← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3722–3761 · переход к 3727.

стр. 3722

النبي ﷺ ولو مرة ولأنه أقل تغريرا بالعبادة وهذا هو الأصح عند النووي (١) وبه قال عطاء والحسن ومالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وروي عن عمر بن الخطاب حكاه ابن المنذر (٢) عنهم كلهم والله أعلم. ١٧٥٣ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أهل من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه قَالَ فركبت أم حَكِيم إِلَى بَيت الْمُقَدّس حَتَّى أهلت مِنْهُ بِعُمْرَة. ١٧٥٤ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفْظهمَا من أهل بِحجَّة أَو عمْرَة من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر أَو وَجَبت لَهُ الْجنَّة شكّ الرَّاوِي أَيَّتهمَا. ١٧٥٥ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة (٣). قوله: ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهل من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام" وفي رواية أبي

стр. 3723

داود والبيهقي (١) "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة" شك الراوي أيتهما قالت، وفي رواية للبيهقي (٢) "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة" ولم يشك الراوي في هذه الرواية، نعم يستثنى من ذلك الحائض والنفساء، فقد نقل صاحب التقريب أن الأفضل لهما أن يحرما من الميقات (٣)، قال النووي في شرح المهذب (٤): وحديث أم حكيم عن أم سلمة ليس بقوي، ويجاب عنه بأربعة أجوبة، أحدها: أن إسناده ليس بقوي، والثاني: أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات [وليس فيه أنه أفضل من الميقات ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات] فيه فضيلة وإنما الخلاف أيهما أفضل، فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى. فالجواب: أن فيه فائدة وهو تبيين قدر الفضيلة له فيه. الجواب الثالث: أن هذا معارض لفعله ﷺ المتكرر في حجة وعمرة فكان فعله المتكرر أفضل، الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى لأن له مزايا عديدة معروفة ولا يوجد ذلك في غيره فلا يلحق به، والله أعلم.

стр. 3724

تنبيه: إن قلت: لم سمي المسجد الأقصى ولم يكن بعد المسجد الحرام غيره، ففي الصحيحين (١) عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة"، قلت: علم الله تعالى أن مسجد المدينة سيبنى فيكون قاصيا أي بعيدا من مسجد مكة وكون مسجد بيت المقدس أقصى فسمي بذلك باعتبار ما يؤول حاله إليه والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام (٢). تنبيه: المسجد الحرام مسجد مكة والمسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، سمي الأقصى لبعده عن الحجاز أو لبعده عن الأقذار والخبائث فإنه مقدس مطهر فقوله في حديث أبي ذر: قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" فيه إشكال وذلك أن مسجد مكة بناه إبراهيم ﵇ بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (٣) والمسجد الأقصى بناه سليمان وبين إبراهيم وسليمان آماد طويلة تزيد على ألف سنة بالاتفاق، وقال أبو العباس القرطبي (٤): وأجيب عنه بأن الآية وحديث بناء سليمان بيت المقدس لا يدلان على أن بناء إبراهيم وسليمان ﵉

стр. 3725

[لما بنيا] ابتدئا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما أسسه غيرهما وابتدأه ولم يقل أحد أن بين سليمان وإبراهيم ﵉ أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه، وهذا القول لم يوافق عليه ولم يسبق إليه (١) والله أعلم. خاتمة: قال أثرم: سألت الإمام أحمد بن حنبل: في أي سنة أقت النبي ﷺ مواقيت الإحرام، فقال: عام حج (٢) وأهل الصفراء وبدر بين ميقاتين (٣) وقال البندنيجي: يجوز أن يقيم على إحرامه بالعمرة أبدا ويكملها متى شاء وفيما قاله نظر لأنه لم يؤثر ولما في مصابرة الإحرام من المشقة (٤)، أ. هـ.

стр. 3726

الترغيب في الطواف واستلام الحجر الأسود والركن اليماني وما جاء في فضلهما وفضل المقام ودخول البيت ١٧٥٦ - عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر ﵁ أَنه سمع أَبَاهُ يَقُول لِابْنِ عمر ﵄ مَا لي لَا أَرَاك تستلم إِلَّا هذَيْن الرُّكْنَيْنِ الْحجر الْأسود والركن الْيَمَانِيّ فَقَالَ ابْن عمر إِن أفعل فقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن استلامهما يحط الْخَطَايَا قَالَ وسمعته يَقُول من طَاف أسبوعا يُحْصِيه وَصلى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعدْل رَقَبَة قَالَ وسمعته يَقُول مَا رفع رجل قدما وَلَا وَضعهَا إِلَّا كتب لَهُ عشر حَسَنَات وَحط عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه. وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن مسحهما كفَّارَة للخطايا وسمعته يَقُول لَا يضع قدما وَلَا يرفع أُخْرَى إِلَّا حط الله عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَكتب لَهُ بهَا حَسَنَة. ١٧٥٧ - وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ إِن أفعل فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مسحهما يحط الْخَطَايَا وسمعته يَقُول من طَاف بِالْبَيْتِ لم يرفع قدما وَلم يضع قدما إِلَّا كتب الله لَهُ حَسَنَة وَحط عَنهُ خَطِيئَة وَكتب لَهُ دَرَجَة وسمعته يَقُول من أحصى أسبوعا كَانَ كعتق رَقَبَة. ١٧٥٨ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مُخْتَصرا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مسح الْحجر والركن الْيَمَانِيّ يحط الْخَطَايَا حطا (١).

