← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3862–3901 · переход к 3867.

стр. 3862

[قوله]: "أن يقطع عضاهها" والعضاه بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة وبعد الألف هاء جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل شجرة ذات شوكة، وقيل: ما عظم منها، أ. هـ، قاله المنذري. [وعضاهها: بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة] جمع عضاهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة وشجرة الخمط هي شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، وعضهت العضاه إذا قطعتها ومنه الحديث: "ما عضهت عضاة إلا بترك التسبيح" قاله في النهاية (١). وفي هذا الحديث تصريح ودلالة للشافعي ومالك وأحمد والجمهور على تحريم صيد المدينة وقطع شجرها على الحلال والمحرم كمكة، وخالف أبو حنيفة في ذلك واحتج له بحديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢) وكان النغير صيدا فأقرهم على اصطياده، ولو كان صيد المدينة حراما لأنكر عليهم؟ وأجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن ذلك كان قبل النهي وفي هذا الجواب ضعف فإنه مجرد دعوى، والجواب الثاني: لعل ذلك كان من صيد الحل، وهذا الجواب أيضا ضعيف فإن الخصم يرى أن صيد الحل متى دخل الحرم التحق بصيد الحرم (٣)، وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ :

стр. 3863

"ما بين لابتيها حرام" وأراد بقوله "ما ذعرتها" (١) أي: ما أفزعتها وخوفتها قاله ابن عقيل. وقوله في حديث أنس: "يا أبا عمير ما فعل النغير" والنغير تصغير النغر بضم النون وفتح الغين المعجمة قال الجوهري (٢) أنه طير كالعصافير حمر المناقير والجمع نغران كصرد وصردان ومؤنثه نغرة كهمزة وأهل المدينة يسمونه البلبل، وفي الصحيحين (٣) عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ -قَالَ: أَحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ". وعمير: تصغير عمر أو عمرو والفطيم بمعنى المفطوم (٤)، قال وكيع يعني طيرا كان يلعب به، وقيل: نوع من الحمر وقيل هو طائر أسود اللون أحمر المنقار (٥)، وأبو عمير المذكور في الحديث هو ابن أبي طلحة الأنصاري أخو أنس بن مالك لأمه (٦)، قال النووي (٧): في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها: جواز تكنية من لم يولد له، وتكنية الطفل وأنه ليس كذبا،، وفي الحديث

стр. 3864

بادروا بكنى أولادكم لا يسبق لها ألقاب السوء (١)، وفيه جواز المزاح فيما ليس بإثم، وفي الترمذي (٢) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه" قال العلماء المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط [ويداوم] عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين [ويؤول في] كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله فإنه ﷺ إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة ولتطييب نفس المخاطب ومؤانسته وهذا لا منع منه مطلقا بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة (٣) قاله في الديباجة. أ. هـ. وفيه: جواز تصغير بعض المسميات وفيه جواز السجع في هذا الكلام الحسن بلا كلفة وفيه ملاطفة الصبيان وتأنيسهم وفيه بيان ما كان عليه رسول الله من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع وزيارة أهل الفضل لأن أم

стр. 3865

الفضل والدة أبي عمير وأنس من محارمه ﷺ ، واستدل به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة ولا دلالة فيه لذلك لأنه ليس في الحديث [صراحة ولا كناية أنه من] حرم المدينة بل يقال إنه صيد من الحل وأدخل الحرم ويجوز للحلال أن يفعل ذلك ولا يجوز له أن يصيد من الحرم فيفرق بينه وبين ابتداء صيده وبين استحباب إمساكه، وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في تحريم صيد المدينة فلا يجوز تركها بمثل هذا الاحتمال ومعارضتها به، وفي الحديث أيضًا دليل على جواز لعب الصغير بالطير الصغير (١). قال الإمام العباس القرطبي (٢): لكن الذي أجاز العلماء أن يمسك له وأن يلهو بحبسه وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز لأن النبي ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة. وقال غيره معنى قوله: "يلعب به" يتلهى بحبسه وإمساكه، وفيه دليل على جواز حبس الطير في القفص لهذا الغرض وغيره ومنع ابن عقيل الحنبلي من ذلك وجعله سفها وتعذيبا لقول أبي الدرداء ﵁ تجيء العصافير يوم القيامة تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها وتقول: هذا عذبني في الدنيا؟ والجواب: ان هذا فيمن منعها المأكول والمشروب (٣) وقد

стр. 3866

سئل القفال عن ذلك لسماع أصواتها وغير ذلك، فأجاب بالجواز إذا كفاها مالكها المؤنة لما تحتاج إليه لأنها كالبهيمة [تربط وقال] (١) كذلك ابن يونس في النفقات من شرح التعجيز، وقال: إن الطائر كالدابة والقفص كالاصطبل وهذا واضح لا توقف فيه (٢)، أ. هـ. بل في الحديث دليل على جواز قصها للعب الصبيان بها وكان بعض الصحابة يكره ذلك (٣). لطيفة: ورأيت لأبي العباس أحمد بن القاضي تصنيفا حسنا على هذا الحديث قال فيه: إن أبا حنيفة سمع صوت امرأة يضربها بعلها وهي تصيح فقال: صدقة مقبولة وحسنة مكتوبة، فقال له رجل من أصحابه، كيف ذلك يا أستاذ، فقال لقوله ﷺ : "أدب الجاهل صدقة عليه وأنا أعرفها جاهلة" (٤). قوله ﷺ في الحديث: "أن تقطع عضاهها أو يقتل صيدها" الحضاه قد ضبطها الحافظ (٥) وفسرها فقال جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل شجرة ذات شوك، وقيل: ما أعظم منها (٦)، أ. هـ. وقال غيره واحدها عضاهة وعضيهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية

стр. 3867

كما حذفت من الشفة وهي شجرة أم غيلان (١). فرع: من قطع شيئا من شجر المدينة أو اصطاد صيدا ففي ضمانه قولان للشافعي قديم وجديد، الجديد: أنه لا يضمن وهو قول مالك لأنه مكان يجوز دخوله بغير إحرام فلا يضمن، والقديم: يضمن لحديث عامر بن سعد عن أبيه: [أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد غلاما يخبط شجرا أو يقطعه فسلبه، فلما رجع سعد جاءَ أهل الغلام فكلموه أن يرد ما أَخذ من غلامه. فقال معاذ الله أن أَرد شيئا نَفَّلنيه رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرده عليهم (٢)] قال النووي في شرح المهذب ومسلم وتصحيح التنبيه وهذا القول هو المختار فإن فيه حديث صحيح يعني ما ذكرنا، وقال ابن المنذر: ثبت [عن] رسول الله ﷺ أنه أخذ سلب القاتل وقاطع الشجر ولكن لم يقل به أحد إلا ابن أبي ليلى والشافعي في القديم وهو المختار وعمل به سعد بن أبي وقاص، وإذا قلنا به فقيل كضمان مكة، والأصح أنه يسلب الصائد والقاطع وعلى هذا ففي المراد بالسلب وجهان: أحدهما أنه ثيابه فقط وأصحهما أنه كسلب القتيل فيدخل فيه فرسه وسلاحه وهل هو للسالب أو لمساكين المدينة أو بيت المال فيه ثلاثة أوجه، أصحها: الأول وإذا سلب أخذ جميع ما عليه إلا ساتر العورة على الأصح وسلبه بمجرد الاصطياد سواء أتلف أو لا نعم يستثنى علف البهائم والعلف بإسكان اللام مصدر علف علفا وأما

стр. 3868

بمفتوحها فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها قاله الزركشى (١). وقال ابن النحاس في تنبيهه (٢): ففي ضمانه قولان القديم يضمن، وفي ضمانه وجهان أحدهما أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر والصحيح أنه كسلب المقتول من الكفار وأنه للسالب أ. هـ. قوله ﷺ : "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" يعني للمرتحلين عنها إلى غيرها (٣). وقوله ﷺ : "لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه" الحديث، أي: كراهية لها، يقال: رغبت في الشيء أحببته، ورغبت عنه كرهته (٤)، يعني: أن الذي يخرج من المدينة راغبا عنها أي زاهدا فيها إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل المقام بها وإما كافر بذلك، وكل واحد من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال قال: وقد خص الله تعالى مكة والمدينة بأنهما لا تخلوان من أهل العلم والفضل والدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (٥). قوله ﷺ : "ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو

стр. 3869

شهيدا" تقدم تفسير الألواء، وأما الجهد فهو المشقة وهو بفتح الجيم وفي لغة قليلة بضمها، وأما الجهد بمعنى الطاقة فبضمها على المشهور وحكي فتحها (١). وقوله في الرواية الأخرى: "ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء" سيأتي الكلام عليه في آخر الباب. ١٨٥٤ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ليَأْتِيَن على أهل الْمَدِينَة زمَان ينْطَلق النَّاس مِنْهَا إِلَى الأرياف يَلْتَمِسُونَ الرخَاء فيجدون رخاء ثمَّ يأْتونَ فيتحملون بأهليهم إِلَى الرخَاء وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (٢). الأرياف جمع ريف بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ مَا قَارب الْمِيَاه فِي أَرض الْعَرَب وَقيل هُوَ الأَرْض الَّتِي فِيهَا الزَّرْع وَالْخصب وَقيل غير ذَلِك. قوله: وعن جابر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف يلتمسون الرخاء" الأرياف جمع ريف، قد ضبطه المنذري وفسره فقال: وهو ما قارب المياه من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: هو الأرض التي فيها

стр. 3870

الزرع والخصب ومنه حديث العرنيين: كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف أي إنا من أهل البادية لا من أهل المدن (١)، وقيل: غير ذلك أ. هـ قاله الحافظ (٢). ١٨٥٥ - وَعَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول تفتح الْيمن فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وتفتح الشَّام فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وتفتح الْعرَاق فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٣). البس السُّوق الشَّديد وَقيل البس سرعَة الذّهاب. قوله: وعن سفيان بن أبي زهير ﵁[واسمه: القرد الأزدي الشنائي، قاله ابن المديني، وشباب، وقيل: سفيان بن نمير بن مرارة بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث، وقيل: إنه نميري، وقيل: نمري، والأول أكثر، ولا يختلفون أنه من أزد شنوءة، فربما كان في أجداده من اسمه نمر أو نمير، فنسب إليه، قال أبو أحمد العسكري: يعني أنه من النمر بن عثمان بن نصر بن

стр. 3871

زهران، من ازد شنوءة، شنوءة، وشنوءة: هو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن يعرب بن الغوث. وإنما سموا شنوءة لشنئآن كان بينهم وقال بعضهم، في نسبه: النمري، وبعضهم: النميري. له صحبة يعد في أهل المدينة أخرج له في الصحيحين حديثان متفق عليهما (١)]. قوله ﷺ : "تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم" الحديث، يبسون قال أهل اللغة بفتح الياء المثناة من تحت وبعدها باء موحدة تضم وتكسر ويقال أيضا بضم المثناة مع كسر الباء الموحدة وبالسين المهملة المشددة فتكون اللفظة ثلاثية ورباعية فحصل في ضبطه ثلاثة أوجه (٢)، قال الحافظ المنذري: البس السوق الشديد، وقيل: البس سرعة الذهاب أ. هـ، وقال غيره: قيل: هو السَّوْق اللين وقال الزمخشري في فائقة (٣): إنه يخرج قوم من المدينة إلى العراق والشام يَبُسُّون، قالوا: والبس السوق والطرد وبه فسر قوله تعالى ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ (٤) والمعنى: يسوقون بهائمهم سائرين، أ. هـ. وقال إبراهيم الحربي (٥): بسست الغنم والنوق إذا دعوتها فمعناه يدعون الناس إلى بلاد الخصب ومعنى الحديث يحملون بأهليهم، وقال ابن وهب:

стр. 3872

معناه يزينون البلاد ويحببونها إليهم ويدعونهم إلى الرحيل إليها ونحوه، قال العلماء: وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه ﷺ فإنه أخبر بوقوع أمور ثم وقعت بعد ذلك فكان ذلك دليلا على صدقه فإنه ﷺ أخبر بفتح هذه الأقاليم وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب ووجد جميع ذلك كذلك بحمد الله وفضله، وفيه فضيلة سكنى المدينة والصبر على شدتها وضيق العيش بها (١) والله أعلم. ١٨٥٦ - وَعَن أبي أسيد السَّاعِدِيّ ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ على قبر حَمْزَة بن عبد الْمطلب فَجعلُوا يجرونَ النمرة على وَجْهه فتنكشف قدماه ويجرونها على قَدَمَيْهِ فينكشف وَجهه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اجْعَلُوهَا على وَجهه وَاجْعَلُوا على قَدَمَيْهِ من هَذَا الشّجر قَالَ فَرفع رَسُول الله ﷺ رَأسه فَإِذا أَصْحَابه يَبْكُونَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّه يَأْتِي على النَّاس زمَان يخرجُون إِلَى الأرياف فيصيبون مِنْهَا مطعما وملبسا ومركبا أَو قَالَ مراكب فيكتبون إِلَى أَهْليهمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا فَإِنَّكُم بِأَرْض حجاز جدوبة وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٢). النمرة بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم وَهِي بردة من صوف تلبسها الْأَعْرَاب. قوله: وعن أبي أسيد الساعدي ﵁، أبو أسيد الساعدي بضم الهمزة

стр. 3873

واسمه مالك بن ربيعة. قوله: كنا مع رسول الله ﷺ على قبر حمزة بن عبد المطلب، الحديث، حمزة يقال له أسد الرحمن وأسد رسول الله ﷺ وعمه وأخوه من الرضاعة، وكنيته أبو عمارة كنى بابن له يقال له عمارة من امرأة من بني النجار، وقيل: كنيته أبو يعلى بابنه يعلى، وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام وكان حمزة أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: بأربع، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، أسلم حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول الله ﷺ وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا وبارز وأبلى فيها بلاء عظيما وقاتل بسيفين ودفن عند أحد في موضعه وقبره مشهور مزار ويتبرك به (١)، أ. هـ. قوله: "فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتنكشف قدماه" الحديث. النمرة: قد ضبطها الحافظ (٢) وفسرها فقال: هي بردة من صوف يلبسها الأعراب، أ. هـ. قوله ﷺ : "إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف" تقدم معناه في الحديث قبله. ١٨٥٧ - وَعَن عمر ﵁ قَالَ غلا السّعر بِالْمَدِينَةِ فَاشْتَدَّ الْجهد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اصْبِرُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنِّي قد باركت على صاعكم ومدكم وكلوا

стр. 3874

وَلَا تتفرقوا فَإِن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة وَطَعَام الْأَرْبَعَة يَكْفِي الْخَمْسَة والستة وَإِن الْبركَة فِي الْجَمَاعَة فَمن صَبر على لأوائها وشدتها كنت لَهُ شَفِيعًا وشهيدا يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج عَنْهَا رَغْبَة عَمَّا فِيهَا أبدل الله بِهِ من هُوَ خير مِنْهُ فِيهَا وَمن أرادها بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (١). قوله: وعن عمر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: "غلا السعر بالمدينة فاشتد الجهد" وهو بفتح الجيم المشقة وفي لغة قليلة بضمها وتقدم الكلام عليه وكذلك تقدم الكلام على قوله "فمن صبر على لأوائها وشدتها". وقوله ﷺ : "ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله به من هو خير منه فيها" قال القاضي (٢): اختلف في هذا فقيل في معناه قولان أحدهما أنه مخصوص بمدة حياته ﷺ ، والثاني: أنه دائم أبدا بدليل قوله في حديث آخر "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم" (٣) الحديث وهذا القول أصح (٤).

стр. 3875

[قوله] "ومن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" الحديث، قال القرطبي (١): ظاهر هذا أن الله يعاقبه بذلك في النار وقيل: يحتمل أن المراد من أرادها غازيا مغيرا عليها ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدنيا أو عن [توهين] أمره وطمس كلمته كما قد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذا أهلكه الله بمنصرفه عنها وكإهلاك يزيد بن معاوية [إثر إغزائه أهل المدينة، إلى غير ذلك]. ١٨٥٨ - وَعَن أَفْلح مولى أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَنه مر بزيد بن ثَابت وَأبي أَيُّوب ﵄ وهما قاعدان عِنْد مَسْجِد الْجَنَائِز فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه تذكر حَدِيثا حدّثنَاهُ رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِد الَّذِي نَحن فِيهِ قَالَ نعم عَن الْمَدِينَة سمعته يزْعم أَنه سَيَأْتِي على النَّاس زمَان تفتح فِيهِ فتحات الأَرْض فَتخرج إِلَيْهَا رجال يصيبون رخاء وعيشا وَطَعَامًا فيمرون على إخْوَان لَهُم حجاجا أَو عمارا فَيَقُولُونَ مَا يقيمكم فِي لأواء الْعَيْش وَشدَّة الْجُوع فذاهب وقاعد حَتَّى قَالَهَا مرَارًا وَالْمَدينَة خير لَهُم لَا يثبت بهَا أحد فيصبر على لأوائها وشدتها حَتَّى يَمُوت إِلَّا كنت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدا أَو شَفِيعًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد وَرُوَاته ثِقَات (٢). [قوله]: وعن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري [كنيته أبو عبد الرحمن

стр. 3876

ويقال: أبو يحيى ويقال: أبو كثير، من سبي عين التمر الذين سباهم خالد بن الوليد. روى عن: مولاه أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وكان يكون معه في مغازيه، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد سعد بن مالك الأنصاري الجدري، وعبد الله بن سلام، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، روى عنه: أبو الوليد عبد الله بن الحارث البصري نسيب محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين وقال محمد بن سعد: مات في خلافة يزيد بن معاوية، سنة ثلاث وستين، وكان ثقة قليل الحديث وقال غيره: قتل بالحرة (١)]. قوله: أنه مر بزيد بن ثابت وأبي أيوب ﵄ وهما قاعدان عند مسجد الجنائز، اسم [أبى أيوب الأنصارى خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف ابن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدنى الصحابى الجليل. شهد العقبة، وبدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرا، وأقام عنده شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده، روى له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على سبعة منها، وانفرد البخارى بحديث ومسلم بخمسة. روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقدام بن معدى كرب، وأبو أمامة الباهلى، وزيد بن خالد الجهنى، وابن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطمى، وكلهم صحابة، وسعيد بن

