← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 432–471 · переход к 437.

стр. 432

انتهى قاله في الديباجة، وقيل: هذا خاص بالنبي ﷺ قاله في شرح الإلمام والله أعلم. قوله: إنهم لا يعبدون شمسا ولا وثنا ولا حجرا ولكن يراؤون الناس بأعمالهم، الحديث؛ قال الإمام السهيلي (١): لا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه، وقال نفطويه (٢): ما كان معبودا مصورا فهو صنم وغير المصور وثن. ٥٤ - وَعَن الْقَاسِم بن مخيمرة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: لا يقبل الله عملًا فِيهِ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من رِيَاء رَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ مُرْسلًا (٣). قوله: وعن القاسم بن مخيمرة هو الهمذاني روى عن جماعة من الصحابة وقال يحيى بن معين لم يسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ وقال أبو حاتم: هو صدوق كان معلما بالكوفة لم يجتمع على مائدته أدمان قط من طعام مات سنة مائة أو سنة إحدة ومائة، انتهى. قوله ﷺ : "لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء" أي وزن حبة من خردل. قوله: راوه ابن جرير الطبري، ابن جرير اسمه [محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى أبو جعفر. وهو في طبقة الترمذى،

стр. 433

والنسائي. سمع عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن منيع البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، والوليد بن شجاع، وأبا كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج، وعمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، وغيرهم من شيوخ البخارى ومسلم. وحدث عنه أحمد بن كامل، ومحمد بن عبد الله الشافعي، ومخلد بن جعفر، وخلائق. قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى في تاريخ بغداد: استوطن الطبرى بغداد، وأقام بها حتى توفى، وكان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله تعالى، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الأحكام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب التاريخ المشهور، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله، وكتاب تهذيب الآثار، لم أر سواه في معناه، لكنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، وتفرد بمسائل حفظت عنه. قال الخطيب: وسمعت علي بن عبد الله السمسار يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. وعن الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، قال: لو سافر رجل إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبرى لم يكن هذا كثيرا، أو كلاما هذا معناه. وروينا عنه أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة،

стр. 434

فقالوا: هذا مما يفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. وكذلك قال لهم في التاريخ، فأجابوه بمثل جواب التفسير، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره نحو ما اختصر التفسير. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. وروينا أن أبا بكر بن مجاهد إمام الناس في القراءات استمع ليلة لقراءة محمد بن جرير، فقال: ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأن هذه القراءة. وروى الخطيب، عن القاضي أحمد بن كامل، قال: توفى أبو جعفر محمد بن جرير وقت المغرب ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ضحوة يوم الاثنين في داره، ولم يغير شيبه، وكان السواد في شعر رأسه ولحيته كثيرا، وكان مولده في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، مديد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذن به أحد، واجتمع عليه ما لا يحصيهم عددا إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، وزاره خلق كثير من أهل الدين والأدب، ورثاه ابن الأعرابى، وابن دريد، وغيرهما، ولقد أجاد ابن دريد وأبلغ في ترثيته (١)]. قوله: مرسلا؛ الحديث المرسل: ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وأي راو كان عند الأصوليين، والمسند ما كان متصلا إلى قائله فعند مالك وأصحابه تجب به الحجة ولا يلزم به العمل كما جب بالمسند

стр. 435

سواء، ويحتج بالحديث المرسل إذا اعتضد بأحد أربعة أمور أن يسند من جهة أخرى أو يرسل أو يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء فمتى وجد واحد من هذه الأربعة جاز الاحتجاج به (١). وقد أجمعت الأئمة الأربعة في حديث العباس الذي رواه أبو داود والترمذي في تعجيل الزكاة أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك (٢) لكن أجاب البيهقي (٣) أنه مرسل أو محمول على أنه استسلف منه صدقة عامين أو صدقة مالين لكل واحد حول منفرد فهذا الحديث روي مرسلا ومتصلا وقال به من الصحابة ابن عمر وقال به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي وغيره والحاكم صحح إسناده والمشهور أنه مرسل صحيح والله أعلم انتهى قاله في الديباجة. ٥٥ - وَرُوِيَ عَن عدي بن حَاتِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُؤمر يَوْم الْقِيَامَة بناس من النَّاس إِلَى الْجنَّة حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا واستنشقوا رِيحهَا ونظروا إِلَى قُصُورهَا وَمَا أعد الله لأهلها فِيهَا نُودُوا أَن اصرفوهم عَنْهَا لَا نصيب لَهُم فِيهَا فيرجعون بحسرة مَا رَجَعَ الْأَولونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ رَبنَا لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن

стр. 436

ترينا مَا أريتنا من ثوابك وَمَا أَعدَدْت فِيهَا لأوليائك كَانَ أَهْون علينا قَالَ ذَاك أردْت بكم كُنْتُم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وَإِذا لَقِيتُم النَّاس لقيتموهم مخبتين تراؤون النَّاس بِخِلَاف مَا تعطوني من قُلُوبكُمْ هبتم النَّاس وَلم تهابوني وأجللتم النَّاس وَلم تجلوني وتركتم للنَّاس وَلم تتركوني الْيَوْم أذيقكم أَلِيم الْعَذَاب مَعَ مَا حرمتم من الثَّوَاب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: عن عدي بن حاتم، هو عدي بن حاتم الطائي الموصوف بالكرم الجواد بن الجواد، كنيته أبو طريف ويقال أبو وهيب، وفد على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع وله رواية وقيل: إنه لما قدم على النبي ﷺ نزع وسادة له فألقاها تحته وسأله عن أشياء فأجابه بها ثم أسلم وحسن إسلامه ورجع إلا بلاده ولما ارتد العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام وجاء بصدقاتهم إلى

стр. 437

الصديق وكانت أول صدقة قدم بها عليه وكانت ثلثمائة بعير وقد حضر فتح المدائن وشهد مع علي حروبه، قال أبو حاتم السجستاني: عاش عدي مائة وثمانين سنة وقال خليفة: مائة وعشرين، وقال ابن سعد: كان زمن المختار سنة ثمان وستين وهو ابن عشرين ومائة سنة، وطئ أبي القبيلة اسمه جلهمة بن أدد، وإنما سمي طيا لأنه أول من طوى المناهل، وقيل: أول من طوى بئرا، والنسبية فيه على غير القياس لأن قياسه طيي بوزن طغي فقالوا فيه طائي بوزن طاعي، قال العلماء: ولم تبلغنا أن أحدا من الصحابة عمر مثل سلمان الفارسي فإنه عاش مائتين وخمسين سنة وقيل غير ذلك (١). قوله ﷺ : "يؤمر يوم القيامة بناس من الناس إلى الجنة حتى إذا دنوا منها" والدنو القرب. قوله ﷺ : "كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين" الحديث، الإخبات: الخشوع والتواضع، يقال أخبت لله وفي الله أي تواضع قاله الجوهري في صحاحه وابن الأثير في النهاية (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (٤) قال ابن عباس وقتادة في التفسير هم المتواضعون وقال مجاهد: المخبت المطمئن إلى الله

стр. 438

تعالى والخبت المكان المطمئن من الأرض وقال الأخفش الخاشعون وقال النخعي المخلصون وقال الكلبي هم الرقيقة قلوبهم وقال عمر بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا وهذه الأقوال تدور على معنين: التواضع والسكون على الله تعالى (١). انتهى. قوله: عن أبي الدرداء أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل عامر بن زيد الأنصاري تأخر إسلامه عن أول الهجرة ولي قضاء دمشق لعثمان ﵁ مات بدمشق سنة إحدى وقيل سنة اثنتين وثلاثين وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا والله اعلم. قوله ﷺ : "إن الإبقاء على العمل أشد من العمل" الحديث. الإبقاء المداومة. قوله: "وإن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح معمول به في الشر يضعف أجره سبعين ضعفا فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه فيكتب علانية ويمحي تضعيف أجره كله" الحديث. وروى الترمذي وقال حديث حسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ إن الرجل يعمل العمل يسره فإذا اطلع عليه سره قال له أجران أجر السر وأجر العلانية قال الترمذي قيل معناه أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير لقوله ﷺ : "أنتم شهداء الله في الأرض" (٢) أما إن أعجبه لكونه يعظم ويكرم فهذا رياء ورواه ابن حبان في صحيحه فقال معناه أنه يستره إن وفقه الله تعالى لذلك العمل

