← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 397–436 · переход к 402.

стр. 397

بكسر السين السرار وكان يعرف بصاحب السواد والسواك والنعل، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين حديثا، نزل الكوفة في آخر أمره، وتوفي بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، قيل: عاد إلى المدينة واتفقوا على أنه توفي وهو ابن بضع وستين سنة، والذين قالوا: توفي بالمدينة، قالوا: دفن بالبقيع قيل: وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر، وكان ﵁ من كبار الصحابة وساداتهم وفقائهم ومقدميهم في القرآن والفقه والفتاوى، ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وكنا جئنا وما نرى ابن مسعود وأمه. إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على رسول الله ﷺ ولزومهم له (١) وبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة وكتب إليهم بعثت إليكم عمار أميرًا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرًا وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي وقال أبو ظبية: مرض ابن مسعود فعاده عثمان فقال: ما تشتكي؟ قال ذنوبي قال مما تشتهي قال رحمة ربي قال: ألا آمر لك بطبيب، قال: الطبيب أمرضني قال: ألا آمرك بعطاء قال لا حاجة لي فيه قال: يكون لبناتك قال: أتخشى علي بناتي الفقر وإني قد أمرتهن أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة

стр. 398

إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ كل ليلة سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا" (١) ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة (٢). قوله: رواه عبد الرزاق وأبو يعلى من رواية إبراهيم بن مسلم الهجري الهجري بفتح الهاء والجيم منسوب إلى هجر مدينة باليمن. قوله: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة" استهانة بها وبه ﵎ الحديث. قوله: وقوله: عن أبي الأحوص الجشمي، واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة ولأبيه صحبة. ٤٦ - وَعَن شَدَّاد بن أَوْس ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول من صَامَ يرائي فقد أشرك وَمن صلى يرائي فقد أشرك وَمن تصدق يرائي فقد أشرك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الْمجِيد بن بهْرَام عَن شهر بن حَوْشَب وَسَيَأْتِي أتم من هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٣).

стр. 399

قوله: وعن شداد بن أوس الصحابي، هو: أبو يعلى قيل: أبو عبد الرحمن شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن حرام وهو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ وهو أنصاري نجاري مدني سكن بيت المقدس وأعقب به، روي له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثا روى البخاري منها حديثا ومسلم أخر، روى عنه ابنه يعلى وجماعة من التابعين توفي ﵁ ببيت المقدس سنة ثمان وخمسين وقيل: إحدى وأربعين وقيل: أربع وستين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن وحديثه المذكور "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (١) الحديث رواه مسلم، قالوا: وكان شداد عليما حليما كثير العبادة والوارع والخوف من الله تعالى ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله ﷺ : "من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك" الحديث، وفي كتاب النوازل الخفية: سئل إبراهيم بن يوسف عن رجل صلى رياء أيؤجر عليه قال: لا ولكن عليه الوزر، وقال بعضهم: يكفر بذلك وقال بعضهم لا أجر له ولا وزر عليه وصار كأنه لم يعمل ذلك العمل (٣). قوله: رواه البيهقي من طريق عبد الحميد بن بهرام. تقدم الكلام على البيهقي.

стр. 400

٤٧ - وَعَن ربيح بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن نتذاكر الْمَسِيح الدَّجَّال فَقَالَ أَلا أخْبركُم بِمَا هُوَ أخوف عَلَيْكُم عِنْدِي من الْمَسِيح الدَّجَّال فَقُلْنَا بلَى يَا رَسُول الله فَقَالَ الشّرك الْخَفي أَن يقوم الرجل فَيصَلي فيزين صلَاته لما يرى من نظر رجل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ (١) ربيح بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وحاء مُهْملَة وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وأما قوله: عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ربيح بضم الراء وفتح الباء وسكون الياء وبالحاء المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الحافظ رحمه الله تعالى. قوله: في حديثه: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال". قال القاضي عياض (٢): واختلف في المسيح الدجال فأكثر الرواة يقول إنه بفتح الميم وكسر السين المخففة مثل المسيح بن مريم ولا فرق بينهما في اللفظ ولكن عيسى بن مريم مسيح هدى والدجال مسيح

стр. 401

ضلالة، ورواه بعض الرواة مسيح بكسر الميم والسين المشددة وقاله غير واحد كذلك إلا إنه بالخاء المعجمة وقاله بعضهم بكسر الميم وتخفيف السين والدجال بفتح الدال والجيم المشددتين فقيل سمي بذلك لأنه ممسوح العين وقيل لأنه أعور والأعور يسمى مسيحًا. وسمي دجالا لتمويهه والدجل التمويه والتغطية يقال دجل فلان إذا موه ودجل الحق غطاه بباطله، وحكى غيره أنه سمي دجالا لكذبه وهو كاذب وجمع دجال دجالون وسمي مسيحا لأنه يسمح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها (١)، قال العلماء: له عينان مغيبتان إحداهما طافئة بالهمز ذاهبة النور عمياء لا تبصر شيئا والثانية طافية بلا همز أي ناتئة كأنها عنبة طافية لكنه يبصر بها ويمكث في الأرض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينيه كافر، وأنه يتبعه سبعون ألفا سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وان عيسى ﵊ ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لير البلدة المعروفة بقرب بيت المقدس وكل هذه الألفاظ ثابتة عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وبعضها في البخاري (٢) قاله في شرح مشارق الأنوار. وأما الدجال فإنه محبوس يخرج في آخر الزمان يدل عليه حديث تميم الداري وقيل إنه لم يولد بعد وسيولد في أخر الزمان والأول هو الصحيح وإنه