стр. 3727

قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الله. قوله: عن عبد الله بن عبيد، أبو عبد الله بن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد أبو عاصم الليثي ثم الجندعي المكي (١)، قاضي أهل مكة، قال مسلم: ولد عبيد بن عمير في زمان النبي ﷺ (٢)، روى عن أبي وعمر وعلي وعائشة وأبي موسى وأبي هريرة وابن عباس وطائفة، وثقه أبو زرعة وجماعة وكان من أبلغ الناس، وكان يبكي حتى [بل الحصى بدموعه] (٣)، وكان إذا آخى في الله تعالى استقبل به القبلة وقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك واجعله شهيدا علينا بالإيمان (٤)، قيل: إنه مات قبل ابن عمر، وقيل: سنة أربع وسبعين (٥) أ. هـ، قاله في شرح الإلمام. قوله: أنه سمع أباه يقول لابن عمر ﵄ ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر ﵁: إن أفعل فقد

стр. 3728

سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن استلامهما يحط الخطايا حطا" (١) الحديث، فالاستلام هو المسح باليد بلا خلاف، واستلم الركن معناه: مسحه بيده مشتق من السلام الذي هو التحية ولذلك سمي المحيا أي أن الناس يحيونه بالسلام لأن أهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا وقيل مشتق من السلام بكسر السين وهي الحجارة (٢). اعلم أن للبيت الحرام أربعة أركان: ركنان يمانيان وأما الآخران فيقال لهما الشاميان فالركن الأسود هو الذي في ركن الكعبة القريب بباب البيت من جانب المشرق ويقال له وللركن اليماني الركنان اليمانيان وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ذراعان وثلثا ذراع، قاله الأزرقي (٣)، قال: وذرع ما بين الركن الأسود والمقام ثمانية وعشرون ذراعًا (٤) وروي الأزرقي في فضله وما يتعلق به أشياء كثيرة، قال [التيمى] الركنان اللذان يليان الحجر ليسا بركنين

стр. 3729

أصليين لأن وراء ذلك الحجر وهو من البيت فلو رفع جدار الحجر وضم إلى الكعبة في البناء كما كان على بناء إبراهيم ﵇ يستلمان (١) أ. هـ. فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما: كونه على قواعد إبراهيم ﵇، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود، وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة وهي كونه على قواعد إبراهيم، وأما الركنان الشاميان فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين فلهذا اختص الأسود بشيئين الاستلام والتقبيل للفضيلتين، وأما اليماني فيستلم ولا يقبل لأن فيه فضلية واحدة؛ وأما الشاميان فلا يستلمنا ولا يقبلان، وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين واتفق الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين واستحبه بعض السلف وممن كان يرى استلامهما الحسن والحسين وابن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء (٢)، قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار على أنهما لا يستلمان، قال وإنما فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين (٣) وعن بعض الصحابة أنه كان يستلم الأركان كلها ويقول ليس شيء من البيت مهجورا (٤) وكذا نقل عن الشافعي أنه قال وأي البيت قبل

стр. 3730

فحسن (١) والله أعلم. وكان ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم يقبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله (٢) ومنه يؤخذ استحباب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود وهذا محمول على من عجز عن تقبيله وإلا فالقادر يقبله (٣) ويستحب تقبيله في أول الطواف (٤) ويستحب إذا قبل الحجر أن يخفف القبلة فلا يظهر لها صوت ولا يشرع للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف ليلا أو نهارا (٥)، وأما ضبط الركنين اليمانيين فهما فبتخفيف الياء وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة وحكي سيبويه والجوهري وغيرهما من الأئمة تشديدها في لغة قليلة والصحيح التخفيف فمن خفف قال هي نسبة إلى اليمن فحقه أن يقال اليمني (٦) فالمراد بالركنين اليمانيين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود (٧) ويقال له العراقي لكونه إلى جهة العراق وقيل للذي قبله اليماني لأنه إلى جهة اليمن، سميا بذلك لأن كلا منهما يمان لكونه من جهة اليمن، قال النووي (٨): ويقال لهما اليمانيين من باب التغليب تغليبا لأحد الاسمين كما

стр. 3731

قالوا الأبوان للأب والأم والقمران للشمس والقمر والعمران لأبي بكر وعمر والأسودان للتمر والماء، ونظائره مشهورة فتارة يغلبون للفضيلة كالأبوين وتارة للخفة كالعمرين وتارة بغير ذلك، قال العلماء: ويقال للركنين الآخرين اللذين يليان الحجر بكسر الحاء الشاميان لجهة الشام قالوا: واليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الشاميين كما تقدم. تنبيه: قال بعض السلف: استلام الحجر الأسود هو أن لا يعود إلى معصية يشير إلى ما قاله ابن عباس (١) أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه، وقال عكرمه: الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله (٢) فمستلم الحجر يبايع الله على اجتناب معاصيه والقيام بحقوقه ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٣) (٤). قوله: وسمعته يقول "من طاف أسبوعا [يحصيه] وصلى ركعتين" الحديث، الطواف هو الدوران حول البيت، قال العلماء: ويبدأ الحاج بطواف القدوم لما روى مسلم (٥) أنه ﷺ طاف حين قدم مكة واستلم الركن

стр. 3732

أول شيء ثم ركع حين قضى طوافه، وهذا الطواف سنة للحاج رجلا كان أو امرأة إذا دخل مكة قبل الوقوف لأنه تحية البيت كتحية المسجد (١). تنبيه: وفي الشرع ثلاثة أطواف، أحدها: القدوم ويقال طواف القادم والوارد والورود والتحية، والثاني: طواف الإفاضة ويقال طواف الزيارة وطواف الفرض وطواف الركن وطواف الصدر بفتح الصاد والدال، والثالث: طواف الوداع (٢) ويبتدئ من الحجر الأسود فيستلمه بيده أي يلمسه ويقبله، وقد ورد في الحديث أن الله تعالى لما استخرج من ظهر آدم ذريته وأخذ عليهم الميثاق، كتب ذلك العهد في رق ثم استودعه هذا الحجر فمن ثم يقول من استلمه [وفاء بعهدك] (٣). قال العلماء: يقال عند ابتداء الطواف أي وهي حالة استلام الحجر الأسود باسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ ، قال الرافعي:

стр. 3733

كذا رواه ابن السائب عن النبي ﷺ وهو غريب نقل في المهذب بعضه عن النبي ﷺ وبعضه عن الصحابة، قال في مختصر الكفاية: ولا يتعين هذ في تأدية هذه السنة، وروي أن عمر قال: باسم الله والله أكبر والحمد لله على ما هدانا [لا إله إلا الله] وحده لا شريك له آمنت بالله وكفرت بالطاغوت وباللات والعزى وما ادعى من [دون] الله ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ (١) الآية (٢)، وهذا الدعاء يستحب في كل طواف (٣) وروي عبد الرزاق عن الحسن أنه كان يقول إذا استلم الركن اللهم إني أعوذ بك من الفقر والكفر ومواقف الذل (٤)، والمراد بالعهد هنا الميثاق الذي يأخذه الله تعالى على بني آدم بامتثال أمره حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٥) (٦) ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف سبعا حول البيت ثم يصلي ركعتي الطواف لما روى مسلم وغيره أنه ﷺ طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لما رواه جابر في صفة حج النبي ﷺ (٧) أ. هـ.

стр. 3734

١٧٥٩ - وَعَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من طَاف بِالْبَيْتِ أسبوعا لَا يَلْغُو فِيهِ كَانَ كَعدْل رَقَبَة يعتقها رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (١). قوله: عن محمد بن المنكدر عن أبيه ﵁، كنيته: أبو عبد الله محمد بن المنكدر، قال أبو الفرج: جاء المنكدر والد محمد هذا إلى عائشة يشتكي إليها الحاجة فقالت: أول شيء يأتيني ابعث به إليك فجاءتها عشرة آلاف درهم فقالت ما أسرع ما امتحنت عائشة وبعثت بها إليه فاشترى منها جارية فولدت له محمدا وأبا بكر وعمر [وكلهم] يذكر بالصلاح والعبادة [ويحمل] عنه الحديث، توفي بالمدينة سنة ثلاثين ومائة (٢) كان محمد بن المنكدر إذا بكى مسح لحيته ووجهه بدموعه ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع (٣) أ. هـ. قوله ﷺ : "من طاف بالبيت أسبوعا لا يلغو فيه كان كعتق رقبة يعتقها" تقدم الكلام على الطواف في الحديث قبله. وقوله: "أسبوعا" أي سبع مرات ومنه الأسبوع للأيام ويقال له سبوع بلا ألف لغة فيه قليلة، وقيل: هو جمع سبع أو سبع كبرد وبرود وضرب

стр. 3735

وضروب ومنه حديث سلمة بن جنادة إذا كان يوم سبوعه يريد يوم أسبوعه من العرس أي بعد سبعة أيام، أ. هـ، قاله في النهاية (١). قوله: "كعدل رقبة يعتقها" العدل بفتح العين وكسرها المثل، وتقدم الكلام على ذلك في أذكار الصبح، فالطواف يكون حول البيت في المسجد في أرضه والمراد بالمسجد ما كان في زمنه ﷺ وما استجد فيه من بعده وقد زيد فيه زيادات فيجوز الطواف فيها كلها، ولو وسع المسجد جاز الطواف في جميعه داخله (٢) ولو طاف خارج المسجد لم يصح قاله فى مختصر الكفاية (٣). ١٧٦٠ - وَعَن حميد بن أبي سوية ﵁ قَالَ سَمِعت ابْن هِشَام يسْأَل عَطاء بن أبي رَبَاح عَن الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ فَقَالَ عَطاء حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ وكل بِهِ سَبْعُونَ ملكا فَمن قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار قَالُوا آمين فَلَمَّا بلغ الرُّكْن الْأسود قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا بلغك فِي هَذَا الرُّكْن الْأسود فَقَالَ عَطاء حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول من فاوضه فَإِنَّمَا يفاوض يَد الرَّحْمَن قَالَ لَهُ ابْن هِشَام يَا أَبَا مُحَمَّد

стр. 3736

فالطواف قَالَ عَطاء حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة أَنه سمع النَّبِي ﷺ قَالَ من طَاف بِالْبَيْتِ سبعا وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بسبحان الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله محيت عَنهُ عشر سيئات وكتبت لَهُ عشر حَسَنَات وَرفع لَهُ بهَا عشر دَرَجَات وَمن طَاف فَتكلم وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال خَاضَ فِي الرَّحْمَة برجليه كخائض المَاء برجليه رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنِي حميد بن أبي سوية وَحسنه بعض مَشَايِخنَا (١). قوله: عن حميد بن أبي سوية ﵁: ويقال بن أبي سويد ويقال ابن أبي حميد المكي (٢) روى عن عطاء بن أبي رباح وعنه اسماعيل بن عياش (٣) له أحاديت منكرة روى له ابن عدي (٤) عن أبي هريرة هذا الحديث وحديث "علموا ولا تعنفوا" وحديث "أقرب ما يكون العبد إلى الله وأحب إليه من كان جبهته في الأرض ساجدا لله تعالى" ثم قال وحديث ابن أبي سوية هذا قد

стр. 3737

حدث عنه ابن عياش بغير هذه الأحاديث وهي الأحاديث التي يرويها عن عطاء غير محفوظات. ا. هـ. قوله: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت الحديث، ابن هشام اسمه [هو سليمان بن هشام بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو أيوب ويقال أبو الغمر الأموي (١)] وعطاء بن أبي رباح كنيته أبو محمد المكي القرشي وهو معدود في كتاب التابعين ولد في آخر خلافة عثمان ابن عفان ونشأ بمكة وسمع العبادلة الأربعة ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن أبي العاص وجماعة آخرين من الصحابة وهو مفتي أهل مكة وأئمتهم المشهورين وهو أحد شيوخ أصحابنا الشافعي في [سلسلة الفقه] المتصلة برسول الله ﷺ روينا عن سلمة بن كهيل قال: ما رأيت من [يطلب بعلمه ما] عند الله تعالى غير عطاء وطاوس ومجاهد واتفقوا على توثيقه وجلالته وإمامته توفي بمكة قال الجمهور سنة خمس عشرة ومائة وقيل سنة أربع عشرة وقيل سبع عشرة ومن غرائبه ما حكاه عنه ابن المنذر وغيره أنه قال: إذا كان العيد يوم الجمعة وجبت صلاة العيد ولا يجب بعدها لا جمعة ولا ظهر ولا صلاة بعد العيد إلا العصر (٢) وتقدم الكلام أيضا على مناقبه في كتاب الجمعة. قوله: فقال عطاء حدثني أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا

стр. 3738

آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" وهو كذلك في كتب الرافعي وشرح المهذب وقد جاء عن الحسن في تفسير الحسنة العلم والعبادة وقيل الطاعة والعبادة وفي الآخرة الجنة بالإجماع وقيل حسنة الدنيا المرأة الصالحة الحسنة وفي الآخرة الحور العين وقيل المال. قوله: "وقنا عذاب النار" وأصل قنا أو قنا فسقطت الواو كما سقطت ألف الوصل والمعنى اجعلنا موقين عذاب النار قال النووي (١): ومأثور الدعاء أي منقوله أفضل من القراءة تأسيا بمن أنزل عليه القرآن قال وهي أفضل من غير مأثورة لأن القرآن أفضل من الذكر قال تعالى [حديث قدسي]: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" و"فضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" رواه الترمذي وقال حسن، قال الشافعي وبلغني عن مجاهد أنه قال: يقرأ القرآن وهو طائف وقال عروة ومالك تكون القراءة فيه ومن المأثور في المستدرك (٢) عن ابن عباس أن النبي ﷺ يقول في طوافه "اللهم قنعني فيما رزقتني وبارك لي فيما أعطيتني واخلف لي في كل غائبة لي منك بخير" وفي بعض [الأجزاء أن] النبي ﷺ كان يقول "إذا حاذى الميزاب اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب" (٣).

стр. 3739

قوله: قال عطاء حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" إلى آخره، وروى الحافظ الطبري في كتاب القرى عن ابن عباس ﵁ قال: "حج آدم ﵇ فطاف بالبيت سبعًا فلقيته الملائكة في الطواف فقالوا بر حجك يا آدم أما إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام فقال ما كنتم تقولون في الطواف؟ قالوا: كنا نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، قال آدم ﵇: فزيدوا فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فزادت الملائكة فيها ذلك، فلما حج إبراهيم ﵇ بعد بنيانه البيت، فلقيته الملائكة في الطواف فسلموا عليه، فقال لهم إبراهيم: ماذا كنتم تقولون في طوافكم؟ قالوا: كنا نقول قبل أبيك آدم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فأعلمناه ذلك، فقال آدم ﵇: زيدوا فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال إبراهيم: زيدوا فيها العلي العظيم، قال: ففعلت الملائكة ذلك" أخرجه الأزرقي (١) فالطواف بالبيت من سنن النبيين والمرسلين وقد حج آدم وجماعة من الأنبياء لا يحصون البيت قبل رفع إبراهيم قواعده على ما ورد في الآثار عن النبي المختار. ١٧٦١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ينزل الله كل يَوْم على حجاج بَيته الْحَرَام عشْرين وَمِائَة رَحْمَة سِتِّينَ للطائفين وَأَرْبَعين

стр. 3740

للمصلين وَعشْرين للناظرين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ينزل الله كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة ستين للطائفين وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين" رواه البيهقي، يترتب الثواب على مجرد النظر للكعبة لهذا الحديث [وروى] الأزرقى [حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال] أخبرني [زهير] بن محمد قال [الجالس في المسجد ينظر] إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من الصلاة في بيته [لا] ينظر إلى البيت (٢) أ. هـ. ١٧٦٢ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الطّواف حول الْبَيْت صَلَاة إِلَّا أَنكُمْ تتكلمون فِيهِ فَمن تكلم فِيهِ فَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِخَير رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه قَالَ التِّرْمِذِيّ وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا وَلَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب (٣).

стр. 3741

١٧٦٣ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من طَاف بِالْبَيْتِ خمسين مرّة خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (١) سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ إِنَّمَا يرْوى عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "الطواف حول البيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير" الحديث، فالطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق فسماه صلاة وهو لا يضع الأسماء اللغوية وإنما يكسبها أحكاما شرعية، وإذا ثبت أنه صلاة أي الطواف لم يجز بدون الستارة وطهارة الحدث وطهارة البدن والثوب والمطاف (٣) لكن قد عمت البلوى بغلبة النجاسة في المطاف من جهة الطير وغيره فاختار جماعة من أصحابنا المحققين المتأخرين أنه يعفى عنه أي عما يشق الاحتراز عنه كدم البراغيث ونحوه لأن المطاف لم يزل كذلك في عهده ﷺ وأصحابه ومن بعدهم ولم يأمروا بتطهيره لأجل الطواف (٤) ولو نام فى الطواف على هيئة لا تنقض

стр. 3742

الوضوء فالأصح في الروضة صحة طوافه (١) والله أعلم. وسئل مالك عمن أصابه ما ينقض وضوئه وهو يطوف فقال: يتوضأ ثم يستأنف الطواف بخلاف السعي وإن كان الطواف تطوعا فإن شاء توضأ واستأنف وإن شاء ترك وكذلك الصلاة (٢) وعندنا يجوز في الطواف البناء على الأصح (٣)، وقال أبو حنيفة: إذا طاف جنبا أو محدثا أو فارق مكة لا يلزمه الإعادة وعليه دم شاة (٤)، وقيل: بدنة، وكذلك الحائض، وعند الشافعي: لا يجزئ الطواف إلا بما تجزئ به الصلاة من الطهارة عن الحدث والنجاسة، والشروط التي تقدم ذكرها، فإن ترك شيئا منها فعليه الإعادة (٥)، وعند الإمام أحمد خلاف في ذلك. (٦)

