الأستاذ الإمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، أبو عثمان الصابوني، اسمه [إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الصابوني المعروف بشيخ الإسلام كان إماما مفسرا

стр. 3506

محدثا فقيها واعظا خطيبا أوحد وقته في طريقته وعظ المسلمين ستين سنة وخطب بنيسابور نحوا من عشرين سنة سمع أبا طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبا بكر الجوزقي وأستاذه الحاكم أبا عبد الله وغيرهم سمع منه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي وغيره لا يحصون كثرة بخراسان إلى غزنة وبلاد الهند وجرجان وطبرستان والجبال والعراق والثغور والشام وبيت المقدس وبلاد أذربيجان وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وتوفي في المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة (١)].

стр. 3507

فصل ١٤٢٧ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل على فضل مَاء بفلاة يمنعهُ ابْن السَّبِيل. زَاد فِي رِوَايَة يَقُول الله لَهُ الْيَوْم أمنعك فضلي كمَا منعت فضل مَا لم تعْمل يداك الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة" هو على لفظ الآية الكريمة، قيل: معنى لا يكلمهم أي لا يكلمهم تكليم أهل الخير وبإظهار الرضى بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد الإعراض عنهم (٢)، وقال جمهور المفسرين: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية (٣) ومعنى لا ينظر إليهم: أي يعرض عنهم ونظره لعباده رحمة ولطفه بهم (٤).

стр. 3508

قوله: ولا ينظر إليهم، [أي يعرض عنهم] ومعنى ولا يزكيهم، أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، وقال الزجاج وغيره: معناه لا يثني عليهم (١). قوله: ولهم عذاب أليم، أي: مؤلم، قال الواحدي (٢): هو العذاب الذي يخلص إلى قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل ما يغني الإنسان ويشق عليه. قوله ﷺ : "ورجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل" زاد في رواية: "يقول الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" الحديث وإذا كان من يمنع فضل الماء الماشية عاصيا فكيف من يمنعه الآدمي المحترم فإن الكلام فيه، فلو كان ابن السبيل غير محترم كالحربي والمرتد لم يجب بذل الماء له (٣). قال النووي (٤): قال أصحابنا: يجب بذل الماء بالفلاة كما ذكرناه بشروط أحدها: أن لا يكون ماء آخر يستغني به، والثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية لا لسقي الزرع، الثالث: أن لا يكون مالكه محتاجا إليه. واعلم أن المذهب الصحيح أن من نبع من ملكه الماء صار مملوكا له، وقال بعض أصحابنا: لا يملكه أما إذا أخذ الماء في إناء من الماء المباح فإنه

стр. 3509

يملكه هذا هو الصواب، وقد نقل بعضهم الإجماع عليه، وقد قال بعض أصحابنا لا يملك بل يكون أخص به وهذا غلط ظاهر (١). وقال في المفهم (٢): ظاهر اللفظ النهي عن بيع فضل الماء الذي يشرب فإنه السابق إلى الفهم ونقل الإجماع على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلا فقد ملكه وإن له بيعه إلا خلافا شاذا لا يلتفت إليه، قال: وأما الأنهار والعيون والآبار في الفيافي التي ليست بمملوكة فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه ولا بيعه ولا نكر في تناول أحاديث النهي لذلك، وأما فضل الماء في بلد فهذا هو محل الخلاف هل يجبر على بذل فضله لمن احتاجه أو لا يجبر وإذا أجبر فهل يجبر بالقيمة أو لا، قولان: [سببهما] معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه والأرجح إن شاء الله حمل الخبر على عمومه فيجب بذل الفضل بغير قيمة ويفرق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالبا وعدم المشاحة فيه وقلة الطعام غالبا ووجود المشاحة فيه أ. هـ. وفي [الاشراف] لابن المنذر (٣): والإجماع على جواز بيع الماء المأخوذ من النيل والفرات في ظرف بثمن معلوم فدل على أن نهيه عن بيع الماء ليس المراد منه جميع الماء، ويجوز أن يدخل النهي الماء المجهول كالمياه التي