стр. 439

فعسى أن يستديمه فيه فإن سره لله لتعظيمه الناس له فرياء فلا يكون له أجران ولا أجر، وأما التحدث بالعمل فيجوز لمن تمكن عند الحاجة إليه أو ليقتدى به (١) انتهى. قال الحارث المحاسبي (٢): ومن عمل طاعة في السر ثم أخبر بها الناس فله حالان أحدهما: أن يظهر ذلك ليحصل على أغراض المرائين فهذا مسمع ومن سمع سمع الله به للحديث؛ الثانية: أن يقول ذلك ليقتدى به فإن كان ممن لا يقتدى به ولا يلتفت إليه فلا يحدث بشيء من ذلك احترازًا من التسميع وإن كان ممن يقتدى به كافة الناس فإن وثق بأنه من الرياء إذا تحدث بذلك فليتحدث وإن كان ممن يعتقد فيه بعض الناس دون بعض فلا تتحدث به عند من لا يعتقد فيه ويتحدث به عند من يعتقد فيه إذا أمن من الرياء. قد جاء أثر معروف أن العبد ليعمل العمل سرا لا يطلع عليه أحدا إلا لله فيتحدث به فينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية فإن تحدث به للسمعة وطلب الجهاد والمنزة عند غير الله تعالى يطلبه كما لو فعله لذلك؛ فإن قيل: إذا تاب هذا يعود له ثواب عمله؛ قيل: إن كان قد عمله لغير الله وأوقعه بهذه النية فإنه لا ينقلب صالحا

стр. 440

بالتوبة بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه فيصيره له وعليه، وأما إن عمله لله خالصا ثم عرض له عجب أو رياء أو تحدث به ثم تاب ذلك وندم فهاذ قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط وقد يقال إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل، والمسألة مبنية على أصل وهو أن الردة هل تحبط العمل أو لا تحبطه إلا بالموت عليها، ففيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أسلما استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الإسلام قلنا لا تحبط إلا إذ مات مرتدا فمتى عاد إلى الإسلام عاد إليه ثواب عمله، وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة يخرج على هذا الأصل ولم يزل في نفسي من هذه المسألة ولم أزل حريصا على الصواب فيها وما رأيت أحدا شفي فيها والذي يظهر والله أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا بالله إن الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوب ويكون الحكم له حتى كأن المغلوب لم يكن فإذا غلبت على العبد الحسنات دفعت حسناته الكثيرة سيئاته ومتى تاب من السيئة ترتب على توبته منها حسنات كثيرة قد تربى وتزيد على هذه الحسنة التي حبطت بالسيئة فإذا عرفت التوبة وصحت وتشأت من صميم القلب أحرقت ما مر عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن فإن التائب من الذنب لم يكن له ذنب، يفيد هذا إن السيئات والذنوب هي أمراض قلبيه كما أن الحمى والأوجاع أمراض بدنية والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وانفصل منها حتى كأنه لم يضعف قط

стр. 441

فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات والمرض بمنزلة الذنوبة والصحة والعافية بمنزلة التوبة سواء بسواء، وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدا لضعف عافيته ومنهم من تعود كما كانت لتقاوم الأسباب وتدافعها وعود البدن إلى كماله الأول؛ ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى والله أعلم قاله ابن قيم الجوزية (١). فائدة: فينبغي أن يحترز الإنسان من إظهار عمله من جهاد وغيره إلا أن يخلص له نية يثق بها في التحدث به لمن يعلم أنه يقتدى به أو يزيد في قلبه قوة وجرأة وسماحة مثل أن يذكر عن نفسه أنه ثبت لكذا وكذا فارس وأنفق في سبيل الله وخاطر بنفسه في كذا وكذا ونحو ذلك فيقوي قلبه قلب السامع ويجود بماله وبنفسه ويزيد عن قلبه ظلمة الجبن والبخل لأن النفوس مجبولة على التجرئ والتشبه بالأقران ويبني الزمان، وهذا كان قصد السلف ﵃ في ذكر ما يحكونه من أفعالهم مع أنه إن وجد مقصوده في الاقتداء يحصل بعزو ذلك الفعل إلى من لا يسميه وذلك مثل أن تقول اتفق لبعض الغزاة كذا أو لبعض من أدركناه كذا أو رأيت شخصا وقع له كذا وكذا أو اعرف شخصا جرى له كذا وكذا ونحو هذه العبارات مما لا يفهم المخاطب أنه هو الفاعل ويحصل به المقصود من الاقتداء ونحوه وقد كان أكثر السلف ﵃ يجتهدون على إخفاء أعمالهم مطلقا وإن ظنوا أنهم يقتدى بهم فيها لعدم ثقة المرء بنفسه في أكبر الأحوال فإن الرياء كما جاء في الحديث