стр. 402

يركب حمارًا عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أكبر حمار في الدنيا فراكبه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا وكذا قال في خبر الجساسة فإذا أعظم إنسان رأيناه لكن في حديث أبي داود في وصف الرجال أنه قصير أفحج وإنما يكون قصيرًا بالنسبة إلى نوع الإنسان فمقتضى ذلك أن يكون فيهم من هو أطول منه ولهذا قيل إن وصفه بالأكبرية إنما يعني بذلك [عظم فتنته وكبر محنته إذ ليس بين يدى الساعة أعظم ولا أكبر منها ويحتمل أنه يريد به: أنه ينتفخ أحيانا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبر من كل نوع الإنسان، كما في حديث ابن صياد أنه انتفخ عن غضبه حتى ملأ الطريق، والله أعلم بحقيقة ذلك (١) انتهى قاله في الديباجة. قوله: بلَى يَا رَسُول الله فَقَالَ الشّرك الْخَفي أَن يقوم الرجل فَيصَلي فيزين صلَاته لما يرى من نظر رجل وفي الحديث بعده فيزين صلَاته جاهدا لما يرى من نظر النَّاس إِلَيْهِ فَذَلِك شرك السرائر، الرياء نوعان أحدهما: أن لا يريد بطاعته إلا الناس، الثاني أن يريد بطاعته الناس ورب الناس وكلاهما محبط للعمل ونقل هذا القول في الحلية (٢) عن بعض السلف قال الفضيل بن عياض ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما، ومعنى كلامه رحمه الله تعالى: أن من عزم على فعل عبادة ثم تركها مخافة أن يراه الناس فهو مرائي لأن العامل لله تعالى

стр. 403

لا يضره إطلاع الناس عليه (١)، وتقدم ذلك في أول الباب، والمراد بترك العمل في كلام الفضيل: أن يتركه بالكلية أو يخرجه عن الوقت كمن ترك صلاة الضحى أو صوم التطوع مخافة أن يراه الناس أما لو تركها ليصليها في الخلوة ولم يفوتها فهذا مستحب إلا أن يكون عالما يقتدى به فصلاته جهرا أفضل لقوله ﷺ : "إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" وإن كان قصده بإفشاء عمله التودد والتقرب إلى الناس لاعتقادهم فيه حبط عمله، قال ﷺ : "من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به" (٢) قاله في شرح العمدة. تنبيه: قوله في آخر حديث ابن مسعود رواه عبد الرزاق وأبو يعلى من رواية إبراهيم بن مسلم الهجري، الهجري بفتح الهاء والجيم منسوب إلى مدينة باليمن. وقوله: عن أبي الأحوص الجشمي، واسم أبي الأحوص: عوف بن مالك بن نضلة ولأبيه صحبة. قوله: وعن شداد بن أوس الصحابي، هو: أبو يعلى قيل: أبو عبد الرحمن شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر بن رحام وهو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ وهو انصاري نجاري مدني سكن بيت المقدس وأعقب به، روي له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثا روى البخاري منها حديثا ومسلم أخر، روى عنه ابنه يعلى وجماعة من التابعين توفي ﵁ ببيت

стр. 404

المقدس سنة ثمان وخمسين وقيل: إحدى وأربعين وقيل: أربع وستين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن وحديثه المذكور "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (١) الحديث رواه مسلم، قالوا: وكان شداد عليما حليما كثير العبادة والوارع والخوف من الله تعالى ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). قوله ﷺ : "من صام يرائي فقد أشرك ومن صلى يرائي فقد أشرك" الحديث، وفي كتاب النوازل الخفية: سئل إبراهيم بن يوسف عن رجل صلى رياء أيؤجر عليه قال: لا ولكن عليه الوزر، وقال بعضهم: يكفر بذلك وقال بعضهم: لا أجر له ولا وزر عليه وصار كأنه لم يعمل ذلك العمل (٣)، وقال الحارث المحاسبي: إذا افتتح هو الطاعة على الرياء ثم أخلص في أثنائها فإن كانت متعددة كقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا إذا افتتحه على الرياء ثم أخلص فيه [صح] ما اقترن به الإخلاص وبطل ما اقترن به الرياء وكل ذلك بمثابة عبادات رائى في بعضهن وأخلص في بعضهن وإن كانت عبادة متحدة كالصلاة والصوم والحج والاعتكاف فقد اختلف العلماء

стр. 405

في ذلك فقال بعضهم: لا يعتد بشيء منها هذا هو الظاهر، وقال بعضهم لا يعتد له بافتتاحها دون ما عداه وقال آخرون: يعتد بالجميع فإنه ما أتى بذلك إلا لله فإن التكبير والتسبيح والركوع والسجود لا يكون إلا لله (١). وقال الحليمي (٢): ثبت بالكتاب والسنة أن كل عمل أمكن أن يراد به وجه الله إذا لم يعمل بمجرد التقرب به إليه وابتغاء رضوانه حبط ولم يستوجب به ثوابا إلا أن الترك تفصيلا وهو أن العمل إذا كان من جملة الفرائض وكان على هذا الوجه سقط به الفرض عنه ولم يؤاخذ به في الآخرة ولم يعاقب بما عوقب به التارك ولكنه لا يستوجب به ثوابا وإنما ثوابه ثناء الناس عليه في الدنيا ومدحهم إياه بما فعل وإن كان العمل [من باب] التطوع ففعله يريد به وجوه الناس دون وجه الله تعالى فإن الرياء يحبطه بالكلية بخلاف الأول حيث يحصل على سقوط الفرض عنه، فإن قيل: فإن لم يشتغل به ولم يرجوه [ولم يعلم أحد] أنه فعل خيرًا أو شرًّا، فالجواب: أنه لا يؤجر بشيء عاجل ولا آجل [فإنما هو] رجل خسر الدنيا والآخرة (٣). انتهى قاله في الديباجة، وقال في الديباجة أيضا: وأما ما ورد في الشركة فهو [محمول على] ما إذا [كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه أما إذا كان ضعيفا