стр. 3877

المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثى، وعبد الله بن حنين، وخلائق سواهم. توفى بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثنتين وخمسين، وقبره بالقسطنطينية، رضى الله عنه (١)] وتقدم معنى اللأواء في أحاديث هذا الباب. ١٨٥٩ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنِّي أشفع لمن يَمُوت بهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ. وَلَفظ ابْن مَاجَه من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فَلْيفْعَل فَإِنِّي أشهد لمن مَاتَ بهَا. ١٨٦٠ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله ﷺ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ من مَاتَ بِالْمَدِينَةِ شفعت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها" الحديث. والمدينة: تسمى طيبة، وسيأتي الكلام على أسمائها، فيستحب دعاء الإنسان أن يكون موته في البلد الشريف (٣)، وقد كان [المهاجرون] إلى المدينة يكرهون أن يموتوا بغيرها ويسألون الله أن يتوفاهم بها لهذا الحديث فإن

стр. 3878

قيل: قد جاء ما يعارض هذا عن عمرو بن العاصي قال: مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم قال: "يا ليته مات بغير مولده" قالوا: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: "إن الرجل إذا مات بغير مولده [قيس له] من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" (١) وذكره ابن طاهر في [الصفوة] وبوب عليه [إيثارهم] الغربة على الوطن (٢) [فالجواب] إن صح فلا [يعارضه، بل الحديث] خاص بمن يولد في المدينة والله أعلم. قاله الزركشي (٣). ١٨٦١ - وَعَن الصميتة امْرَأَة من بني لَيْث ﵂ أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن لَا يَمُوت إِلَّا بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنَّهُ من يمت بهَا نشفع لَهُ أَو نشْهد لَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ (٤). ١٨٦٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا (٥). قوله: وعن الصميتة امرأة من بني ليث ﵂، بنو ليث [بطن من بكر من كنانة نسبة إلى ليث بن كنانة].

стр. 3879

قوله: "من استطاع منكم أن لا يموت إلا بالمدينة فليمت بها" تقدم الكلام على المدينة. ١٨٦٣ - وَعَن سبيعة الأسْلَمِيَّة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ لَا يَمُوت بهَا أحد إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا عبد الله بن عِكْرِمَة روى عَنهُ جمَاعَة وَلم يُخرجهُ أحد وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هُوَ خطاء وَإِنَّمَا هُوَ عَن صميتة كَمَا تقدم (١). قوله: وعن سبيعة الأسلمية ﵂، هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية بنت الحارث الأسلمية روى عنها: عمر بن عبد الله بن الأرقم، روى لها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثا، روى لها الجماعة إلا الترمذي. قوله ﷺ : "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت" تقدم الكلام على المدينة. ١٨٦٤ - وَعَن امْرَأَة يتيمة كانَت عِنْد رَسُول الله ﷺ من ثَقِيف أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ من مَاتَ بهَا كنت لَهُ شَهِيدا أَو شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٢).

стр. 3880

قوله: وعن امرأة يتيمة كانت عند رسول الله ﷺ من ثقيف، وتقدم الكلام على المدينة. ١٨٦٥ - وَعَن حَاطِب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي وَمن مَاتَ بِأحد الْحَرَمَيْنِ بعث من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن رجل من آل حَاطِب لم يسمه عَن حَاطِب (١). قوله: وعن حاطب ﵁[هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله حاطب بن أبى بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل بن العتيك بن سعاد، بفتح السين وتشديد العين، ابن راشدة بن جزيلة، بالزاى، ابن لخم بن عدى حليف للزبير بن العوام. وقيل: كان لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه فأدى كتابته، شهد بدرا، والحديبية، وشهد الله له بالإيمان فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢) الآيتين نزلتا فيه. قالوا: وأرسله رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست من الهجرة، فقال له المقوقس: أخبرنى عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قال: بلى، قال: فما له لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته؟ قال له حاطب: فعيسى ابن مريم رسول الله حين أراد قومه صلبه لم يدع عليهم حتى رفعه

стр. 3881

الله، قال: أحسنت، أنت حكيم جئت من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله ﷺ منها مارية القبطية، وأختها شيرين، وجارية أخرى، فاتخذ مارية سرية، ووهب شيرين لحسان بن ثابت، والأخرى لأبى جهم بن حذيفة، وأرسل معه من يوصله مأمنه. توفى حاطب سنة ثلاثين بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان، رضى الله عنه، وكان عمره خمسا وستين سنة. وروينا فى صحيح البخارى عن جابر، أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا، والحديبية"، وكان حاطب حسن الجسم، خفيف اللحية. ذكره ابن سعد (١)]. قوله ﷺ : "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة" الحديث. ١٨٦٦ - وعن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة، ومنْ مات في أحدِ الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة. رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عُمر لم يسمه عن عمر (٢). قوله: وعن عمر، تقدم الكلام على أمير المؤمنين عمر.