стр. 442

أخفى من دبيب النمل انتهى قاله ابن النحاس في كتابه الذي ألفه في الجهاد (١). قوله: في آخر حديث أبي الدرداء قال الحافظ: أظنه موقوفًا قال علماء الحديث: الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين هو الذي يرويه التابعي عن النبي ﷺ من غير أن يذكر الصحابي (٢). ٥٧ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ آخر الزَّمَان صَارَت أمتِي ثَلَاث فرق فرقة يعْبدُونَ الله خَالِصا وَفرْقَة يعْبدُونَ الله رِيَاء وَفرْقَة يعْبدُونَ الله ليستأكلوا بِهِ النَّاس فَإِذا جمعهم الله يَوْم الْقِيَامَة قَالَ للَّذي يستأكل النَّاس بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي فَيَقُول وَعزَّتك وجلالك أستأكل بِهِ النَّاس قَالَ لم ينفعك مَا جمعت انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبده رِيَاء بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالك رِيَاء النَّاس قَالَ لم يصعد إِلَيّ مِنْهُ شَيْء انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذي كَانَ يعبده خَالِصا بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالك أَنْت أعلم بذلك من أردْت بِهِ أردْت بِهِ ذكرك ووجهك قَالَ صدق عَبدِي انْطَلقُوا بِهِ إِلَى الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبيد بن إِسْحَاق الْعَطَّار وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات وَالْبَيْهَقِيّ عَن مولى أنس وَلم يسمه قَالَ قَالَ أنس قَالَ رَسُول الله ﷺ فَذكره بِاخْتِصَار (٣).

стр. 443

قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إذا كان آخر الزمان صارت أمتي ثلاث فرق" فذكره إلى أن قال: "وفرقة يعبدون الله ليستأكلوا به الناس فإذا جمعهم الله يوم القيامة قال للذي يستأكل الناس بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي فيقول وعزتك وجلالك أستأكل به الناس" الحديث، فائدة: وفي تاريخ ابن النجار عن ابن المبارك قال: قدمت على سفيان الثوري مكة فوجدته مريضًا شارب دواء فقلت له إني أريد أن أسألك عن أشياء قال: فقل، قلت: أخبرني عن الناس قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الأشراف، قال: الأتقياء، قلت: فمن الغوغاء. قال: الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يستأكلوا أموال الناس، قلت: فمن السفلة؟ قال: الظلمة (١) انتهى. وقال أبو العباس الروياني: الغوغاء من يخالط المفسدين والمجرمين

стр. 444

ويخاصم الناس بلا حاجة ولذلك قالوا أكثر من الغوغاء (١). فائدة أخرى: قال سحنون من أصحاب الإمام مالك: لأن اطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلى من طلبها بالدين والأخبار (٢)، سحنون: بفتح السين وضمها طائر حديد الذهن بالمغرب يسمونه سحنونا لحدة ذهنه وذكائه وبه سمي سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني وهو لقب فرد، واسمه: عبد السلام وهو تلميذ بن القاسم وهو مضيف المدونة وكان قبل ذلك كتبها أسد بن الفرات عن ابن القاسم غير مرتبة ثم بخل بها على سحنون فدعا عليه ابن القاسم أن لا ينفع الله بها ولا به وكذلك كان فالعمل على مدونة سحنون ووفاته ﵀ في شهر رجب الفرد سنة أربعين ومائتين وولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة (٣) والله أعلم. قوله: رواه الطبراني من رواية عبيد بن إسحاق العطار [قال الأزدي: متروك الحديث وضعفه ابن معين والدارقطني، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، وقال البخاري عنده مناكير ورضيه أبو حاتم الرازي ووثقه ابن حبان وغيره]. ٥٨ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بصحف مختمة فتنصب بَين يَدي الله تَعَالَى فَيَقُول ﵎ ألقوا هَذِه واقبلوا هَذِه فَتَقول الْمَلَائِكَة وَعزَّتك وجلالك مَا رَأينَا إِلَّا خيرا فَيَقُول الله إِن هَذَا كَانَ

стр. 445

لغير وَجْهي وَإِنِّي لا أقبل إِلَّا مَا ابْتغِي بِهِ وَجْهي رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا رُوَاة الصَّحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: وعنه تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يؤتي يوم القيامة بصحف مختمة" أي: من أعمال بني آدم يقال: ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم شدد للمبالغة قاله الجوهري في صحاحه (٢) في معنى هذا الحديث أسيد عن شمر بن عطية قال: يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات فيقول رب العزة ﵎: "صليت يوم كذا وكذا ليقال صلى فلان أنا الله لا إله إلا