стр. 406

بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة وسائر الأعمال ولا ينبغي أن يفسد الصلاة ولا يبعد أن يقال إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه] الله تعالى والخالص [ما لا] يشوبه شيء فلا يكون [مؤديا] للواجب مع [هذا] الشوب والعلم عند [الله] فيه (١) انتهى. قوله: رواه البيهقي من طريق عبد الحميد بن بهرام. قوله: عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، ربيح بضم الراء وفتح الباء وسكون الياء وبالحاء المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الحافظ رحمه الله تعالى. قوله: في حديثه: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال. قال القاضي عياض (٢): واختلف في المسيح الدجال فأكثر الرواة يقول إنه بفتح الميم وكسر السين المخففة مثل المسيح بن مريم ولا فرق بينهما في اللفظ ولكن عيسى مسيح هدى والدجال مسيح ضلالة، ورواه بعضهم بكسر الميم وتخفيف السين الدجال بفتح الدال والجيم المشددتين فقيل: سمي بذلك لأنه ممسوح العين وقيل لأنه أعور والأعور يسمى مسيحًا. وسمي دجالا لتمويهه والدجل التمويه والتغطية يقال أدجل فلان إذا موه ودجل الحق غطاه بباطله، وحكى غيره أنه سمي دجالا لكذبه وهو كاذب

стр. 407

وجمع دجال دجالون وسمي مسيحا لأنه يسمح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها (١)، قال العلماء: له عينان معينتان أحدهما طافئة بالهمز ذاهبة النور عمياء لا تبصر شيئا والثانية طافية بلا همز أي ناتئة كأنه عنبة طافية لكنه يبصر بها ويمكث في الأرض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينيه ك ف ر (٢). وأنه يركب حمار عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا (٣) وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أكبر حمار في الدنيا فراكبه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا وكذا قال في خبر الجساسة فإذا أعظم إنسان رأيناه (٤) لكن في حديث أبي داود في وصف الدجال أنه قصير أفحج (٥) وإنما يكون قصيرًا بالنسبة إلى

стр. 408

نوع الإنسان فمقتضى ذلك أن يكون فيهم من هو أطول منه ولهذا قيل إن وصفه بالأكبرية إنما يعني بذلك عظم فتنته وكبر محنته إذ ليس بين يدي الساعة أعظم ولا أكبر منها، ويحتمل أن يريد بذلك أنه ينتفخ أحيانا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبر من نوع الإنسان كما في حديث ابن صياد أنه انتفخ عند غضبه حتى ملأ الطريق والله أعلم بحقيقة ذلك (١) قاله في الديباجة، وأنه يتبعه سبعون ألفًا سبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وأن عيسى ﵊ ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لد البلدة المعروفة بقرب بيت المقدس وكل هذه الألفاظ ثابتة عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وبعضها في البخاري (٢) قاله في شرح مشارق الأنوار وأما الدجال فإنه محبوس يخرج في آخر الزمان يدل عليه حديث تميم الداري وقيل إنه لم يولد بعد وسيولد في آخر الزمان والأول هو الصحيح (٣) انتهى، وسيأتي الكلام مبسوطًا على المسيح الدجال في أواخر هذا التعليق إن شاء الله تعالى. ٤٨ - وَعَن مَحْمُود بن لبيد قَالَ خرج النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إيَّاكُمْ وشرك السرائر قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا شرك السرائر قَالَ يقوم الرجل فَيصَلي

стр. 409

فيزين صلَاته جاهدا لما يرى من نظر النَّاس إِلَيْهِ فَذَلِك شرك السرائر رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه. (١) قوله: وعن محمود بن لبيد قال الحافظ: محمود بن لبيد رأى النبي ﷺ ولم يصح له منه سماع فيما أرى انتهى. قوله ﷺ : "يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر قالوا يا رسول الله وما شرك السرائر قال يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر" تقدم الكلام على الرياء. (٢). ٤٩ - وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه أَن عمر ﵁: خرج إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ معَاذًا عِنْد قبر رَسُول الله ﷺ يبكي فَقَالَ مَا يبكيك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول الله ﷺ قَالَ الْيَسِير من الرِّيَاء شرك وَمن عادى أَوْلِيَاء الله فقد بارز الله بالمحاربة إِن الله يحب الْأَبْرَار الأتقياء الأخفياء الَّذين إِن غَابُوا لم يفتقدوا وَإِن حَضَرُوا لم يعرفوا قُلُوبهم مصابيح الْهدى يخرجُون من كل غبراء مظْلمَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد لَهُ وَغَيره قَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَلَا عِلّة لَهُ (٣).

стр. 410

قوله: عن زيد بن أسلم عن أبيه هو زيد بن أسلم [القريشى العدوى المدنى، مولى عمر بن الخطاب، ﵁، التابعى الصالح الفقيه، ﵀. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين، رضى الله عنهم. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزهرى، ويحيى الأنصارى، وأيوب السختيانى، ومحمد بن إسحاق التابعيون، ومالك، والثورى، ومعمر، وخلائق من الأئمة. قال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما في أيدينا، وما رأيت فيه

стр. 411

متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا يرينى الله يوم زيد، وقدمنى بين يدى زيد أنه لم يبق أحد أرضى لنفسى ودينى غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة، توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين (١)]. قوله: "اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة" الأولياء: جمع ولي، والولي: هو من الوَلْي وهو القرب والدنو، والولي فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول، ويترتب على ولايته الولى إجابة دعوته، وقال أبو سعيد: إذا أراد الله أن يوالي عبده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب ثم رفعه إلى مجلس الأنس به ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية وكشف له عن الجلال والعظمة فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقى بلا هوى فحينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع في حفظه سبحانه وبرئ من دعاوي نفسه (٢)] وفي الحديث الآخر: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب" آذنته بمعنى أعلمته، قال الشافعي وأبو حنيفة (٣): إذا لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي.

