← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3512–3551 · переход к 3517.

стр. 3512

ومعناه: أن يكون للإنسان بئر مملوكة بالفلاة وفيها ماء فاضل عن حاجته ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذا ولا يمكن أصحاب المواشي رعيهم إلا إذا جعل لهم السقي من هذا البئر فيحرم عليه منع فضل الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض لأنه إذا منع بذله امتنع أرباب الماشية من رعي الكلأ خوفا على مواشيهم من العطش فيكون بمنعه الماء مانعا من رعى الكلأ وأما منع الماء الذي لا يختص بأحد فهو من الكبائر، والله أعلم. قال أهل اللغة (١): الكلأ مهموز مقصور هو النبات سواء كان رطبا أو يابسا وأما الحشيش والهشيم فيختص باليابس وأما الخلى مقصور غير مهموز والعشب هو مختص بالرطب ويقال له أيضًا الرطب بضم الراء وإسكان الطاء، أ. هـ. ١٤٢٨ - (٢) وَعَن امْرَأَة يُقَال لَهَا بهيسة عَن أَبِيهَا قَالَت اسْتَأْذن أبي النَّبِي ﷺ فَدخل بَينه وَبَين قَمِيصه فَجعل يقبل ويلتزم ثمَّ قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه قَالَ المَاء قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لا يحل مَنعه قَالَ الْملح قَالَ يَا نَبِي الله مَا الشَّيْء الَّذِي لا يحل مَنعه قَالَ أَن تفعل الْخَيْر خير لَك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٣). قوله: وعن امرأة يقال لها بُهيسة عن أبيها، بهيسة الفزارية بضم الباء

стр. 3513

الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها سين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث ولم أقف على اسم أبيها ولم يعرف لها غير هذا الحديث (١). قوله: قالت استأذن أبي النبي ﷺ فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم، تقدم الكلام على قميص النبي ﷺ من كلام الزركشي في اقتداء ابن عمر بالنبي ﷺ في أوائل الكتاب. قوله: فجعل يقبل التقبيل معروف. قوله: ثم قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء" الحديث، ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا سواء قيل إن الماء ملك لمالك أرضه أم لا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب وسقي البهائم وسقي الزرع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا يجب بذله للزرع (٢). قوله: يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح" قال الخطابي (٣): معناه الملح إذا كان في معدنه في أرض أو جبل غير مملوك فإن أحدا لا يمنع من أخذه فإما إذا صار في حوز مالكه فهو أولى به وله منعه وبيعه والتصدق فيه كسائر أملاكه، أ. هـ.

стр. 3514

قال أصحابنا: فلو كان بقرب الساحل بقعة لو حفرت وسيق الماء إليها ظهر فيها الملح فليست من المعادن الظاهرة لأن المقصود منها يظهر بالعمل فللإمام إقطاعها ومن حفرها وساق الماء إليها وظهر الملح ملكها كما لو أحيى مواتا والله أعلم ذكره ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (١). قوله: وعن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ لم يسم هذا الرجل ولا يضر ذلك فإنه صحابي والصحابة عدول ﵃ أجمعين. قوله: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: "المسلمون شركاء في ثلاثة في الكلأ والماء والنار" أما الكلأ الذي يشترط فيه الناس، قال الخطابي (٢): فهو الكلأ ينبت في موات الأرض ترعاه الناس ليس لأحد أن يختص به دون أحد أو يحجزه عن غيره وكان أهل الجاهلية إذا عز الرجل منهم حمي بقعة من الأرض لماشيته ترعاها يذود الناس عفا فأبطل النبي ﷺ ذلك وجعل الناس فيه شركاء يتعاورونه بينهم فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه، وأما الماء قال الأزهري: أراد النبي ﷺ بالماء ماء السماء وماء العيون التي لا مالك لها (٣) فالمراد به هنا المياه المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد ولا صنع الآدميين في إنباطها وإجرائها كالفرات وجيحون والنيل وسائر أودية العالم والعيون في

стр. 3515

الجبال وسيول الأمطار فالناس فيها سواء لكن من أخذ منها شيئًا في إناء أو جعله في حوض ملكه ولم يكن لغيره مزاحمته فيه (١) ذهب قوم إلى أن الماء لا يملك والأصح بيعه مطلقًا (٢) وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار وهذا بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها أو ينضج عليها طعامه ونحوه لم يبعد أ. هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي (٣). وقال بعضهم: له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوة من الحطب قد احترق فصار جمرًا وليس له أن يمنع من أراد أن يستصبح منها مصباحا أو يدني منها ضغثا يشتعل بها لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئا (٤) أ. هـ. وقال صاحب العدة من أصحابنا: لو أضرم نارا في حطب مباح بالصحراء لم يكن له منع من ينتفع بتلك النار فلو جمع الحطب ملكه فإذا أضرم فيه النار كان له منع غيره منها أ. هـ قاله العراقي (٥) في شرح الأحكام، وذهب قوم إلى العمل بظاهر الحديث في الثلاثة والصحيح الأول.