стр. 3510

يتبايعها أهل المشرق وغيرهم ببيع الرجل منهم ما يجري في نهره في يومه وليلته بكذا وكذا درهما وذلك مجهول يزيد وينقص وتحيط به الآفات، ويختلف ذلك في الشتاء عند كثرة الأمطار، ويقل عند قلة الأمطار وفي الصيف اختلافا متفاوتا وقال الأوزاعي في بيع فضل الماء قال: يسقي به ثم [يسيبه] في الأرض ولا يعطيه أحدا وقال مالك في ماء البئر: إذا وقع الفضل الناس في الفضل أسوة، وقال أحمد: إنما نهي عن بيع فضل الماء في قراره في الآبار والعيون واختلفوا في بيع الماء روايا وقِرَب، فرخص ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان واحمد وإسحاق/ وفيه قول ثان وهو أن ذلك لا يجوز إلا بقرب معروفة الوزن لا يجوز عددا هذا هو مذهب الشافعي والنظر يدل عليه (١). وقال في القبس (٢): في الأثر النهي عن بيع نبع البئر وروي نقع البئر بالقاف والفاء، وروي "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ"، واختلف علماؤنا في الأرض يملكها الرجل فتنبت نباتا سماويا هل يختص المالك بالنبات كاختصاصه بالأرض أم هو لجميع الناس يحتشونه ويحتطبونه وكذلك أيضًا: اختلفوا إذا نطر بئر ففاضت على حاجته هل يختص بالفضل دون [سائر الخلق أم ليس له إلا قدر ما يحتاج إليه والباقي مشاع] بين الناس، والصحيح أن ذلك كله مشاع إذا لم يحتج إليه ولكن الحاجة عندي على

стр. 3511

قسمين إما أن يحتاج الماء لسقي زرعه وثمرته أو يحتاج النبات لسرحه أو يحتاج الحطب لاحتطابه وبيعه فإذا كان لذلك فلا خلاف أنه أحق به من غيره وإن كان يحتاجه لقوته وكسوته فمثله أيضًا وما فضل عن هاتين الحاجتين هو الذي يتناول الحديث النهي عنه (١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام. فائدة: من الصغائر أن يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ وذلك حرام وقد عده الذهبي من الكبائر واستدل عليه بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من منع فضل مائه أو فضل كلائه منعه الله فضله يوم القيامة" أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (٢)، قال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين (٣): قلت: فإن صح هذا الحديث فينبغي أن يكون فعل ذلك مرة واحدة صغيرة وإلا فبالإصرار تصير كبيرة والله أعلم، ورأيت في تفسير الإمام أبي بكر بن المنذر: فذكر السند إلى أن قال: حدثنا صالح بن حبان قال: سمعت عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضل الماء بعد الري ومنع طروق الفحل إلا بجعل" رواه ابن أبي حاتم (٤)، وقد نهى النبي ﷺ في الصحيحين عن ذلك

стр. 3512

ومعناه: أن يكون للإنسان بئر مملوكة بالفلاة وفيها ماء فاضل عن حاجته ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذا ولا يمكن أصحاب المواشي رعيهم إلا إذا جعل لهم السقي من هذا البئر فيحرم عليه منع فضل الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض لأنه إذا منع بذله امتنع أرباب الماشية من رعي الكلأ خوفا على مواشيهم من العطش فيكون بمنعه الماء مانعا من رعى الكلأ وأما منع الماء الذي لا يختص بأحد فهو من الكبائر، والله أعلم. قال أهل اللغة (١): الكلأ مهموز مقصور هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا وأما الحشيش والهشيم فيختص باليابس وأما الخلى مقصور غير مهموز والعشب هو مختص بالرطب ويقال له أيضًا الرطب بضم الراء وإسكان الطاء، أ. هـ. ١٤٢٨ - (٢) وَعَن امْرَأَة يُقَال لَهَا بهيسة عَن أَبِيهَا قَالَت اسْتَأْذن أبي النَّبِي ﷺ فَدخل بَينه وَبَين قَمِيصه فَجعل يقبل ويلتزم ثمَّ قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه قَالَ المَاء قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لا يحل مَنعه قَالَ الْملح قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لا يحل مَنعه قَالَ أَن تفعل الْخَيْر خير لَك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٣). قوله: وعن امرأة يقال لها بُهيسة عن أبيها، بهيسة الفزارية بضم الباء

стр. 3513

الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها سين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث ولم أقف على اسم أبيها ولم يعرف لها غير هذا الحديث (١). قوله: قالت استأذن أبي النبي ﷺ فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم، تقدم الكلام على قميص النبي ﷺ من كلام الزركشي في اقتداء ابن عمر بالنبي ﷺ في أوائل الكتاب. قوله: فجعل يقبل التقبيل معروف. قوله: ثم قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء" الحديث، ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا سواء قيل إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب وسقي البهائم وسقي الزرع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا يجب بذله للزرع (٢). قوله: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح" قال الخطابي (٣): معناه الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك فإن أحدا لا يمنع من أخذه فإما إذا صار في حوز مالكه فهو أولى به وله منعه وبيعه والتصدق فيه كسائر أملاكه، أ. هـ.