стр. 412

فأولياء الله تعالى تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم كما أن أعداءهم تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم (١). قوله ﷺ : "إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء" الحديث، الأبرار جمع البر وهو الطائع وكثيرا ما يخص بالأولياء الزهاد والأتقياء قاله في النهاية (٢)، والأتقياء جمع تقي والأخفياء: جمع خفي، وهو بمعنى خاف، ومن خفيت الشيء أخفيه أي: فهؤلاء المذكورون في الحديث هم الغرباء الممدوحون المغبطون ولقلتهم في الناس جدا سموا غرباء فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء وأهل السنة الذين يميزونه من الأهواء والبدع فهم غرباء والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين لهم أشد هؤلاء غربة ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم (٣). وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدًا غرباء بين اثنتين وسبعين فرقة ذات اتباع ورياسات ومناصب وولايات فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله تعالى على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه (٤).

стр. 413

وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال (١). ومن صفات هؤلاء الغرباء التمسك بالسنة إذا رغب الناس عنها وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وهؤلاء هم القابضون على الجمر فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله بين الناس غرباء ولقد أخبر ﷺ عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا وسيعود غريبا وإن أهله يصيرون غرباء ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينسبوا إلى غير رسوله ﷺ ولم يدعوا إلى غير ما جاء به فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه (٢) قاله في تهذيب النفوس، قال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، فقيل ومن الغرباء يا رسول الله؟. قال ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم" (٣) وفي رواية "الغرباء ناس صالحون بين ناس كثيرون، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم" (٤) رواه أحمد وفي الترمذي: "فطوبى للغرباء. قيل ومن الغرباء قال: الذين يصلحون إذا فسد

стр. 414

الناس" (١) وفي رواية: "الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من شريعتي" (٢)، وفي حديث آخر: قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس" (٣) وفي المسند عن عبد الله بن عمرو قال: إن أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: "الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم يوم القيامة" (٤). قوله: "بدأ الإسلام غريبًا" ضبطناه بالهمز من الابتداء، واعلم أن الغربة المذكورة في الحديث معناها قلة من يعين على القيام بالحق فيكون القائم به غريبا لفقدان المساعد وعدم المعاضد فلا ينهض القائم حينئذ إلا قوة إيمانه ووفور إيقانه فلذلك قال ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء" (٥) أي أنه كان في أول أمره أي الإسلام كالغريب الوحيد

стр. 415

الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبًا كما كان أي يقل المسلمون آخر الزمان فيصيرون كالغرباء (١) فطوبى للغرباء أي الجنة، أولئك المسلمين الذين كانوا أول الإسلام ويكونون في آخره، فطوبى فعلى من الطيب، تقول العرب طوباك طوبى لك وأما طوبى التي في القرآن وحسن مآب، فروي عن ابن عباس أن معناها [الجنة] وقرة عين، وقال عكرمة: نعم ما لهم وقال الضحاك: عطية لهم، وعن قتادة: أصابوا خيرًا، وقيل: دوام الخير، وقيل الجنة، وقيل: شجرة فيها، وكل هذه أقوال محتملة في الحديث (٢)، وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا وآخرا بلزومهم دين الإسلام (٣)، [يريد ﷺ لأنهم قاموا بأمر الله في بلاده وعباده حيت تقاعدت همم الناس عن القيام انتهى قاله في لطائف المنن لابن عطاء الله (٤) والله تعالى أعلم. قال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الثالث من أبواب العلم (٥): قد صارت تلك العلوم [غريبة] بحيث يمقت [ذاكرها] ولذلك قال الثوري: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه (٦)] وقال أبو العباس القرطبي: يحتمل أن يريد بالحديث المهاجرون إذ هم

стр. 416

تغربوا على أوطانهم فرارا بأديانهم فيكون معناه إن آخر الزمان تشتد فيه المحن على المسلمين فيفرون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون. وقد ورد في الحديث قيل: من الغرباء؟ قال: هم النزاع من القبائل إشارة إلى هذا المعنى، النزاع جمع نازع ونزيع وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته أي بعد وغاب (١)، وقيل: لأنه ينتزع إلى وطنه أي ينجذب ويميل والمراد الأول أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم [في الله تعالى] (٢) قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "يخرجون من كل غبراء مظلمة" أي: ذات غبار أو ذات غبرة وهو لون الغبار، وقال في النهاية: الغبراء هي التي لا يهتدى للخروج منها (٣). ٥٠ - وَعَن مَحْمُود بن لبيد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْأَصْغَر قَالُوا وَمَا الشّرك الْأَصْغَر يَا رَسُول الله قَالَ الرِّيَاء يَقُول الله إِذا جزى النَّاس بأعمالهم اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراؤون فِي الدُّنْيَا فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء وَرَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَغَيره. (٤)

стр. 417

قَالَ الْحَافِظ ﵀: ومحمود بن لبيد رأى النَّبِي ﷺ وَلم يَصح لَهُ مِنْهُ سَماع فِيمَا أرى وَقد خرج أَبُو بكر بن خُزَيْمَة حَدِيث مَحْمُود الْمُتَقَدّم فِي صَحِيحه مَعَ أَنه لَا يخرج فِيهِ شَيْئا من الْمَرَاسِيل وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَن البُخَارِيّ قَالَ لَهُ صُحْبَة. قَالَ: وَقَالَ أبي: لَا يعرف لَهُ صُحْبَة وَرجح ابْن عبد الْبر أَن لَهُ صُحْبَة وَقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن مَحْمُود بن لبيد عَن رَافع بن خديج وَقيل إِن حَدِيث مَحْمُود هُوَ الصَّوَاب دون ذكر رَافع بن خديج فِيهِ وَالله أعلم. ٥١ - وَعَن أبي سعيد بن أبي فضَالة وَكَانَ من الصَّحَابَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا جمع الله الْأَوَّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة ليَوْم لَا ريب فِيهِ نَادَى مُنَاد من كَانَ أشرك فِي عمله لله أحدا فليطلب ثَوَابه من عِنْده فَإِن الله أغْنى الشُّرَكَاء عَن الشّرك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من جَامعه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (١).