стр. 3882

قوله ﷺ : "من زار قبري أو قال زارني كنت له شفيعا أو شهيدا" الحديث تقدم الكلام على شفيعا أو شهيدا. ١٨٦٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ فِي أحد الْحَرَمَيْنِ بعث من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة وَمن زارني محتسبا إِلَى الْمَدِينَة كَانَ فِي جواري يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا (١). قَالَ المملي الْحَافِظ ﵀ وَقد صَحَّ من غير مَا طَرِيق عَن النَّبِي ﷺ أَن الوباء والدجال لَا يدخلانها اختصرت ذَلِك لشهرته. قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام على أنس. قوله ﷺ : "من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ومن زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة" الحديث، وجاء في الحديث أيضًا: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" رواه الدراقطني وغيره وصححه عبد الحق، ورواه جماعة منهم الحافظ أبو علي بن السكن في كتابه المسمى بالسنن الصحاح (٢)، فهذان إمامان صححا هذين الحديثين وقولهما أولى من قول من طعن في ذلك. فائدة: ويستحب لقاصد ذلك أن يغتسل قبل دخوله المدينة ويلبس أنظف ثيابه فإذا دخل المدينة استحضر شرفها وحرمة من فيها وملأ قلبه من الهيبة

стр. 3883

والإجلال والخشوع فإذا دخل المسجد بدأ بالتحية في مسجد النبي ﷺ الذي كان في زمنه وقد وسع بعده وقد تقدم ذلك، والضعيف مختص بذلك القدر الذي كان في زمانه فليحرص عليه لكن إذا صلى في جماعة فالتقدم إلى الصف الأول ثم ما يليه أفضل فإذا صلى التحية شكر الله تعالى وسأله إتمام ما قصده وقبول [زيارته] ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر والمسمار الفضة الذي في الجدار فمن استقبله استقبل وجه [النبى ﷺ ] واستقبال [القبلة مستحب] عند جمهور العلماء عند السلام وعند الدعاء ومناظرة مالك بن أنس أبا جعفر المنصور مشهورة، وعن أبي حنيفة أنه يستقبل القبلة ليجمع بين عبادتين السلام على النبي ﷺ واستقبال القبلة والجمهور على ما قدمناه [وآداب السلام عليه] كما في حالة الحياة ويقف الزائر غاض البصر في مقام الهيبة والإجلال ثم يسلم ولا يرفع صوته بل يقتصد فيقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا خيرة الله من خلقه السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة الله السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين السلام عليك وعلى الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين السلام عليك أيها النبي رحمت الله وبركاته جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى الله نبيا ورسولا عن أمته، صلى الله عليك كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون، وصلى عليك في الأولين وصلى عليك في الآخرين أفضل وأكمل وأطيب [ما صلى

стр. 3884

على]، على أحد من الخلق أجمعين كما استنقذنا بك من الضلالة وبصرنا بك من العمى والجهالة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده اللهم آته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون وغاية ما ينبغي أن يؤمله المأملون وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته و [أقل] ذلك السلام عليك يا رسول الله وعن السلف [الاقتصار فى] ذلك جدا، فإنه ﷺ يسمع ويعلم الواقف بين يديه (١)، أ. هـ قاله في الديباجة. ومعنى وجبت: حقت وتبتت ولزمت وأنه لا بد منها لمن زار قبره بوعده الصادق، وفي هذا بشارة عظيمة وهو موت الزائر على الإسلام وهذه البشارة العظيمة من ثمرة زيارة قبره المكرم وفي قوله ﷺ : "وجبت له شفاعتي" تحقيق لما قلته لأجل إضافة الشفاعة إليه لأنه ﵊ مشفع لا ترد له شفاعة في حياته ولا بعد وفاته ولا في عرصات القيامة ويا لها من فائدة عظيمة ما أجزلها وأعظم نيلها (٢)، وقال ﵇: "من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقا على أن أكون شفيعا له يوم القيامة" (٣) قول الحافظ

стр. 3885

رحمه الله (١): وقد صح من غير ما طريق عن النبي ﷺ أن الوباء والدجال لا يدخلان المدينة، ففي الصحيحين من حديث أنس مرفوعا: "إن الدجال لا يطأ مكة ولا المدينة وأنه يخرج حتى ينزل في ناحية المدينة فترجف ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق وفي رواية البخاري عن أبي بكرة عن النبي ﷺ : "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال [لها] يومئذ سبعة أبواب على باب ملكان" (٢) وفي الحديث أيضًا: "إن الطاعون لا يدخل المدينة" وهذا من خصائصها ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ " [على أنقاب] المدينة ملائكة [لا يدخلها الطاعون] ولا الدجال" (٣) قال القرطبي (٤): الطاعون الموت العام الفاشي، ويعني بذلك أنه لا يكون بالمدينة من الطاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله ﷺ فإنه لم يسمع من النقلة ولا من غيرهم من يقول أنه وقع بالمدينة طاعون عام وذلك ببركة دعائه ﷺ حيث قال: "اللهم صححها لنا" (٥) والسر في ذلك أن الطاعون وباء عند الأطباء، وقد صح أنهم لما قدموا المدينة أصابتهم أمراض عظيمة وحمى شديدة دعا لهم النبي ﷺ فكشف عنهم ذلك، وقال: اللهم

стр. 3886

انقل وباءها إلى خُمّ، هو بضم الخاء وتشديد الميم كما سيأتي أو إلى الحجفة أ. هـ، قاله الزركشي (١). الوباء بالقصر والمد والهمز لغتان، قال الجوهري وغيره: والقصر أشهر وهو مرض عام يفضي إلى الموت غالبا (٢) أ. هـ والمراد أن الطاعون وباء يتركه الله تعالى فيما شاء من أرضه يكون سببا لكثرة الموت أ. هـ، قاله ابن عقيل، وفي هذه الأحاديث فضيلة المدينة وفضيلة سكانها وحمايتها من الطاعون والدجال والله أعلم. ١٨٦٨ - وَعَن أبي قَتَادَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ ثمَّ صلى بِأَرْض سعد بِأَرْض الْحرَّة عِنْد بيُوت السقيا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم خَلِيلك وَعَبْدك وَنَبِيك دعَاك لأهل مَكَّة وَأَنا مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك أَدْعُوك لاهل الْمَدِينَة مثل مَا دعَاك بِهِ إِبْرَاهِيم لمَكَّة ندعوك أَن تبَارك لَهُم فِي صاعهم ومدهم وثمارهم اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كَمَا حببت إِلَيْنَا مَكَّة وَاجعَل مَا بهَا من وباء بخم اللَّهُمَّ إِنِّي حرمت مَا بَين لابتيها كَمَا حرمت على لِسَان إِبْرَاهِيم الْحرم رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيح (٣). خم بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم اسْم غيضة بَين الْحَرَمَيْنِ قَرِيبا من الْجحْفَة لَا يُولد بهَا أحد فيعيش إِلَى أَن يَحْتَلِم إِلَّا أَن يرتحل عَنْهَا لشدَّة مَا بهَا