стр. 3516

١٤٣٠ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه قَالَ المَاء وَالْملح وَالنَّار قَالَت قلت يَا رَسُول الله هَذَا المَاء وَقد عَرفْنَاهُ فَمَا بَال الْملح وَالنَّار قَالَ يَا حميراء من أعْطى نَارا فَكَأَنَّمَا تصدق بِجَمِيعِ مَا أنضجت تِلْكَ النَّار وَمن أعْطى ملحا فَكَأَنَّمَا تصدق بِجَمِيعِ مَا طيبت تِلْكَ الْملح وَمن سقى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أعتق رَقَبَة وَمن سقى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ لَا يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). قوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على عائشة. قوله ﷺ لعائشة: "يا حميراء"، تصغير الحمراء يريد البيضاء والأحمر الشديد البياض، ومثله قوله ﷺ : "خذوا شطر دينكم من الحميراء" والعرب تعبر عن الأبيض بالأحمر، ومنه قوله ﷺ : "بعثت إلى الأحمر والأسود" والأحمر العجم والأسود العرب والأبيض عندهم أيضًا الأبرص، وقد رأى النبي ﷺ بامرأة أراد أن يتزوجها بياضا، يعني برصا، فقال لها: "الحقي بأهلك" فهو كناية في بعض المواضع عن البرص. قوله: "من أعطى نارا" الحديث، تقدم معناه. ١٤٣١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث فِي المَاء والكلإ وَالنَّار وثمنه حرَام. قَالَ أَبُو سعيد يَعْنِي المَاء

стр. 3517

الْجَارِي رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا (١). الْكلأ بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام بعدهمَا همزَة غير مَمْدُود هُوَ العشب رطبه ويابسه. قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلإ والنار" تقدم الكلام على الثلاثة المذكورة في الحديث. قوله: "وثمنه حرام" وإنما جعل ثمنه حراما لأنه غير مملوك فلا يجوز بيعه وحمل أبو سعيد ذلك على الجاري وهو الغالب ولو كان الماء المباح غير جار كماء السيول الراكدة في المستنقعات فحكمها كذلك والله أعلم (٢)، والظاهر أن أبا سعيد هذا يعني المذكور في الحديث هو عبد الله بن سعيد شيخ ابن ماجه وهو الأشج وكان أحد الحفاظ وهذا الإسناد ضعيف لضعف عبد الله بن خراش وهو بكسر الخاء وبالشين المعجمتين. خاتمة: ذكر البغوي في تفسيره (٣) عن عبد الله بن عمر أن قوله ﷺ قال: إن الله [أنزل] أربع بركات من السماء إلى الأرض [الحديد والنار] والماء والملح (٤)، وقال الأطباء: في الملح مرارة وقبض وأجوده الداراني الأبيض

стр. 3518

الرقيق وهو حار يابس ينفع في العفونة [وينفع من] غلظ الأخلاط ويذيبها واستعمال الملح بالغداة يحسن اللون وينفع في الجرب المتقرح والحكة البلغمية والنقرس (١) وعد في الإحياء (٢) من آداب الآكل أن يبدأ بالملح ويختم به وأن ينوي بأكله التقوي على طاعة الله ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل قال إبراهيم بن شيبان: منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئًا بشهوة وأن يرضي بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الآدم بل كرامة الخبز أن لا ينتظر به الآدم، وقد ورد الخبر بإكرام الخبز (٣) فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر بل لا ينتظر بالخبز الصلاة إن حضر وقتها إذا كان في الوقت متسع أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 3519

الترغيب في شكر المعروف ومكافأة فاعله والدعاء له وما جاء فيمن لم يشكر ما أولي إليه ١٤٣٢ - عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من استعاذ بِالله فأعيذوه وَمن سألكم بِالله فَأَعْطوهُ وَمن استجار بِالله فأجيروه وَمن أَتَى إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه فَإِن لم تَجدوا فَادعوا لَهُ حَتَّى تعلمُوا أَن قد كافأتموه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مُخْتَصرا قَالَ من اصْطنع إِلَيْكُم مَعْرُوفا فجازوه فَإِن عجزتم عَن مجازاته فَادعوا لَهُ حَتَّى تعلمُوا أَن قد شكرتم فَإِن الله شَاكر يحب الشَّاكِرِينَ (٢). قوله: عن عبد الله بن عمرو ﵄ تقدم الكلام عليه. قوله: "ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه" الرواية الأخرى "ومن اصطنع إليكم معروفا فجازوه" الحديث قال أبو الليث السمرقندي: إذا أهدى إليك إنسان هدية فإن لم يكن الذي أهدى إليك ظالما ولا ماله حراما فالأفضل أن تقبل هديته وتكافئه بأفضل منه أو مثله فإن عجزت عن المكافأة بالمال

стр. 3520

فالدعاء وحسن الثناء لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أهدى إليكم معروفا فكافئوه" الحديث (١). ١٤٣٣ - وَعَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أعطي عَطاء فَوجدَ فليجز بِهِ فَإِن لم يجد فليثن فَإِن من أثنى فقد شكر وَمن كتم فقد كفر وَمن تحلى بِمَا لم يُعْط كَانَ كلابس ثوبي زور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي الزبير عَنهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٢) وَرَوَاهُ أبُو دَاوُد عَن رجل عَن جَابر وَقال هُوَ شُرَحْبِيل بن سعد (٣). وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صحِيحه عن شُرَحْبِيل عَنهُ وَلفظه من أولي مَعْرُوفا فَلم يجد لَهُ جَزَاء إِلَّا الثَّنَاء فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره وَمن تحلى بباطل فَهُوَ كلابس ثوبي زور (٤). قَالَ الْحَافِظ وشرحبيل بن سعد تَأتي تَرْجَمته. وَفِي رِوَايَة جَيِّدَة لأبي دَاوُد من أبلي فَذكره فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره (٥).

