← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3827–3866 · переход к 3832.

стр. 3827

غلط، قال النووي (١): والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة. أ. هـ. فينبغي للعاقل أن لا يشتغل إلا بما له فيه صلاح دنيوي أو فلاح أخروي، ولما كان ما عدا ذلك من المساجد متساوي الإقدام في الشرف والفضل وكان التنقل والارتحال لأجلها عبثا ضائعا نهى الشارع ﷺ عنه (٢) والله أعلم. ١٨٣٢ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من صلى فِي مَسْجِدي أَرْبَعِينَ صَلَاة لَا تفوته صَلَاة كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَبَرَاءَة من الْعَذَاب وبرئ من النِّفَاق رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣) وَهُوَ عِنْد التِّرْمِذِيّ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ (٤). ١٨٣٣ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الرجل فِي بَيته بِصَلَاة وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل (٥) بِخمْس وَعشْرين صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف

стр. 3828

صَلَاة وَصَلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١). وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن أَبَا الْخطاب الدِّمَشْقِي لَا تحضرني الْآن تَرْجَمته وَلم يخرج لَهُ من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة أحد إِلَّا ابْن مَاجَه وَالله أعلم. قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار وبراءة من العذاب" الحديث. قوله: وعن أنس أيضا، تقدم الكلام على أنس أيضا. قوله ﷺ : "صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة وصلاة في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة" أي تصلى فيه الجمعة، الصلاة في الجامع أفضل من المسجد الصغير لكثرة الجماعة، حدثنا عبد الله بن السمي فذكره إلى أن قال: حدثني نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الصلاة في المسجد الجامع تعدل الفريضة حجة مبرورة والنافلة الحجة المتقبلة" وفضلت الصلاة في الجامع على ما سواه من المساجد بخمس مائة صلاة [لا يروى] هذا الحديث عن نافع إلا عطاء ولا

стр. 3829

عن عطاء إلا نوح، تفرد بن زهير قاله الزركشى (١). قوله: "وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة" الحديث، أجمع المسلمون على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وعلى فضله قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٢) الآية، وروى الحاكم في المستدرك عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي يبكي فقال له بعضهم ما يبكيك يا أبا الوليد فقال من ها هنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنه رأى جهنم، ثم قال صحيح الإسناد (٣)، وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٤) في ترجمة محمد بن هارون بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٥) قال: قال الحسن هو بيت المقدس، لأنه يسرج

стр. 3830

فيه أحد عشرة آلاف قنديل (١)، وفي المستدرك في كتاب الفتن [والملاحم] عن أبي ذر قال: تذاكرنا ونحن عند النبي ﷺ أيما أفضل، مسجد رسول الله ﷺ أو مسجد بيت المقدس؟ فقال ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى" (٢) وفيه أبو الخطاب الدمشقي، أبو الخطاب الدمشقي هذا اسمه حماد روى عن أبي عبد الله رزيق الألهاني هذا الحديث وليس له في الكتب الستة سواه، قال في التهذيب (٣): أبو الخطاب الدمشقي مولى واثلة بن الأسقع يقال إنه [رأى] أنس بن مالك روى عن واثلة بن الأسقع، وأبو عبد الله رزيق بتقديم الراء المهملة الألهاني صدوق (٤) قاله في شرح الإلمام.

стр. 3831

١٨٣٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ دخلت على رَسُول الله ﷺ فِي بَيت بعض نِسَائِهِ فَقلت يَا رَسُول الله أَي المسجدين الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَأخذ كفا من حَصْبَاء فَضرب بِهِ الأَرْض ثمَّ قَالَ هُوَ مَسْجِدكُمْ هَذَا لمَسْجِد الْمَدِينَة رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ. وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه قَالَ تمارى رجلَانِ فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم فَقَالَ رجل هُوَ مَسْجِد قبَاء وَقَالَ رجل هُوَ مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هُوَ مَسْجِدي هَذَا (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال "هو مسجدكم هذا لمسجد المدينة" الحديث، فيه رد قول ابن عباس إذ قال إنه مسجد قباء، قال لأنه أول مسجد بني في الإسلام وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي ﷺ وأصحابه وذلك أنه لما هاجر ﷺ نزل على بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم إماما وأسس فيها مسجد قباء ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلى عندهم الجمعة وهي أول جمعة جمعت في الإسلام ثم إنه دخل المدينة فنزل على بني مالك بن النجار على أبي أيوب (٢)، أ. هـ.

стр. 3832

ولما قدم النبي ﷺ المدينة نزل على أبي أيوب فبركت الناقة على باب مسجده وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو، فسأل النبي ﷺ عن المربد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء يا رسول الله لسهل وسهيل ابنى عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا فبناه النبي ﷺ وعمل فيه بيده ليرغب الناس في العمل فعمل فيه المهاجرون والأنصار فبناه النبي ﷺ وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه بالجريد بعد أن نبش قبور المشركين وسواها وقطع النخل فلما استخلف أبو بكر لم يحدث في المسجد شيئا ثم لما كان عمر زاد فيه دار العباس وغيرها فلما كان عُثْمَانَ بَنَاهُ فِي خِلافَتِهِ بِالْحِجَارَةِ وَالْغُصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ حِجَارَةً وَسَقْفَهُ بِالسلاج، وَزَادَ فِيهِ، وَنَقَلَ إِلَيْهِ الْحَصْبَاءَ مِنَ الْعَقِيقِ. ثم لم يزل كذلك إِلَى أَنْ وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ أَبِيهِ، فَكتب إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ وَبِنَائِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَالٍ وَفُسَيْفِسَاءَ وَرُخَامٍ، وَبِثَمَانِينَ صَانِعًا مِنَ الرُّوم وَالْقِبْطِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَبَنَاهُ وَزَادَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَيُقَالُ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، ثُمَّ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ شَيْئًا حَتَى اسْتُخْلِفَ الْمَهْدِيُّ. فأرسل إليه عمالا عملوا فيه سنة وزاد في مؤخره مائة ذراع وعرضه مائتي ذراع وتم بناؤه فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ (١) أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 3833