стр. 446

أنا لي الدين الخالص سمت يوم كذا وكذا يقال صام فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص، تصدقت يوم كذا وكذا ليقال تصدق فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص فما زال يمحي شيء بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء فيقول ملكان ألغير الله كنت تعمل" قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأى فهو مرفوع وقد روي رفع معناه الدارقطني (١) والله أعلم. ٥٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ ﵁ أَن رجلا قَالَ حَدثني حَدِيثا سمعته من رَسُول الله ﷺ قَالَ فَبكى معَاذ حَتَّى ظَنَنْت أَنه لا يسكت ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ لي يَا معَاذ قلت لَهُ لبيْك بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ إِنِّي محدثك حَدِيثا إِن أَنْت حفظته نفعك وَإِن أَنْت ضيعته وَلم تحفظه انْقَطَعت حجتك عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة يَا معَاذ إِن الله خلق سَبْعَة أَمْلَاك قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالأرْض ثمَّ خلق السَّمَوَات فَجعل لكل سَمَاء من السَّبْعَة ملكا بوابا عَلَيْهَا قد جللها عظما فتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من حِين أصبح إِلَى أَن أَمْسَى لَهُ نور

стр. 447

كنور الشَّمْس حَتَّى إِذا صعدت بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ذكرته فكثرته فَيَقُول الْملك للحفظة اضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه أَنا صَاحب الْغَيْبَة أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمل من اغتاب النَّاس يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ ثمَّ تَأتي الْحفظَة بِعَمَل صَالح من أَعمال العَبْد فتمر فتزكيه وتكثره حَتَّى تبلغ بِهِ إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بالسماء الثَّانِيَة قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه إِنَّه أَرَادَ بِعَمَلِهِ هَذَا عرض الدُّنْيَا أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ يفتخر على النَّاس فِي مجَالِسهمْ قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد يبتهج نورا من صَدَقَة وَصِيَام وَصَلَاة قد أعجب الْحفظَة فتجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه أَنا ملك الْكبر أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ يتكبر على النَّاس فِي مجَالِسهمْ قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد يزهر كَمَا يزهر الْكَوْكَب الدُّرِّي لَهُ دوِي من تَسْبِيح وَصَلَاة وَحج وَعمرَة حَتَّى يجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه اضربوا ظَهره وبطنه أَنا صَاحب الْعجب أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ إِذا عمل عملا أَدخل الْعجب فِي عمله قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد حَتَّى يجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاء الْخَامِسَة كَأَنَّهُ الْعَرُوس المزفوفة إِلَى بَعْلهَا فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه واحملوه على عَاتِقه أَنا ملك الْحَسَد إِنَّه كَانَ يحْسد النَّاس مِمَّن يتَعَلَّم وَيعْمل بِمثل عمله وكل من كَانَ

стр. 448

يَأْخُذ فضلًا من الْعِبَادَة يحسدهم وَيَقَع فيهم أَمرنِي رَبِّي أَن لا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من صَلَاة وَزَكَاة وَحج وَعمرَة وَصِيَام فيجاوزون بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّادِسَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه إِنَّه كَانَ لا يرحم إنْسَانا قطّ من عباد الله أَصَابَهُ بلَاء أَو ضرّ بل كَانَ يشمت بِهِ أَنا ملك الرَّحْمَة أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة من صَوْم وَصَلَاة وَنَفَقَة واجتهاد وورع لَهُ دوِي كَدَوِيِّ الرَّعْد وضوء كضوء الشَّمْس مَعَه ثَلَاثَة آلاف ملك فيجاوزون بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَيَقُول لَهُم الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه واضربوا جوارحه اقفلوا على قلبه إِنِّي أحجب عَن رَبِّي كل عمل لم يرد بِهِ وَجه رَبِّي إِنَّه أَرَادَ بِعَمَلِهِ غير الله إِنَّه أَرَادَ بِهِ رفْعَة عِنْد الْفُقَهَاء وذكرا عِنْد الْعلمَاء وصوتا فِي الْمَدَائِن أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي وكل عمل لم يكن لله خَالِصا فَهُوَ رِيَاء وَلا يقبل الله عمل الْمرَائِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من صَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَحج وَعمرَة وَخلق حسن وَصمت وَذكر لله تَعَالَى وتشيعه مَلَائِكَة السَّمَوَات حَتَّى يقطعوا بِهِ الْحجب كلهَا إِلَى الله فيقفون بَين يَدَيْهِ وَيشْهدُونَ لَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالح المخلص لله قَالَ فَيَقُول الله لَهُم أَنْتُم الْحفظَة على عمل عَبدِي وَأَنا الرَّقِيب على نَفسه إِنَّه لم يردني بِهَذَا الْعَمَل وَأَرَادَ بِهِ غَيْرِي فَعَلَيهِ لَعْنَتِي فَتَقول الْمَلَائِكَة كلهَا عَلَيْهِ لعنتك ولعنتنا وَتقول السَّمَوَات كلهَا عَلَيْهِ لعنة الله ولعنتنا وتلعنه السَّمَوَات السَّبع وَمن فِيهِنَّ قَالَ