стр. 418

قوله: وعن أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة وأبو سعيد هذا ذكره ابن عبد البر في الصحابة أيضا وقال أنصاري له صحبة يعد في أهل المدينة وذكر له هذا الحديث (١)، وقال في الديباجة: أبو سعد هذا هو ابن أبي فضالة الأنصاري الحارثي ويقال ابن فضالة ويقال له أبو سعيد أيضا (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده" الحديث، وفي الأثر يقول الله تعالى يوم القيامة: "اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر لك عندنا". تنبيه: الأثر المذهب المختار الذي قاله المحققون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف وهو أن الأثر يطلق على المروي مطلقا سواء كان عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر هو ما يضاف إلى الصحابي موقوفًا عليه (٣)، والله أعلم. ٥٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: قَالَ الله أَنا أغْنى الشُّرَكاء عَن الشّرك فَمن عمل لي عملًا أشرك فِيهِ غَيْرِي فَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَهُوَ

стр. 419

للَّذي أشرك رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ ورواة ابْن مَاجَه ثِقَات (١). قوله ﷺ : "عن أبي هريرة"، تقد الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" قال النووي (٢): هكذا وقع في حديث أبي هريرة ووقع في بعض الأصول: "تركته وشركه"، وفي بعضها: "وشريكه" وفي بعضها: "وشركته". قوله ﷺ : "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك" الحديث ومعنى الحديث: أنا أغنى عن المشاركة وغيرها فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله بل أتركه لذلك الغير، والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم به، والمعنى أن المراد منه الإخلاص في الأعمال والأقوال (٣).

стр. 420

٥٣ - وَعَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ لما دخلت مَسْجِد الْجَابِيَة ألفينا عبَادَة بن الصَّامِت فَأخذ يَمِيني بِشمَالِهِ وشمال أبي الدَّرْدَاء بِيَمِينِهِ فَخرج يمشي بَيْننَا وَنحن ننتجي وَالله أعلم بِمَا نتناجى فَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت لَئِن طَال بكما عمر أَحَدكُمَا أَو كلاكما لتوشكان أَن تريا الرجل من ثبج الْمُسلمين يَعْنِي من وسط قراء الْقُرْآن على لِسَان مُحَمَّد ﷺ قد أَعَادَهُ وأبداه فأحل حَلَاله وَحرم حرَامه وَنزل عِنْد مَنَازِله لَا يحور مِنْهُ إِلَّا كَمَا يحور رَأس الْحمار الْمَيِّت قَالَ فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك إِذْ طلع علينا شَدَّاد بن أَوْس وعَوْف بن مَالك ﵄ فَجَلَسَا إِلَيْهِ فَقَالَ شَدَّاد إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَيهَا النَّاس لما سَمِعت من رَسُول الله ﷺ يَقُول من الشَّهْوَة الْخفية والشرك فَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت وَأَبُو الدَّرْدَاء اللَّهُمَّ غفرا أولم يكن رَسُول الله ﷺ قد حَدثنَا أَن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد فِي جَزِيرَة الْعَرَب فَأَما الشَّهْوَة الْخفية فقد عرفناها هِيَ شهوات الدُّنْيَا من نسائها وشهواتها فَمَا هَذَا الشّرك الَّذِي تخوفنا بِهِ يَا شَدَّاد فَقَالَ شَدَّاد أَرَأَيْتُم لَو رَأَيتُمْ رجلا يُصَلِّي لرجل أَو يَصُوم لرجل أَو يتَصَدَّق لَهُ لقد أشرك قَالَ عَوْف بن مَالك عِنْد ذَلِك أَفلا يعمد الله إِلَى مَا ابْتغِي بِهِ وَجهه من ذَلِك الْعَمَل كُله فَيقبل مَا خلص لَهُ ويدع مَا أشرك بِهِ قَالَ شَدَّاد عِنْد ذَلِك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله قَالَ أَنا خير قسيم لمن أشرك بِي من أشرك بِي شَيْئا فَإِن جسده وَعَمله وقليله وَكَثِيره لشَرِيكه الَّذِي أشرك بِهِ أَنا عَنهُ غَنِي رَوَاهُ أَحْمد وَشهر يَأْتِي ذكره وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَلَفظه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَنه كَانَ فِي مَسْجِد دمشق مَعَ نفر من

стр. 421

أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فيهم معَاذ بن جبل فَقَالَ عبد الرَّحْمَن يَا أَيهَا النَّاس إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْخَفي فَقَالَ معَاذ بن جبل اللَّهُمَّ غفرا أوما سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول حَيْثُ وَدعنَا إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد فِي جزيرتكم هَذِه وَلَكِن يطاع فِيمَا تَحْتَقِرُونَ من أَعمالكُم فقد رَضِي بذلك فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أنْشدك الله يَا معَاذ أما سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من صَامَ رِيَاء فقد أشرك وَمن تصدق رِيَاء فقد أشرك فَذكر الحَدِيث وَإِسْنَاده لَيْسَ بالقائم وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالْحَاكِم من رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبَادَة بن نسي قَالَ دخلت على شَدَّاد بن أَوْس فِي مُصَلَّاهُ وَهُوَ يبكي فَقلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا الَّذِي أبكاك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول الله ﷺ قلت وَمَا هُوَ قَالَ بَيْنَمَا أَنا عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ رَأَيْت بِوَجْهِهِ أمرا سَاءَنِي فَقلت بِأبي وَأمي يَا رَسُول الله مَا الَّذِي أرى بِوَجْهِك قَالَ أمرا أتخوفه على أمتِي الشّرك وشهوة خُفْيَة قلت وتشرك أمتك من بعْدك قَالَ يَا شَدَّاد إِنَّهُم لا يعْبدُونَ شمسا وَلَا وثنا وَلَا حجرا وَلَكِن يراؤون النَّاس بأعمالهم قلت يَا رَسُول الله الرِّيَاء شرك هُوَ قَالَ نعم قلت فَمَا الشَّهْوَة الْخفية قَالَ يصبح أحدهم صَائِما فتعرض لَهُ شَهْوَة من شهوات الدُّنْيَا فيفطر قَالَ الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ صَحِيح الْإِسْنَاد. (١)