стр. 3887

من الوباء والحمى بدعوة النَّبِي ﷺ وأظن غَدِير خم مُضَافا إِلَيْهَا. قوله: وعن أبي قتادة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: "اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة" إلى قوله "أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم" الحديث، قال القاضي عياض (١): البركة هنا بمعنى النماء والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم، قال: فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكوات والكفارات فتكون بمعنى الثبات، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفى منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها أو تكون الزيادة فيما يكال بها لإتساع عيشتهم وكثرته بعد ضيقه لما فتح الله تعالى عليهم ووضع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدهم وصار هاشميا مثل مد النبي ﷺ مرتين أو مرة ونصفا، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته ﷺ وقبولها هذا آخر كلام القاضي، والظاهر من هذا كله أن المراد البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها والله أعلم.

стр. 3888

قوله ﷺ : "واجعل ما بها من وباء بخم" خم بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم اسم غيضة بين الحرمين لا يولد بها أحد فيعيش إلى أن يحتلم إلا أن يرتحل عنها [لشدة ما بها من] الوباء والحمى بدعوة النبي ﷺ وأظن غدير خم مضافا إليها، قاله المنذري، وقال في النهاية (١): "غدير خم" هو موضع بين مكة والمدينة تصب فيه عين هناك، وبينهما مسجد النبي ﷺ ، قيل: وإنما دعا النبي ﷺ بنقل الحمى إلى الجحفة لأنها كانت إذ ذاك دار اليهود [قال ابن بطال:] فيه الدعاء برفع المرض والرغبة في العافية وهذا [رد] على الصوفية في [قولهم:] لا تتم له الولاية حتى يرضى بجميع ما ينزل به من البلاء [ولا يدعو] في كشفه أ. هـ قاله الكرماني (٢)، وفيه دليل من دلائل النبوة إذ لا يشرب أحد من مائها إلا صار [محموما] الحديث فإن قلت: كيف قدموا على الوباء وفي الحديث النهي عن القدوم عليه؟ قلت: هذا كان قبل النهي أو المنهي عنه [هو] الأمر العام وهذا الذي كان في المدينة هو للغرباء، وفيه: الدعاء على الكفار بالأمراض وللمسلمين بالصحة وكشف الضر عنهم وفيه رد بعض قول المتصوفة [أن الدعاء] قدح في التوكل وقول المعتزلة أنه لا فائدة في الدعاء مع سبق القدر والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلا ما سبق به التقدير أ. هـ قاله الكرماني (٣).

стр. 3889

تنبيه: فإن قلت: كيف يتصور نقل الحمى وهي عرض؟ قلت: جوزه طائفة مع أن معناه أن يعدم من المدينة ويوجد في الجحفة، فإن قلت: لا دعاء بالإعدام مطلقا؟ قلت: كانوا يهودها أعداء شديدى الإيذاء للمسلمين فدعا عليهم إرادة الخير لأهل الإسلام (١) أ. هـ. قوله ﷺ : "اللهم إني أحرم ما بين لابتيها" والمراد باللابتين الحرتان والأحاديث كلها متفقة على أن المراد فيما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهة المشرق والمغرب وما بين جبليها في الرواية الأخرى، وبيان لحده من جهتي الجنوب والشمال (٢) ففي هذا الحديث حجة ظاهرة للشافعي ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وقطع شجرها وأباح أبو حنيفة ذلك والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها بل هو حرام بلا ضمان (٣) وتقدم الكلام على ذلك، والمراد بقوله "وإني حرمت المدينة" الحديث المراد بتحريمها أنه لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها (٤). قوله ﷺ : "كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم" المراد أن إبراهيم ﷺ بين حرمة مكة وأنا بينت حرمة المدينة، فهذا الحديث دليل لمن يقول أن

стр. 3890

تحريم مكة إنما كان في زمن إبراهيم ﵇ والصحيح أنه كان يوم خلق الله السموات والأرض وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين، أحدهما: إنه حرمها بأمر الله تعالى له بذلك لا باجتهاده فلهذا أضاف التحريم إليه تارة وإلى الله تارة، والثاني: أنه دعا لها فحرمها الله تعالى بدعوته فأضيف التحريم إليه لذلك (١). ١٨٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ كانَ النَّاس إِذا رَأَوْا أول الثَّمر جاؤوا بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَإِذا أَخذه رَسُول الله ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي ثمرنا وَبَارك لنا فِي مدينتنا وَبَارك لنا فِي صاعنا ومدنا اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم عَبدك وخليلك وَنَبِيك وَإِنِّي عَبدك وَنَبِيك وَإنَّهُ دعَاك لمَكَّة وَإِنِّي أَدْعُوك للمدينة بِمثل مَا دعَاك بِهِ لمَكَّة وَمثله مَعَه قَالَ ثمَّ يَدْعُو أَصْغَر وليد يرَاهُ فيعطيه ذَلِك الثَّمر رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٢). قَوْله فِي صاعنا ومدنا يُرِيد فِي طعامنا الْمكيل بالصاع وَالْمدّ وَمَعْنَاهُ أَنه دَعَا لَهُم بِالْبركَةِ فِي أقواتهم جَمِيعًا. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به لرسول الله ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا" الحديث.

стр. 3891

ومجيء الناس لرسول الله ﷺ بأول التمر مبادرة بهدية ما يستطرف واغتناما لدعائه وبركته ﷺ ، ولذلك كان النبي ﷺ إذا أخذ أول ذلك التمر وضعه على وجهه كما رواه بعض الرواة عن مالك في هذا الحديث من الزيادة (١)، قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه ﷺ وللمدينة والصاع والمد وإعلاما له ﷺ بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه الخارصين إليها (٢). قوله: "ثم يدعو أصغر وليد يراه" لأنه أقل صبرا ممن هو أكبر منه وأكثر جزعا وأشد فرحا وهذ من حسن سياسته ﷺ ومعاملته الكبار والصغار، قيل: إن ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته كنمو التمرة وزيادتها والله أعلم، ففي هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار ﷺ وشرف وكرم ذكره النووي (٣). قوله ﷺ : "اللهم بارك لنا في تمرنا" إلى قوله "وصاعنا" قال الحافظ المنذري: يريد في طعامنا المكيل بالصاع والمد، ومعناه أنه دعا له بالبركة في أقواتهم جميعا، أ. هـ.