стр. 449

معَاذ قلت يَا رَسُول الله أَنْت رَسُول الله وَأَنا معَاذ قَالَ اقتد بِي وَإِن كَانَ فِي عَمَلك تَقْصِير يَا معَاذ حَافظ على لسَانك من الوقيعة فِي إخوانك من حَملَة الْقُرْآن واحمل ذنوبك عَلَيْك وَلَا تحملهَا عَلَيْهِم وَلَا تزك نَفسك بذمهم وَلَا ترفع نَفسك عَلَيْهِم وَلَا تدخل عمل الدُّنْيَا فِي عمل الآخِرَة وَلَا تتكبر فِي مجلسك لكَي يحذر النَّاس من سوء خلقك وَلَا تناج رجلا وعندك آخر. وَلَا تتعظم على النَّاس فَيَنْقَطِع عَنْك خير الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَلَا تمزق النَّاس فتمزقك كلاب النَّار يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار قَالَ الله تَعَالَى والناشطات نشطا النازعات ٢ أَتَدْرِي مَا هن يَا معَاذ قلت مَا هن بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ كلاب فِي النَّار تنشط اللَّحْم والعظم قلت بِأبي أَنْت وَأمي فَمن يُطيق هَذِه الْخِصَال وَمن ينجو مِنْهَا قَالَ يَا معَاذ إِنَّه ليسير على من يسره الله عَلَيْهِ قَالَ فَمَا رَأَيْت أَكثر تِلَاوَة لِلْقُرْآنِ من معَاذ للحذر مِمَّا فِي هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك فِي كتاب الزّهْد عَن رجل لم يسمه عَن معَاذ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي غير الصَّحِيح وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا وَرُوِيَ عَن عَليّ وَغَيره وَبِالْجُمْلَةِ فآثار الْوَضع ظَاهِرَة عَلَيْهِ فِي جَمِيع طرقه وبجميع أَلْفَاظه (١).

стр. 450

قوله: وروى عن معاذ هو معاذ بن جبل تقدم الكلام عليه، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا. قوله ﷺ : "يا معاذ، إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض ثم خلق السموات والأرض فجعل لكلا من السبعة ملكًا بوابًا عليها قد جللها عظمًا". ففيه دليل على أن للسماء أبوابا حقيقة وحفظة موكلين بها وإثبات الاستئذان والله أعلم قاله الكرماني (١). قوله ﷺ : "فتقعد الحفظ بعمل العبد من حين أن يصبح إلى أن أمسى له نور كنور الشمس" الحديث، الحفظة: هما ملكان حافظان لأعمال العبد أحدهما عن يمينه يكتب حسناته والآخر عن يساره يكتب سيئاته وجعل الله كاتب الحسنات أمينا على كاتب السيئات فإذا كان الليل قال كاتب الحسنات لكاتب السيئات اطرح حسنة واطرح أنت عشر سيئات حتى يصعد

стр. 451

عمله وليس فيه سيئة فإذا مات العبد قال الملكان الموكلان به: ربنا قد مات عبدك فلان افتأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله سماواتي مملوءة من خلقي فيقولون ربنا فنقيم في الأرض فيقول الله أرضي مملوءة من خلقي فيقولون ربنا فأين نقيم: فيقول الله أقيما عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وهللاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون انتهى قاله في مختصر عجائب المخلوقات (١). قوله: حتى إذا صعدت به إلى السماء الدنيا والسمو العلوي يقال: سمى يسمو سموا فهو سام ومنه حديث ابن زميل: رجل طوال إذا تكلم يسمو أي يرأسه ويديه يقال فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها ومنه حديث أم معبد وإن صمت سما وعلاه البهاء أي ارتفع وعلا على جلسائه انتهى قاله في النهاية (٢). قوله: الدنيا، والدنيا اسم لهذه الحياة لبعد الآخرة عنها والسماء الدنيا لقربها من ساكني الأرض ويقال سماء الدنيا على الإضافة روي عن كعب الأحبار أنه قال: خلق اللّه سماء الدنيا من موج مكفوف والثانية صخرة والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوت (٣) وتقدم ذكر ذلك في الخطبة.