стр. 3514

قال أصحابنا: فلو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت وسيق الماء إليها ظهر فيها الملح فليست من المعادن الظاهرة لأن المقصود منها يظهر بالعمل فللإمام إقطاعها ومن حفرها وساق الماء إليها وظهر الملح ملكها كما لو أحيى مواتا والله أعلم ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (١). قوله: وعن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ لم يسم هذا الرجل ولا يضر ذلك فإنه صحابي والصحابة عدول ﵃ أجمعين. قوله: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاثة في الكلأ والماء والنار" أما الكلأ الذي يشترط فيه الناس، قال الخطابي (٢): فهو الكلأ ينبت في موات الأرض ترعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد أو يحجزه عن غيره وكان أهل الجاهلية إذا عز الرجل منهم حمي بقعة من الأرض لماشيته ترعاها يذود الناس عفا فأبطل النبي ﷺ ذلك وجعل الناس فيه شركاء يتعاورونه بينهم فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه، وأما الماء قال الأزهري: أراد النبي ﷺ بالماء ماء السماء وماء العيون التي لا مالك لها (٣) فالمراد به هنا المياه المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد ولا صنع الآدميين في إنباطها وإجرائها كالفرات وجيحون والنيل وسائر أودية العالم والعيون في

стр. 3515

الجبال وسيول الأمطار فالناس فيها سواء لكن من أخذ منها شيئًا في إناء أو جعله في حوض ملكه ولم يكن لغيره مزاحمته فيه (١) ذهب قوم إلى أن الماء لا يملك والأصح بيعه مطلقًا (٢) وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار وهذا بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها أو ينضج عليها طعامه ونحوه لم يبعد أ. هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي (٣). وقال بعضهم: له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوة من الحطب قد احترق فصار جمرًا وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحا أو يدني منها ضغثا يشتعل بها لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئا (٤) أ. هـ. وقال صاحب العدة من أصحابنا: لو أضرم نارا في حطب مباح بالصحراء لم يكن له منع من ينتفع بتلك النار فلو جمع الحطب ملكه فإذا أضرم فيه النار كان له منع غيره منها أ. هـ قاله العراقي (٥) في شرح الأحكام، وذهب قوم إلى العمل بظاهر الحديث في الثلاثة والصحيح الأول.

стр. 3516

١٤٣٠ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه قَالَ المَاء وَالْملح وَالنَّار قَالَت قلت يَا رَسُول الله هَذَا المَاء وَقد عَرفْنَاهُ فَمَا بَال الْملح وَالنَّار قَالَ يَا حميراء من أعْطى نَارا فَكَأَنَّمَا تصدق بِجَمِيعِ مَا أنضجت تِلْكَ النَّار وَمن أعْطى ملحا فَكَأَنَّمَا تصدق بِجَمِيعِ مَا طيبت تِلْكَ الْملح وَمن سقى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أعتق رَقَبَة وَمن سقى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ لَا يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). قوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على عائشة. قوله ﷺ لعائشة: "يا حميراء"، تصغير الحمراء يريد البيضاء والأحمر الشديد البياض، ومثله قوله ﷺ : "خذوا شطر دينكم من الحميراء" والعرب تعبر عن الأبيض بالأحمر، ومنه قوله ﷺ : "بعثت إلى الأحمر والأسود" والأحمر العجم والأسود العرب والأبيض عندهم أيضًا الأبرص، وقد رأى النبي ﷺ بامرأة أراد أن يتزوجها بياضا، يعني برصا، فقال لها: "الحقي بأهلك" فهو كناية في بعض المواضع عن البرص. قوله: "من أعطى نارا" الحديث، تقدم معناه. ١٤٣١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث فِي المَاء والكلإ وَالنَّار وثمنه حرَام. قَالَ أَبُو سعيد يَعْنِي المَاء
следующие страницы →