стр. 422

قلت: كَيفَ وَعبد الْوَاحِد بن زيد الزَّاهِد مَتْرُوك وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا من رِوَايَة رواد بن الْجراح عَن عَامر بن عبد الله عَن الْحسن بن ذكْوَان عَن عبَادَة بن نسي عَن شَدَّاد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أخوف مَا أَخَاف على أمتِي الْإِشْرَاك بِالله أما إِنِّي لست أَقُول يعْبدُونَ شمسا وَلَا قمرا وَلَا وثنا وَلَكِن أعمالا لغير الله وشهوة خُفْيَة (١) وعامر بن عبد الله لَا يعرف ورواد يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وروى الْبَيْهَقِيّ عَن يعلي بن شَدَّاد عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا نعد الرِّيَاء فِي زمن النَّبِي ﷺ الشّرك الْأَصْغَر. قوله: وعن شهر بن حوشب، شهر بن حوشب الشامي تابعي مشهور قرأ القرآن على ابن عباس، وكان عالما كثير الرواية حسن الحديث (٢)، [توفي سنة مائة وقيل سنة إحدى ومائة (٣)]، وقال الدولابي: شهر لا يشبه حديثه حديث الناس (٤). وهو الذي روى أن آدم ﵇ لما قتل ابنه أخاه مكث مائة سنة لا

стр. 423

يضحك ثم أنشأ يقول: تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ تَغَيَّرَ كُلَّ ذِي طَعْمِ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحْ (١) ونقل أبو عيسى الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: شهر حسن الحديث وقوى أمره (٢). وذهب إلى الاحتجاج به جماعة وقال يعقوب بن شيبة: شهر بن حوشب ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين والإمام أحمد بن حنبل والعجلي والفسوي وروى له مسلم في صحيحه مقرونًا، روى له الأربعة (٣) قاله في الديباجة. وقال فقيه الشافعية في زمانه أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي في كتاب التعديل والتجريح له والحافظ الثقة أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء والمتروكين من تأليفه: إن شهرا دخل بيت المال فسرق خريطة فقيل فيه: لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِيْنَهُ بِخَرِيْطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنُ القُرَّاءَ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ؟ (٤) وقيل أنه كان على على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة، فقيل فيه: لَقَدْ بَاعَ شهْرٌ دِيْنَهُ بِخَرِيْطَةٍ ... البيت وتوفى شهر بن حوشب

стр. 424

سنة مئة وقيل سنة إحدى ومائة (١). تتمة: وأفتى أهل البصرة بقطع يده على مذهب مالك ﵀، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالكي في كتاب عيون المجالس مسألة، قال الإمام مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: من سرق من بيت المال أو من المغنم هان كان السارق أحد الجيش ما يجب فيه القطع قطع (٢) والله أعلم، قاله في العلم المشهور انتهى. وفي شرح الإلمام: لا يجب القطع على من سرق من بيت المال، وبه قال علي وقال: إن له فيه نصيبا وهذا قول عامة أهل العلم، وقال حماد يقطع (٣)، وهذا من عطف الخاص على العام فإن الخيانة تعم الانتهاب، والاختلاس والانتهاب أخذ المال على المجاهرة والمغالبة كالغصب (٤) وكذلك الاختلاس فإنه يؤخذ سلبًا ومكابرة على غفلة (٥) انتهى. قوله: عن عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة، بن كريب بن هانئ بن ربيعة الأشعري الشامي، ذكره ابن يونس وابن منده وآخرون في الصحابة وهو قول الأكثرين وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا هو تابعي

стр. 425

مخضرم وكان مسلمًا في عهد رسول الله ﷺ ولم يره ولم يفد إليه، وقال الأولون قدم على رسول الله ﷺ في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصابه، كان يسكن فلسطين وقدم دمشق؛ قال ابن يونس: وقدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين، وروى عن النبي ﷺ وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له باليمن إلى أن مات وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام وعليه تفقه عامة التابعين وكان له جلالة وقد توفي ﵁ سنة ثمان وسبعين (١) انتهى. قوله: قال: لما دخلت مسجد الجابية؛ الجابية قرية بدمشق قيل موضع بالشام بجانب [نوى] على نحو ثلاثة أميال منها من جهة الشمال وإليه ينسب باب الجابية أحد. أبواب دمشق وهي أرض خصب وخير، سميت بذلك لكثرة مياهها فإن الجابية اسم للحوض، وقيل: سميت بها لاجتماع الناس بها وكثرتهم فيها فإن الجابية أيضا جماعة القوم (٢) انتهى، قاله في شرح الإلمام والله أعلم. قوله: ألفينا عبادة بن الصامت معناه: وجدناه ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٣) ومنه الحديث أيضًا: "لا ألفين أحدكم يوم