стр. 452

فائدة في عمر الدنيا: قال ابن سلام في تاريخه: اختلف الناس في مدة ما مضى من الزمان من لدن هبوط آدم إلى هجرة نبينا محمد ﷺ اختلافا متباينا ونحن نذكر بعض ما قيل في ذلك، روى ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما بين آدم على نبينا محمد ﷺ خمسة آلاف سنة وسبع مائة سنة وخمسين سنة، فمن آدم على نوح ألفان ومائتان سنة ومن نوح إلى إبراهيم ألف ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة ومن إبراهيم إلى موسى خمس مائة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى على داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد ﷺ ستمائة سنة، وروى الواقدي أنه قال: من هبوط آدم إلى مولد نبينا محمد ﷺ أربعة آلاف سنة وستمائة سنة، وروى عن وهب بن منبه أنه قال: مضى من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة، هذا ما رواه محمد بن سلام القضاعي من الأخبار المسندة في تاريخه والله أعلم، قاله في تاريخ كنز الدرر (١) وهو تاريخ مبسوط في سبعة أجزاء. قوله: فيقول الملك للحفظة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، فالغيبة

стр. 453

ذكرك أخاك بما يكره وسيأتي الكلام على الغيبة مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: "قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه" أنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، العرض هو ما يقتنى من المال وغيره. قوله: "وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام" فذكره إلى أن قال: "أنا ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم" وسيأتي الكلام أيضًا على الكبر في بابه مبسوطًا. قوله: "وتصعد الحفظة بعمل العبد" يزهر كما يزهر الكوكب الدري، يزهر: بضم الياء وسكون الزاي وكسر الهاء أي يضيء، والكوكب الدري فيه ثلاث لغات قرئ بها في السبع الأكثرون بضم الدال وتشديد الياء بلا همز دري والثانية: بضم الدال مهموز ممدود دُرئ، والثالثة: بكسر الدال مهموز ممدود دِرئ وهو الكوكب العظيم قيل سمي دريا لبياضه كالدر، وقيل إضاءته (١)، وسيأتي الكلام على ذلك في درجات الجنة وغرفها أبسط من هذا والله أعلم. قوله: وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة

стр. 454

ونفقة واجتهاد وورع له دوي كدوي الرعد، اختلف العلماء في الرعد والبرق فقال ابن عباس: الرعد ملك يسمعون صوته والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب، وقيل: الرعد ملك والبرق أجنحته، وروى أنه ﷺ قال: "بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق وضحكت أحسن الضحك فالرعد نطقها والبرق ضحكها" (١) وقيل: الرعد صوت ملك يسوق السحاب (٢). قوله: "قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا جوارحه اقفلوا على قلبه" بقطع الهمزة يقال: أقفل الباب وقفل الأبواب مثل أغلق وغلق قاله الجوهري (٣). قوله: "ولا تناج رجلا وعندك آخر" التناجي التسار وانتجى القوم وتناجوا إذا سار بعضهم بعضًا وتقد ذلك، وقال بعض العلماء: وإنما نهى عن ذلك لأنه سبب الحزن قال الخطابي (٤): إنما يحزنه ذلك لأحد معنيين أحدهما: ربما يتوهم أن جوابهما لتثبيت رأي فيه غائل له، والثاني: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة فهو يحزن صاحبه، ففي الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يتناجى اثنان دون الثالث فإذن ذلك يؤذي المؤمن والله

стр. 455

يكره أذى المؤمن" (١) وفي رواية ابن مسعود في الصحيحين: "فإن ذلك يحزنه"، ورواه مسلم ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد" (٢)، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن وكذلك يحرم عليهم التحدث بلسان لا يعرفه مع قدرتهم على لسانه، ففي هذه الأحاديث النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث وكذلك ثلاثة وأكثر بحضرة واحد وهي نهي تحريم (٣) قال النووي قدس الله

стр. 456

روحه (١): ومذهب ابن عمر ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء أن النهي عام في كل الأزمان وفي الحضر والسر وقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: إنما النهي في السفر دون الحضر لأن السفر مظنة الخوف وادعى بعضهم أن هذه الأحاديث منسوخة وأن هذا كان في أول الإسلام فلما فشى الإسلام وأمن الناس سقط النهي وكان المنافقون يفعلون ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم، أما إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس بالإجماع. قوله: "ولا يمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار"، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢)﴾ (٢) فذكره إلى أن قال: "كلاب في النار تنشط اللحم والعظم"، قال الأصمعي: النشط للحيات هو اللسع بسرعة وإخلاس (٣) يقال نشطته الحية وانتشطته نشطًا أي عضته بنابها وكذلك كل شيء اختلسته فقد انتشطته، قاله الجوهري في صحاحه (٤).