فمسجد قباء هو الذي أسس على التقوى كما ورد به القرآن العظيم وفي السنة الأولى من الهجرة بنى النبي ﷺ مسجد المدينة، ومسجد قباء فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي ﷺ وأصحابه لهما صار كل واحد من المسجدين مؤسسا على التقوى فلما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (١) أشكل التعيين فسأل عن ذلك فأجاب بأنه مسجد المدينة. فإن قيل: إذا كان كل واحد منهما أسس على التقوى فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة؟ قلنا: يمكن ان يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمر جزم من الله تعالى لنبيه ﵇ بل ندب إليه أو كان رأيا رآه بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجزم عليه فأشبه امتثال الواجب وكان بذلك الاسم أحق أو حصل له ﷺ ولأصحابه من الأحوال القلبية عند بنائه ما يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك والله أعلم ذكره القرطبي (٢). ١٨٣٥ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ اخْتلف رجلَانِ فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَقَالَ أَحدهمَا هُوَ مَسْجِد الْمَدِينَة وَقَالَ الآخر هُوَ مَسْجِد قبَاء فَأتوا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هُوَ مَسْجِدي هَذَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣).

стр. 3834

قوله: وعن سهل بن سعد ﵁، كنيته: أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بْن سَعْد بْن مَالِك بْن خالد بْن ثعلبة بْن حارثة الأنصاري الساعدي المدني (١) كان اسمه حزنا فسماه رسول الله ﷺ سهلا، روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين وانفرد البخاري بأحد عشر حديثا، وتوفي ﵁ بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة أحدى وتسعين، قال ابن سعد هو آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف، وقال غيره بل فيه خلاف (٢) والله أعلم. قوله: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: "هو مسجدي هذا" تقدم الكلام على ذلك. ١٨٣٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة وَالصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس بِخَمْسِمِائَة صَلَاة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير. وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَلَفظه قَالَ صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل مِمَّا سواهُ من الْمَسَاجِد بِمِائَة ألف صَلَاة وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة أفضل من ألف

стр. 3835

صَلَاة فِيمَا سواهُ وَصَلَاة فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس أفضل مِمَّا سواهُ من الْمَسَاجِد بِخَمْسِمِائَة صَلاة. وَرَوَاهُ الْبَزَّار وَلَفظه قَالَ فضل الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام على غَيره بِمِائَة ألف صَلَاة وَفِي مَسْجِدي ألف صَلَاة وَفِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة صَلَاة وَقَالَ الْبَزَّار إِسْنَاده حسن كَذَا قَالَ (١). قوله: وعن أبي الدرداء ﵁، أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل: عامر بن زيد بن قيس بن الخزرج بن الحارث الأنصاري (٢)، روي له عن رسول لله ﷺ مائة حديث وتسعة وسبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين وانفرد البخاري بثلاث ومسلم بثمانية وكان ﵁ فقيها زاهدا حليما، شهد ما بعد أحد من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، اختلفوا في شهوده أحدا، وكان اسلامه تأخر قليلا عن أول الهجرة وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان سنة إحدى وقيل سنة ثنتين وثلاثين من الهجرة، وقبره وقبر زوجته أم

стр. 3836

الدرداء الصغرى بباب الصغير من دمشق مشهوران وكان له امرأتان كل واحدة يقال لها أم الدرداء صحابية وتابعية تزوج التابعية بعد وفاة الصحابية، فالصحابية هي الكبرى اسمها خيرة لها صحبة ورواية عن النبي ﷺ ويقال أنها ماتت قبل أبي الدرداء والتابعية اسمها هجيمة وآخى رسول الله ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي ﵄ وحديث زيارة سلمان له في حياة رسول الله ﷺ مشهور في صحيح البخاري وغيره والله أعلم، ويقال جهيمة بنت حيي ويقال بنت حي الأصابية ويقال الوصابية والوصاب بطن من حمير وهي التي مات عنها أبو الدرداء وخطبها معاوية فلم تقبل، روت عن سلمان الفارس وفضالة بن عببد وزوجها أبي الدرداء وأبي هريرة وعائشة وعنها أمم، وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : "المرأة لأخر أزواجها فلست أريد بأبي الدرداء بدلا" (١) وفي رواية أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحوني وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدنا فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان فقال: عليك بالصيام وكانت ذا حسن وجمال وفقه وكانت تقول أفضل العلم المعرفة وكانت تكتب في ألواح الصبيان [فيما تعلمهم] تَعلَّمُوا الْحِكْمَةَ صِغَارًا تَعْمَلُوا بِهَا كِبَارًا، إِنَّ كل زارع حاصدٌ مِنْ خيرٍ أَوْ شَرٍّ وقال سليم بن عامر أَرْسَلَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ إِلَى نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ

стр. 3837

وَإِلَى رَجُلٍ آخَرَ كَانَ يَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَتْ: قُلْ لَهُمَا: اتَّقِيَا اللهَ وَلْتَكُنْ مَوْعِظَتُكُمَا النَّاسَ مَوْعِظَتَكُمَا لَأَنْفُسِكُمَا (١). وآخى رسول الله ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي ﵄ وحديث زيارة سلمان في حياة رسول الله ﷺ مشهور في صحيح البخاري وغيره (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" قد اختلفت الأحاديث في مضاعفة الصلاة في بيت المقدس، الأول: بخمسمئة صلاة لحديث أبي الدرداء هذا، الثاني: ألف صلاة لما روى ابن ماجه بسنده عن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس قال: "أرض المحشر والنشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره" (٣)، الثالث: خمسين ألف صلاة ولما [روى ابن ماجه] في سننه عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ["صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمس مائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف

стр. 3838

صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" (١) وعنه أيضا قال:] قال رسول الله ﷺ : "من صلى في بيت المقدس خمس صلوات نافلة كل صلاة أربع ركعات يقرأ في الخمس عشرة آلاف قل هو الله أحد فقد اشترى نفسه من الله ليس للنار عليه سلطان" (٢). ١٨٣٧ - وَرُوِيَ عَن بِلَال بن الْحَارِث ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَمَضَان بِالْمَدِينَةِ خير من ألف رَمَضَان فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ وجمعة بِالْمَدِينَةِ خير من ألف جُمُعَة فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٣). قوله: وروي عن بلال بن الحارث ﵁، كنيته: أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن خلاوة بفتح الخاء المعجمة بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بضم الهاء وإسكان الذال المعجمة [ابن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة] بن إلياس بن مضر بن نزار المزني وبلال مدني وفد إلى رسول الله ﷺ في وفد مزينة سنة خمس من الهجرة وأقطعه النبي ﷺ المعادن القبلية بفتح القاف والباء وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة ثم سكن البصرة وتوفي سنة ستين وهو ابن ثمانين سنة روى له عن النبي ﷺ

стр. 3839

ثمانية أحاديث (١). قوله ﷺ : "رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان" الحديث. ١٨٣٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما فرغ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ من بِنَاء بَيت الْمُقَدّس سَأَلَ الله ثَلَاثًا أَن يؤتيه حكما يُصَادف حكمه وملكا لَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ من بعده وَأَنه لَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِد أحد لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما اثْنَتَيْنِ فقد أعطيهما وَأَرْجُو أَن يكون قد أعطي الثَّالِثَة رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم أطول من هَذَا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا عِلّة لَهُ (٢). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، هو: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي القرشي (٣) الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة،

стр. 3840

وقيل: إحدى عشرة سنة وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج أسلمت، قالوا: وكان النبي ﷺ يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، وأسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ ، وثبت في الصحيح (١) عن أبي هريرة قال: ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب، وكان ﵁ تلاءا للقرآن روى له عن رسول الله ﷺ سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على تسعة عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم منها على سبعة عشر وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة ونقلوا عنه ﵁، قال حفظت عن النبي ﷺ ألف مثل، وأنه قال لخبر أعلمه اليوم أحب إلي من مثليه مع رسول الله ﷺ لأنا كنا مع رسول الله ﷺ تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيال وإنا اليوم مالت بنا الدنيا، وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك توفي عبد الله سنة ثلاث وستين وقيل خمس وستين بالطائف، وقيل: توفي بفلسطين سنة خمس وستين وكان عمره ثنتين وسبعين سنة ومناقبة كثيرة مشهورة (٢).

стр. 3841

قوله ﷺ : "لما فرغ سليمان بن داود ﵉ من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثا أن يؤتيه حكما يصادف حكمه" الحديث، وأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (١) الآية، ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢) قد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت. فإن قيل: ما الحكمة فى تمني سليمان الملك مع أنه كان منزها عنها؟ فالجواب: إن الملك كان معجزة له كالعصى لموسى وشبه ذلك، وقيل: ليتمكن به من الطاعة ويستعين على الخير وكان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكينا (٣)، أ. هـ. قال أبو إسحاق الثعلبي في كتاب العرائس (٤) في قول الله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (٥) أي نبوته وعلمه وكلمته دون سائر أولاد داود، وكان لداود ﵇ اثنا عشر ابنا، قال: وكان سليمان ﵊ ملك الشام إلى اصطخر، قال وقيل: ملك الأرض، وقد روى عن ابن عباس

стр. 3842

-﵄ قال: ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمرود وبخت نصر، قال: قال كعب الأحبار ووهب بن منبه: كان سليمان ﵇ أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا يلبس الثياب البيض ويجالس المساكين ويقول مسكين جالس مسكينا وكان أبوه يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه، قالط: وكان سليمان حين ملك كثير الغزو ولا يكاد يتركه فتحمله الريح هو وعسكره ودوابهم حين أراد وتمر به وبعسكره الريح على المزرعة فلا تحرك الزرع، قال: وقال محمد بن كعب القرظي بلغنا أن عسكر سليمان كان مائة فرسخ خمسة وعشرون للإنس ومثلها للجن ومثلها للطير ومثلها للوحش، قال: قال أهل التاريخ كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين ﷺ (١) أ. هـ، هذا الحديث صريح في أن سؤال سليمان الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده كان بعد إكمال بناء بيت المقدس، وعن كعب الأحبار أن سليمان عليه [السلام بني البيت المقدس على أساس قديم. كان أسسه سام بن نوح وذكر أبو بكر محمد بن أحمد الواسطى في كتاب فضائل القدس: أن سلمان اشترى أرضه بسبعة قناطير ذهب، وعن عطاء الخرساني. قال: بيت المقدس] بنته الأنبياء وعمرته الأنبياء والله ما فيه موضع شبر إلا وقد سجد فيه نبي (٢)، وقال أبو العباس

стр. 3843

القرطبي (١): الحديث لا يدل على أن بناء سليمان لما [بنى] ابتدأ وضعه له بل ذلك تجديد لما أسسه غيرهما [وبدأه] وقد روي أن أول من بنى البيت آدم وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع البيت المقدس بعده، وقيل: إن إبراهيم ﵊ لما فرغ من بناء البيت الحرام وذهب إلى الشام ابتنى بيت المقدس ثم جدده سليمان ﵇ وقال ابن كثير في كتاب الأنبياء [وعند] أهل الكتاب أن يعقوب ﵇ هو الذي أسس المسجد الأقصى وهو مسجد إيلياء وهو مسجد بيت المقدس وهذا متجه. فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو إسرائيل ﵇ بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام وما جاء في الحديث [أن سليمان] بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا .. الحديث. المراد من ذلك أنه جدد بناءه (٢)، قال الخطابي (٣): يشبه أن يكون الأقصى بناه بعض أولياء الله تعالى قبل داود وسليمان ثم إنهما زادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه وقد ينسب هذا المسجد إلى [إيلياء فالله أعلم أهو اسم من بناه أو غيره] والله أعلم [وقال] في موضع آخر في حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض فقال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: وكم بينهما؟ قال: "أربعون عاما" (٤) وقد أشكل