стр. 426

القيامة" أي لا أجدن (١). قوله: عبادة بن الصامت، هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر أبو الوليد الأنصاري الخزرجي وهو أحد النقباء الاثني عشر له أحاديث وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أقام بحمص يعلم الناس في زمن عمر ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي القضاء ببيت المقدس، ولما حضرته الوفاة تحلل من أصحابه ثم أوصاهم أن لا يبكوا عليه فإذا مات توضؤوا ودخلوا مساجدهم فصلوا واستغفروا له ولأنفسهم ثم يسرعوا لحفرته ولا تتبعوه نائحة ولا يضعوا تحته أرجوانا وتوفي بالرملة، قال ابن حبان: ودفن بالقدس وله ثمانون سنة وقال غيره: مات سنة أربع وثلاثين وله اثنان وسبعون سنة وقيل مات في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين (٢) انتهى. قوله: فخرج يمشي بيننا ونحن ننتجي والله أعلم بما نتناجي، مأخوذ من النجو وهو السر يقال: انتجى القوم وتناجوا تساروا إن سار بعضهم بعضا قاله الجوهري في صحاحه (٣). قوله: لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين يعني من وسط قراء القرآن (٤)، الحديث، يوشك أن يكون كذا: أي يقرب ويدنو ويسرع يقال:

стр. 427

أوشك يوشك إيشاكا فهو موشك وقد وشك وشكا ووشاكة قاله في النهاية (١). قوله: قد أعاده وأبداه فأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يحور منه إلا كما يحور رأس الحمار الميت، الحديث، أي: لا يرجع فيكم بخير ولا ينتفع بما حفظه من القرآن كما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه، يحور: بالحاء المهملة والراء ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾ (٢) قاله في النهاية في باب الحاء مع الراء (٣) والله أعلم. قوله: فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا شداد بن أوس وعوف بن مالك ﵄، سيأتي الكلام على مناقبهما في أماكن متعددة من هذا التعليق. قوله: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من الشهوة الخفية والشرك" وفي الرواية الأخرى: "أمرًا لأتخوفه على أمتي الشرك وشهوة خفية"، اعلم أن المشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق ونحوهم (٤)، ويطلق أيضا على المرائي وهو الشرك الأصغر والشرك الخفي، والله أعلم.

стр. 428

قوله: "وشهوة خفية" الشهوة الخفية قيل هو كل شيء من المعاصي يضمره صاحبه ويصر عليه وإن لم يعمله وقيل: هو أن يرى جارية حسناء فيغض بصره ثم ينظر بقلبه كما كان يبصر بعينيه قال الأزهري: والقول الأول غير أني أستحسن أن أنصب الشهوة الخفية وأجعل الواو بمعنى مع كأنه قال إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء مع الشهوة الخفية للمعاصي فكأنه يرائي الناس بترك المعاصي والشهوة في قلبه مخفاة وقيل الرياء ما كان ظاهرا من العمل والشهوة الخفية حب إطلاع الناس على العمل انتهى قاله في النهاية (١). قوله: فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: "اللهم غفرا"، [تقدم الكلام على قوله "اللهم" (٢)] وأما غفرا: فهو بفتح الغين وإسكان الفاء مصدر غفر يغفر وهو سؤال المغفرة وهو آكد من السؤال بالفعل وأصل الغفر التغطية يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة، والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمذنبين (٣). قوله ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب" قال أبو عبيد: قال الأصمعي: هو اسم صقع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى

стр. 429

الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل بئر بن إلى منقطع السماوة في العرض (١)، وقيل: هو من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن جدة وساحل البحر وما والاها إلى أطراف الشام عرضًا (٢)، وقيل: هذا عام أريد به خاص وهو الحجاز وهي بلاد سميت به لأنها حجزت بين نجد والغور (٣)، وقال مالك بن أنس: أراد بجزيرة العرب المدينة نفسها وإذا أطلقت الجزيرة في الحديث ولم تضف إلى العرب فإنما يراد بها ما بين دجلة والفرات قاله في النهاية (٤). وقال الإمام الشافعي (٥): جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها أي قراها كخيبر للمدينة والطائف لمكة، قال النووي (٦): وحكى الهروى (٧) عن مالك انها المدينة فقط كما تقدم نقله عن النهاية والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن وأخذ بهذا الحديث مالك والشافعي

стр. 430

وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا لا يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي ﵀ خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عند مكة واليمامة ومخالفيها دون اليمن وغير مما هو من جزيرة العرب (١) وهكذا فسره أصحابنا كما فسره الشافعي وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم (٢) وهذا الذي نقل عن الأصمعي قاله أيضا ابن الكلبي وغيره (٣) والله أعلم. تنبيه: قال الأزهري: سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها وأحاط بالجانب الشمال دجلة والفارت وقيل سميت جزيرة العرب لإحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة وأصل الجزر في اللغة القطع وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم (٤). فائدة: قول الشافعي في الكلام على جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمامة، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الكواكب من مسيرة ثلاثة أيام، وقال

стр. 431

الجوهري: اليمامة بلاد اسمها جوا فقيل جو اليمامة فسميت باسم هذه المرأة لكثرة ما أضيف إليها (١). والله أعلم. قوله: قال عوف بن مالك "أفلا يعمد إلى الله إلا ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به" الحديث، يعمد: بكسر الميم في المضارع وفتح الميم في الماضي ومعناه يقصد (٢). وقوله: "فيقبل ما خلص له" بفتح لام خلص وضمها. قوله: في رواية الإمام أحمد والحاكم من رواية عبد الواحد بن زيد بن عبادة بن نسي، نسي بضم النون وفتح السن وكسر الياء مشددة مثل قصي. قوله: عن الحسن بن ذكوان، ذكوان بالذال المعجمة المفتوحة وسكون الكاف. قوله: فقلت بأبي وأمي يا رسول الله: ما الذي أرى بوجهك؟ قال: "أمرا لأتخوفه على أمتي" الحديث، فيه جواز التفدية بالأبوين للكبير والشيخ ونحوهما وقد قال جماهير العلماء بذلك وكرهه عمر بن الخطاب وكذلك كرهه الحسن البصري وكرهه بعضهم من التفدية بالمسلم من أبويهما قال النووي: والصحيح الجواز مطلقا لأنه ليس فيه حقيقة فداء وإنما هو كلام بر وإلطاف وإعلام بمحبته أو منزلته عنده، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقا وقد جمع النبي ﷺ أبويه للزبير ولسعد بن أبي وقاص (٣)

