← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3897–3936 · переход к 3902.

стр. 3897

مهيعة: بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء بعْدهَا يَاء مثناة تَحت وَعين مُهْملَة مفتوحتين هِيَ اسْم لقرية قديمَة كَانَت بميقات الْحَج الشَّامي على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ميلًا من مَكَّة فَلَمَّا أخرج العماليق بني عبيل إخْوَة عَاد من يثرب نزلوها فَجَاءَهُمْ سيل الجحاف بِضَم الْجِيم فجحفهم وَذهب بهم فسميت حِينَئِذٍ الْجحْفَة بِضَم الْجِيم وَإِسْكَان الْحَاء الْمُهْملَة. قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله ﷺ : "رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة" بفتح الميم وإسكان الهاء بعدها ياء مثناة تحت وعين مهملة مفتوحتين هي اسم لقرية قديمة كانت ميقات الحج الشامي على اثنين وثلاثين (١) ميلا من مكة فلما أخرج العماليق بني عبيل إخوة عاد من يثرب نزلوها فجاءهم سيل الجحاف بضم الجيم فجحفهم وذهب بهم فسميت حينئذ الجحفة بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة أ. هـ، قاله المنذري. ١٨٧٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة قبَّة الْإِسْلَام وَدَار الْإِيمَان وَأَرْض الْهِجْرَة ومثوى الْحَلَال وَالْحرَام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (٢).

стр. 3898

قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "المدينة قبة الإسلام [يحتمل أن يكون المراد بذلك: عصمة المدينة من الدجال والفتن، فيكون الإسلام فيها موقرا]، ويحتمل أن يكون المراد بذلك [رجوع الناس] إلى سنة رسول الله ﷺ ، ومنها: ظهرت ويحتمل أن يريد بذلك أن الدين أخذ من علمائها وأئمتها وكذلك كان (١)، وفي الترمذي (٢) أن النبي ﷺ قال: "يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة، وعالم المدينة هو مالك بن أنس، "ودار الإيمان وأرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام" والمثوى المنزل من ثوى المكان يثوي إذا أقام فيه قاله ابن الأثير (٣)، وروي البزار (٤) بإسناده عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "فتحت البلاد بالسيف وفتحت المدينة بالقرآن" وروى الطبراني (٥) عن معقل بن يسار مرفوعا: "الْمَدِينَةُ مُهَاجِرِي وَمَضْجَعِي فِي الْأَرْضِ، حَقٌّ عَلَى أُمَّتِي أَنْ يُكْرِمُوا جِيرَانِي مَا اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ سَقَاهُ اللهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ" قُلْنَا: يَا

стр. 3899

أَبَا يَسَارٍ، مَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: "عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ". عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّ الإيمان لَيَأْزِرُ إلى المدينة كما تأْزِرُ الحيّةُ إلى جُحْرها" رواه البخاري في الحج (١) ومسلم في الإيمان (٢)، وروي مسلم (٣) عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا". قوله "يأرز هو بياء مثناة من تحت بعدها همزة ثم راء ساكنة ثم ياء" هذا هو المشهور في أكثر الروايات، قال أبو الحسن بن سراج: ليأزر بضم الراء، وحكي [القابسي] فتح الراء ومعناه ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب (٤). وقوله: "بين مسجدين" أي: بين مسجدي مكة والمدينة. قوله: "بدأ الإسلام غريبا" لفظة بدأ بالهمز من الابتداء قوله: "طوبى" فعلى من الطيب (٥). وقوله: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٦) اختلف المفسرون في معناه فعن ابن عباس أنه فرح وقرة عين، وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة

стр. 3900

لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقيل: خير وكرامة، وقيل: دوام الخير، وقيل: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث (١) ومعنى غرابة الإسلام قال مالك في المدينة فإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود إليها كذلك، قال القاضي: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر ثم سيحلقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد [ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد] وقلة أيضا كما بدأ و [جاء فى الحديث] تفسير الغرباء بأنهم [النزاع] من القبائل، قال الهروي [: أراد بذلك] المهاجرين الذين أوطانهم إلى الله تعالى (٢). قوله: "وهو يأرز إلى المدينة" قال القاضي عياض (٣): معناه أولًا وآخرا بهذه الصفة لأنه كان في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة إما مهاجرًا مستوطنا أو متشوقا إلى رؤية رسول الله ﷺ ومتعلما منه ومتقربا ثم بعده هكذا في زمان الخلفاء لأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة فيها ثم بمن بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقت وأئمة الهدى ولأخذ السنن المنتشرة بها عنهم وكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي ﷺ والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه الكرام فلا يأتيها إلا مؤمن قاله في الديباجة.

стр. 3901

١٨٧٧ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ خير مَا ركبت إِلَيْهِ الرَّوَاحِل مَسْجِد إِبْرَاهِيم ﷺ ومسجدي رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ مَسْجِدي هَذَا وَالْبَيْت الْمَعْمُور. وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه إِن خير مَا ركبت إِلَيْهِ الرَّوَاحِل مَسْجِدي هَذَا وَالْبَيْت الْعَتِيق (١). قَالَ الْحَافِظ وَقد صَحَّ من غير مَا طَرِيق أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تشد الرَّوَاحِل إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى (٢). قوله: وعن جابر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم ﷺ ومسجدي" وفي الرواية الأخرى: "مسجدي هذا والبيت المعمور" وفي الرواية الأخرى "والبيت العتيق" وتقدم الكلام على هذا وعلى قوله "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" في أول الباب مبسوطًا. قوله: "البيت المعمور" قيل: البيت المعمور الذي [بناه] آدم أول ما نزل إلى الأرض [فرفع] إلى السماء أيام الطوفان يدخل كل يوم سبعون ألف