стр. 457

فصل ٦٠ - عَن أبي عَليّ رجل من بني كَاهِل قَالَ خَطَبنَا أَبُو مُوسَى الأشْعَرِيّ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أخْفى من دَبِيب النَّمْل فَقَامَ إِلَيْهِ عبد الله بن حزن وَقيس بن الْمضَارب فَقَالا وَالله لَنخْرجَنَّ مِمَّا قلت أَو لنأتين عمر مَأْذُونا لنا أَو غير مَأْذُون فَقَالَ بل أخرج مِمَّا قلت خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أخْفى من دَبِيب النَّمْل فَقَالَ لَهُ من شَاءَ الله أَن يَقُول وَكيف نتقيه وَهُوَ أخْفى من دَبِيب النَّمْل يَا رَسُول الله قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من أَن نشْرك بك شَيْئا نعلمهُ ونستغفرك لما لَا نعلمهُ. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته إِلَى أبي عَليّ مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (١) وَأَبُو عَليّ وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَلم أر أحدا جرحه وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بنَحْوِهِ من حَدِيث حُذَيْفَة إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ يَقُول كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات (٢).

стр. 458

فصل قوله: عن أبي على رجل من بني كاهل أبو علي اسمه (١) وبنو كاهل اسم قبيلة من قبائل العرب [وهم بنو كاهل بن نمير بن أسيد بن عمرو بن تميم]. قوله: خطبنا أبو موسى الأشعري، أبو موسى الأشعري، اسمه عبد بن قيس الأشعري، هاجر من اليمن إلى مكة ثم هاجر منها إلى الحبشة ثم هاجر من الحبشة إلى المدينة ثلاث هجرات، توفي أبو موسى سنة اثنتين وخمسين ودفن بمكة. تنبيه: قوله: الأشعري، هذه النسبة إلى أشعرة وهي قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو ثبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه منهم أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري وممن ينسب إلى ذلك خلق كثير انتهى. قوله: فقال: أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب، الحديث؛ عبد الله بن حزن [فهو عبد الله بن حزن أدرك عمر. روى عنه أبو علي الكاهلي]؛ وأما قيس بن

стр. 459

المضارب [وهذان الرجلان من المخضرمين، لأن من يكون في زمن عمر ﵁ يخوف أميره بعمر دون أخواله لا بد أن يكون أدرك العصر النبوي]. [قوله: فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون، عمر هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين (١)]. قوله: فقال: بل أخرج مما قلت أي عن الشرك أنه أخفى من دبيب النمل خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "يأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" الحديث، قال الحربي: هذا شرك رياء وهو أن يعمل عملا يرائي به غير الله تعالى فكأنه أشرك فيه غير الله تعالى وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢) الآية، قال سعيد بن جبير: لا يرائي، وقال الكرماني رحمه الله تعالى (٣): فإن قلت ورد الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل وهو يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر وهو لا يشعر قلت: الرياء قسمان ما في عقد الإيمان وهو الشرك الأكبر وهو كفر بين وما في الأعمال وعقد الإيمان سالم وهو الأصغر، وهذا هو المراد هنا بقرينة "فيكم" كما ستأتى هذه اللفظة في حديث معقل بن يسار. قوله: فقال له من شاء الله أن يقول وكيف تتقيه وهو أخفى من دبيب النمل

стр. 460

يا رسول الله قال: قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" الحديث وفي رواية أبي يعلى أنه يقول ذلك كل يوم ثلاث مرات، وروى الترمذي الحكيم في نوادره عن معقل بن يسار قال: قال أبو بكر ﵁ وشهد به على رسول الله ﷺ قال: ذى رسول الله ﷺ الشرك فقال: "هو فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب الله عنك صغائر الشر وكباره تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا نعلم يقولها ثلاثًا" (١) قاله في منافع الحيوان (٢) وفي مختصر مجمع الأحباب من مسانيد سفيان الثوري، عن أبي بكر الصديق أيضا قال قال رسول الله ﷺ : "الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا" فقال أبو بكر: يا رسول الله: وكيف النجاة والمخرج؟ فقال رسول الله ﷺ : "أعلمك شيئًا إذا قلته برئت من الشرك، قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا لا اعلم وأستغفرك لما لا نعلم ولا أعلم" (٣)، وقال بعضهم

стр. 461

يقول أيضًا (١): اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك الكريم خالصا ولا تجعل لأحد فيه شركا. تنبيه: روى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لما كلم الله تعالى موسى ﵇ كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة النظلمة من مسيرة عشرة فراسخ (٢).

стр. 462

[الترغيب في إتباع الكتاب والسنة] ٦١ - عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ قَالَ: وعظنا رَسُول الله ