← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 3932–3971 · переход к 3937.

стр. 3932

انتهى الجزء الثاني من فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب. قاله مؤلفه عفا الله عنه انتهى. ووجدت على أول ورقة من هذا الجزء المنتسخ منه بخط مؤلفه تسمية المؤلف نفسه بما نصه: تأليف كاتبه حسن بن علي الفيومي، سامحه الله انتهى، نفعنا الله به وبتآليفه بجاه النبي ﷺ (١) وغفر لنا وله ولسائر المسلمين. * * *

стр. 3933

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين (١) كتاب الجهاد الجهاد: محاربة الكفار وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، يقال: جهد الرجل في الشيء أي جد فيه وبالغ وجاهد في الحرب مجاهدة وجهادا (٢) [عن] أنس بن مالك أن النبي ﷺ [قال:] "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم [وألسنتكم] " رواه أبو داود وفي لفظ [وأيديكم] ورواه أحمد والدارمي والنسائي، فيه وجوب الجهاد للأمر به، واختلف في ذلك فقيل: هو فرض [على الأعيان]، وقيل: كان على الأعيان في أول الإسلام ثم صار على الكفاية فإن [دهمهم] العدو أو كان [قريبا منهم] تعين [الدفع على] حرهم وعبدهم [وقيل كان فرض عين] في زمنه ﵇، وقال [الماوردى] (٣): كان فرض عين على المهاجرين وكفاية على غيرهم [وقال السهيلي: كان فرض عين] على الأنصار دون غيرهم (٤)، وقالت جماعة: هو سنة، وقيل: بالتخيير [وقوله] "جاهدوا المشركين" عام ولكنه [مخصوص بما] سوى الرهبان والنساء والصبيان إذا لم يقاتلوا فإن

стр. 3934

قاتلوا قتلوا عند جماهير العلماء وأما الشيوخ [من الكفار] فإن كان فيهم أهل رأي قتلوا وإلا [ففيهم] والرهبان خلاف، وقال [مالك] أبو حنيفة: لا يقتلون والأصح [فى مذهب] الشافعي: قتلهم (١). واعلم [أن الجهاد شرع] لإعلاء كلمة الإسلام [فيقاتلوا حتى يجيبوا على الاسلام] أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن كانوا أهل كتاب [لأن اسم المشرك] يطلق على أهل الكتاب [وغيرهم وكان تخصيصهم معلوما عند الصحابة واختلفوا في قدر الجزية فقال الشافعي أقلها دينار على الغني ودينار على الفقير أيضا في كل سنة وأكثرها ما يقع به التراضي وقال مالك هي أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الفضة وقال أبو حنيقة رضي الله تعالى عنه وغيره من الكوفيين وأحمد رضي الله تعالى عنه على الغني ثمانية وأربعون درهما والمتوسط أربعة وعشرون والفقير اثنا عشر (٢)]. واعلم أن الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع، وجاء الجهاد في القرآن على ثلاثة أوجه، أحدها: القتال لقوله تعالى في سورة النساء ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ

стр. 3935

أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ (١)، الثاني: الجهاد [بالقول] لقوله تعالى في سورة التوبة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية، ونظيرها في التحريم والفرقان ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (٣)، الثالث: العمل لقوله في الحج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (٤) وفي العنكبوت ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٦). قوله: ﴿فِينَا﴾ أي في مرضاتنا وهذه الآية نزلت قبل الجهاد العرفي وهو جهاد [وإنما هو جهاد عام] في دين الله وطلب مرضاته بذلك، قال الحسن: الآية في العبادة، قال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون، وقال ﵇: "من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم" رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه، وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين والرد على المبطلين والقمع للظالمين وعظمه الأمر [بالمعروف] والنهي عن المنكر ومنه مجاهدة النفس في طاعة الله [وهو] الجهاد الأكبر (٧) أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 3936

الترغيب في الرباط في سبيل الله ١٨٩٦ - عَن سهل بن سعد ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (١). الغدوة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب. والروحة بِفَتْح الرَّاء الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء. قوله: عن سهل بن سعد الساعدي ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" سبيل الله عام يقع على كل عمل خالص لله تعالى سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع الطاعات وإذا أطلق السبيل فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه كذا في التحفة (٢). وقال في الديباجة: السبيل ها هنا يحتمل ان يكون طرق الجنة ومسالكها ويحتمل أن يكون سبيل الأعمال المؤدية إلى الجنة، وقال ابن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال فيزداد بها العالم فهما في الدين (٣)، انتهى.

стр. 3937

قوله ﷺ : "خير من الدنيا وما عليها" اختلف العلماء في هذا الحديث وفي أمثاله فقيل إنه على ظاهره، وقيل: معناه أن هذه الطاعة خير من الدنيا وما عليها لو قدر أن يملكها إنسان وينفقها في طاعة الله تعالى، قاله القاضي عياض (١) والشيخ محب الدين الطبري في فضائل العشرة وغيرهما ورجحه جماعة لأن الدنيا وما عليها لا تزن عند الله جناح بعوضة فكيف تقاس بشيء من الأجر الموجب للجنة التي لا قيمة لأقل جزء منها ولو قدر استواؤهما في القيامة وهو محال لكان العقل بالضرورة يقطع أن ذرة مما يبقى أبدا خير من ملئ الأرض مما يفني، فالتفاضل بينهما إذًا عارٍ عن الفائدة إلا أن يراد مقابلة الأجر الباقي بالأجر الفانى [وهو ما قاله القاضي عياض (٢) ومحب الدين الطبري وما ذكره كان ترجيح له وإيضاح]، وقال بعضهم هو من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس المحقق تحقيقا له وتثبيتا في النفوس فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس محقق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط وهو من المغيبات خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا (٣)، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (٤): وهذا

стр. 3938

عندي أوجه وأظهر يعني مما ذكره القاضي عياض (١) والله أعلم. فإن قيل: لا خصوصية للجهاد بذلك لأن أدنى عمل من عمل البر يكون ثوابه خيرا من الدنيا وما فيها لأن الدنيا تفنى والعمل يبقى وقد ورد مثل ذلك في قوله ﷺ : "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". قوله ﷺ : "وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها" ومعنى الحديث: ولقدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها (٢)، وقد رواه البزار مختصرا "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (٣) ويحتمل أن يكون المراد ثواب موضع السوط خير من الدنيا وما عليها موضع السوط هو الموضع الذي يعلق فيه على الدابة وإذا كان هذا ثواب موضع السوط الذي هو أدنى أمتعة المجاهد فغيره أولى، أ. هـ. قوله ﷺ : "والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" قال الحافظ المنذري: الروحة المرة الواحدة من المجيء، والغدوة المرة الواحدة من الذهاب، انتهى. وقال ابن النحاس (٤): الروحة

стр. 3939

السير من الزوال إلى آخر النهار والغدوة السير من أول النهار إلى وقت الزوال وهو وقت الغداء، ولو حلف إنسان لا يتغدي حنث بالأكل قبل الزوال، وأو هنا للتقسيم لا للشك، ومعناه: أن الروحة يحصل بها هذا الثواب وكذا الغدوة والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو أو الرواح من بلدته بل يحصل هذا الثواب بل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان وتصور تنعمه بها كلها لأنه زائل ونعيم الآخرة باق، قال القاضي عياض (١) رحمه الله تعالى: وقيل في معناه ومعنى نظائره من تمثيل أمور الآخرة وثوابها بأمور الدنيا أنها خير من الدنيا وما فيها لو ملكها إنسان وملك جميع ما فيها وأنفقه في أمور الآخرة. ١٨٩٧ - وَعَن سلمَان ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة خير من صِيَام شهر وقيامه وَإِن مَاتَ فِيهِ جرى عَلَيْهِ عمله الَّذِي كَانَ يعْمل وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه وَأمن من الفتان رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَزَاد وَبعث يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدا (٢). قوله: وعن سلمان ﵁، هو الفارسي تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه" الحديث، وهذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وقد تقدم الكلام على الرباط ومعناه.

стр. 3940

وقوله: "وإن مات فيه" أي في الرباط "جرى عليه عمله الذي كان يعمل" وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة" أي يزاد ويرفع ولا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه بل هي فضل دائم من الله تعالى وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من مات مرابطا أجري عليه أجر عمله الصالح" (١) قاله القرطبي (٢). قوله: "وأجري عليه رزقه" موافق لقوله تعالى في الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣) وفي الصحيح ان أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة (٤). قوله ﷺ : "وأمن من الفتان" قال النووي (٥): ضبطوا "أمن" بوجهين أحدهما: أمن بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو، والثاني: أومن بضم الهمزة وبواو، وأما الفتان: فقال القاضي عياض (٦) رواية الأكثرين بضم الفاء

стр. 3941

جمع فاتن قال: ورواية الطبري (١) بالفتح، وفي رواية أبي داود في سننه (٢) "وأومن من فتاني القبر" الحديث، ويريد مسائلة منكر ونكير ﵉ (٣) وهو من الفتنة التي هي الاختبار والامتحان (٤) ذكره المنذري في حواشي مختصر أبي داود، وهذا الحديث هو أحد الأحاديث الخمس التي تنجي من أهوال القبر وفتنته وعذابه وهي: رباط، قتل، قول، بطن، زمان. فأولها الرباط وذكر هذا الحديث وسيأتي الكلام على البواقي ذكر ذلك القرطبي (٥). فائدة: إنما سميا فتاني القبر منكر ونكير لأن في سؤالهما انتهارا وفي خلقهما صعوبة لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق الطير ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام بل هما خلق بديع وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما بل جعلهما الله تعالى مكرمة للمؤمن لتثبته وتبصره وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل ان يبعث حتى يحل عليه العذاب قاله أبو عبد الله الترمذي (٦).

стр. 3942

١٨٩٨ - وَعَن فضَالة بن عبيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كل ميت يخْتم على عمله إِلَّا المرابط فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ويؤمن من فتْنَة الْقَبْر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم. وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَزَاد فِي آخِره قَالَ وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْمُجَاهِد من جَاهد نَفسه لله (١)، وَهَذِه الزِّيَادَة فِي بعض نسخ التِّرْمِذِيّ. قوله: وعن فضالة بن عبيد (٢) ﵁، بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها ياء مثناة تحت بن ناقد بن قيس كنيته أبو محمد الأنصاري من الطبقة الثانية من الأنصار من الأوس وأمه عفرة بنت محمد بن عقبة، وقال ابن سعد (٣) عن الواقدي، وفضالة هو الذي بشر الأنصار بقدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة وكان ابن ست سنين وكان فضالة شاعرًا

стр. 3943

فاضلًا وهو أحد الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وشهد مع رسول الله ﷺ أحدا والخندق والمشاهد كلها ثم نزل الشام وكان له شرف وولاه عمر بن الخطاب وولاه معاوية قضاء دمشق، قال ابن سعد عن الواقدي: كان فضالة قاضيا بالشام ونزل دمشق وبنى بها دارا. ذكر وفاته: حكى ابن عساكر عن ابن معين قال: مات فضالة في دمشق سنة ثلاث وخمسين، وقال ابن يونس: فتح مصر وولي البحر بها، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١). قوله ﷺ : "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة" وتقدم أن النماء الزيادة، ومعناه يزاد ويرفع. قوله: "ويؤمن من فتنة القبر" أي من مسائلة منكر ونكير، وفي الحديث، وأمن من الفتان جمع فاتن وهو الذي يضل الناس عن الحق، وروي بفتح الفاء وهو الشيطان يفتن الناس بخدعه وغروره وتزيينه للمعاصي (٢) والله أعلم. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في حديث فضالة هذا دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم

стр. 3944

ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له" رواه مسلم (١) من طرق عدة فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والوالد الصالح الذي يدعو لأبويه قد ينقطع ذلك بنفاد الصدقة وذهاب العلم وموت الولد والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منهم بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام (٢)، أ. هـ، كلامه وهو مليح جدا فتأمله (٣) والله أعلم. تنبيه: قال ابن النحاس عفا الله عنه: جرت السنة في معاملة الله عبيده بفضله وكرمه أن من توجه بصدق إلى شئ من القربات فمنعه منه القدر الإلهى مع شدة حرصه عليه وتصميم قصده في طلبه إن الله يعطيه يوم القيامة أجر تلك القربة تفضلا منه وإحسانا لحسن قصده وإخلاص نيته وصدق طويته، والدليل على ذلك أن من خرج مجاهدا فمات كان شهيدا وكذلك من حج فمات كتب حاجا وقد قال النبي ﷺ في المحرم الذي سقط عن بعيره فمات "إنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (٤)، وكذلك قوله ﷺ : "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه

стр. 3945

صدقة عليه من ربه" (١) وكذلك قال النبي ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطا له الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" (٢) وأشباه هذا الحديث كثيرة والمرابط إنما يرابط توقعا للشهادة وتعرضا من بذل نفسه في نيلها فلا [جرم] أنه إذا مات يبعث شهيدا، ويؤيد هذا ما وهبه الله من خصائص الشهداء وهو إجراء الرزق عليه والأمان من فتنة القبر ومن الفزع الأكبر ونحو ذلك فلو لم يرد حديث مصرح بأنه يبعث شهيدا لكان مما يستنبط من هذه القاعدة فكيف وقد روي في ذلك عدة أحاديث وإن كانت. لا تسلم من مقال فهي تتعاضد وتقوي بكثرة الطرق ويؤيدها القاعدة المذكورة (٣) والله أعلم، أ. هـ. ١٨٩٩ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رِبَاط شهر خير من صِيَام دهر وَمن مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله أَمن من الْفَزع الْأَكْبَر وغدي عَلَيْهِ برزقه وريح من الْجنَّة وَيجْرِي عَلَيْهِ أجر المرابط حَتَّى يَبْعَثهُ الله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (٤).

стр. 3946

قوله: وعن أبي الدرداء ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر" الحديث، وقال في الديباجة: والفزع: الذعر وشدة الخوف وهو في الأصل مصدر وربما جمع على أفزاع (١)، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) روى أبو هريرة: "إن الملك له في الصور ثلاث نفخات نفخة النزع من حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من القبور" (٣) وهي المعبر عنها بقوله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (٤) وهو كل هول يكون يوم القيامة فكأن يوم القيامة بجملته هو الفزع الأكبر (٥)، والفزع أيضا الإغاثة والنصر ومنه قوله ﷺ للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع" (٦) أ. هـ. الفزع الأكبر: قال الواحدي (٧) في وسيطه قال أكثرهم هو إطباق جهنم على أهلها، وقال الحسن: هو أن يؤمر بالعبد إلى النار، وقال ابن جرير هو

стр. 3947

ذبح الموت بين الفريقين. قوله ﷺ : "وغدي عليه برزقه وريح من الجنة ويجري عليه إجراء المرابط حتى يبعثه الله " تقدم الكلام على ذلك. تنبيه: قال ابن النحاس في كتاب الجهاد: واعلم أن الرباط أحد شعب الإيمان وموجبات الغفران وقد ورد في فضله أشياء عظيمة لم ترد في غيره من القربات فمن فضائله ان رباط يوم خير من الدنيا وما عليها (١). ومنها: أن رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ورباط شهر خير من صيام دهر (٢). ومنها: أن كل ميت إذا مات ينقطع عمله إلا المرابط إذا مات في رباطه فإنه يجري عليه أجر عمله الصالح من الرباط وغيره إلى يوم القيامة (٣). ومنها: أن المرابط إذا مات في رباطه أمنه الله تعالى من فتاني القبر وهما منكر ونكير ﵉ (٤). ومنها: أن المرابط إذا مات في رباطه بعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر (٥).

стр. 3948

ومنها: ما روي أن المرابط إذا مات بعثه الله يوم القيامة شهيدا (١). ومنها: ما روي أن المرابط إذا مات في رباطه يمر على الصراط كهيئة الريح بغير حساب ولا عذاب (٢). ومنها: أن الرباط في سبيل الله أفضل من موافقة ليلة القدر (٣). ومنها: ما روي ان من رابط يوما جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق (٤). ومنها: أن المرابط في سبيل الله أجر من خلفه (٥). ومنها: أن رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل (٦). ومنها: أن صلاة المرابط بأرض الرباط مضاعفة وكذلك صومه وذكره وقراءته ونفقته (٧)، والله أعلم. أ. هـ. ١٩٠٠ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل عمل يَنْقَطِع عَن صَاحبه إِذا مَاتَ إِلَّا المرابط فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ ينمى لَهُ عمله ويجرى عَلَيْهِ رزقه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة

стр. 3949

أَحدهمَا ثِقَات (١). قوله: وعن العرباض بن سارية ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله" الحديث، أي يزاد ويصل إليه كل لحظة أجر جديد لأنه فدى نفسه في شيء يعود نفعه إلى المسلمين فيكون داخلا في قوله ﵇: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث، وتقدم الكلام عليه في الأحاديث قبله. ١٩٠١ - وَعَن أم الدَّرْدَاء ﵂ ترفع الحَدِيث قَالَ من رابط فِي شَيْء من سواحل الْمُسلمين ثَلَاثَة أَيَّام أَجْزَأت عَنهُ رِبَاط سنة رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْمَدَنِيين وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (٢). قوله: وعن أم الدرداء، اسمها ﵂[وهى بالمد، وهى زوجة أبى الدرداء، وهى صحابية، واعلم أن لأبى الدرداء زوجتين كل واحدة منهما كنيتها أم الدرداء، وهما كبرى وصغرى، فالكبرى صحابية، والصغرى تابعية، واسم الكبرى خيرة،

стр. 3950

بفتح الخاء المعجمة، واسم الصغرى هجيمة، بضم الهاء، وفتح الجيم، وبعدها ياء مثناة تحت ساكنة، ثم ميم، ويقال: جهيمة بنت حيى، وقيل: حيى الأصابية، ويقال: الوصابية، والوصاب بطن من حمير، قال البخارى فى صحيحه فى أبواب صفة الصلاة: وكانت أم الدرداء، يعنى هذه، فقيهة. واتفقوا على وصفها بالفقه، والعقل، والفهم، والجلالة. توفى عنها أبو الدرداء بدمشق، فخطبها معاوية فلم تفعل، وهى أم بلال بن أبى الدرداء، وسمعت أبا الدرداء، وأبا هريرة، وعائشة، روى عنها خلائق من كبار التابعين. روى لها مسلم فى صحيحه، قال الحميدى فى آخر الجمع بين الصحيحين: قال أبو بكر البرقانى: أم الدرداء الصغرى هى التى روت فى الصحيح، وأما أم الدرداء الكبرى الصحابية فليس لها فى الصحيحين حديث، وفى تاريخ دمشق فى ترجمة أم الدرداء الكبرى الصحابية، قال: اسمها خيرة بنت أبى حدرد، واسم أبى حدرد سلامة بن عمير، وهى أخت عبد الله بن أبى حدرد، وهى أسلمية، ويقال: كنيتها أم محمد، توفيت أم الدرداء فى حياة أبى الدرداء، وفى التاريخ فى ترجمة أم الدرداء الصغرى هجيمة أنها روت عن أبى الدرداء، وأبى هريرة، وعائشة، وكانت زاهدة فقيهة، وفى تاريخ دمشق أن أم الدرداء الصغرى، قالت لأبى الدرداء عند الموت: إنك خطبتنى إلى أبوى فى الدنيا فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك فى الآخرة. قال: فلا تنكحى بعدى، فخطبها معاوية بن أبى سفيان، فأخبرته بالذى كان، فقال: عليك بالصوم، وفى رواية: أن معاوية خطبها بعد وفاة أبى الدرداء، فقالت: قال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ : "المرأة لزوجها الأخير"، فلست بمتزوجة بعد أبى الدرداء زوجا حتى

стр. 3951

أتزوجه فى الجنة. وفى رواية: خطبها معاوية، فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا فى الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله تعالى فى الجنة. وفى رواية: لست أريد بأبى الدرداء بدلا، وروينا فى المستصفى عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كانت أم الدرداء هجيمة تقيم ببيت المقدس وبدمشق ستة أشهر (١)]. قوله ﷺ : "من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة" الحديث، وتقدم معنى الرباط، والسواحل جمع ساحل، والظاهر من كلام الإمام مالك أن السواحل سواحل البحر وأن الثغور هي المعدة لإقامة المرابطين القاطنين بها بأهاليهم وأولادهم وغير ذلك كالاسكندرية ودمياط وعسقلان وصيدا وبيروت وأذنة وطرابلس وأنطاكية وطرسوس وقزوين والأندلس وغير ذلك من الثغور. ١٩٠٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله أجري عَلَيْهِ أجر عمله الصَّالح الَّذِي كانَ يعْمل وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه وَأمن من الفتان وَبَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة آمنا من الْفَزع الْأَكْبَر رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (٢).

стр. 3952

وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط أطول مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ والمرابط إِذا مَاتَ فِي رباطه كتب لَهُ أجر عمله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وغدي عَلَيْهِ وريح برزقه ويزوج سبعين حوراء وَقيل لَهُ قف اشفع إِلَى أَن يفرغ من الْحساب وَإِسْنَاده مقارب (١). ١٩٠٣ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا مَا عمل بهَا فِي حَيَاته وَبعد مماته حَتَّى تتْرك وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ إثمها حَتَّى تتْرك وَمن مَاتَ مرابطا فِي سَبِيل الله جرى عَلَيْهِ عمل المرابط فِي سَبِيل الله حَتَّى يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (٢). ١٩٠٤ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أجر الرِّبَاط فَقَالَ من رابط لَيْلَة حارسا من وَرَاء الْمُسلمين كَانَ لَهُ أجر من خَلفه مِمَّن صَامَ وَصلى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد (٣). ١٩٠٥ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من رابط يَوْمًا فِي سَبِيل الله جعل الله بَينه وَبَين النَّار سبع خنادق كل خَنْدَق كسبع سموات وَسبع أَرضين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ إِن شَاءَ الله وَمَتنه غَرِيب (٤).

стр. 3953

قوله: وعن أبي هريرة ﵁. قوله: "من مات مرابطا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان" الحديث، الفتان بفتح الفاء على لفظ الواحد هو الذي يفتن المقبور بالسؤال ويعذبه، وقيل: أريد به الشيطان الذي يفتن الناس أي يخدعهم بتزيينه لهم المعاصي، ويروي بضم الفاء على أنه جمع فاتن وهم الذين يعاونون من يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم كذا في التحفة وتقدم الكلام على ألفاظ الحديث كلها. ١٩٠٦ - وعن أبيِّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لرباط يومٍ في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنةٍ صيامها وقيامها. قوله: وعن أبي بن كعب، هو: أبي بن كعب بن قيس بن عمرو بن مالك بن النجار (١)، واسم النجار تيم الله، وقيل: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأصناري الخزرجي النجاري بالنون المدني، وقيل: أبي بن كعب بن المنذر بن قيس، وله كنيتان إحداهما: أبو المنذر كناه بها رسول الله ﷺ ، والثانية: أبو الطفيل كناه بها عمر بن الخطاب كني بابنه الطفيل، وأمه: صهيلة بضم الصاد المهملة بنت السود بن حرام بالراء بن عمرو بن زيد مناة بن

стр. 3954

عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام والأوس والخزرج هما جماع الأنصار وهما ابنا حارثة بالحاء والمثلثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس، وأما النجار: فقيل سمي بذلك لأنه اختتن بالقدوم، وقيل: ضرب وجهه رجل بالقدوم فنجره أي نحته، شهد أبي العقبة الثانية في السبعين من الأنصار وشهد بدرا وغيرها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثا (١) وتقدم الكلام عليه مبسوطا. ١٩٠٧ - وَعَن مُجَاهِد وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه كَانَ فِي الرِّبَاط ففزعوا إِلَى السَّاحِل ثمَّ قيل لَا بَأْس فَانْصَرف النَّاس ووقف أَبُو هُرَيْرَة فَمر بِهِ إِنْسَان فَقَالَ مَا يوقفك يَا أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول موقف سَاعَة فِي سَبِيل الله خير من قيام لَيْلَة الْقدر عِنْد الْحجر الْأسود رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا (٢). ١٩٠٨ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من ألف يَوْم فِيمَا سواهُ من الْمنَازل رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٣).

стр. 3955

١٩٠٩ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَزَاد فَلْينْظر كل امرئ لنَفسِهِ وَهَذِه الزِّيَادَة مدرجة من كَلَام عُثْمَان غير مَرْفُوعَة كَذَا جَاءَت مبينَة فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (١). ١٩١٠ - وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من رابط لَيْلَة فِي سَبِيل الله كَانَت كألف لَيْلَة صيامها وقيامها (٢). قوله: وعن مجاهد وأبي هريرة، هو: مجاهد بن [جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مو لاهم مولى عبد الله بن أبى السائب، ويقال: مولى السائب ابن أبى السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبى ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبى سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبى نجيح،

стр. 3956

وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام فى الفقه، والتفسير، والحديث قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة]. قوله: "أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل فقيل لا بأس فانصرف الناس وأبو هريرة واقف. ١٩١١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن صَلَاة المرابط تعدل خَمْسمِائَة صَلَاة وَنَفَقَة الدِّينَار وَالدِّرْهَم مِنْهُ أفضل من سَبْعمِائة دِينَار يُنْفِقهُ فِي غَيره رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١). ١٩١٢ - وروى أَبُو الشَّيْخ وَغَيره من حَدِيث أنس إِن الصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط بألفي ألف صَلَاة وَفِيه نَكَارَة. قوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه. وقوله ﷺ : "صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره" وروي أبو الشيخ وغيره من حديث أنس ان الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة.

стр. 3957

تنبيه: قال ابن النحاس في كتابه الذي ألفه في الجهاد: خرج أبو الشيخ بن حيان في كتاب الثواب بإسناد ضعيف عن أنس يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة والصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة" (١) قال ﵁: قد صح أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة كما رواه أصحاب السنن وقد صح مع هذا أن إقامة يوم بأرض الرباط أفضل من ألف يوم فيما سواه، وتقدم أنه يعم مكة وغيرها فمن المحتمل أن يقال إن كل عبادة تصدر من المرابط في ذلك اليوم حكمها حكم اليوم في التضعيف لأن كل يوم من أجزاء يوم الرباط أفضل من مثله من اليوم ليس فيه رباط فذلك الجزاء الذي أديت فيه الصلاة وما استعمل عليه من الطاعة أفضل من ألف جزء مثله بغيرها وإن اشتمل على مثل ما اشتمل عليه، فالتضعيف لازم لذلك فيكون صلاة المرابط على هذا بمائة ألف ألف صلاة، وإذا كان فضل الله وكرمه اقتضى أن المرابط إذا مات يجري عليه أجر عمله الصالح إلى يوم القيامة ويؤمن من فتنة القبر ويجري عليه رزقه كما في الأحاديث الصحيحة ولم يرد ذلك فيمن مات بمكة أو المدينة فلا يبعد أن يخص الله المرابط بزيادة تضعيف الصلاة أيضا على الصلاة بالمساجد الثلاثة والله يؤتي فضله

стр. 3958

من يشاء والله واسع عليهم (١)، أ. هـ. ١٩١٣ - وَعَن عتبَة بن الْمُنْذر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا انتاط غزوكم وَكَثُرت العزائم واستحلت الْغَنَائِم فَخير جهادكم الرِّبَاط رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن عتبة بن [الندر]﵁، بضم النون وفتح الدال المشددة السلمي له صحبة عداده في الشاميين يقال: إنه سكن دمشق، ذكره محمد بن سعد فيمن لم يحفظ، روى عن النبي ﷺ وروي عنه: علي بن رباح اللخمي المصري، وقال ابن عبد البر (٣): عتبة بن الندر وهو عتبة بن عبد السلمي، قال: وقد قيل: إن عتبة بن الندر غير عتبة بن عبد، وليس ذلك بشيء والصواب ما ذكرناه إن شاء الله تعالى (٤). قال الحافظ: كذا قال، ولَمْ نجد

стр. 3959

أحدًا تابعه عَلَى ما قال، والصواب مَا ذكره غَيْر واحد أنهما اثنان والله أعلم. وعلي بن رباح اللخمي أبو عبد الله ويقال أبو موسى المصري، والمشهور فيه علي بالضم، قال الدارقطني: كان يلقب بعلي وكان اسمه عليا وكان يحرج عليه من يسميه عليا بالتصغير روي عن سراقة بن مالك وعقبة بن عامر الجهني وعمرو بن العاصي وفضالة بن عبيد وعتبة بن الندر وغيرهم، ووفد على معاوية بن أبي سفيان وعلي عبد الملك بن مروان وكان تابعيا مصريا ثقة وكان في المكتب يوم قتل عثمان، قال الليث بن سعد: كان علي بن رباح يقول: لا أجعل في حل من سماني عليا فاسمي علي، قال أبو عبد الرحمن المقري: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه فبلغ ذلك رباحا فقال هو علي وكان يغضب منه وكان أعور وليس لعتبة بن الندر في الكتب الستة سوى هذا الحديث (١) والله أعلم. قوله ﷺ : "إذا انتاط غزوكم" انتاط معناه بعد، وفي حديث عمر: "إذا انتاطت المغازي" أي بعدت وهو من نياط المغازي وهو بعدها فكأنها نيطت بمفازة أخرى لا تكاد تنقطع، وانتاط فهو نيط إذا بعد وانتاطت الديار أي بعدت. وقوله ﷺ : "وكثرت العزائم" وفي حديث عمر "واشتدت العزائم" يريد

стр. 3960

عزمات الأمراء على الناس في الغزو إليى الأقطار البعيدة وأخذهم بها، ومنه حديث سعد "فلما أصابنا البلاء اعتزمنا لذلك" احتملناه وصبرنا عليه وهو افتعلناه من العزم قاله صاحب النهاية (١)، وقال ابن النحاس رحمه الله تعالى: كثرت العزائم يعني حمل السلطان عليهم شدة الأمر والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى وقلة عونهم عليهم وغير ذلك، قال أبو الوليد بن رشد في المقدمات (٢) بعد ذكر هذا الحديث دل ذلك من قوله على أن الجهاد على السنة أفضل من الرباط وكذلك روى ابن القاسم عن مالك والأظهر في تأويل ذلك عندي أن معناه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر وتوقع هجوم العدو عليهم وغلبته إياهم على أنفسهم ونسائهم وذراريهم إذ لا يشك أن إعانتهم في ذلك الوقت وحراستهم فيما يتوقع عليهم أفضل من الجهاد إلى أرض العدو فلا يصح أن يقال أن أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل (٣)، أ. هـ. روى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب فذكر الحديث إلى أن قال "فإذا انتاطت المغازي وأكلت الغنائم واستحلت الحرم فعليكم بالرباط" (٤) فإنه

стр. 3961

أفضل غزوكم" وروي ابن أبي شيبة (١) عن أبي أسامة عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر: حدثنا خالد بن معدان قال: سمعت أبا أمامة وجبير بن نفير يقولان: يأتي على الناس زمان أفضل الجهاد الرباط فقلت وما ذاك؟ قال: "إذا انتاط الغزو وكثرت العزائم واستحلت الغنائم فأفضل الجهاد يومئذ الرباط" ذكره في مختصر الجهاد. ١٩١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ تعس عبد الدِّينَار وَعبد الدِّرْهَم وَعبد الخميصة زَاد فِي رِوَايَة وَعبد القطيفة إِن أعطي رَضِي وَإِن لم يُعْط سخط تعس وانتكس وَإِذا شيك فَلَا انتقش طُوبَى لعبد آخذ بعنان فرسه فِي سَبِيل الله أَشْعَث رَأسه مغبرة قدماه إِن كَانَ فِي الحراسة كَانَ فِي الحراسة وَإِن كَانَ فِي السَّاقَة كَانَ فِي السَّاقَة إِن اسْتَأْذن لم يُؤذن لَهُ وَإِن شفع لم يشفع رَوَاهُ البُخَارِيّ (٢). القطيفة كسَاء لَهُ خمل يَجْعَل دثارا. والخميصة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة ثوب معلم من خَز أَو صوف. وانتكس أَي انْقَلب على رَأسه خيبة وخسارا. وشيك بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت أَي دخلت فِي جِسْمه شَوْكَة وَهِي وَاحِدَة الشوك وَقيل الشَّوْكَة هُنَا السِّلَاح وَقيل النكاية فِي الْعَدو. والانتقاش بِالْقَافِ والشين الْمُعْجَمَة نَزعهَا بالمنقاش. وَهَذَا مثل مَعْنَاهُ إِذا أُصِيب فَلَا انجبر. وطوبى اسْم الْجنَّة وَقيل اسْم شَجَرَة فِيهَا وَقيل فعلى من

стр. 3962

الطّيب وَهُوَ الْأَظْهر. قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة" وفي رواية "وعبد القطيفة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط" الحديث، الخميصة: ثوب معلم من خز أو صوف، والقطيفة: كساء له خمل يجعل دثارا هكذا فسرها المنذري، فسمي هؤلاء الذين أن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدا لهذه الأشياء لأنها محنتهم ورضاهم ورغبتهم إليها فإذا أشغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره بها ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك، أ. هـ. قوله: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم" قال النووي (١): تعس بفتح العين وكسرها لغتان واقتصر الجوهري (٢) على الفتح والقاضي على الكسر ومعناه عثر، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشر، وقيل: سقط وجهه، وقيل: تعس أي انكب إلى آخره والمراد بعبد الدينار وعبد الدرهم من يحرص على تحصيل أنواع الأموال ولا يتفكر في أنه يحصله من الحلال أو من الحرام وإذا حصلها بخل بانفاقها وبأداء حقوق الله تعالى الواجب فيها، وهذه الكلمات دعاء من النبي ﷺ على من ترك عمل الآخرة واشتغل بجمع أموال الدنيا يعني من كان هذا صفته صار ذليلا وإن أصابه غم وجراحة ما أزال الله عنه ذلك الغم ففيه ذم فتنة متاع الدنيا الفاني، ومعنى قوله "إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط"

стр. 3963

أي: سخط ما قدره له خالقه ويسره له من رزقه فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين فوجب الدعاء عليه بالتعس لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك العمل لنعيم الآخرة الباقي قاله في الديباجة، فمعنى "تَعِسَ" أَيِ: انْكَبَّ وَعَثَرَ، وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ، أَيْ: أَتْعَسَهُ اللهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ (١) أَيْ: عِثَارًا وَسُقُوطًا، قال الجوهري في صحاحه (٢): التعس: الهلاك، وأصله الكب وهو ضد الانتعاش، وقال في النهاية (٢): تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه، وقد تفتح العين وهو دعاء بالهلاك. قوله ﷺ : "تعس وانتكس" أي انقلب على رأسه خيبة وخسارا قاله المنذري وهو دعاء عليه بالخيبة والخسران لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر [والانتقاش بالقاف والشين نزعها بالنقاش وهذا مثل معناه] الدعاء عليه (٣). قوله ﷺ : "وإذا شيك" أي: دخلت في جسمه شوكة، وهي واحدة الشوك فلا قدر على انتقاشها وهو إخراجها بالمنقاش قاله ابن الأثير والانتقاش نزعها من الرجل وقيل الشوكة هنا السلاح، وقل: النكاية في العدو أ. هـ ذكره المنذري وهذا مثل الدعاء عليه إذا اصيب فلا انجبر أي فلا قدر على انتقاشها فيمتنع عليها السعي للدينار والدرهم (٤) والله أعلم.

стр. 3964

قوله ﷺ : "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه" قال الحافظ (١): طوبى اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة فيها، وقيل: فعلى من الطيب وهو الأظهر (٢)، أ. هـ. وقوله ﷺ : "آخذ بعنان فرسه في سبيل الله" الْعَنَان: بِكَسْر الْعين، وهو ما تقاد به الدابة، كاللجام ونحوه، والعنان بفتح العين السحاب. قوله: أشعث رأسه مغبرة قدماه، شعث الرأس هو قلة تعاهدها بالدهن ونحوه وإغبار القذم معروف. قوله: "إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة". هذا بيان لحال هذا العبد وانه ممتثل مطيع لأمر الإمام المطاع، وأراد بالحراسة حراسة العدو وهي تكون في مقدمة الجيش والمراد بالساقة ساقة الجيش أي مؤخره وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة من غيرهما، الأول: عند دخولهم في دار الحرب والآخر عند خروجهم منها (٣) والله اعلم. ١٩١٥ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من خير معاش النَّاس لَهُم رجل يمسك بعنان فرسه فِي سَبِيل الله يطير على مَتنه كلما سمع هيعة أَو فزعة طَار على مَتنه يَبْتَغِي الْقَتْل أَو الْمَوْت مظانه وَرجل فِي غنيمَة فِي شعفة من هَذِه الشعفاء وبطن وَاد من هَذِه الأودية يُقيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكاة ويعبد ربه حَتَّى

стр. 3965

يَأْتِيهِ الْيَقِين لَيْسَ من النَّاس إِلَّا فِي خير رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ (١). متن الْفرس ظَهره. والهيعة بِفَتْح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء كل مَا أفزع من جَانب الْعَدو من صَوت أَو خبر. والشعفة بالشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة مفتوحتين هِيَ رَأس الْجَبَل. قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من خير معاش الناس لهم" الحديث، المعاش هو العيش وهو الحياة وتقديره والله أعلم من خير أحوال عيشهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله وتقدم معنى العنان. قوله: "يطير على متنه" وقد فسره الحافظ (٢): فقال متن الفرس ظهره أ. هـ، ومعناه: يسرع على ظهره. قوله: "كلما سمع هيعة" والهيعة، قال الحافظ (٣): كل ما أفزع [من] جانب العدو من صوت أو خبر، أ. هـ، وقال غيره: الصوت الذي يفزع ويجزع منه ويخاف، أ. هـ. وقوله ﷺ : "أو فزعه" بإسكان الزاي النهوض إلى العدو. وقوله "طار على متنه" أ يسرع راكبا على ظهره قال في النهاية (٤) أي يجريه

стр. 3966

في الجهاد واستعار له الطيران ومنه حديث وابصة فلما قتل عثمان طار قلبي نطاره أي مال إلى جهة يهواها وتعلق بها، والمطار موضع الطيران قاله في النهاية (١). قوله: "يبتغي القتل أو الموت مظانه" والمظان جمع مظنة بالكسر وهي موضع الشيء ومعدنه أي المواضع التي يعلم فيها القتال والموت ومعناه يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته في الشهادة. قوله: "ورجل في غنيمة" والغنيمة تصغير الغنم أي قطعة منها وهو مؤنث سماعي ولذلك صغر بالتاء. قوله: "في شعفة من هذه الشعفاء" قال الحافظ (٢): الشعفى هي رأس الجبل أ، هـ، قال غيره: وشعفة كل شيء أعلاه والمراج هنا رأس جبل من الجبال والجمع شعف وشعاف وشعوف. قوله: "ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين" واليقين في الأصل هو العلم الثابت الذي زال عنه الشك والمراد به هنا الموت لتحققه عن كل أحد وزوال الشك عنه ففي هذا الحديث فضيلة الجهاد والرباط والحرص على الشهادة. ١٩١٦ - وَعَن أم مَالك البهزية ﵂ قَالَت ذكر رَسُول الله ﷺ فتْنَة فقربها قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس فِيهَا قَالَ رجل فِي مَاشِيَة يُؤَدِّي حَقّهَا ويعبد ربه وَرجل آخذ بِرَأْس فرسه يخيف الْعَدو ويخيفونه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن

стр. 3967

رجل عَن طَاوس عَن أم مَالك وَقَالَ حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه وَرَوَاهُ لَيْث بن أبي سليم عَن طَاوس عَن أم مَالك انْتهى (١). ١٩١٧ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا من حَدِيث أم مُبشر تبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ خير النَّاس منزلَة رجل على متن فرسه يخيف الْعَدو ويخيفونه (٢). قوله: وعن أم مالك البهزية ﵂، وأم مالك هذه ليس لها في الكتب الستة غير هذا الحديث وهو عند الترمذي خاصة. قولها: إنه ﷺ ذكر فتنة فقربها قالت قلت يا رسول الله من خير الناس فيها قال "رجل في ماشية يؤدي حقها ويعبد ربه" المراد بالحق هنا الزكاة. قوله: "ورجل آخذ برأس فرسه يخيف العدو ويخيفونه" تقدم معناه في الحديث قبله ورواه البيهقي مختصرا من حديث أم بشير، وأم بشير هذه هي بنت البراء بن معرور قاله ابن النحاس عفا الله عنه.

стр. 3968

الترغيب في الحراسة في سبيل الله تعالى ١٩١٨ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول عينان لَا تمسهما النَّار عين بَكت من خشيَة الله وَعين باتت تحرس فِي سَبِيل الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١). عن ابن عباس، تقدم الكلام على ابن عباس ﵄. قوله ﷺ : "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله" الحديث، هذا كناية عن جسم صاحب العينين كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٢) بمعنى: ناعمة، الوجوه لا تنعم على الحقيقة وإنما ينعم أصحابها، أ. هـ. قال ابن النحاس في كتابه: واعلم أن الحراسة في سبيل الله من أعظم القربات وأعلا الطاعات وهي أفضل أنواع الرباط وكل من حرس المسلمين في موضع يخشى عليهم فيه من العدو فهو مرابط ولا ينعكس، فللحارس في سبيل الله أجر المرابط وفضائل أخر كثيرة، منها: أن النار لا تمس عينا حرست في سبيل الله أبدًا (٣).

стр. 3969

ومنها: ما روى أن من حرس في سبيل الله لا يرى النار بعينيه (١). ومنها: ما رواه ابن ماجه بإسناد واهٍ (٢) عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة" السنة: ثلاثمائة وستون يوما، اليوم كألف سنة، انفرد به ابن ماجه (٣) وهو حديث ضعيف قال في الميزان (٤): هذا لو صح لكان مجموع ذلك الفضل ثلاثمائة ألف ألف سنة قاله في الديباجة. ومنها ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن مكحول قال: "من بات حارسًا حتى يصبح تحاتت عنه خطاياه" (٥). ومنها: شهادة النبي ﷺ لمن حرس في سبيل الله أنه من أهل الجنة (٦). ومنها: ما روى أن من حرس في سبيل الله كان له بعدد من خلقه قراريط من الأجر (٧). ومنها: أن حرس ليلة في موضع يخاف فيه على نفسه أفضل من ليلة القدر (٨).

стр. 3970

ومنها: ما روي أن حرس ليلة أفضل من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها (١). ومنها: ما خرجه السلطان نور الدين محمود في كتاب الجهاد بإسناده عن محمد بن مقاتل الرازي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من سهر ليلة في سبيل الله فله عند الله من الثواب ما لا يقدر أحدا أن يصفه من أمتي" (٢). ومنها: ما روى أن كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا سهرت في سبيل الله وما يذكر معها (٣). ومنها: ما روي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله حارس الأحراس" (٤) أ. هـ. ١٩١٩ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من حرس من وَرَاء الْمُسلمين فِي سَبِيل الله ﵎ مُتَطَوعا لَا يَأْخُذهُ سُلْطَان لم ير النَّار بِعَيْنِه إِلَّا تَحِلَّة الْقسم فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا

стр. 3971

وَارِدُهَا﴾ (١). رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَلَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ فِي المتابعات (٢). تَحِلَّة الْقسم هُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام بعْدهَا تَاء تَأْنِيث مَعْنَاهُ تَكْفِير الْقسم وَهُوَ الْيَمين. قوله: وعن معاذ بن أنس، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ " الحديث. قال الحافظ (٣): تحلة القسم معناه: تكفير القسم وهو اليمين، أ. هـ، وقال غيره: تحلة القسم أي قدرها، يبر الله تعالى قسمه حكاه ابن فارس ويقال: فعلت هذا تحلة القسم أي لم أفعل إلا بقدر ما حللت به يميني، وحكى الهروي: أن موضع القسم مردود إلى قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ (٤) قال: والعرب تقسم وتضمر المقسم به، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ
следующие страницы →