стр. 3844

هذا الحديث على بعضهم، فقال معلوم: عن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى كما ورد في حديث النسائي بإسناد صحيح وهو بعد إبراهيم ﵇ كما قال أهل التاريخ بأكثر من ألف عام وهذا القائل جهل التاريخ فإن سليمان ﵇ إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه والذي أسسه هو يعقوب ﵇ بن إسحاق ﷺ بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر ولما ذكره الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه المسمى بالتقاسيم والأنواع (١) قال فيه [دحض] لقول من زعم أن بين إسماعيل وداود [ ﷺ ] عليهما ألف سنة ورد عليه الحافظ الضياء المقدسي في استدراكاته عليه، وقال: وجه هذا الحديث أن هذين المسجدين وضعا قديما ثم خربا ثم بنيا (٢) أ. هـ. وزعم بعضهم أن أول من بنى البيت آدم وأن غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عاما، حكاه ابن الجوزي وغيره وذكر ابن هشام في كتاب التيجان (٣): ان آدم لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه أ. هـ، قاله الزركشي (٤). ١٨٣٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة ﵄ قَالَا قَالَ رَسُول الله ﷺ صَلَاة فِي مَسْجِدي خير من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْأَقْصَى

стр. 3845

رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (١). قوله: وعن أبي هريرة أو عائشة ﵄، تقدم الكلام عليهما. قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة [فيما سواه] من المساجد" تقدم الكلام على ذلك. ١٨٤٠ - وَعَن أبي ذَر ﵁ أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس أفضل أَو فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من أَربع صلوَات فِيهِ ولنعم الْمصلى هُوَ أَرض الْمَحْشَر والمنشر وليأتين على النَّاس زمَان ولقيد سَوط أَو قَالَ قَوس الرجل حَيْثُ يرى مِنْهُ بَيت الْمُقَدّس خير لَهُ أَو أحب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا جَمِيعًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَفِي مَتنه غرابة (٢). قوله: وعن أبي ذر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في بيت المقدس أفضل أو في مسجد رسول الله ﷺ ، فذكره إلى أن قال "ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر وليأتين على الناس زمان ولقيد سوط أو قال قوس الرجل حيث يرى

стр. 3846

منه بيت المقدس خير له أو أحب إليه من الدنيا جميعا" قيد القوس أو السوط معناه قدر سوط أو قوس، وسيأتي تفسير ذلك في آخر الكتاب في صفة الجنة، وعن ميمونة مولاة النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، قال: "أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه فإن فيه كألف صلاة في غيره" قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه، قال: "فتهدي إليه زيتا يسرج فيه فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه" رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد جيد، وفي رواية: "من فعل ذلك فهو كمن صلى فيه" (١)؛ وميمونة هي ميمونة بنت سعد خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ روى عنها [زياد] بن أبى سودة وغيره، وأخرجه أيضا الإمام أحمد وفي رواية لأحمد (٢) عن بعض نساء النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله فإن لم تستطع إحدانا أن تأتيه قال: "فإن لم تستطع [قال إذا لم تستطع إحداكن أن تأتيه] فلتبعث له بزيت يسرج فيه [فإن من] بعث له بزيت يسرج فيه كان كمن صلى فيه" وروي بعضه أبو داود وقال بعض الأشياخ (٣): من حسن الأدب ومحاسن التعبد أن يعتقد المؤمن إذا كان بالمسجد الحرام أفضليته على ما سواه وكذلك إذا كان بمسجد النبي ﷺ

стр. 3847

وليس من الأدب إذا كان بمسجد النبي ﷺ أن يقول بأفضلية المسجد الحرام، قاله ابن العماد (١). فأفضل مساجد الأرض الكعبة ثم مسجد مكة المحيط بالكعبة ثم مساجد الحرم ثم مسجد المدينة ثم مسجد الأقصى ثم مسجد الطور (٢)، وقد قال ﷺ : "إن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة والأقصى ومسجد الطور" رواه أحمد (٣) في المسند في [هذه الأحاديث] تفضيل هذه المساجد على غيرها والمسجد الأقصى وصف بذلك لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وقيل: لأنه أقصى موضع في الأرض ارتفاعا وقربا من السماء، قال الزمخشري: المسجد الأقصى يطلق ويراد به بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (٤). ١٨٤١ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الصَّلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْجُمُعَة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف جُمُعَة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَشهر رَمَضَان فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف شهر رَمَضَان فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد

стр. 3848

الْحَرَام رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١). وَرَوَاهُ أَيْضا هُوَ وَغَيره من حَدِيث ابْن عمر بِنَحْوِهِ (٢). وَتقدم حَدِيث بِلَال مُخْتَصرا. قوله: وروي عن جابر بن عبد الله ﵄، تقدم الكلام على جابر. قوله ﷺ : "الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" تقدم معناه. قوله: ١٨٤٢ - وعنْ أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁، أسيد بضم الهمزة يحدِّث عن النبي ﷺ أنَّه قال: صلاة في مسجد قباء كعمرةٍ. رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (٣). قال الحافظ: ولا نعرف لأسيد حديثًا صحيحًا غير هذا، والله أعلم. وكان من الصحابة يحدث عن النبي ﷺ قال أبو نعيم وابن مندة أنه عم رافع بن خديج، والصواب أنه ابن عمه وظهير بضم الظاء المعجمة وفتح