стр. 3892

قال السهيلي (١): دعاؤه ﷺ بالبركة في صاع المدينة ومدها يعني به الطعام الذي يكال والمد ولذلك قال في حديث آخر كيلوا طعامكم (٢) وذكر في تفسيره ما قلناه قال: وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال (٣): مد المدينة قال: هو رطل وثلث والرطل مائة وثمانية و [الرطل مائة وثمانية وعشرون] درهما والدرهم خمسون حبة وخمسان قاله الزركشي (٤). ١٨٧٠ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كحبنا مَكَّة أَو أَشد وصححها لنا وَبَارك لنا فِي صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بِالْجُحْفَةِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٥). قيل إِنَّمَا دَعَا بِنَقْل الْحمى إِلَى الْجحْفَة لِأَنَّهَا كانَت إِذْ ذَاك دَار الْيَهُود. قوله: وعن عائشة ﵂، تقدم الكلام على عائشة. قوله ﷺ : "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" الحديث تقدم معناه. قوله ﷺ : "وانقل حماها فاجعلها بالجحفة" تقدم الكلام على الحجفة. ١٨٧١ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد السقيا الَّتِي كَانَت لسعد قَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم عَبدك

стр. 3893

وخليلك دعَاك لأهل مَكَّة بِالْبركَةِ وَأَنا مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وَإِنِّي أَدْعُوك لأهل الْمَدِينَة أَن تبَارك لَهُم فِي صاعهم ومدهم مثل مَا باركت لاهل مَكَّة وَاجعَل مَعَ الْبركَة بركتين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد قوي (١). قوله: وعن علي بن أبي طالب ﵁، تقدم الكلام على علي ﵁. قوله: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا عند السقيا التي كانت لسعد قال رسول الله ﷺ "اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة" الحديث، تقدم معناه. ١٨٧٢ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي مدينتنا اللَّهُمَّ اجْعَل مَعَ الْبركَة بركتين وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا من الْمَدِينَة شَيْء وَلَا شعب وَلَا نقب إِلَّا عَلَيْهِ ملكان يحرسانها رَوَاهُ مُسلم فِي حَدِيث (٢). قوله: وعن أبي سعيد ﵁، هو الخدري تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من المدينة شيء ولا شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها" أي: لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، قال أهل اللغة: الشعب بكسر الشين هو الفرجة النافدة بين الجبلين، والنقب: الطريق بينهما،

стр. 3894

قال ابن السكيت (١): هو الطريق في الجبل والنقب بفتح النون على المشهور وحكى القاضي عياض (٢): ضمها أيضا هو مثل الشعب، وقيل: هو الطريق في الجبل قال الأخفش (٣) أنقاب المدينة طرقها وفجاجها. قوله في الحديث الآخر "على أنقاب المدينة ملائكة" جمع النقب جمع قلة وأما النقاب فهو جمع كثرة وهي الطريق في الجبل، قال ابن وهب: يريد بالأنقاب يعني مداخل المدينة، وقال غيره: هي أبوابها وفوهات طرقها التي يدخل إليها منها، والنقب أيضا في الحائط وغيره كالباب يخلص منه إلى ما وراءه ومنه الحديث الآخر: "وإذ نقب مثل التنور" قاله عياض (٤) وفي هذا الحديث بيان فضل المدينة وحراستها في زمنه ﷺ وكثرة الحراس واستيعابهم الشعب زيادة في الكرامة لرسول الله ﷺ (٥) والله أعلم. ١٨٧٣ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل بِالْمَدِينَةِ ضعْفي مَا جعلت بِمَكَّة من الْبركَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٦). قوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام على أنس. قوله: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة" قال

стр. 3895

الجوهري: ضعف الشيء [مثله، وضعفاه مثلاه، وقال الفقهاء: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، ولفظ البركة مجمل في بركة الدنيا والدين فبينها بقوله "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا" إن المراد البركة الدنيوية (١) ودعوته ﷺ مستجابة بلا شك، أ. هـ]. ١٨٧٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ دَعَا نَبِي الله ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا وَبَارك لنا فِي شامنا ويمننا فَقَالَ رجل من الْقَوْم يَا نَبِي الله وعراقنا قَالَ إِن بهَا قرن الشَّيْطَان وتهيج الْفِتَن وَإِن الْجفَاء بالمشرق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (٢). قرن الشَّيْطَان قيل مَعْنَاهُ أَتبَاع الشَّيْطَان وأشياعه وَقيل شدته وقوته وَمحل ملكه وتصريفه وَقيل غير ذَلِك. وقوله: عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وبارك لنا في شامنا ويمننا" فقال رجل من القوم: يا نبي الله وعراقنا، قال: "إن بها قرن الشيطان وتهيج الفتن" الحديث، قال الحافظ (٣): قرن الشيطان، قيل: معناه أتباعه وأشياعه، وقيل: شدته وقوته ومحل ملكه وتصرفه، وقيل: غير ذلك أ. هـ، وفي حديث: "تطلع الشمس بين قرني الشيطان" الحديث، قال الحربي (٤): قرني الشيطان هما

стр. 3896

ناحيتا رأسه وجانباه، وقال غيره: يأتي الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها فيجعل رأسه تحتها مخيلا أن سجود الكفار له لا لها (١)، وقال بعض أهل العلم: المراد بقرنه جماعته وحزبه (٢)، وقال بعضهم: هذا على المجاز والمراد من ذلك أن الشيطان في هذا الوقت تشتد وسوسته وتقوى (٣) قاله ابن عقيل. قوله في حديث [وعراقنا قال]: "إن بها قرن الشيطان" الحديث، قيل: القرن القوة أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها وقيل قرنيه [أي أمتيه] الأولين والآخرين وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها فكأن الشيطان سول له ذلك فإذا سجد لها كان الشيطان مقترن بها أ. هـ قاله في النهاية (٤). ١٨٧٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت فِي الْمَنَام امْرَأَة سَوْدَاء ثائرة الرَّأْس خرجت حَتَّى قَامَت بمهيعة وَهِي الْجحْفَة فأولت أَن وباء الْمَدِينَة نقل إِلَى الْجحْفَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط ورواة إِسْنَاده ثِقَات (٥).