стр. 3521

قَوْله من أبلي أَي من أنعم عَلَيْهِ والإبلاء الإنعام. قوله: وعن جابر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور" وفي حديث عائشة: "من تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور" الزور الكذب والباطل والتهمة. قال النووي (١): قالوا معناه المتكثر بما ليس عنده مذموم كلابس ثوبي زور، ومعناه: أن العرب أكثر ما كانت تلبس عند الجدة [والقدرة] إزارا ورداء ولهذا حين سئل النبي ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد قال "أو كلكم يجد ثوبين" (٢) وفسره عمر ﵁ بإزار ورداء وقميص وغير ذلك، وروي عن إسحاق بن راهوية قال: سألت أبا الغمر الأعرابي وهو ابن ابنة ذى الرمة عن تفسير ذلك فقال: كانت العرب إذا اجتمعوا في المحافل كانت لهم جماعة يلبس أحدهم ثوبين حسنين فإن احتاجوا إلى شهادة شهد لهم بزور فيمضون شهادته بثوبيه يقولون: ما أحسن ثيابه وما أحسن هيئته فيجيزون شهادته لذلك والأحسن أن يقال فيه أن المتشبع بما لم يعط هو أن يقول: أعطيت كذا لشيء لم يعطه فأما أنه يتصف بصفات ليست فيه ويريد أن الله منحه إياها أو يريد أن بعض الناس وصله شيء خصه به فيكون بهذا القول قد

стр. 3522

جمع بين كذبين أحدهما اتصافه بما ليس فيه أو أخذه ما لم يأخذه والآخر الكذب على المعطي وهو الله تعالى أو الناس (١)، وأراد بثوبي الزور هذين [الحالين اللذين ارتكبهما] واتصف بهما و [قد سبق أن الثوب يطلق على الصفة المحمودة والمذمومة، وحينئذ] يصح التشبيه في [في التثنية] لأنه شبه اثنين باثنين قاله ابن الأثير وغيره (٢). قال أبو عبيد وآخرون هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد والعبادة والورع ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه فهذه ثياب زور ورياء، وقيل: هو فيمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له، وقيل: هو فيمن لبس قميصا واحدا ويصل بكميه كمين آخرين فيظهر أن عليه قميصين، وحكي الخطابي (٣) قولا آخر أن المراد هنا بالثوب الحالة والمذهب والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن (٤). قوله: "من أبلي فذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره" الحديث، قد فسر الحافظ (٥) قوله "من أبلى من أنعم عليه" والبلاء الإنعام أ. هـ، وقال في

стр. 3523

النهاية (١): الإبلاء الإنعام والإحسان يقال: بلوت الرجل وأبليت عنده بلاء حسنا والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان يقال: بلوته وأبليته [وابتليته] والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٢) وفرق القتيبي بينهما فقال: يقال في الخير أبليته وفي الشر بلوته (٣)، انتهى. ١٤٣٤ - وَعَن أُسَامَة بن زيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من صنع إِلَيْهِ مَعْرُوف فَقَالَ لفَاعِله جَزَاك الله خيرا فقد أبلغ فِي الثَّنَاء (٤). وَفِي رِوَايَة من أولي مَعْرُوفا أَو أسدي إِلَيْهِ مَعْرُوف فَقَالَ للَّذي أسداه جَزَاك الله خيرا فقد أبلغ فِي الثَّنَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٥). قَالَ الْحَافِظ وَقد أسقط من بعض نسخ التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير مُخْتَصرا إِذا قَالَ الرجل جَزَاك الله خيرا فقد أبلغ فِي الثَّنَاء (٦).

стр. 3524

قوله: وعن أسامة بن زيد ﵁، تقدم الكلام على أسامة بن زيد. قوله ﷺ : "من صُنِع إليه معروف" وفي الرواية الأخرى "من أولِيَ معروفا أو أسدى إليه معروف" (١) أسدى وأولي وأعطى بمعنى يقال: أسديت إليه معروفا أسدي إسداء [ومعنى قوله فقال] للذي أسداه جزاك الله خيرا، الحديث، أي أعطاه جزاء ما [أسلف] من طاعته قاله في النهاية (٢). ١٤٣٥ - وَعَن الْأَشْعَث بن قيس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أشكر النَّاس لله ﵎ أشكرهم للنَّاس. وَفِي رِوَايَة لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (٣). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد بِنَحْوِ الأولى (٤). قوله: وعن الأشعث بن قيس ﵁، كنيته: أبو محمد، الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي، وفد الكندي وهو الأشعث على النبي ﷺ سنة عشر من الهجرة في وفد كندة وكانوا ستين راكبا فأسلموا ورجع إلى اليمن وكان الأشعث ممن ارتد بعد النبي ﷺ فبعث أبو بكر الصديق الجنود إلى اليمن فأسروه فأحضروه بين يديه فأسلم وقال [فأسلم] [وقال: استبقنى لحربك]

стр. 3525

وزوجني أختك، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته، وهي أم محمد بن الأشعث وشهد الأشعث اليرموك بالشام ثم القادسية بالعراق والمدائن وجلولا ونهاوند وسكن الكوفة وشهد صفين مع علي ﵁: وكان عثمان استعمله على أذربيجان وكان الحسن بن علي زوج ابنته روي له عن النبي ﷺ تسعة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على حديث منها نزل الكوفة وتوفي بها بعد قتل علي بن أبي طالب بأربعين ليلة بعد سنة ثنتين وأربعين (١). قوله ﷺ : "إن أشكر الناس لله ﵎ أشكرهم للناس" سيأتي الكلام على الشكر في حديث أبي هريرة بعد بعده. ١٤٣٦ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أُتِي إِلَيْهِ مَعْرُوف فليكافئ بِهِ وَمن لم يسْتَطع فليذكره فَإِن من ذكره فقد شكره وَمن تشبع بِمَا لم يُعْط فَهُوَ كلابس ثوبي زور رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا صَالح بن أبي الْأَخْضَر (٢). قوله: وعن عائشة ﵂، تقدم الكلام على عائشة. قوله ﷺ : "من أتي إليه معروف فليكافئ به ومن لم يستطع فليذكره فإن من ذكره فقد شكره ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور" قال في النهاية (٣):

стр. 3526

معنى الحديث أن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر، وقيل: معناه أن من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس وترك الشكر لهم كان من عادته كفر نعمة الله وترك الشكر له، وقيل: معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله وإن شكره كما تقول: لا يحبني [من لا يحبك] أي أن محبتك مقرونة بمحبتي فمن أحبني يحبك ومن لم يحبك فكأنه لم يحبني وهذه الأقوال مبنية على رفع اسم الله تعالى ونصبه أ. هـ. قوله: "ومن تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور" أي: المتكثر بأكثر مما عنده يتجمل بذلك كالذي يرى أنه شبعان وليس كذلك، ومن فعله فإنما يسخر من نفسه وهو من أفعال ذوي الزور بل هو في نفسه زور أي كذب (١). فائدة: فإن قلت: ما فائدة التثنية؟ قلت: المبالغة اشعارا بالإزار والارتداء يعني هو زور من رأسه إلى قدمه أو للإعلام بأن في التشبع حالتين مكذوبتين فقدان ما تشبع به وإظهار الباطل (٢) أ. هـ. ١٤٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ صَحِيح (٣).