стр. 3849

الهاء له ولابنه صحبة [روى له] الأربعة وهذا الحديث رواه أبو القاسم الطبراني قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "صلاة في مسجد قباء كعمرة" سيأتي الكلام على مسجد قباء. ١٨٤٣ - وَعَن سهل بن حنيف ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تطهر فِي بَيته ثمَّ أَتَى مَسْجِد قبَاء فصلى فِيهِ صَلَاة كانَ لَهُ كَأَجر عمْرَة رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ وَرَوَاهُ يُوسُف بن طهْمَان عَن أبي أُمَامَة بن سهل عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ وَزَاد وَمن خرج على طهر لَا يُرِيد إِلَّا مَسْجِدي هَذَا يُرِيد مَسْجِد الْمَدِينَة ليُصَلِّي فِيهِ كَانَت بِمَنْزِلَة حجَّة (١). قَالَ الْحَافِظ انْفَرد بِهَذِهِ الزِّيَادَة يُوسُف بن طهْمَان وَهُوَ واه وَالله أعلم (٢). ١٨٤٤ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ دخل مَسْجِد قبَاء فيركع فِيهِ أَربع رَكعَات كانَ ذَلِك عدل رَقَبَة (٣).

стр. 3850

قوله: وعن سهل بن حنيف (١)، كنتيه: أبو ثابت ويقال أبو سعيد ويقال أبو الوليد سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة [بن مجدعة بن الحارث بن عمرو ابن خنساء بن عوف] بن مالك بن الأوس الأنصاري المدني شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، روى له عن رسول الله ﷺ أربعون حديثا اتفقا على أربعة وانفرد مسلم بحديثين، توفي ﵁ بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي بن أبي طالب وحديث سهل بن حنيف في قيامه في الناس ووعظه إياهم مشهور في الصحيحين (٢). قوله ﷺ : "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له

стр. 3851

كأجر عمرة" الحديث، المراد بالتطهير الوضوء الشرعي ففي هذا الحديث بيان فضيلة مسجد قباء حيث جعل الصلاة فيه معادلة لعمرة مع ما انضم إلى ذلك من أن النبي ﷺ كان يزور قباء راكبا وماشيا، قال ابن عبد البر: وليس في [إتيان رسول الله ﷺ ] مسجد قباء راكبا وماشيا ما يعارض قوله ﷺ : "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" (١) لأن قوله ذلك معناه عند العلماء من نذر على نفسه الصلاة في أحد المساجد الثلاثة أنه يلزمه إتيانها دون غيرها، وأما إتيان قباء ونحوها فلا بأس به (٢) أ. هـ، والله أعلم. ١٨٤٥ - وَرُوِيَ عَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من تَوَضَّأ فأسبغ الْوضُوء ثمَّ عمد إِلَى مَسْجِد قبَاء لَا يُرِيد غَيره وَلَا يحملهُ على الغدو إِلَّا الصَّلَاة فِي مَسْجِد قبَاء فصلى فِيهِ أَربع رَكْعَات يقْرَأ فِي كل رَكعَة بِأم الْقُرْآن كَانَ لَهُ كَأَجر الْمُعْتَمِر إِلَى بَيت الله تَعَالَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَهَذِه الزِّيَادَة فِي الحَدِيث مُنكرَة (٣). قوله: وروي عن كعب بن عجرة ﵁، تقدم الكلام على مناقب كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه. قوله: "من توضا فأحسن الوضوء" تقدم الكلام على إحسان الوضوء.

стр. 3852

وقوله: "ثم عمد إلى مسجد قباء" عمد بفتح الميم في الماضي وكسرها في المضارع معناه قصد. وقوله: "لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو إلا الصلاة في مسجد قباء" الغدو هو الذهاب. قوله: "فصلى فيه أربع ركعات" فذكره إلى أن قال "كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله تعالى" تقدم الكلام على العمرة في أول كتاب الحج. ١٨٤٦ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كانَ النَّبِي ﷺ يزور قبَاء أَو يَأْتِي قبَاء رَاكِبًا وماشيا. زَاد فِي رِوَايَة فَيصَلي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). ١٨٤٧ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قبَاء كل سبت رَاكبًا وماشيا وَكَانَ عبد الله يَفْعَله (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله: كان النبي ﷺ يزور قباء أو يأتي قباء راكبا وماشيا". قوله فى رواية "فيصلي فيه ركعتين" ورواية "كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا وماشيا" الحديث وينبغي أن يلحق بالمساجد الثلاثة في التعيين مسجد قباء بهذا الحديث [كما] ينبغي أن يلحق فيه مسجد الطور لما تقدم من حديث المساجد الأربعة والله أعلم، وقباء بضم القاف وبالباء الموحدة والأفصح

стр. 3853

المشهور فيه المد والتذكير والصرف (١) وهو قرية عرفت باسم بئر هناك وبها مسجد التقوى وهو على ثلاثة أميال من المدينة عواليها وما حواليها والأصحاب ذكروا تفضيل المساجد الثلاث على سائر المساجد ولم يذكروا في مسجد قباء وبنبغي أن يتعين بالنذر للاعتكاف فيه (٢) كما يتعين المسجد الأقصى ومسجد مكة والمدينة، قاله ابن العماد (٣)، وذكر ابن عبد البر (٤) والقاضي عياض (٥) أن أدناها ميلان وأبعدها ثمانية فليست مما يشد إليها (٦) الرحال فلا يتناولها الحديث المشهور المذكور في الباب في ذلك والظاهر أنه من جملة العوالي فإنها القرى التي حول المدينة من جهة أعلاها، وفي هذه الأحاديث بيان فضل قباء وفضل مسجده والصلاة فيه وفضيلة زيارته (٧). واتفق العلماء على استحباب زيارته والصلاة فيه، وهكذا جميع المواضع الفاضلات يستحب زيارتها راكبا وماشيا (٨) وكونه ﵊ يأتيها يأتيها راكبا وماشيا بحسب ما اتفق له وكان تعاهده لقباء لفضيلة مسجدها، ولتفقد أهلها اعتناء بهم وتشريفا لهم وليس في تعاهده ﵇ مسجد قباء ما

стр. 3854

يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة المالكي (١) وفي هذا الحديث أنه يستحب أن تكون صلاة النفل بالنهار ركعتين كصلاة الليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه خلاف أبي حنيفة (٢). وقوله: "كل سبت" فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة وهذه هو الصواب وقول الجمهور أ. هـ قاله النووي (٣)، وأصل مذهب الإمام مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ثبت به توقيف (٤) فلذلك كرهه ابن مسلمة المالكي، وقالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث (٥) أ. هـ قاله ابن عقيل. وقوله: "كل سبت" معنى هذا أنه كان يزوره في كل أسبوع وعبر بالسبت عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ذكره أبو شامة المقدسي في كتابه في البدع المحدثة (٦) وهو أحد شيوخ الشيخ محي الدين النووي هكذا قاله قاضي القضاة العسقلاني الشهير بابن حجر تغمده الله بالرحمة والرضوان. ١٨٤٨ - وَعَن عَامر بن سعد وَعَائِشَة بنت سعد سمعا أباهما ﵁ يَقُول لِأَن أُصَلِّي فِي مَسْجِد قبَاء أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس

стр. 3855

رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا (١). قوله: وعن عامر بن سعد وعائشة بنت سعد، هو: سعد بن أبي وقاص. قوله: أنهما سمعا أباهما ﵁ يقول: لأن أصلي في مسجد قباء أحب إلي من أن أصلي في مسجد بيت المقدس، تقدم الكلام على مسجد بيت المقدس في الأحاديث المتقدمة. ١٨٤٩ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه شهد جَنَازَة بالأوساط فِي دَار سعد بن عبَادَة فَأقبل مَاشِيا إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف بِفنَاء الْحَارِث بن الْخَزْرَج فَقيل لَهُ أَيْن تؤم يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ أؤم هَذَا الْمَسْجِد فِي بني عَمْرو بن عَوْف فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من صلى فِيهِ كَانَ كَعدْل عمْرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله: أنه شهد جنازة بالأوساط في دار سعد بن عبادة فأقبل ماشيا إلى بني عمرو بن عوف بفناء الحارث بن الخزرج، الأوساط اسم [موضع تلقاء الحديبية]. قوله: فقيل له أين تؤم يا أبا عبد الرحمن، أي تقصد. ١٨٥٠ - وَعَن جَابر يَعْنِي ابْن عبد الله ﵄ أَن النَّبِي ﷺ دَعَا فِي مَسْجِد الْفَتْح ثَلَاثًا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء وَيَوْم الْأَرْبَعَاء فاستجيب لَهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء

стр. 3856

بَين الصَّلَاتَيْنِ فَعرف الْبشر فِي وَجهه قَالَ جَابر فَلم ينزل بِي أَمر مُهِمّ غليظ إِلَّا توخيت تِلْكَ السَّاعَة فأدعو فِيهَا فأعرف الْإِجَابَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَغَيرهمَا وَإسْنَاد أَحْمد جيد (١). قوله: وعن جابر يعني ابن عبد الله، تقدم الكلام على جابر. قوله: أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح أي على الأحزاب ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين" الحديث، يعني الظهر والعصر، والمعنى فيه: إن أبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس فلا ترتج أي لا تغلق حتى يفرغ من الصلاة، كذا رواه أبو أيوب الأنصاري عنه ﷺ ، وإذا فتحت أبواب السماء استجيب الدعاء ولهذا أمر النبي ﷺ أصحابه بالدعاء وأمرهم أن يسألوا الله العافية، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى (٢): وقد ورد حديث خاص باستجابة الدعاء يوم الأربعاء بعد الزوال أو أثر عن بعض الصحابة والله أعلم قاله ابن العماد. قوله: قال جابر فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة" التوخي التحري وتقدم معناه في الصوم المطلق.

стр. 3857

الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات وما جاء في فضلها وفضل أحد ووادي [القرى] قَالَ الْحَافِظ تقدم فِي الْبَاب قبله مِمَّا يَنْتَظِم فِي سلكه وَيقرب مِنْهُ حَدِيث بِلَال بن الْحَارِث رَمَضَان بِالْمَدِينَةِ خير من ألف رَمَضَان فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ وجمعة بِالْمَدِينَةِ خير من ألف جُمُعَة فِيمَا سواهَا من الْبلدَانِ. وَحَدِيث جَابر أَيْضا وَفِيه إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام. ١٨٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يصبر على لأواء الْمَدِينَة وشدتها أحد من أمتِي إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة أَو شَهِيدا رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (١). ١٨٥٢ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يصبر أحد على لأوائها إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة إِذا كَانَ مُسلما رَوَاهُ مُسلم (٢). اللأواء مهموزا ممدودا هِيَ شدَّة الضّيق. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي" الحديث،

стр. 3858

قال المنذري: اللأواء مهموز ممدود هي شدة الضيق أ. هـ. وقال غيره: اللأواء هو الجوع وشدة الكسب فيها والمشقات الحاصلة للمقيم بها (١) فيستحب المجاورة بالمدينة لما يحصل من ذلك من نيل الدرجات ومزيد الكرامات قاله الزركشي (٢). قوله: "إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدًا" وفي حديث أبي سعيد الذي بعده: "إذا كان مسلما" فيكون المعنى أن الصابر على شدة المدينة صنفان: من يشفع له النبي ﷺ من العصاة ومن يشهد له بما نال فيها من الشدة ليوفي أجره، وشفاعته ﷺ وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص، وذلك والله أعلم بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم أو يشفع في رفع درجاتهم أو في السبق إلى الجنة أو فيما شاء الله من ذلك (٣)، أ. هـ. وقال في شرح مشارق الأنوار (٤) القول الأقوم في هذا الحديث أن (أو) للتقسيم لا على الشك من بعض الرواة والمراد منه على هذا كنت شفيعا لبعضهم شهيدا لبعضهم وهو الذي وفى لله تعالى بعهده والرسول ﷺ لا يشهد إلا لمن هذه صفته ويشهد على سائر أمته بالبلاغ وإن ذهب ذاهب إلى

стр. 3859

أن أو بمعنى الواو لورود الرواية أيضا بالواو فالتأويل أن يقال: إنه أشار إلى اختصاص أهل المدينة بالجمع بين الفضيلتين الشهادة والشفاعة كذا في الميسر (١)، وقال ابن عقيل في شرح الأحكام والمراد به أن يكون شاهدا لأهل الطاعة شفيعا لأهل المعصية (٢). فإن قيل: شفاعته عامة في العصاة فما وجه اختصاص أهل المدينة بذلك؟ قلنا: يجوز أن يكون وجه اختصاصهم حمايتهم من دخول النار بالكلية بخلاف غيرهم فإنهم يعذبون ثم يخرجون بالشفاعة أ. هـ. قال القاضي عياض (٣) رحمه الله تعالى: سُئِلْتُ قَدِيمًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَ خُصَّ سَاكِنُ الْمَدِينَةِ بِالشَّفَاعَةِ هُنَا مَعَ عُمُومِ شَفَاعَتِهِ ﷺ وَادِّخَارِهِ إِيَّاهَا؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابٍ شَافٍ مُقْنِعٍ فِي أَوْرَاقٍ اعْتَرَفَ بِصَوَابِهِ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا "أَوْ" هُنَا لِلشَّكِّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ جَابِرٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وجماعة كثيرة من الصحابة عن النبي ﷺ بهذا اللفظ وَيَبْعُدُ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ أَوْ رُوَاتِهِمْ عَلَى الشَّكِّ وَيُطَابِقُهُمْ فِيهِ عَلَى صيغَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ هَكَذَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ هَكَذَا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ "أَوْ" لِلتَّقْسِيمِ وَيَكُونُ شَهِيدًا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

стр. 3860

وَشَفِيعًا لِبَاقِيهِمْ، إِمَّا شَفِيعًا لِلْعَاصِينَ وَشَهِيدًا لِلْمُطِيعِينَ، وَإِمَّا شَهِيدًا لِمَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ وَشَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ رَائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ لِلْمُذْنِبِينَ أَوْ لِلْعَاصِينَ فِي الْقِيَامَةِ، وَعَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ" فَيَكُونُ لِتَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا كُلِّهِ مَزِيَّةٌ وَزِيَادَةُ مَنْزِلَةٍ وَحُظْوَةٌ، قَالَ: وَيحتمل أن تَكُونُ "أَوْ" بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ شَفِيعًا وَشَهِيدًا. قَالَ وَقَدْ رُوِيَ إِلَّا كنت له شهيدا أو له شَفِيعًا قَالَ وَإِذَا جَعَلْنَا أَوْ لِلشَّكِّ كَمَا قَالَهُ الْمَشَايِخُ فَإِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَهِيدًا انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ الْمُدَّخَرَةِ الْمُجَرَّدَةِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَفِيعًا فَاخْتِصَاصُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِهَذَا مَعَ مَا جَاءَ مِنْ عُمُومِهَا وَادِّخَارُهَا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ أَنَّ هَذِهِ شَفَاعَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ لِإِخْرَاجِ أُمَّتِهِ مِنَ النَّارِ وَمُعَافَاةِ بَعْضِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَتِهِ ﷺ في الْقِيَامَةِ وَتَكُونُ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ أَوْ تَخْفِيفِ الْحِسَابِ أَوْ بِمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بِإِكْرَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكَرَامَةِ كَإِيوَائِهِمْ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ أَوْ كَوْنِهِمْ فِي رَوْحٍ وَعَلَى مَنَابِرَ أَوَ الْإِسْرَاعِ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِ الْكَرَامَاتِ الْوَارِدَةِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَاللهُ أَعْلَمُ أ. هـ. قوله: في قتلى أحد "أنا شهيد" والشهيد بمعنى الشاهد، والشفاعة هي السؤال في التجاوز عن الذنوب.

стр. 3861

١٨٥٣ - وَعَن سعد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها أَو يقتل صيدها وَقَالَ الْمَدِينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ لَا يَدعهَا أحد رَغْبَة عَنْهَا إِلَّا أبدل الله فِيهَا من هُوَ خير مِنْهُ وَلَا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة. وَزَاد فِي رِوَايَة وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بسوء إِلَّا أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص أَو ذوب الْملح فِي المَاء رَوَاهُ مُسلم (١). لابتا الْمَدِينَة بِفَتْح الْبَاء مُخَفّفَة هُوَ حرتاها وطرفاها والعضاه بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف هَاء جمع عضاهة وَهِي شَجَرَة الخمط وَقيل بل كل شَجَرَة ذَات شوك وَقيل مَا عظم مِنْهَا قوله: وعن سعد ﵁، هو: سعد بن أبي وقاص، تقدم الكلام على مناقبه، أعاد الله علينا من بركاته. قوله: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة" وفي رواية أخرى "ما بين جبليها" قال الحافظ المنذري: لابتي المدينة بفتح الباء مخففة هو حرتاها وطرفاها، أ. هـ. وقال بعض العلماء: لابتا المدينة تثنية لابة وهي الحرة، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود، ومعناه: اللابتان وما بينهما، وقال بعضهم: اللابتان من جهة المشرق والمغرب والجبلان جهتا الشمال والجنوب [والمراد تحريم المدينة ولابتيها] (٢).

стр. 3862

[قوله]: "أن يقطع عضاهها" والعضاه بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة وبعد الألف هاء جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل شجرة ذات شوكة، وقيل: ما عظم منها، أ. هـ، قاله المنذري. [وعضاهها: بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة] جمع عضاهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة وشجرة الخمط هي شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، وعضهت العضاه إذا قطعتها ومنه الحديث: "ما عضهت عضاة إلا بترك التسبيح" قاله في النهاية (١). وفي هذا الحديث تصريح ودلالة للشافعي ومالك وأحمد والجمهور على تحريم صيد المدينة وقطع شجرها على الحلال والمحرم كمكة، وخالف أبو حنيفة في ذلك واحتج له بحديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢) وكان النغير صيدا فأقرهم على اصطياده، ولو كان صيد المدينة حراما لأنكر عليهم؟ وأجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن ذلك كان قبل النهي وفي هذا الجواب ضعف فإنه مجرد دعوى، والجواب الثاني: لعل ذلك كان من صيد الحل، وهذا الجواب أيضا ضعيف فإن الخصم يرى أن صيد الحل متى دخل الحرم التحق بصيد الحرم (٣)، وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ :

стр. 3863

"ما بين لابتيها حرام" وأراد بقوله "ما ذعرتها" (١) أي: ما أفزعتها وخوفتها قاله ابن عقيل. وقوله في حديث أنس: "يا أبا عمير ما فعل النغير" والنغير تصغير النغر بضم النون وفتح الغين المعجمة قال الجوهري (٢) أنه طير كالعصافير حمر المناقير والجمع نغران كصرد وصردان ومؤنثه نغرة كهمزة وأهل المدينة يسمونه البلبل، وفي الصحيحين (٣) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ -قَالَ: أَحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ". وعمير: تصغير عمر أو عمرو والفطيم بمعنى المفطوم (٤)، قال وكيع يعني طيرا كان يلعب به، وقيل: نوع من الحمر وقيل هو طائر أسود اللون أحمر المنقار (٥)، وأبو عمير المذكور في الحديث هو ابن أبي طلحة الأنصاري أخو أنس بن مالك لأمه (٦)، قال النووي (٧): في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: جواز تكنية من لم يولد له، وتكنية الطفل وأنه ليس كذبا،، وفي الحديث

стр. 3864

بادروا بكنى أولادكم لا يسبق لها ألقاب السوء (١)، وفيه جواز المزاح فيما ليس بإثم، وفي الترمذي (٢) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه" قال العلماء المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط [ويداوم] عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين [ويؤول في] كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة ولتطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهذا لا منع منه مطلقا بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة (٣) قاله في الديباجة. أ. هـ. وفيه: جواز تصغير بعض المسميات وفيه جواز السجع في هذا الكلام الحسن بلا كلفة وفيه ملاطفة الصبيان وتأنيسهم وفيه بيان ما كان عليه رسول الله من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع وزيارة أهل الفضل لأن أم

стр. 3865

الفضل والدة أبي عمير وأنس من محارمه ﷺ ، واستدل به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة ولا دلالة فيه لذلك لأنه ليس في الحديث [صراحة ولا كناية أنه من] حرم المدينة بل يقال إنه صيد من الحل وأدخل الحرم ويجوز للحلال أن يفعل ذلك ولا يجوز له أن يصيد من الحرم فيفرق بينه وبين ابتداء صيده وبين استحباب إمساكه، وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في تحريم صيد المدينة فلا يجوز تركها بمثل هذا الاحتمال ومعارضتها به، وفي الحديث أيضًا دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير (١). قال الإمام العباس القرطبي (٢): لكن الذي أجاز العلماء أن يمسك له وأن يلهو بحبسه وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز لأن النبي ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة. وقال غيره معنى قوله: "يلعب به" يتلهى بحبسه وإمساكه، وفيه دليل على جواز حبس الطير في القفص لهذا الغرض وغيره ومنع ابن عقيل الحنبلي من ذلك وجعله سفها وتعذيبا لقول أبي الدرداء ﵁ تجيء العصافير يوم القيامة تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها وتقول: هذا عذبني في الدنيا؟ والجواب: ان هذا فيمن منعها المأكول والمشروب (٣) وقد

стр. 3866

سئل القفال عن ذلك لسماع أصواتها وغير ذلك، فأجاب بالجواز إذا كفاها مالكها المؤنة لما تحتاج إليه لأنها كالبهيمة [تربط وقال] (١) كذلك ابن يونس في النفقات من شرح التعجيز، وقال: إن الطائر كالدابة والقفص كالاصطبل وهذا واضح لا توقف فيه (٢)، أ. هـ. بل في الحديث دليل على جواز قصها للعب الصبيان بها وكان بعض الصحابة يكره ذلك (٣). لطيفة: ورأيت لأبي العباس أحمد بن القاضي تصنيفا حسنا على هذا الحديث قال فيه: إن أبا حنيفة سمع صوت امرأة يضربها بعلها وهي تصيح فقال: صدقة مقبولة وحسنة مكتوبة، فقال له رجل من أصحابه، كيف ذلك يا أستاذ، فقال لقوله ﷺ : "أدب الجاهل صدقة عليه وأنا أعرفها جاهلة" (٤). قوله ﷺ في الحديث: "أن تقطع عضاهها أو يقتل صيدها" الحضاه قد ضبطها الحافظ (٥) وفسرها فقال جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل شجرة ذات شوك، وقيل: ما أعظم منها (٦)، أ. هـ. وقال غيره واحدها عضاهة وعضيهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية
следующие страницы →