стр. 432

انتهى قاله في الديباجة، وقيل: هذا خاص بالنبي ﷺ قاله في شرح الإلمام والله أعلم. قوله: إنهم لا يعبدون شمسا ولا وثنا ولا حجرا ولكن يراؤون الناس بأعمالهم، الحديث؛ قال الإمام السهيلي (١): لا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه، وقال نفطويه (٢): ما كان معبودا مصورا فهو صنم وغير المصور وثن. ٥٤ - وَعَن الْقَاسِم بن مخيمرة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لا يقبل الله عملًا فِيهِ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من رِيَاء رَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ مُرْسلًا (٣). قوله: وعن القاسم بن مخيمرة هو الهمذاني روى عن جماعة من الصحابة وقال يحيى بن معين لم يسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ وقال أبو حاتم: هو صدوق كان معلما بالكوفة لم يجتمع على مائدته أدمان قط من طعام مات سنة مائة أو سنة إحدة ومائة، انتهى. قوله ﷺ : "لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء" أي وزن حبة من خردل. قوله: راوه ابن جرير الطبري، ابن جرير اسمه [محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى أبو جعفر. وهو في طبقة الترمذى،

стр. 433

والنسائي. سمع عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن منيع البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، والوليد بن شجاع، وأبا كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج، وعمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، وغيرهم من شيوخ البخارى ومسلم. وحدث عنه أحمد بن كامل، ومحمد بن عبد الله الشافعي، ومخلد بن جعفر، وخلائق. قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى في تاريخ بغداد: استوطن الطبرى بغداد، وأقام بها حتى توفى، وكان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله تعالى، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الأحكام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب التاريخ المشهور، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب تهذيب الآثار، لم أر سواه في معناه، لكنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وتفرد بمسائل حفظت عنه. قال الخطيب: وسمعت علي بن عبد الله السمسار يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. وعن الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، قال: لو سافر رجل إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبرى لم يكن هذا كثيرا، أو كلاما هذا معناه. وروينا عنه أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة،

стр. 434

فقالوا: هذا مما يفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. وكذلك قال لهم في التاريخ، فأجابوه بمثل جواب التفسير، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره نحو ما اختصر التفسير. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. وروينا أن أبا بكر بن مجاهد إمام الناس في القراءات استمع ليلة لقراءة محمد بن جرير، فقال: ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأن هذه القراءة. وروى الخطيب، عن القاضي أحمد بن كامل، قال: توفى أبو جعفر محمد بن جرير وقت المغرب ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ضحوة يوم الاثنين في داره، ولم يغير شيبه، وكان السواد في شعر رأسه ولحيته كثيرا، وكان مولده في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، مديد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذن به أحد، واجتمع عليه ما لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، وزاره خلق كثير من أهل الدين والأدب، ورثاه ابن الأعرابى، وابن دريد، وغيرهما، ولقد أجاد ابن دريد وأبلغ في ترثيته (١)]. قوله: مرسلا؛ الحديث المرسل: ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وأي راو كان عند الأصوليين، والمسند ما كان متصلا إلى قائله فعند مالك وأصحابه تجب به الحجة ولا يلزم به العمل كما جب بالمسند

стр. 435

سواء، ويحتج بالحديث المرسل إذا اعتضد بأحد أربعة أمور أن يسند من جهة أخرى أو يرسل أو يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء فمتى وجد واحد من هذه الأربعة جاز الاحتجاج به (١). وقد أجمعت الأئمة الأربعة في حديث العباس الذي رواه أبو داود والترمذي في تعجيل الزكاة أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك (٢) لكن أجاب البيهقي (٣) أنه مرسل أو محمول على أنه استسلف منه صدقة عامين أو صدقة مالين لكل واحد حول منفرد فهذا الحديث روي مرسلا ومتصلا وقال به من الصحابة ابن عمر وقال به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي وغيره والحاكم صحح إسناده والمشهور أنه مرسل صحيح والله أعلم انتهى قاله في الديباجة. ٥٥ - وَرُوِيَ عَن عدي بن حَاتِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُؤمر يَوْم الْقِيَامَة بناس من النَّاس إِلَى الْجنَّة حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا واستنشقوا رِيحهَا ونظروا إِلَى قُصُورهَا وَمَا أعد الله لأهلها فِيهَا نُودُوا أَن اصرفوهم عَنْهَا لَا نصيب لَهُم فِيهَا فيرجعون بحسرة مَا رَجَعَ الْأَولونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ رَبنَا لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن

стр. 436

ترينا مَا أريتنا من ثوابك وَمَا أَعدَدْت فِيهَا لأوليائك كَانَ أَهْون علينا قَالَ ذَاك أردْت بكم كُنْتُم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وَإِذا لَقِيتُم النَّاس لقيتموهم مخبتين تراؤون النَّاس بِخِلَاف مَا تعطوني من قُلُوبكُمْ هبتم النَّاس وَلم تهابوني وأجللتم النَّاس وَلم تجلوني وتركتم للنَّاس وَلم تتركوني الْيَوْم أذيقكم أَلِيم الْعَذَاب مَعَ مَا حرمتم من الثَّوَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: عن عدي بن حاتم، هو عدي بن حاتم الطائي الموصوف بالكرم الجواد بن الجواد، كنيته أبو طريف ويقال أبو وهيب، وفد على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع وله رواية وقيل: إنه لما قدم على النبي ﷺ نزع وسادة له فألقاها تحته وسأله عن أشياء فأجابه بها ثم أسلم وحسن إسلامه ورجع إلا بلاده ولما ارتد العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام وجاء بصدقاتهم إلى
следующие страницы →