стр. 3527

قَالَ الْحَافِظ رُوِيَ هَذَا الحَدِيث بِرَفْع الله وبرفع النَّاس وَرُوِيَ أَيْضا بنصبهما وبرفع الله وَنصب النَّاس وَعَكسه أَربع رِوَايَات. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة وعلى معنى الحديث في الأحاديث قبله وقد ضبطه الحافظ (١). قوله ﷺ : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" فقال: برفع الله ورفع الناس وروي أيضًا بنصبهما وبرفع الله وبنصب الناس وبعكسه أربع روايات أ. هـ. فائدة: قوله "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" قال الحافظ (٢): في هذا الحديث نكتة حسنة وهي التنبيه بالأدنى على الأعلى وذلك أن الذي يفعل الإحسان من الخلق يحتاج إلى المكافأة والله تعالى غني عنها فإذا كان المنعم عليه لا يكافئ بالشكر من هو محتاج إليه فلأن لا يشكر غير المحتاج أولى (٣) والله أعلم قاله ابن العماد في شرح العمدة. ١٤٣٨ - وَرُوِيَ عَن طَلْحَة يَعْنِي ابْن عبيد الله ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أولي مَعْرُوفا فليذكره فَمن ذكره فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٤). وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا من حَدِيث عَائِشَة ﵂ (٥).

стр. 3528

قوله: وروي عن طلحة يعني ابن عبيد الله ﵁، هو: أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المكي المدني وأمه الصعبة بنت الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وهاجرت وأسلم الحضرمي عبد الله بن عماد بن البرء وعماد بالميم وطلحة أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض سماه رسول الله ﷺ طلحة الخير وطلحة الجود وهو من المهاجرين الأولين ولم يشهد بدرا ولكن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره كمن حضر وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وكان أبو بكر إذا ذكر أحدا قال ذلك يوم كله كان لطلحة، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الآخر سنة ست وثلاثين وهذا لا خلاف فيه، وكان عمره أربعا وستين سنة، وقيل: ثمانيا وخمسين، وقيل: ثنتين وستين، وقيل: غير ذلك، وقبره بالبصره مشهور يزار ويتبرك به (١) وكان طلحة ثبت مع رسول الله ﷺ ووقاه بيده ضربة قصد بها فشكت يده فقال رسول الله ﷺ : "أوجب طلحة" وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن أبي وقاص، وذكر ابن قتيبة في

стр. 3529

المعارف (١): أن طلحة دفن بقنطرة قرة فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكى إليها النز فأمرت به فأخرج طريا فدفن في داره في الهجرتين في البصرة وذكر غيره أنهم حين حولوه قال الراوي كأني أنظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فإنها مالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي الأرض من نز الماء فاشتروا له دارا من دور أبي بكرة بعشوة آلاف درهم قال: ولطلحة عشر بنين وأربع بنات وهم: محمد وموسى وعيسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيى وصالح وعمران وأم إسحاق وعائشة ومريم والصعبة (٢). قوله ﷺ : "من أُولِيَ معروفا فليذكره فمن ذكره فقد شكره" تقدم ذكره. ١٤٣٩ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لم يشْكر الْقَلِيل لم يشْكر الْكثير وَمن لم يشْكر النَّاس لم يشْكر الله والتحدث بِنِعْمَة الله شكر وَتركهَا كفر وَالْجَمَاعَة رَحْمَة والفرقة عَذَاب رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي زوائده بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا في كتاب اصطناع الْمَعْرُوف بِاخْتِصَار (٣).

стр. 3530

قوله: وعن النعمان بن بشير ﵄، تقدم ذكره في وصل الصفوف. قوله ﷺ : "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر" الحديث تقدم معنى الشكر. ١٤٤٠ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَا رَسُول الله ذهب الْأَنْصَار بِالْأَجْرِ كُله مَا رَأينَا قوما أحسن بذلا لكثير وَلَا أحسن مواساة فِي قَلِيل مِنْهُم وَلَقَد كفونا الْمُؤْنَة قَالَ أَلَيْسَ تثنون عَلَيْهِم بِهِ وتدعون لَهُم قَالُوا بلَى قَالَ فَذَاك بِذَاكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (١). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: قالت المهاجرون يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، المهاجرون الأولون الذي هاجروا قبل قدوم النبي ﷺ المدينة والأنصار هم الذين آووا رسول الله ﷺ [ونصروه وبذلوا له أنفسهم وأموالهم أوان الضعف والعسرة (٢)]. * * *

стр. 3531

كتاب الصيام تقدم الكلام على الكتاب واشتقاقه في أوائل هذا التعليق. الصوم الترغيب في الصوم مطلقا وما جاء في فضله وفضل دعاء الصائم فالصيام لاسمه معنيان، أحدهما لغوي، والآخر شرعي تعبد الله به عباده، فأما معنى الصيام في اللغة فالإمساك مطلقا عما يصنعه الإنسان وغيره من حركة أو كلام أو أكل أو شرب أو مشي ونحو ذلك من سائر الحركات، فإذا أمسك عما يصنعه سمي صائما في اللغة، ودليل ذلك قوله تعالى حاكيا عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١) أي إمساكا عن الكلام، وقال المفسرون (٢): أي صمتا، وتقول العرب: خيل صائمة إذا كانت قائمة دون أكل ولا رعي، يقال صام الفرس إذا ثبت قائما (٣). قاله في العلم المشهور (٤). والصيام في الشريعة: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع

стр. 3532

الفجر إلى غروب الشمس (١) فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيا فلا فطر ولا قضاء (٢) للحديث وهو قوله ﷺ : "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" (٣)، وقال أهل المعرفة: الصوم ثلاثة، صوم العام وصوم الخاص وصوم الأخص، فصوم العام ترك الأكل والشرب والوقاع وصوم الخاص مخالفة الجوارح والأعضاء وأن يعفو عمن ظلمه ويكف لسانه عن أهل القبلة (٤). ١٤٤١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ وَالصِّيَام جنَّة فَإِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يصخب فَإِن سابه أحد أَو قَاتله فَلْيقل إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك للصَّائِم فرحتان يفرحهما إِذا أفطر فَرح بفطره هاِذا لَقِي ربه فَرح بصومه، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (٥).

стр. 3533

١٤٤٢ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ يتْرك طَعَامه وَشَرَابه وشهوته من أَجلي الصّيام لي وَأَنا أجزي بِهِ والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم" الحديث، هذا حديث شريف رواه رسول الله ﷺ عن رب العالمين وأجمع المسلمون على صحته أخرجه البخاري بهذا النص. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في شرح مسلم (٢): اختلف العلماء في معنى هذا على أقوال، أحدها: أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها فتكون لهم إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص لأن حال الممسك شبعا كحال الممسك تقربا، وارتضاه المازري؛ ثانيها: أن أعمال بني آدم كلها لهم فيه حظا إلا الصيام فإنه لا حظ لهم فيه قاله الخطابي (٣)، وثالثها: أن أعمالهم هي أوصافهم ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه استغناء عن الطعام وذلك من خواص أوصاف الحق ؛ ورابعها: ان أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفا كما قال بيتي وعبادي؛ وخامسها: أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة [فيما عليهم] إلا الصيام فإنه لله تعالى ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن تأخذ منه شيئًا قاله ابن

стр. 3534

العربي (١)، وقد كنت أستحسنه إلى أن فكَّرت في حديث المُقاصَّة الذي في صحيح مسلم فوجدت فيه ذكر الصوم من جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها فإنه قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وضرب هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" (٢) وهذا يدل على أن الصوم يؤخذ كسائر الأعمال (٣)؛ وسادسها: أن الأعمال كلها ظاهرة للملائكة فتكتبها إلا الصوم فإنما هو نية وإمساك فالله يعلمه ويتولى جزاؤه قاله أبو عبيد، وسابعها: أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها وتضعيفها إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ويشهد لهذا سياق الراوية الأخرى التي فيها "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف" قال الله تعالى "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" يعني والله أعلم أنه يجازي عليه جزاء كثيرا من غير أن يعين مقداره ولا تضعيفه وهذا كما قال الله تعالى:

стр. 3535

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١) وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين وهذا قول ظاهر الحسن والله أعلم أ. هـ قوله ﷺ : "إلا الصوم فإنه لي" الحديث، قال النووي (٢): اختلف العلماء في معنى إضافة الصوم إلى الله تعالى مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب ذلك أنه لم يعبد أحد غير الله تعالى به فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك، وقيل: لأن الصوم يبعد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة وغيرها من العبادات الظاهرة وارتضاه المازري وتقدم، وقيل: معناه أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته وغيره ذلك من العبادات أظهر الله بعض مخلوقاته أ. هـ. فقد أكثر الناس في [تأويل] هذا الحديث وأنه لم خص الصيام والجزاء عليه بنفسه وإن كانت العبادات كلها له وجزاؤها منه وذكروا فيه وجوها مدار كلها على أن الصوم سر بين الله تعالى والعبد لا يطلع عليه سواه ولا يكون العبد حقيقة صائما إلا وهو مخلص في الطاعة، وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث أن جميع العبادات التي يتقرب بها العباد إلى الله تعالى من صلاة وحج وصدقة واعتكاف وتبتل ودعاء وقربان وهدي وغير ذلك من

стр. 3536

أنواع العبادات قد عبد المشركون بها آلهتهم وما كانوا يتخذونه من دون الله أندادا ولم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان المتقادمة عبدت آلهتها بالصوم ولا تقربت إليها به ولا عرف الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع فلذلك قال الله تعالى: "الصوم لي وأنا أجزي به" أي لم يشاركني فيه أحد ولا عبد به غيري فأنا حينئذ أجزي به وأتولى الجزاء عليه بنفسي ولم آكله إلى أحد من ملك مقرب أو غيره على قدر اختصاصه بى قاله ابن الأثير (١)، أ. هـ. وذكر أبو الخير الطالقاني: فيه خمسة وخمسين قولا، قال الشيخ: من أحسنها قول سفيان بن عيينة ناهيك به أن يوم القيامة يتعلق خصماؤه بجميع أعماله [إلا] الصوم [فلا سبيل لهم عليه] فإنه لله تعالى (٢) [قيل هي إضافة تشريف] وذلك من قول [الله تعالى ناقة الله مع أن العالم كلّه لله تعالى] والله أعلم؛ وفي هذا الحديث: بيان عظيم فضل الصوم والحث عليه (٣). قوله ﷺ : "وأنا أجزي به" ففيه بيان لعظيم فضله وكثرة ثوابه لأن الكريم إذا أخبر أنه يتولى الجزاء بنفسه اقتضى عظم قدر الجزاء وسعة العطاء (٤) [ودليل على أن جزاءه موكول إلى علم الله تعالى وأنه لا يدخل تحت إحاطة البشر (٥)].

стр. 3537

قوله ﷺ : "والصيام جنة" قد ضبطه الحافظ (١): الجنة وفسرها فقال الجنة ما يجنك أي يسترك ويقيك مما تخاف، وقال: معنى الحديث أن الصوم يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي وقال في شرح المشارق: الجنة الترس مأخوذ من الجن وهو الستر جعل الصيام جنة لأنه يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان، لهذا قال النبي ﷺ "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه" (٢) فإن من امتلأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته لما يستولي على معادن إدراكه من الأبخرة المتصاعدة من معدته إلى دماغة فلا يتأتي له نظر صحيح ولعله يقع في مداحض فيزيغ عن الحق كما أشار إليه صلوات الله عليه في قوله ﷺ : "لا تشبعوا فتطفئوا أنوار المعرفة من قلوبكم" (٣) كذا في شرح القاضي البيضاوي (٤)، وذكر في جمل الغرائب: الصوم جنة أي من النار أو من المعاصي لكسر الشهوة أو جنة عن اللغو والغيبة فالصائم يجتن بصومه عنهما والجنة جمع جنن (٥).

стр. 3538

قوله ﷺ : "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث" الرفث: قال الحافظ (١) بفتح الفاء والراء ويطلق ويراد به الجماع ويطلق ويراد به الفحش ويطلق ويراد به [خطاب] الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع وقال كثير من العلماء: إن المراد به [فى هذا] الحديث الفحش وردئ الكلام أ. هـ. وقال القاضي عياض (٢): يرفث بضم الفاء وكسرها وفتحها ثلاث لغات حكاها في المشارق والمراد به الفحش من القول وقال صاحب العلم المشهور (٣): الرفث في كلام العرب على وجهين أحدهما: الجماع والآخر الكلام القبيح والفحش من المقال والتشاتم والخنا والتلاعن ونحو ذلك من قبيح الكلام الذي هو سلاح اللئام ومنه اللغو كله والباطل والزور (٤) وقال أبو عبيد: اللغو كل شيء من الكلام ليس بحسن والفحش أشد من اللغو (٥)، أ. هـ. وقوله ﷺ : "ولا يصخب" هذا هو بالصاد هو هنا بالصاد ويقال أيضًا بالسين والصاد وهو الصياح (٦)، وقال في العلم المشهور (٧): والصخب ارتفاع الأصوات واختلاطها وصواب كتبه بالصاد وضعف الخليل من كتبها

стр. 3539

بالسين (١) والله أعلم، قال القاضي عياض (٢): ورواه الطبري (٣) "يسخر" بالراء، قال: ومعناه: صحيح لأن السخرية تكون بالقول والفعل وكله من الجهل قال بعض العلماء: قلت هذه الرواية تصحيف وإن كان لها معنى (٤). قوله ﷺ : "فإن سابه أحد أو قاتله" قال القاضي عياض (٥): قوله "أو قاتله" قاتله" معنى قاتله دافعه ونازعه ويكون بمعنى شاتمه ولاعنه وقد جاء القتل بمعنى اللعن وقال ابن عبد البر (٦): المعنى في المقاتلة مقاتلته بلسانه. قوله ﷺ : "فليقل إني صائم إني صائم" الحديث، ذكر العلماء فيه تأويلين أحدهما وبه جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة أنه يقول في قلبه لا بلسانه بل يحدث نفسه بذلك ويذكرها أنه صائم لا يليق به الجهل والمشاتمة لينزجر بذلك (٧) فنهى الشارع ﷺ الصائم عن مقاتلة من قاتله بلسانه ومشاتمة من شاتمه لصونه صومه عن ذلك على ما ورد به هذا الحديث المجمع على صحته (٨).

стр. 3540

قال في العلم المشهور (١): ولا يظهر قوله "إني صائم" لما فيه من الرياء وإطلاع الناس على عمله لأن الصوم من العمل الذي لا يظهر ولذلك يجزي الله جل ثناؤه الصائم أجره بغير حساب (٢)؛ الثاني: أنه يقوله بلسانه ويسمعه صاحبه ليزجره عن نفسه (٣)، وقال في العلم المشهور: أي صومي يمنعني من مجاوبتك لأنى أصون صومي عن الخنا والزور من القول فبهذا أمرت، ولولا ذلك لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي (٤) وهذا رجحه النووي في الأذكار وغيرها (٥) فقال إنه أظهر الوجهين، وقال في شرح المهذب (٦): التأويلان حسنان حسنان والقول باللسان أقوى ولو جمعهما كان حسنا انتهى، وحكي الروياني في البحر (٧) وجها واستحسنه أنه إن كان صوم رمضان فيقوله بلسانه وإن كان نفلا فبقلبه (٨). واعلم أن نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصا به بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك لكن الصائم

стр. 3541

آكد (١) والله أعلم. واختلف إذا سب الصائم أحدا أو اغتابه فالجمهور (٢) أن ذلك ليس بمفسد للصوم، وذهب الأوزاعي إلى أن ذلك مفطر مفسد وبه قال الحسن البصري فيما أحسب قاله القرطبي (٣). قوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده" تقدم الكلام على ذلك وأن فيها تأويلين للعلماء ففيه من الفقه معرفة يمين رسول الله ﷺ وأنه كان يحلف على ما يريد بالله تعالى وقد جاء عنه في غير ما حديث وفيه رد على من قال: لا يحلف أحد بالله صادقا ولا كاذبا وفي رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة مع ما صح عنه أنه قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" وإنما يحرم الاستخفاف والحنث وفيه إشارة إلى التوحيد الخالص وأنه لا حكم عليه إلا حكم الله تعالى وحده أ. هـ، قاله في العلم المشهور (٤). قوله ﷺ : "لخلوف [فم] الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"

стр. 3542

الحديث، الخلوف ضبطه الحافظ (١) بضم الخاء المعجمة واللام وفسره فقال هو تغير رائحة الفم من الصوم أ. هـ، وهذا الذي ضبطه المنذري قال النووي (٢) هو الصواب وهو الذي ذكره الخطابي (٣) وغيره من أهل الغريب وهو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريح كريهة لخلو المعدة من الطعام فهو مصدر خلف فمه يخلف خلوفا على وزن قعد يقعد قعودا بضم الخاء ولا يجوز فتحها هو مأخوذ من قولهم خلف اللبن وأخلف إذا تغيرت رائحته أ. هـ وكثير من المحدثين يفتحون الخاء وهو غلط والمعنى يفسد به فإن الخلوف بفتح الخاء هو الشخص الذي يكثر خلفه في موعده قاله الخطابي (٤) وهو خطأ عند أهل العربية وأما صاحبا المشارق والمطالع (٥) فقالا بضم الخاء. اختلف العلماء في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه منزه عن استطابة الروائح الطيبة واستقذار الروائح الخبيثة الكريهة فإن ذلك من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء فتستطيبه وتنفر من شيء فتستقذره فالله تعالى مقدس (٦) على أقوال

стр. 3543

أقوال أحدها: قال المازري (١) هو مجاز واستعارة لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير بذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى، أهـ، فيكون المعنى: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم أي أنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وذكر ابن عبد البر (٢)، نحوه، الثاني: أن معناه أن الله تعالى يجازيه به في الآخرة أي ثوابا عظيما فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما قال ﷺ في الشهيد: "اللون لون الدم والريح ريح المسك" حكاه القاضي عياض (٣)، الثالث: قال صاحب المفهم (٤): يحتمل أن يكون ذلك في حق ملائكة الله تعالى يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك وإن كانت رائحة الخلوف عندنا بخلافه، الرابع: أن المعنى أن صاحب الخلوف هو تغير رائحة الفم أكثر ثوابا من المسك حيث ندب في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير قاله الداودي من المغاربة وابن العربي (٥) وصاحب المفهم وبعض أصحابنا (٦)، قال النووي (٧): إنه الأصح وقال عالم المغرب وقاضيها: قال

стр. 3544

بعض أهل العلم إنما سيق هذا الحديث في معرض أن الإنسان لا ينبغي له أن يأنف من القرب من الصائم لما فيه من التغير فإن ذلك التغير أطيب يوم القيامة من ريح المسك كما جاء في الشهداء إن دمائهم في كلومهم فإن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب بالثاء المثلثة والباء الموحدة أي يسيل اللون لون دم والريح ريح المسك (١) قاله ابن عقيل، أ. هـ. لطيفة: قال العلماء: وفي طيب ريح خلوف فم الصائم عند الله معنى قاله عالم المغرب وقاضى القضاة بها أبو موسى عيسى بن عمران أن وجه التمثيل أن المسك أطيب الطيب كما ثبت عن رسول الله ﷺ فالصيام أفضل العبادات لأن العبد أطاع فيه ربه وعصى الشيطان بقطع الشهوات التي هي سبب تسلطه عليه فمعنى قوله ﷺ "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" أي أرضي عند الله تعالى وأحب من ريح المسك عند الخلق (٢)، وهذه الرائحة إنما هي في عرصات القيامة يشمها الخلائق تنويها من الله جلت قدرته بالصائمين فتبين أن هذه الرائحة المكروهة في الدنيا تنقلب في القيامة أطيب من ريح المسك، على ما أخبرنا الصادق الأمين والحق والصدق في ذلك الخبر كما ثبت في جميع المصنفات من رواية الثقات الأثبات أن الشهيد يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك، يثعب: أي ينفجر والفرق بين الرائحتين فيما نص النبي

стр. 3545

- ﷺ وفهمته العلماء في الإشارة إليه فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ودم الشهيد ريحه ريح المسك، والأطيبية التي في فم الصائم هي الخصوصية التي يمتاز بها عن دم الشهيد في اليوم المشهود بين يدي العزيز الحميد فحصل الفرق بينهما في الرائحة غير بعيد ولم أر أحدا سبقني إلى ذلك أ، هـ قاله في العلم المشهور (١). وقال في شرح الإلمام (٢) في قوله: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" أي أفضل في حكم الله وأقرب إلى رضاه وأرجح في الميزان من ريح المسك الذي يستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله تعالى حيث [ندب إلى] نبذ الرائحة الكريهة وملابسة الرائحة الطيبة كما في المساجد والصلوات وغيرها أ. هـ. فائدة: قال بعض أهل العلم: إنما سيق هذا الحديث في معرض أن الإنسان لا ينبغي له أن يأنف من القرب من الصائم لما فيه من التغير فإن ذلك التغير أطيب يوم القيامة من ريح المسك كما جاء في الشهداء: "زملوهم في كلومهم ودمائهم فإن الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب" (٣) بالثاء المثلثة والباء الموحدة أي يسيل واللون لون دم والريح ريح المسك، قاله ابن عقيل، أ. هـ. لطيفة: قال العلماء: وفي طيب ريح خلوف فم الصائم عند الله معنى أن

стр. 3546

الصيام لما كان سرا بين العبد وربه في الدنيا أظهره الله تعالى في الآخرة علانية للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لاخفائهم صيامهم في الدنيا (١). لطيفة أخرى: في المعنى أن من عبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته وابتغاء مرضاته فإخباره بذلك العاملين في الدنيا فيه تطييب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا والله أعلم (٢). تنبيه: هذا الحديث وهو قوله ﷺ : "لخلوف فم الصائم" الحديث. . . (٣). تنبيه: احتج أصحابنا بهذا الحديث على كراهة السواك للصائم بعد الزوال لما فيه من إزالة الخلوف الذي هذه صفته وفضيلته وإن كان السواك فيه فضل أيضًا إلا أن فضيلة الخلوف أعظم قالوا كما أن دم الشهيد مشهود له بالطيب ويترك له غسل الشهيد مع أن غسل الميت واجب فإذا ترك الواجب للمحافظة على بقاء الدم المشهود له بالطيب فترك السواك الذي ليس هو

стр. 3547

واجبا للمحافظة على بقاء الخلوف المشهود له بذلك أولى (١)، قال الشافعي (٢): أكره السواك بعد الزوال للصائم إلى آخر النهار وهكذا حكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالكي في كتاب عيون المجالس (٣) حتى بالغ بعض العلماء فقال: ولا يستاك لصلاة المغرب حتى يفطر، وبالغ آخر فقال: لا يتمضمض لإفطاره لئلا يزول الخلوف، وممن وافق الشافعية على التحديد بالزوال في ذلك الحنابلة (٤) وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في المحرر: ولا يسن السواك للصائم بعد الزوال وهو المنصوص عن الإمام أحمد وهل يكره؟ على روايتين ثم إن المشهور عند أصحابنا زوال الكراهة بغروب الشمس وقال الشيخ أبو حامد: لا تزول الكراهة حتى يفطر (٥) والله أعلم. قوله: في الرواية الأخرى "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك"، قوله: "ويوم القيامة" إشارة على أن ذلك يكون تشريفا

стр. 3548

وتعظيما للصائم حينئذ كما جعل التحجيل والغرة للمتوضئ وكون الدم للشهيد علامة على شرفها وهي مقيدة لما أطلق في رواية من لم يذكر القيامة وإن حملناه على الدنيا فتأويله أن رضاه جعله طيبا فيرجع إلى قوله "مرضاة للرب" وهذا الحديث مجاز قطعا، فإن وصول الرائحة إلى الله تعالى محال فإن ذلك من لوازم الجسمية فالمراد إثابة لفاعله والرضي، ويجوز أن يكون ذلك حقيقة بحيث يفوح على أهل الموقف أن يكون عبارة عما يحل له به من الراحة والجزاء أو بمجموع الأمرين كما أن الشهيد يجمع له الأمران الثواب وريح المسك فيما كان دما وهذا أولى بالصواب. تنبيه: وقع نزاع بين الشيخين عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح هل هو مخصوص بالآخرة أو في الدنيا أيضًا؟ والحديث صريح باختصاصه بيوم القيامة ولأنه يوم الجزاء وهو المراد بطيب الرائحة أي يفوح على أهل الموقف [رائحته] المسكية عكس ما [يكون منه في] الدنيا [. . . .] يثيبهم ذلك اليوم عليه [. . . .] له بالسواك وأيضًا فالجمع بين العبادتين حاصل بأن [يستاك لأن] الخلوف يعود سريعا [وسببه لا يزول فإن سببه قائم] عن خلو المعدة [فإذا استاك في] وقت الصلاة [عاد سريعا لخلو المعدة] فتحصل المحافظة على هذه العبادة العظيمة التي فيها رضى [الله تعالى] ولا سيما والصلاة [بسواك] أفضل من سبعين بغيرها وهذا يؤيد ما يقدح من قربها من درجة الفرائض بكونها بدلا عن الوضوء الذي كان واجبًا لكل صلاة، ووجهه أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة

стр. 3549

كما نبه عليه الإمام وذكر فيه حديثًا لكن المحدثين لا يصححونه ففيه استئناس والله أعلم قاله في شرح الإلمام. قوله ﷺ : "للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره" أي فرح بزوال جوعه وعطشه حين أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف ربه ومعونة على مستقبل صومه، وأما قوله: "وإذا لقي ربه فرح بصومه" أي بجزاء صومه وثوابه قاله القرطبي (١)، قال ابن رجب في اللطائف (٢): الصائمون على طبقتين، إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجوا عنده عوض ذلك في الجنة فهذا قد تاجر مع الله وعامله والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح؛ الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى ويحفظ البطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدًا في الجنة ومن صام عما سوى الله تعالى فعيده يوم لقائه: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (٣) أ. هـ.

стр. 3550

قوله ﷺ في رواية البخاري (١): "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه وأن الصائم يقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح وهذه أعظم شهوات النفس، وفي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد، منها: كسر النفس فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، ومنها: أن الغنى يعرف قدر نعمة الله عليه بإمراره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به، ومن منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته [بما يمكن] من ذلك، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب، قاله ابن رجب في اللطائف (٢). قوله ﷺ عن الله تعالى: "الصوم لي وأنا أجزي به" قال أبو عبيد: معناه أنا أتولي جزاؤه إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة إذ ليس من أعمال الجوارح الظاهرة وإنما هو نية وإمساك فأنا أجازي به من التضعيف على ما أحب أ. هـ، قاله في

стр. 3551

شرح الأحكام (١). ١٤٤٣ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم كل عمل ابْن آدم يُضَاعف الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف قَالَ الله تَعَالَى إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ يدع شَهْوَته وَطَعَامه من أَجلي للصَّائِم فرحتان فرحة عِنْد فطره وفرحة عِنْد لِقَاء ربه ولخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك (٢). ١٤٤٤ - وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا وَلابْن خُزَيْمَة وَإِذا لَقِي الله فجزاه فَرح الحَدِيث (٣). وَرَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِمَعْنَاهُ مَعَ اخْتِلَاف بَينهم فِي الْأَلْفَاظ (٤). ١٤٤٥ - وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن ربكُم يَقُول كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ وَالصَّوْم جنَّة من النَّار ولخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وَإِن جهل على أحدكُم جَاهِل وَهُوَ صَائِم فَلْيقل إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم" (٥). قوله ﷺ في رواية لمسلم (٦) "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر
следующие страницы →