стр. 3902

ملك، وقال الزمخشري في ربيع الأبرار (١): ويقاله له الضريح، ومن قال الضراح فهو اللحن الصراح، قاله الزركشي (٢)، وقيل: البيت المعمور بيت في السماء حيال الكعبة (٣) اسمه الضراخ والضراخ ضبطه الجوهري (٤) بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وبالخاء المعجمة وسمي بذلك لأنه ضرخ عن الأرض إلى السماء أي بعد عنها، قال في كنز الدرر (٥): واختلفوا في أي سماء هو على أقوال، أحدها: في السماء الدنيا وهو قول ابن عباس ومجاهد و [الربيع] وروي عكرمة عن ابن عباس حديث [بمعناه، وقال: حرمته] في السماء كحرمة الكعبة في [الأرض فهو] معمور بكثرة الغاشية [والأهل والعبادة] يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه [وخازنه يقال] له [رزين] والقول الثاني: أنه في السماء السادسة عند شجرة طوبى، روي عن علي، والقول الثالث: أنه في السماء السابعة قاله مجاهد والضحاك، وقد روى البخاري (٦) في حديث المعراج عن النبي ﷺ أنه قال: "رأيت البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه"، قلت: ولا منافاة بين هذه الأقوال لأنه يحتمل أن الله تعالى

стр. 3903

رفعه ليلة المعراج إلى السماء السابعة عند سدرة المنتهى تعظيما للنبي ﷺ حتى رءاه ثم أعاده إلى السماء الدنيا، ذكر الثعلبي عن الحسن البصري أنه قال: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ (١) أنه الكعبة الحرام يعمره الله كل سنة بالناس وهو أول بيت عمر بالعباد، والقول الأول أظهر ولأن الكعبة تعمر بالناس في كل عام مرة واحدة والبيت المعمور يعمر كل يوم بالملائكة أ. هـ. ١٨٧٨ - وَعَن سعد ﵁ قَالَ لما رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من تَبُوك تَلقاهُ رجال من المتخلفين من الْمُؤمنِينَ فأثاروا غبارا فخمر بعض من كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ أَنفه فأزال رَسُول الله ﷺ اللثام عَن وَجهه وَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن فِي غبارها شِفَاء من كل دَاء قَالَ وَأرَاهُ ذكر وَمن الجذام والبرص ذكره رزين الْعَبدَرِي فِي جَامعه وَلم أره فِي الْأُصُول (٢). قوله: وعن سعد ﵁[هو سعد بن أبى وقاص وتقدمت ترجمته].

стр. 3904

قوله: لما رجع رسول الله ﷺ من تبوك تلقاه رجال من المتخلفين من المؤمنين فأثاروا غبارا فخمر بعض من كان مع رسول الله ﷺ أنفه، خمر معناه غطى أنفه والتخمير التغطية. قوله: "تبوك" وغزوة تبوك كانت في السنة [التاسعة من الهجرة]. ١٨٧٩ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لابي طَلْحَة التمس لي غُلَاما من غِلْمَانكُمْ يخدمني فَخرج أَبُو طَلْحَة يردفني وَرَاءه فَكنت أخدم رَسُول الله ﷺ كلما نزل قَالَ ثمَّ أقبل حَتَّى إِذا بدا لَهُ أحد قَالَ هَذَا جبل يحبنا ونحبه فَلَمَّا أشرف على الْمَدِينَة قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها مثل مَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لَهُم فِي مدهم وصاعهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١). قَالَ الْخطابِيّ فِي قَوْله هَذَا جبل يحبنا ونحبه: أَرَادَ بِهِ أهل الْمَدِينَة وسكانها كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أَي أهل الْقرْيَة. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَالْأولَى إجراؤه على ظَاهره وَلَا يُنكر وصف الجمادات بحب الْأَنْبِيَاء والأولياء وَأهل الطَّاعَة كَمَا حنت الأسطوانة على مُفَارقَته ﷺ حَتَّى سمع الْقَوْم حنينها إِلَى أَن سكنها وكما أخبر أَن حجرا كَانَ يسلم عَلَيْهِ قبل الْوَحْي فَلَا يُنكر عَلَيْهِ وَيكون جبل أحد وَجَمِيع أَجزَاء الْمَدِينَة تحبه وتحن إِلَى لِقَائِه حَالَة مُفَارقَته إِيَّاهَا. قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا الَّذِي قَالَه الْبَغَوِيّ حسن جيد وَالله أعلم.

стр. 3905

١٨٨٠ - وَقد روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْوَلِيد بن أبي ثَوْر عَن السّديّ عَن عبَادَة بن أبي يزِيد عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ كنت مَعَ النَّبِي ﷺ بِمَكَّة فخرجنا فِي بعض نَوَاحِيهَا فَمَا استقبله جبل وَلَا شجر إِلَّا وَهُوَ يَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (١). قوله: وعن أنس بن مالك ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ لأبي طلحة التمس: "لي غلاما من غلمانكم يخدمني" الحديث، الغلام الشاب القوي (٢)، قال ذلك لأبي طلحة عند مقدمه إلى المدينة فاختار له أبو طلحة أنسا فخدمه عشر سنين. قوله: فخرج أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل، وقال: ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" الحديث، أحد: جبل بالمدينة، قال السهيلي (٣): سمي به لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك، وإنما خص الجبل بالذكر لأنه أول ما يبدوا من أعلامها، وقيل: سمي هذا الجبل بهذه الاسم إذ أهله هم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد مع انه مشتق من الأحدية، وحركاته الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وارتفاعه، أ. هـ، وجبل أحد كانت الوقعة عنده.

стр. 3906

قوله ﷺ : "هذا جبل يحبنا ونحبه" الحديث، قال الحافظ (١): قال الخطابي (٢) في قوله "هذا جبل يحبنا ونحبه": أراد به أهل المدينة وسكانها كما قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣) أي أهل القرية أ. هـ، فتقدير الكلام أن أهل أحد يحبونا ونحبهم، أ. هـ. قال الزهري: وهذا عند علماء البيان والبديع جائز، قال العلماء في معنى هذا الحديث أقوال أحدها: ما ذكر وقيل: أراد أنه كان يبشره إذا رآه عند القدوم من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب، وقيل: بل حبه حقيقة وضع الحب فيه [كما وضع التسبيح] في الجبال المسبحة مع داود ﵇ (٤)، قال الحافظ البغوي (٥): والأولى إجراؤه على ظاهره ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة كما حنت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتى سمع القوم حنينها إلى أن سكنها، الحديث، الأسطوانة بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء المهملتين وهي السارية والعمود هكذا ذكره في التنقيح (٦)، فهذا الذي ذكره البغوي (٧) هو الصحيح

стр. 3907

المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقة جعل الله فيه تمييزا الحب به كما قال في الحجارة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (١) وكما حن الجذع اليابس (٢)، وفي لفظ البخاري أنه ﷺ كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه النبي ﷺ فالتزمه (٣)، وفي روايه له "فمسحه (٤) [وفى رواية] أخرى "فسمعنا له مثل أصوات العشار" (٥) وفي صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ أرسل إلى امرأة أن مري غلامك غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم عليها الناس فعملت هذه الثلاث درجات فكان يخطب عليها (٦) وكان منبره ﷺ ثلاث دُرَج غير الدرجة التي تسمى المستراح ويستحب أن يقف على التي تليها (٧) وكما سبح الحصى في في يديه (٨) وكما فرَّ الحجر بثوب موسى ﷺ (٩) وكما قال نبينا محمد ﷺ إني

стр. 3908

إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن يقال هو الحجر الأسود (١)، وفي حديث بحيرا أن رسول الله ﷺ لما أقبل من العقبة من أرض بصرى قال بحيرا لمن كان عنده هذا سيد العالمين فقيل له بم ذلك، فقال إنه لما أقبل لم تبق شجرة ولا حجر إلا سجد (٢)، ويروى أن النبي ﷺ لما خاف المشركين على نفسه ناداه جبل حراء إلي إلي يا رسول الله، وعن مجاهد قال: ما من صباح إلا ويسلم الجبل على الجبل ويقول: هل مر بك ذاكر لله ، وكما دعا ﷺ الشجرتين المفرقتين فاجتمعتا (٣) وكما رجف جبل حراء فقال: اسكن حراء فليس عليك إلا نبي" (٤) الحديث، وكما كلمته ذراع الشاة وأدل دليل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٥) الآية، قال بعض المفسرين: لا يزال الثوب يسبح الله ما لم يتسخ فإذا اتسخ قطع التسبيح ولا تزال الورقة تسبح لله تعالى على

стр. 3909

الشجرة ما لم تسقط فإذا سقطت قطعت التسبيح ولا يزال الماء يسبح الله تعالى ما دام جاريا فإذا ركن قطع التسبيح، ونقيض السقف تسبيح وصرير الباب تسبيح (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: "إن نقيقها تسبيح" (٢) ولله سر في هذه الجمادات من الأحجار والأشجار وغيرها أودعها معرفة وفهمًا، والصحيح في معنى هذه الأشياء كلها أن كل شيء يسبح حقيقة بحسب حاله ولكن لا نفقهه فهذا ما اختاره المحققون في معنى الحديث، وأن أحدا نحبه حقيقة (٣) والله أعلم. ١٨٨١ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أحد جبل يحبنا ونحبه فَإِذا جئتموه فَكُلُوا من شَجَره وَلَو من عضاهه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة كثير بن زيد (٤). ١٨٨٢ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن عبد الله بن

стр. 3910

مكنف عَن أنس وَهَذَا إِسْنَاد واه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن جبل أحد يحبنا ونحبه وَهُوَ على ترعة من ترع الْجنَّة وعير على ترعة من ترع النَّار (١). قَالَ المملي ﵁ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ من غير مَا طَرِيق وَعَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَنه قَالَ لَاحَدَّ هَذَا جبل يحبنا ونحبه وَالزِّيَادَة على هَذَا عِنْد الطَّبَرَانِيّ غَرِيبَة جدًّا. العضاه تقدم. والترعة بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا عين مُهْملَة مَفْتُوحَة هِيَ الرَّوْضَة وَالْبَاب أَيْضا وَهُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث فقد جَاءَ مُفَسرًا فِي حَدِيث أبي عَنْبَس بن جبر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأحد هَذَا جبل يحبنا ونحبه على بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة وَهَذَا عير جبل يبغضنا ونبغضه على بَاب من أَبْوَاب النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (٢). قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أحد يحبنا ونحبه فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه". قوله: "أحد يحبنا ونحبه" قال ﵇ "المرء مع من أحب" وكان ﵇

стр. 3911

يحب الاسم الحسن ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد خص الله تعالى هذا الجبل بهذا الاسم لموافقته لما أراد الله تعالى من مشاكلة اسمه لمعناه إذ أن أهله وهم الأنصار نصروا التوحيد والمبعوث بدين التوحيد عنده استقر حيا وميتا وكان من عادته ﵇ أن يحب الوتر ويستعمله في شأنه كله استشعارا للأحدية، فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه ﵇ ومقاصده في الأسماء فاسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له ومع أنه مشتق من الأحدية فحركات حروفه الرفع وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه فتعلق الحب من النبي ﷺ به اسمًا ومعنى فخص من بين الجبال كلها بان يكون معه في الجنة إذا بست الجبال بسا فكانت هباء منبثا، وفي أحد قبر هارون ﵇ وفيه قبض وكان أحد محببا إلى قومه (١) انتهى قاله في الديباجة، وتقدم الكلام على أحد وعلى العضاه. وقوله في الرواية الأخرى: "إن جبل أحد يحبنا ونحبه وهو على ترعة من ترع الجنة" والترعة هي الروضة والباب أيضا كذا فسرها الحافظ (٢)، وهو المراد في هذا الحديث، وقيل: الترعة الدرجة، وقيل: الباب وفي رواية "على ترعه من ترع الحوض" وهو مفتح الماء إليه، وأترعت الحوض إذا ملأته، والترعة في الأصل الروضة على المكان المرتفع خاصة فإذا كانت في المطمئن فهي الروضة، وقال الطحاوي في مشكل الآثار: وقد جاء "وضع

стр. 3912

منبري على ترعة من ترعات الجنة وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة وإن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة" (١) قال: ففي هذا الحديث ما يدل على أن قبره ومنبره خارجان عن الروضة وأن منبره في موضع من الجنة غير الروضة المذكورة في الحديث، ومما يدل على ذلك أن سهل بن سعد لما حدث عن النبي ﷺ أن منبره على ترعة من ترع الجنة قال: أتدرون ما الترعة؟ هي الباب من أبواب الجنة (٢) وإذا كان منبره ﷺ قد بلغه الله بجلوسه وقيامه عليه هذه المنزلة فغيره الذي تضمن بدنه الشريف وصار له مثوى بأن يكون من الجنة أرفع منها وأحرى وهو بذلك أولى والجنة فيها روضات كثيرة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ (٣) فقد يكون قبره في روضة منها غير الروضة المذكورة في الحديث، وقد يكون فيها

стр. 3913

من غير الروضة مما هو أرفع من الروضة وقد يكون مما تجمع الروضة وغيرها مما شرفه الله به وأبان منزلته عن الناس، وفي تصحيح هذه الألفاظ علم من أعلام نبوته ﷺ لأن [الله اختصه بأَن أَعلمه بالمخفيات] والله أعلم قاله الزركشى (١)، وجاء في الحديث: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" وفي لفظ "ما بين بيتي ومنبري" وفي لفظ للطبراني "ما بين حجرتي ومصلاي" قال الكرماني (٢): قال الطبري: المراد بالبيت إما القبر وإما مسكنه [الظاهر] ولا تفاوت بينهما لأن قبره في حجرته وهي بيته وسمي تلك البقعة المباركة روضة لأن زوار قبره من الملائكة والإنس والجن لم يزالوا مكبين على ذكر الله وعبادته. واختلف في المراد به فقيل: مجري على ظاهره فيوم القيامة ينقل قبره ومنبره فيكون ما بينهما روضة من رياض الجنة وهذا لا مانع منه (٣)، وقيل: المراد به أن من قصد زيارة هذا الموضع الشريف كان جزاؤه أن يدخل روضة من رياض الجنة (٤) والأول أصوب، أ. هـ. وقيل: معنى الحديث أن الصلاة والذكر فيما بينهما يؤدي إلى روضة من رياض الجنة، وقيل: سمى ما بينهما روضة لأنه مجلس الذكر والدعاء وقد سمى

стр. 3914

رسول الله ﷺ مجالس الذكر والدعاء رياضا لأنها مؤدية إليها كذا ذكره البيضاوي في شرح المصابيح (١)، وفي هذه الرواية الأخرى "منبري على حوضى" [أي: حوض الكوثر يدعو الناس عليه، قال الخطابي (٢): معناه [تفضيل] المدينة والترغيب في المقام بها والاستكثار من ذكر الله تعالى وعبادته في مسجدها وأن من لزم الطاعة آلت به الطاعة إلى روضة الجنة ومن لزم عبادة الله عند المنبر سقى في القيامة من الحوض والله أعلم قاله الكرماني (٣)]. اختلف العلماء في معناه على ثلاثة أقوال، أحدها: أن المراد به أن هذا المنبر بعينه يعاد فيكون على الحوض منصوبا، والثاني: أنه ينصب له منبر آخر، والثالت: أن من قصد زيارته ترتب له على ذلك أن يسقي من حوضه (٤) ذكره ابن عقيل، وقال القاضي عياض (٥): قال أكثر العلماء: المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا قال: وهذا هو الأظهر وأنكر كثير منهم ذلك، قال: وقيل إن له هناك منبرا على حوضه، وقيل: معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضي شربه منه (٦) أ. هـ. وفي رواية أخرى: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ذكروا في

стр. 3915

معناه قولين، أحدهما: القبر قاله زيد بن أسلم كما روي مفسرا بين قبري ومنبري أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة، والثاني: ان العبادة فيه تؤدي إلى الجنة، قال الطبري: في المراد ببيتي هنا قولان، أحدهما: القبر قاله زيد بن أسلم كما روي مفسرا بين قبري ومنبري، والثاني: بيت سكناه على ظاهره، وروي: "ما بين حجرتي ومنبري" قال الطبري والقولان متفقان لأن قبره ﷺ في حجرته وهي بيته (١) ا. هـ والله أعلم. قوله ﷺ : "وهذا عير جبل يبغضنا ونبغضه على باب من أبواب النار" عير: بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة جبل معروف بالمدينة، ويقال له غاير، وفي حديث آخر في الصحيح: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" وأما ثور فالمعروف أنه بمكة وفيه الغار الذي اختفي فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر وفي راوية قليلة: "المدينه حرم ما بين عير وأحد" وأحد بالمدينة فيكون ثور غلطا من الراوي وإن كان هو الأشهر في الرواية والأكثر وإن صحت الرواية فيكون معناه حرم المدينة مقدر في المسافة ما بين عير وثور إن كانا موجودين بمكة أو غيرها أو حرم المدينة تحريمًا مثل تحريم بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر محذوف، وقال القاضي عياض (٢): ويقول بعضهم ليس بالمدينة عير ولا ثور ولا بقربه منها جبل يسمى بواحد من هذين الاسمين، وقال الزبير: عير جبل بناحية

стр. 3916

بالمدينة وأكثر الرواة لكتاب البخاري ذكروا عيرا وأما ثور فمنهم من كنى عنه بلدا ومنهم من ترك بمكانه بياضا ليتبين الوهم فيه لأنهم اعتقدوا أن ذكر تور هنا خطأ، وقال المحب الطبرى: ثور جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته (١) أ. هـ، ويقال له ثور المحل، وقال بعضهم: اسم [الجبل] المحل نسب إلى ثور بن عبد مناة لأنه نزله (٢)، أ. هـ. ١٨٨٣ - وَرُوِيَ عَن سهل بن سعد ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أحد ركن من أَرْكَان الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٣). قوله: وروي عن سهل بن سعد ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أحد ركن من أركان الجنة" تقدم الكلام على أحد. ١٨٨٤ - وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ كنت أرمي الْوَحْش وأصيدها وأهدي لَحمهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما لَو كنت تصيدها بالعقيق لشيعتك إِذا ذهبت وتلقيتك إِذا جِئْت فَإِنِّي أحب العقيق رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (٤). ١٨٨٥ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَتَانِي آتٍ وَأَنا بالعقيق فَقَالَ

стр. 3917

إِنَّك بواد مبارك رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد قوي (١). قوله: وعن سلمة بن الأكوع ﵁، واسم الأكوع سنان بن مسلم، ويقال أبو إياس الأسلمي المدني الحجازي أحد من بايع تحت الشجرة وغزى غزوات وكان شجاعا راميا محسنا، قال يحيى بن بكير وغيره: مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وله ثمانون سنة (٢) والله أعلم. قوله: قال كنت أرمي الوحش وأصيدها وأهدي لحمها إلى رسول الله ﷺ " الحديث، وتقدم الكلام على سلمة بن الأكوع، قال الشيخ تقي الدين القشيري: والظاهر أن هذا كله قبل التحريم. قوله ﷺ : "أما لو كنت تصيدها بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق" والعقيق: موضع بينه وبين المدينة عشرة أميال (٣)، وهو واد عليه أموال أهل المدينة (٤)، وبه مات سعد وحمل إلى المدينة فصلى عليه ودفن بها فرضي الله تعالى عنه (٥)، وقيل: على ثلاثة أميال وقيل ميلين وقيل ستة، وقيل: سبعة، قاله ابن وضاح، وهما عقيقان أحدهما عقيق المدينة وهو العقيق الأصغر وفيه بئر رومة والعقيق الآخر أكبر من هذا وفيه بئر عروة

стр. 3918

الذي ذكره الشعراء والعقيق الذي جاء فيه: "إنك بواد مبارك" هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منهما، قاله عياض (١) والعقيق واد يدفق ماؤه في غور تهامة (٢) ومبارك بلفظ النكرة وقي بعضها بالمعرفة والإضافة أي وادي الموضع [المبارك] (٣). ١٨٨٦ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ حَدثنِي رَسُول الله ﷺ قَالَ أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي وَأَنا بالعقيق أَن صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٤). قوله: وعن عمر، تقدم الكلام على عمر ﵁. قوله ﷺ : "أتاني الليلة آت من ربي وأنا بالعقيق [قال الجوهرى: العقيق واد بظاهر المدينة وكل مسيل شقه ماء السيل وهو موضع قريب من ذات عرق، قبلها بمرحلة أو مرحلتين وقال أبو سليمان الخطابي: هو ميقات لأهل العراق]. قوله "أن صل في هذا الوادي المبارك" إعلام [منه ﵇] بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لأن الأمة مجمعة على أن الصلاة بوادي العقيق غير فرض فبان بهذا أن أمره ﷺ بالصلاة فيه نظير حثه على الصلاة في مسجده

стр. 3919

ومسجد قباء (١) أ. هـ، قاله في الديباجة. وقد ركب ﵊ إليه ثم رجع فقال: "يا عائشة، جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه وأعذب ماءه! " قالت: أفلا ننتقل إليه؟ قال: "وكيف وقد ابتنى الناس"، وقد ابتنى الناس من خلافة عثمان ونزلوا وحفروا فيه الآبار وغرسوا فيه الأشجار والنخيل من جميع نواحيه على جنبتي وادي العقيق ونزل فيه جماعة من الصحابة منهم سعد بن أبي وقاص وأبو [هريرة وسعيد بن زيد] وسعيد بن العاصي ومات به سعد وسعيد وهما من العشرة، و [أبو هريرة] مات به سعيد بن العاص وحملوا إلى المدينة ودفنوا بالبقيع وكانت فيه قصور مشيدة ومناظر رائقة وآبار عذبة وحدائق ملتفة فخرب على طول الزمان ولم فيه اليوم إلا الآثار، قال ابن النجار وليس به مساكن (٢) أ. هـ، قاله في شرح الإلمام. وروى ابن أبي الدنيا في "كتاب الاعتبار" من حديث أنس بن مالك قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى وادي العقيق فقال: "يا أنس خذ هذه المطهرة واملأها من هذا الوادي المبارك فإنه يحبنا ونحبه" فأخذتها فملأتها وأسرعت فلحقت النبي ﷺ وهو آخذ بيد علي فلما سمع حسي التفت إلي وقال: "يا أنس فعلت ما أمرتك به" قلت: نعم يا رسول الله، ثم التفت إلي على فقال:

стр. 3920

"يا علي ما من حبرة إلا ستتبعها عبرة يا علي ما من حبرة إلا ستتبعها عبرة، يا علي كل هم منقطع إلا هم النار" (١).

стр. 3921

الترهيب من إخافة أهل المدينة أو إرادتهم بسوء ١٨٨٧ - عَن سعد ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول لَا يكيد أهل الْمَدِينَة أحد إِلَّا انماع كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). ١٨٨٨ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بسوء إِلَّا أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص أَو ذوب الْملح فِي المَاء (٢). وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاح وَغَيرهَا (٣). قوله: عن سعد ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" الحديث، إنماع أي يذوب كما يذوب الملح ويسيل يقال ماع الشيء يميع وانماع إذا ذاب وسال ومنه حديث جرير "مَاؤُنا يَمِيع، وجَنَابُنَا مَريع" قاله في النهاية (٤)، وفي الرواية الأخرى: "لا يريد أحد لأهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص وذوب الملح في الماء" (٥) الحديث [قال القاضي هذه

стр. 3922

الزيادة وهي قوله في النار تدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها] هذه الزيادة وتبين أن هذا حكمه في الآخرة، قال: وقد يكون المراد به من أرادها في حياة رسول الله ﷺ كفي المؤمنون أمره واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار والملح في الماء، ويحتمل أن يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله تعالى بل يرهبه عن قرب كما انقضى حال من [حاربها] أيام بني أمية كمسلم بن عقبة فإنه هلك في منصرفه عنها ثم هلك يزيد بن معاوية مرسلة على أثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما (١) ودليل حمل ذلك على زمانه وحياته ﷺ ما في الحديث الآخر لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه وقد خرج منها بعد موته ﷺ من الصحابة من لم يعوض الله خيرا منه فدل على أن ذلك محمول على حياته فإن الله تعالى كان يعوض أبدا رسوله خيرا ممن رغب عنه وهذا واضح، ويحتمل أن يكون قوله "أذابه الله" كناية عن إهلاكه في الدنيا [قبل موته وقد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله] بعد منصرفه عنها إلى مكة لقتال ابن الزبير ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه فمات بقديد بعد الوقعة بثلاث ليال (٢). ١٨٨٩ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَن أَمِيرا من أُمَرَاء الْفِتْنَة قدم الْمَدِينَة وَكانَ قد ذهب بصر جَابر فَقيل لجَابِر لَو تنحيت عَنهُ فَخرج يمشي بَين ابنيه

стр. 3923

فانكب فَقَالَ تعس من أَخَاف رَسُول الله ﷺ فَقَالَ ابناه أَو أَحدهمَا يَا أبتاه وَكَيف أَخَاف رَسُول الله ﷺ وَقد مَاتَ فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أَخَاف أهل الْمَدِينَة فقد أَخَاف مَا بَين جَنْبي رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (١). ١٨٩٠ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِى صَحِيحه مُخْتَصرا قَالَ رَسُول الله ﷺ من أَخَاف أهل الْمَدِينَة أخافه الله (٢). قوله: وعن جابر بن عبد الله ﵄، تقدم الكلام على جابر. قوله: أن أميرا من أمراء الفتنة قدم المدينة، فذكره إلى أن قال: تعس من أخاف رسول الله ﷺ ، تعس بفتح التاء [وكسر العين قال ابن الأثير وقد تفتح العين - ومعناه لغة: عثر وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك (٣)]. ١٨٩١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ اللَّهُمَّ من ظلم أهل الْمَدِينَة وأخافهم فأخفه وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَلَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْكَبِير بِإِسْنَاد جيد (٤).

стр. 3924

١٨٩٢ - وروى النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ عَن السَّائِب بن خَلاد ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ من ظلم أهل الْمَدِينَة وأخافهم فأخفه وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا (١). ١٨٩٣ - وَفِي رِوَايَة للطبراني قَالَ من أَخَاف أهل الْمَدِينَة أخافه الله يَوْم الْقِيَامَة وَغَضب عَلَيْهِ وَلم يقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا (٢). الصّرْف هُوَ الْفَرِيضَة الْعدْل التَّطَوُّع قَالَه سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقيل هُوَ النَّافِلَة وَالْعدْل الْفَرِيضَة. وَقيل الصّرْف التَّوْبَة وَالْعدْل الْفِدْيَة قَالَه مَكْحُول. وَقيل الصّرْف الِاكْتِسَاب وَالْعدْل الْفِدْيَة. وَقيل الصّرْف الْوَزْن وَالْعدْل الْكَيْل وَقيل غير ذَلِك. قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" هذا الحديث فيه وعيد شديد لمن ارتكب هذا، قال القاضي عياض (٣) رحمه الله تعالى: واستدلوا بهذا على أن ذلك من

стр. 3925

الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، ومعناه: ان الله تعالى يلعنه كذلك والملائكة تلعنه والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى وعن الجنة فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد قالوا والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله كل الإبعاد أولا وآخرا، أ. هـ والله أعلم. قوله ﷺ : "ولا يقبل منه صرف ولا عدل" قال الحافظ المنذري: الصرف هو الفريضة والعدل هو التطوع، قاله سفيان الثوري، وقيل: هو النافلة والعدل الفريضة، أ. هـ قاله الحسن البصري عكس قول الجمهور، قال الحافظ (١): وقيل: الصرف التوبة والعدل الفدية قاله مكحول، قال القاضي عياض (٢) ﵀: وقيل معناه لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى وإن قبل قبول جزاء، وقيل: يكون القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بهما قال: وقد يكون معنى الفدية هنا أنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به بخلاف غيره من المذنبيين الذين يتفضل الله تعالى على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصراني كما ثبت في الصحيحين (٣) أنه ﷺ قال: "يؤتى كل مؤمن برجل من اليهود أو من النصارى فيقال له: هذا فداؤك من النار" أ. هـ.

стр. 3926

١٨٩٤ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من آذَى أهل الْمَدِينَة آذاه الله وَعَلِيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من آذى أهل المدينة آذاه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" تقدم الكلام على اللعنة في الحديث قبله. ١٨٩٥ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ اكفهم من دهمهم ببأس يَعْنِي أهل الْمَدِينَة وَلَا يريدها أحد بِسوء إِلَّا أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (٢). وَآخر فِي الصَّحِيح بِنَحْوِهِ وَتقدم. دهمهم محركة: أَي غشيهم بِسُرْعَة وَالله أعلم. قوله: وعن سعد بن أبي وقاص ﵁، تقدم الكلام على منقابه في صلاة الاستخارة وغيرها مبسوطا رضي الله تعالى عنه. قوله ﷺ : "اللهم اكفهم من دهمهم ببأس يعني أهل المدينة" دهمهم محركة أي غشيهم بسرعة، أ. هـ، قاله المنذري، والدهيم والدهيماء مصغران

стр. 3927

من أسماء الدواهي قاله عياض (١) وقال القرطبي (٢): الدهيم والدهيماء من أسماء الداهية والجيش العظيم أو الفساد العظيم، أ. هـ. فائدة في أسماء المدينة: ولها أسماء كثيرة منها وهو المشهور المدينة قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا﴾ (٤) وهي إذا أطلقت أريد بها دار الهجرة التي فيها بيت رسول الله ﷺ ومنبره وقبره، ثم قال قطرب وابن فارس وغيرهما (٥): إنها مشتقة من دان إذا أطاع والدين الطاعة فتكون الميم على هذا زائدة، وقيل: من مدن بالمكان إذا أقام به فتكون الميم أصله وجمعها مدن بضم الدال وإسكنها ومدائن بالهمز وتركه وترك الهمز أفصح وبه جاء القرآن، أ. هـ، ومنها: اسمها طابة وفي صحيح مسلم (٦) عن جابر بن سمرة ان النبي ﷺ قال: "إن الله سمى المدينة طابة" ومعناه طاهرة التربة وهي سبخة فدل ذلك على جواز التيمم بالسباخ، وقيل: معناه الطاهرة من النفاق، ومنها: اسمها طيبة بفتح الطاء وسكون الياء وسميت بذلك من الطيب وهو الرائحة الحسنة والطيبة.

стр. 3928

والطيب لغتان بمعنى واحد، وقيل: هو مأخوذ من الشيء الطيب وهو الطاهر لخلوصه من الشرك وطهارتها منه، وقيل: لطيبها كساكنها وأمنهم ودعتهم فيها، وقيل: من طيب العيش، يقال: طاب لي الشيء أي وافقني، قال ابن بطال (١): من سكنها يجد في تربتها وحيطانها رائحة طيبة [والمعجونات] من الطيب فيها أحد رائحة من غيرها، ومنها: اسمها طيبة بتشديد الياء ومنه الحديث: "جعلت لي الأرض طيبة طهورا" أي نظيفة غير خبيثة قاله في النهاية (٢)، ومنها: اسمها الطيبة، ومنها: اسمها المحببة، ومعناها غير معنى المحبة، حكي هذه الثالثة ابن بري عن ابن خالويه، ومنها: اسمها الدار، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ (٣) ولا خلاف أنها المدينة، سميت بذلك لأمنها والاستقرار بها، ومنها: المسكينة، ذكر ابن زبالة (٤) بإسناده عن كعب قال: نجد في كتاب الله تعالى الذي نزله على موسى ﷺ : إن الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة يا طابة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز ارفعي أحاجيرك على أحاجير القرى، وهي إما من السكينة أو المسكنة، ومنها: اسمها جابرة، ومنها: اسمها: المجبورة، ومنها: اسمها العذراء، قال ابن سيدة في المحكم (٥) قال: وأراها سميت بذلك لأنها لم تنل بمكروه ولا أصيبت

стр. 3929

سكانها بأذاة عدو، ومنها: المحبة ذكره [أبو] عبيد البكري، ومنها: اسمها المحبوبة، ومنها: اسمها القاصمة لأنها قصمت الجبابرة، ومنها: اسمها الحبيبة حكاه ابن خالويه، ومنها: مدخل صدق هو المدينة في قول أكثر المفسرين، ومنها: اسمها حسنة قيل: في قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ (١) قيل: هي المدينة، ومنها: اسمها دار السنة، ومنها: اسمها دار الهجرة، ومنها: اسمها دار الإيمان لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢)، قال ابن أبي خيثمة: الإيمان من أسمائها، قال عبد العزيز بن محمد: وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسما، ومنها: تسميتها يثرب فهو اسمها في الجاهلية وسماها في الحديث به، فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل النهي، وقيل: لبيان الجواز وأن النهى للتنزيه لا للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمها الشرعي، فقال المدينة يثرب هكذا هو مذكور فأما تسميتها بذلك ففي معجم البكري سميت بيثرب بن وائل من بني آدم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها، وعن أبي عبيدة: يثرب اسم أرض ومدينة الرسول في ناحية منها، وقال الماوردي في يثرب وجهان، أحدهما: المدينة حكاه ابن عباس، والثاني: ان المدينة في ناحية من يثرب قاله أبو عبيدة، وفي الكشاف: يثرب اسم للمدينة وقيل أرض وقعت المدينة في ناحية منها، وكذا قال ابن عطية وسميت في القرآن بذلك حكاية عن قول من

стр. 3930

قالها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وقد جاء النهي عن تسميتها بذلك لأنه مأخوذ من الثرب وهو الفساد أو من التثريب وهو التوبيخ والملامة وكان رسول الله ﷺ يكره الاسم الخبيث، وروي الإمام أحمد في مسنده وأبو يعلى برجال ثقات من حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله تعالى هي طيبة وهي طابة" (١) قال ابن بطال (٢): وروي عنه ﷺ أنه قال "من قال يثرب فكفارته أن يقول المدينة عشر مرات" (٣) يريد بذلك التوكيد أن يقال لها المدينة، ورينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة" (٤) أ. هـ، هكذا ذكر هذه الأسماء للمدينة الزركشي (٥) وغيره. تنبيه: حكى ابن الحاج في المدخل (٦) عن النووي أنه كان يكره أن يلقب بمحي الدين كراهة شديدة، قال: وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه أنه

стр. 3931

قال: إني لا أجعل أحدا في حل ممن يسميني بمحيى الدين، قال: وقد رأيت في بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح يقول: إذا حكي شيئا عن النووي قال: يحيى النووي فسألته عن ذلك فقال: إنما نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته أ. هـ. خاتمة: هل المدينة يمانية أو شامية؟ قال الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه: مدينة النبي ﷺ ليست يمانية ولا شامية بل هي حجازية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء أ. هـ، وما حكاه من الاتفاق على أنها ليست يمانية عجيب فقد نص الشافعي على أنها يمانية، وحكاه البيهقي في المعرفة في الكلام على الآذان للصبح قبل الفجر ولفظه: قال الشافعي: ومكة والمدينة يمانيان، وفي مسند الشافعي عن الحسن بن القاسم الأزرق قال: وقف رسول الله ﷺ على ثنية تبوك فقال: ما ها هنا شام وأشار بيده إلى الشام ومن ها هنا يمن وأشار بيده إلى جهة المدينة، قال ابن الأثير (١) في شرحه: الغرض من هذا الحديث بيان حد الشام واليمن وقد جعل المدينة من اليمن ثم قال في جهة الشام ما ها هنا ومن جهة اليمن من ها هنا وبينهما فرق وذلك ان قوله من ها هنا يفيد أن ابتداء اليمن من هذه البقعة وقوله: ما ها هنا، إشارة إلى أن هذه البقعة من الشام وإن لم يتعرض إلى أنها ابتداء الشام أو لا، انتهى كلام ابن الأثير، قاله الزركشي (٢).

стр. 3932

انتهى الجزء الثاني من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب. قاله مؤلفه عفا الله عنه انتهى. ووجدت على أول ورقة من هذا الجزء المنتسخ منه بخط مؤلفه تسمية المؤلف نفسه بما نصه: تأليف كاتبه حسن بن علي الفيومي، سامحه الله انتهى، نفعنا الله به وبتآليفه بجاه النبي ﷺ (١) وغفر لنا وله ولسائر المسلمين. * * *

стр. 3933

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين (١) كتاب الجهاد الجهاد: محاربة الكفار وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، يقال: جهد الرجل في الشيء أي جد فيه وبالغ وجاهد في الحرب مجاهدة وجهادا (٢) [عن] أنس بن مالك أن النبي ﷺ [قال:] "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم [وألسنتكم] " رواه أبو داود وفي لفظ [وأيديكم] ورواه أحمد والدارمي والنسائي، فيه وجوب الجهاد للأمر به، واختلف في ذلك فقيل: هو فرض [على الأعيان]، وقيل: كان على الأعيان في أول الإسلام ثم صار على الكفاية فإن [دهمهم] العدو أو كان [قريبا منهم] تعين [الدفع على] حرهم وعبدهم [وقيل كان فرض عين] في زمنه ﵇، وقال [الماوردى] (٣): كان فرض عين على المهاجرين وكفاية على غيرهم [وقال السهيلي: كان فرض عين] على الأنصار دون غيرهم (٤)، وقالت جماعة: هو سنة، وقيل: بالتخيير [وقوله] "جاهدوا المشركين" عام ولكنه [مخصوص بما] سوى الرهبان والنساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن

стр. 3934

قاتلوا قتلوا عند جماهير العلماء وأما الشيوخ [من الكفار] فإن كان فيهم أهل رأي قتلوا وإلا [ففيهم] والرهبان خلاف، وقال [مالك] أبو حنيفة: لا يقتلون والأصح [فى مذهب] الشافعي: قتلهم (١). واعلم [أن الجهاد شرع] لإعلاء كلمة الإسلام [فيقاتلوا حتى يجيبوا على الاسلام] أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن كانوا أهل كتاب [لأن اسم المشرك] يطلق على أهل الكتاب [وغيرهم وكان تخصيصهم معلوما عند الصحابة واختلفوا في قدر الجزية فقال الشافعي أقلها دينار على الغني ودينار على الفقير أيضا في كل سنة وأكثرها ما يقع به التراضي وقال مالك هي أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة وقال أبو حنيقة رضي الله تعالى عنه وغيره من الكوفيين وأحمد رضي الله تعالى عنه على الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط أربعة وعشرون والفقير اثنا عشر (٢)]. واعلم أن الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع، وجاء الجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه، أحدها: القتال لقوله تعالى في سورة النساء ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ

стр. 3935

أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ (١)، الثاني: الجهاد [بالقول] لقوله تعالى في سورة التوبة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية، ونظيرها في التحريم والفرقان ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (٣)، الثالث: العمل لقوله في الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٤) وفي العنكبوت ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٦). قوله: ﴿فِينَا﴾ أي في مرضاتنا وهذه الآية نزلت قبل الجهاد العرفي وهو جهاد [وإنما هو جهاد عام] في دين الله وطلب مرضاته بذلك، قال الحسن: الآية في العبادة، قال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون، وقال ﵇: "من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم" رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه، وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين والقمع للظالمين وعظمه الأمر [بالمعروف] والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفس في طاعة الله [وهو] الجهاد الأكبر (٧) أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 3936

الترغيب في الرباط في سبيل الله ١٨٩٦ - عَن سهل بن سعد ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (١). الغدوة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب. والروحة بِفَتْح الرَّاء الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء. قوله: عن سهل بن سعد الساعدي ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" سبيل الله عام يقع على كل عمل خالص لله تعالى سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع الطاعات وإذا أطلق السبيل فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه كذا في التحفة (٢). وقال في الديباجة: السبيل ها هنا يحتمل ان يكون طرق الجنة ومسالكها ويحتمل أن يكون سبيل الأعمال المؤدية إلى الجنة، وقال ابن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال فيزداد بها العالم فهما في الدين (٣)، انتهى.
следующие страницы →