стр. 3897

مهيعة: بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء بعْدهَا يَاء مثناة تَحت وَعين مُهْملَة مفتوحتين هِيَ اسْم لقرية قديمَة كَانَت بميقات الْحَج الشَّامي على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة فَلَمَّا أخرج العماليق بني عبيل إخْوَة عَاد من يثرب نزلوها فَجَاءَهُمْ سيل الجحاف بِضَم الْجِيم فجحفهم وَذهب بهم فسميت حِينَئِذٍ الْجحْفَة بِضَم الْجِيم وَإِسْكَان الْحَاء الْمُهْملَة. قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله ﷺ : "رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة" بفتح الميم وإسكان الهاء بعدها ياء مثناة تحت وعين مهملة مفتوحتين هي اسم لقرية قديمة كانت ميقات الحج الشامي على اثنين وثلاثين (١) ميلا من مكة فلما أخرج العماليق بني عبيل إخوة عاد من يثرب نزلوها فجاءهم سيل الجحاف بضم الجيم فجحفهم وذهب بهم فسميت حينئذ الجحفة بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة أ. هـ، قاله المنذري. ١٨٧٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قبَّة الْإِسْلَام وَدَار الْإِيمَان وَأَرْض الْهِجْرَة ومثوى الْحَلَال وَالْحرَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (٢).

стр. 3898

قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "المدينة قبة الإسلام [يحتمل أن يكون المراد بذلك: عصمة المدينة من الدجال والفتن، فيكون الإسلام فيها موقرا]، ويحتمل أن يكون المراد بذلك [رجوع الناس] إلى سنة رسول الله ﷺ ، ومنها: ظهرت ويحتمل أن يريد بذلك أن الدين أخذ من علمائها وأئمتها وكذلك كان (١)، وفي الترمذي (٢) أن النبي ﷺ قال: "يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة، وعالم المدينة هو مالك بن أنس، "ودار الإيمان وأرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام" والمثوى المنزل من ثوى المكان يثوي إذا أقام فيه قاله ابن الأثير (٣)، وروي البزار (٤) بإسناده عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "فتحت البلاد بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن" وروى الطبراني (٥) عن معقل بن يسار مرفوعا: "الْمَدِينَةُ مُهَاجِرِي وَمَضْجَعِي فِي الْأَرْضِ، حَقٌّ عَلَى أُمَّتِي أَنْ يُكْرِمُوا جِيرَانِي مَا اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَقَاهُ اللهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ" قُلْنَا: يَا

стр. 3899

أَبَا يَسَارٍ، مَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ". عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّ الإيمان لَيَأْزِرُ إلى المدينة كما تأْزِرُ الحيّةُ إلى جُحْرها" رواه البخاري في الحج (١) ومسلم في الإيمان (٢)، وروي مسلم (٣) عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا". قوله "يأرز هو بياء مثناة من تحت بعدها همزة ثم راء ساكنة ثم ياء" هذا هو المشهور في أكثر الروايات، قال أبو الحسن بن سراج: ليأزر بضم الراء، وحكي [القابسي] فتح الراء ومعناه ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب (٤). وقوله: "بين مسجدين" أي: بين مسجدي مكة والمدينة. قوله: "بدأ الإسلام غريبا" لفظة بدأ بالهمز من الابتداء قوله: "طوبى" فعلى من الطيب (٥). وقوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٦) اختلف المفسرون في معناه فعن ابن عباس أنه فرح وقرة عين، وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة

стр. 3900

لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقيل: خير وكرامة، وقيل: دوام الخير، وقيل: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث (١) ومعنى غرابة الإسلام قال مالك في المدينة فإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود إليها كذلك، قال القاضي: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر ثم سيحلقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد [ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد] وقلة أيضا كما بدأ و [جاء فى الحديث] تفسير الغرباء بأنهم [النزاع] من القبائل، قال الهروي [: أراد بذلك] المهاجرين الذين أوطانهم إلى الله تعالى (٢). قوله: "وهو يأرز إلى المدينة" قال القاضي عياض (٣): معناه أولًا وآخرا بهذه الصفة لأنه كان في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة إما مهاجرًا مستوطنا أو متشوقا إلى رؤية رسول الله ﷺ ومتعلما منه ومتقربا ثم بعده هكذا في زمان الخلفاء لأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة فيها ثم بمن بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى ولأخذ السنن المنتشرة بها عنهم وكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي ﷺ والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه الكرام فلا يأتيها إلا مؤمن قاله في الديباجة.

стр. 3901

١٨٧٧ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير مَا ركبت إِلَيْهِ الرَّوَاحِل مَسْجِد إِبْرَاهِيم ﷺ ومسجدي رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ مَسْجِدي هَذَا وَالْبَيْت الْمَعْمُور. وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه إِن خير مَا ركبت إِلَيْهِ الرَّوَاحِل مَسْجِدي هَذَا وَالْبَيْت الْعَتِيق (١). قَالَ الْحَافِظ وَقد صَحَّ من غير مَا طَرِيق أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تشد الرَّوَاحِل إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى (٢). قوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم ﷺ ومسجدي" وفي الرواية الأخرى: "مسجدي هذا والبيت المعمور" وفي الرواية الأخرى "والبيت العتيق" وتقدم الكلام على هذا وعلى قوله "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" في أول الباب مبسوطًا. قوله: "البيت المعمور" قيل: البيت المعمور الذي [بناه] آدم أول ما نزل إلى الأرض [فرفع] إلى السماء أيام الطوفان يدخل كل يوم سبعون ألف
следующие страницы →