стр. 3743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3744

قوله ﷺ : "من تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير" الكلام في الطواف مباح ولا يبطل به ولا يكره، ولكن الأولى تركه إلا في خير ويكره أن يبصق فيه وأن يتنخم وأن يغتاب وَأَنْ يَكُونَ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا (١) أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ تشوق نفسه إليه وأن تكون المرأة منتقبة ويكره فيه الأكل والشرب وكراهة الشرب أخف، وينبغي أن يكون في طوافه خاشعا متواضعا حاضر القلب ملازم الأدب بظاهره وباطنه مستحضرا في قلبه عظمة من يطوف ببيته ويلزمه أن يصون نظره عما لا يحل نظره إليه وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء والمرضى ويعلم الجاهل [برفق وهل] الأفضل التطوع في المسجد الحرام بالطواف أو الصلاة، قال الماوردي: الطواف أفضل وظاهر قول غيره أن الصلاة أفضل، وقال ابن عباس: الصلاة [لأهل مكة] والطواف (للغرباء)، والمستحب أن يقول قبالة البيت: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك (والأمن) أمنك، وهذا مقام العائذ بك، قال الشيخ أبو محمد: ويشير بقوله "وهذا مقام العائذ بك" إلى مقام إبراهيم وخطأه ابن الصلاح وصوب أنه قد يشير إلى نفسه، وقبالة: بضم القاف يعني الجهة التي تقابل البيت ولا يتكلم إلا بذكر أو

стр. 3745

قراءة [وليدع بما شاء ومأثور] الدعاء أفضل مثل قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (١) (٢) ولفظ خير في الحديث يعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وجواب المستغيث والإنقاذ مما يضر وإجابة من يؤمر بإجابته ورد السلام وتشميت العاطس ونحوه، قاله في شرح الإلمام (٣). فرع: الموالاة هل تشترط في الطواف ففيه قولان، أصحهما: لا وهو الجديد لأنها عبادة لا يبطلها التفريق اليسير لإجماعهم على جواز الجلوس للاستراحة فلا يبطلها التفريق الكثير كالزكاة، والقديم اشتراطها لأنها عبادة تتعلق بالبيت فأبطلها التفريق كالصلاة ومحلهما إذا فرق بلا عذر، فإن فرق كثيرا بعذر فطريقان كالوضوء، أحدهما: يضر، والثانية: أجزأ القولين، قال الإمام: وحد الكثير وما يغلب على الظن الإضراب به عن الطواف (٤). فرع آخر: إذا أحدث في أثناء الطواف عمدا أو سبقه، فإن قلنا لا تشترط الموالاة توضأ وبنى على طوافه من حيث أحدث هذا هو الأصح، وفي وجه إن كان حدثه في أثناء طوفه استأنف تلك الطوفة من أولها لأن التفريق يجوز بين أعداد الطواف لأن لكل طوفة حكمها، وليس كذلك الطوفة الواحدة، وإن قلنا تشترط الموالاة فإن كان حدثه عمدًا استأنف الطواف وإن سبقه

стр. 3746

[الحدث] فإن قلنا التفريق بالحذر جائز كان الحكم كما ذكرنا تفريعا على القول الأول وإن قلنا يضر فإن قلنا إن الصلاة لا تبطل بذلك فالطواف أولى وإلا فقولان أصحهما البناء (١). فرع آخر: يندب عقيب كل أسبوع ركعتان فلو طاف أسبوعين أو أكثر بلا صلاة ثم صلى لكل أسبوع ركعتين جاز لكن [كان تاركا] للأفضل ويندب أن يدعو عقيبهما خلف [المقام] بما أحب (٢) والله أعلم. ١٧٦٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من طَاف بِالْبَيْتِ وَصلى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كعتق رَقَبَة رَوَاهُ ابْن ماجه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحَة وَتقدم (٣). ١٧٦٥ - وَعنهُ أَيْضا ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من طَاف بِالْبَيْتِ أسبوعا لَا يضع قدما وَلَا يرفع أُخْرَى إِلَّا حط الله عَنهُ بهَا خَطِيئَة وَكتب لَهُ بهَا حَسَنَة وَرفع لَهُ بهَا دَرَجَة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان وَاللَّفْظ لَهُ (٤). قوله: عن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من طاف بالبيت وصلى ركعتين كان كعتق رقبة" قال في الديباجة: قال أصحابنا وغيرهم: يستحب أن يصلي الطائف ركعتين خلف

стр. 3747

المقام يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وتقدم ذلك، فلو صلى فريضة كفت عنهما كتحية المسجد نص عليه في القديم (١)، وقيل للزهري إن عطاء يقول تجزيه المكتوبة عن ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى ركعتين، رواه البخاري (٢)، وقال الروياني في البحر (٣): يختار أن يدعو عقبيهما بما روى عن جابر أن النبي ﷺ قال بعدهما: "اللهم إن هذا بلدك الحرام ومسجدك الحرام وبيتك الحرام وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك، أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنك دعوت عبادك إلى بلدك الحرام وقد جئتك طالبا رحمتك ومبتغيا مرضاتك وأنت مننت علي بذلك فاغفر لي وراحمني إنك على كل شيء قدير" (٤) أ. هـ. فائدة: يجوز الطواف راكبًا وماشيًا ولكن الطواف ماشيًا أفضل إلا أن يكون ممن يستفتي فيستحب له الطواف راكبًا (٥) وعلى ذلك يحمل الحديث الذي فيه طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن

стр. 3748

بمحجن (١) والمحجن عصى معوجة الرأس (٢) فإنه ﷺ طاف راكبا ليرى الناس فيقتدون بأفعاله وأقواله فإن الراكب يتيسر سؤاله ويتيسر جوابه (٣)، وفي هذا الحديث دليل على جواز دخول البعير المسجد لحاجة الطواف ونحوها كنقل الماء للوضوء إلى المسجد على الدابة وفيه دليل على طهارة بول البعير وطهارة بول جميع ما يؤكل لحمه (٤) فإن البعير من عادته إرسال البول، وادعى بعضهم أن من خصائصه ﷺ كان إذا ركب دابة لا تبول ما دام راكبا، وفي ذلك نظر فبول البعير على تقدير طهارته يجب تنزيه المسجد لاستقذاره كما يجب تنزيهه عن المخاط والبصاق فيه، وفيه دليل على الاستلام بالمحجن إذا تعذر الوصول إلى الاستلام باليد وعلى أن الآلة المتصلة باليد تعطي حكم اليد حتى يستحب له تغسيل المحجن وعلى أنه لو أمسك عصى وهو في الصلاة ووضع طرفها على نجاسة بطلت صلاته وكذا لو أمسك طرف حبل وطرفه متصل بالنجاسة بطلت صلاته أيضًا (٥)، اختلفوا اختلفوا في المحدث إذا قلب أوراق المصحف بعود في يده فظاهر الحديث

стр. 3749

تحريمه وهو ما صححه الرافعي وصحح النووي (١) الحل قياسا على ما لو وضع اللوح بين يديه وكتب فيه القرآن من غير مس، أ. هـ قاله ابن العماد. ١٧٦٦ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ أَتَى الرُّكن يستلمه خَاضَ فِي الرَّحْمَة فَإِذا استلمه فَقَالَ بِسم الله وَالله أكبر أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله غمرته الرَّحْمَة فَإِذا طَاف بِالْبَيْتِ كتب الله لَهُ بِكُل قدم سبعين ألف حَسَنَة وَحط عَنهُ سبعين ألف سَيِّئَة وَرفع لَهُ سبعين ألف دَرَجَة وشفع فِي سبعين من أهل بَيته فَإِذا أَتَى مقَام إِبْرَاهِيم فصلى عِنْده رَكْعَتَيْنِ إِيمَانًا واحتسابا كتب الله لَهُ عتق رَقَبَة محررة من ولد إِسْمَاعِيل وَخرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ مَوْقُوفا (٢).

стр. 3750

قوله: وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "من توضأ فأسبغ الوضوء [ثم أتى الركن يستلمه] خاض في الرحمة فإذا استلمه فقال بسم الله والله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله غمرته الرحمة فإذا طاف بالبيت كتب الله له بكل قدم سبعين ألف حسنة" تقدم الكلام على إسباغ الوضوء، وتقدم الكلام أيضًا على استلام الركن [اليمانى كلما حاذاه] في كل طوافه، وتقدم الكلام أيضا على الطواف بالبيت وأنه الدوران حوله يقال: طفت أطوف طوفا وطوافا والجمع الأطواف. فرع: من البدع ما يفعله بعض الجهال وهو أن يأتي الحجر الأسود فيقبله أو يستلمه ثم يأخذ في الطواف أو يفعل ذلك في أواخر الطواف وينصرف وهذا لا يصح طوافه لأن شرط الطائف أن يحاذي أول الحجر بجميع بدنه ثم يطوف وشبهه القاضي أبو الطيب بتكبيرة الإحرام، والذي يواجهه لا يصح منه ذلك ولا يحسب له الشوط الأول فعلى هذا يكون طوافه ستة أشواط فإن كان ذلك طواف القدوم وجب عليه دم وإن كان طواف الإفاضة بطل حجه فيجب على من رأى من يفعل ذلك ان يبينه له ويامره أن يتأخر عن الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني قليلا ثم يجعل البيت عن يساره ويأخذ في الطواف وإذا كان آخر شوط تقدم إلى جهة الباب قليلا أيضا ثم خرج أ. هـ، قاله ابن النحاس في تنبيهه (١).

стр. 3751

فرع آخر: ومن البدع أيضا أن كثيرا من الناس يمس الجدار بيده في طوافه حال موازته الشاذروان وهذا لا يصح طوافه وإن كان ذلك في طواف الإفاضة فسد حجه وهذا فعل يسير وخطره عظيم فيجب التنبيه على مثل هذا وكذلك الحكم فيمن مشى على الشاذروان أو وقف عليه أو وضع عليه رجله في حال الطواف وكثير من الناس يقف على الشاذروان ويضمع وجهه على جدار الشاذروان فليحذر الإنسان مثل هذا غاية الحذر لئلا يفسد حجه أو يقع في محذور وإن من رأى من يفعل ذلك أو الذي قبله فلينهه عليه ويأمره أن يرجع خطوة أو خطوتين احتياطا ثم يطوف على ما كان ليصح طوافه قاله ابن النحاس أيضا (١). فرع آخر: ومن البدع أن بعضهم يرجع يوم النحر ويطوف طواف الإفاضة ثم يشتغل بها إلى الليل ويثبت بها والمبيت بمكة في ليالي منى بدعة ومن بات بها أراق دما عند مالك ومن تابعه، وأظهر أقوال الشافعي أنه لا يريق دما بليلة واحدة والأظهر عند النووي (٢) ان الدم بترك المبيت واجب وهو مذهب مالك ومن تابعه قاله ابن النحاس (٣). فائدة مهمة: طواف الإفاضة ركن لا بد منه (٤)، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا

стр. 3752

غيرها، وإذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة فالأولى أن تقيم حتى تطهر فتطوف إلا أن يكون عليها ضرر ظاهر، فإن أرادت السفر مع الناس قبل طواف الإفاضة جاز وتبقى محرمة حتى تعود إلى مكة فتطوف ولو طال سنين، وفي كلام الشافعي والماوردي ما يشعر بأنه لا يجوز لها أن تنفر حتى تطوف، وحاول النووي (١) تأويله على الكراهة وإذا أرادت الإقامة حتى تطهر لم يلزم الجمال انتظارها خلافا لمالك فيما إذا كان الطريق آمنا، فإن كان مخوفا لم ينتظرها بالإجماع قاله السبكي (٢)، وذهب أبو حنيفة إلى أن الحائض إذا حجت وطافت صح طوافها ولكن لا يفتيها بذلك، وكان البارزي يفتي النساء بذلك لأن في تخلفهن عن السفر وانقطاعهن عن الرفقة ضررا شديدا وما ذكره لا تجوز

стр. 3753

الفتوى به لمخالفته الحديث الصحيح (١) أ. هـ. [وقوله] إن في تخلفها ضررا عليها ليس كذلك لأنه لا ضرر عليها في الإقامة بمكة حتى تطهر وتطوف ثم بعد ذلك إن وجدت رفقة وإلا أقامت بمكة إلى العام المقبل أو إلى أن تجد رفقة، وهذا ظاهر والله أعلم، قاله ابن العماد. فرع: ومن البدع [تقبيل] بعضهم الحجر الأسود أو استلامه بيده وهو مُحْرِم وفي الحجر ما فيه من الطيب والمسك ونحو ذلك فيقع فيما حرم عليه من الطيب وهو لا يشعر ويجب عليه دم وما أظن في ذلك خلافا [وهذا الفعل قل من يسلم منه] فيجب على من علم تحريم ذلك أن ينبه عليه غيره من إخوانه المسلمين نصحا لهم وشفقة عليهم (٢). فرع آخر: ومن البدع أن بعض الجهال والأعراب يطوف من داخل الحجر وهذا لا يصح طوافه ويبطل حجه إن فعل ذلك في طواف الإفاضة ولم يتداركه ويجب عليه دم إن فعل ذلك في طواف القدوم أو الوداع على الصحيح (٣) أ. هـ. ومنها -أي البدع-: طوافهم بالقبة التي يسمونها قبة آدم ﵇ وهو بدعة شنيعة يجب إنكارها والمنع منها قاله ابن النحاس أيضًا (٤).

стр. 3754

١٧٦٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي الْحجر وَالله ليبعثنه الله يَوْم الْقِيَامَة لَهُ عينان يبصر بهما ولسان ينْطق بِهِ يشْهد على من استلمه بِحَق وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (١). ١٧٦٨ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَلَفظه يبْعَث الله الْحجر الْأسود والركن الْيَمَانِيّ يَوْم الْقِيَامَة وَلَهُمَا عينان ولسانان وشفتان يَشْهَدَانِ لمن استلمهما بِالْوَفَاءِ (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله ﷺ في الحجر "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق" وفي رواية الطبراني (٣) [في الكبير] "يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء" ولما أخذ الله العهد على آدم وذريته أودعه إياه فهو يشهد لمن وافاه يوم القيامة وهذا معنى ما روى أن الطائف يستحب له أن يقول في أول الطواف اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك

стр. 3755

واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ ، وهذا هو المراد بقوله في الحديث "يشهد لمن استمله" بالوفاء، والمراد بالعهد ها هنا قيل: الميثاق الذي أخذ الله تعالى على إبراهيم بامتثال أمره، أمر أن يكتب بذلك عهدا وأن يدرج في الحجر الأسود (١). ١٧٦٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي الرُّكْن الْيَمَانِيّ يَوْم الْقِيَامَة أعظم من أبي قبيس لَهُ لسانان وشفتان رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن. وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَزَاد يشْهد لمن استلمة بِالْحَقِّ وَهُوَ يَمِين الله يُصَافح بهَا خلقه. وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَزَاد يتَكَلَّم عَمَّن استلمه بِالنِّيَّةِ وَهُوَ يَمِين الله الَّتِي يُصَافح بهَا خلقه (٢). ١٧٧٠ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ أشهدوا هَذَا الْحجر خيرا فَإِنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة شَافِع يشفع لَهُ لسانان وشفتان يشْهد لمن استلمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن الْوَلِيد بن عباد مَجْهُول (٣). قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 3756

قوله ﷺ : "يأتي الركن اليماني يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان" الحديث، وزاد الطبراني (١) "يشهد لمن استلمه بالحق وهو [يمين] الله [يصافح بها خلقه] "، ورواه ابن خزيمة وزاد (٢) "يتكلم عمن استلمه [بالنية وهو] يمين الله التي يصافح بها خلقه" تقدم الكلام على الركن اليماني وعلى أبي قبيس، وللترمذي (٣) "مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا" وفي الطبراني (٤) "أنه يرجع إلى الجنة" ومعنى كون الحجر يمين الله في الأرض، قال الخطابي (٥): هذا كلام تمثيل وتشبيه وأصله أن الملك إذا صافح رجلا قبل الرجل يده فكأن الحجر الأسود لله تعالى بمنزلة اليمين للملك فنزل الحجر منزلة يمين الملك حيث يستلم ويلثم ولله المثل الأعلى (٦)، وكذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما أن الملوك تعطي العهد بالمصافحة (٧)، ومنه الحديث الآخر "وكلتا يديه يمين" (٨) أي إن يديه ﵎ بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن

стр. 3757

اليمين وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والأيدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فإنما هو على سبيل المجاز والاستعارة والله تعالى منزه عن التشبيه والتجسيم (١) انتهى. والمعنى: أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد وكان كالعهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به وكما يصفق في أيدي الملوك للبيعة (وكذلك) تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه (٢). ١٧٧١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله- ﷺ نزل الْحجر الْأسود من الْجنَّة وَهُوَ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن فسودته خَطَايَا بني آدم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ أَشد بَيَاضًا من الثَّلج (٣). ١٧٧٢ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد حسن وَلَفظه قَالَ الْحجر الْأسود من حِجَارَة الْجنَّة وَمَا فِي الأَرْض من الْجنَّة غَيره وَكَانَ أَبيض كالمها وَلَوْلَا مَا مَسّه من رِجْس الْجَاهِلِيَّة مَا مَسّه ذُو عاهة إِلَّا برأَ (٤).

стр. 3758

قوله: عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" قال بعضهم: إذا كان هذا فعل الخطايا في الحجارة فكيف في القلوب (١)، وفي كامل ابن عدي (٢) عن أنس أن النبي ﷺ قال: "الحجر الأسود من ياقوت الجنة فمسحة المشركون فاسود من مسحهم" فقوله "نزل الحجر الأسود من الجنة" قال بعضهم: يحتمل أن يحمل الحديث على ظاهره ويحتمل أن يؤول على ما يستقيم عليه المعنى من باب الاتساع، ومن المعلوم أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر خلقت خلقا غير قابل للزوال والفناء وهي مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية التي هي في حكم الزوال والفناء، وقد كسر الحجر الأسود وذلك من أقوى أسباب الزوال وتأويله أن الحجر الأسود لما فيه من الشرف والكرامة وما فيه من اليمن والبركة يشارك جواهر الجنة فكأنما نزل منها وأن خطايا بني آدم [تكاد تؤثر في الجماد] فتجعل المبيض مسودا فكيف [بقلوبكم أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب، لما روي عن ابن عمر: أنه كان يزاحم على الركنين، وقال: سمعت أن النبي ﷺ يقول: "إن مسحهما كفارة للخطايا" (٣) كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذا بياض شديد، فسودته الخطايا،

стр. 3759

هذا، وإن احتمال إرادة الظاهر غير مدفوع عقلًا ولا سمعًا، والله أعلم بالحقائق والمطلع على ما في الضمائر] (١). [وقوله فى الحديث الآخر] عن ابن عباس "أنزل الله الركن والمقام مع آدم ﵇ ليلة نزل" (٢)، وقد ورد أن الله تعالى حين أخرج الذرية من ظهر آدم ﵇ على أقسام أربعة قسم كالجواهر وقسم كالسرج وقسم كبياض البيض وقسم كسواد القار والقار الزفت، أمرهم الله ﵎ أن يسجدوا له فسجدوا إلا قسم سواد القار لم يطق السجود لأن الله ﵎ جعل في أصلابهم صياصي فلم يقدروا على السجود ثم أمر الله ﵎ الملك أن يأتى بالحجر من الجنة ليضعه بين أيديهم وأن يضعوا أيديهم عليه ويشهدوا لله بالربوبية والوحدانية فوضعوا وشهدوا وشهد الله تعالى على شهادتهم لقوله تعالى: ﴿فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣) وكتب بذلك كتابا، وأمر الحجر أن يلتقمه، وروي أيضًا عن علي أنه قال: "لما أخذ الله تعالى على بني آدم [عهودهم، ومواثيقهم] كتب بذلك كتابا في رق [وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، قال: ففتح فاه فجعله] في جوف [الحجر] فيجيء يوم القيامة ويشهد لمن استلمه" (٤) أ. هـ.

стр. 3760

تتمة: روى مسلم والترمذي (١) من حديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" وفي بعض المسندات أنه الحجر الأسود، قال السهيلي: وهذا التسليم الأظهر فيه أنه حقيقة وأن يكون الله تعالى أنطقه إنطاقا كما خلق الحنين في الجذع [وقال:] ولكن ليس من شرط الكلام الذي هو صوت وحرف الحياة والعلم والإرادة لأنه صوت كسائر الأصوات والصوت عرض في قول الأكثرين ولم يخالف فيه إلا النظام فإنه زعم أنه جسم وجعله الأشعري اصطكاكا في الجواهر بعضها لبعض فهو عنده من الألوان ولكنه معني زائد عليه ولو قدرنا الكلام صفة قائمة بنفس الحجر والشجر والصوت عبارة عنه لم يكن بُدّ من اشتراط الحياة والعلم مع الكلام أي ذلك كان كلاما مقرونا بحياة وعلم فيكون الحجر به [مؤمنا] أم كان صوتا مجردا غير مقترن بحياة وعلى كلا الوجهين هو علم من أعلام النبوة وأما حنين الجذع فحقيقة الحنين [يقتضي] شرط الحياة [وقد يحتمل تسليم] الحجارة أن تكون مضافة إلى ملائكة، يسكنون تلك الأماكن ويعمرونها فيكون مجازا من باب قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) والأول أظهر وإن كان هذا علما من أعملا النبوة لا يسمى معجزة في اصطلاح المتكلمين إلا ما تحدى به الخلق فعجزوا عن معارضته (٣)، أ. هـ.

стр. 3761

١٧٧٣ - وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة قَالَ الْحجر الْأسود ياقوتة بَيْضَاء من يَوَاقِيت الْجنَّة وَإِنَّمَا سودته خَطَايَا الْمُشْركين يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة مثل أحد يشْهد لمن استلمه وَقَبله من أهل الدُّنْيَا (١). ١٧٧٤ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا قَالَ الْحجر الْأسود من الْجنَّة وَكَانَ أَشد بَيَاضًا من الثَّلج حَتَّى سودته خَطَايَا أهل الشّرك (٢). المها مَقْصُورا جمع مهاة وَهِي البلورة. ١٧٧٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ نزل الرُّكْن الْأسود من السَّمَاء فَوضع على أبي قبيس كَأَنَّهُ مهاة بَيْضَاء فَمَكثَ أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ وضع على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا بِإِسْنَاد صَحِيح (٣). ١٧٧٦ - وَعنهُ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُسْند ظَهره إِلَى الْكَعْبَة يَقُول الرُّكْن وَالْمقَام ياقوتتان من يَوَاقِيت الْجنَّة وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى طمس نورهما لأضاءتا مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة رَجَاء بن صبيح وَالْحَاكِم وَمن طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ (٤).
следующие страницы →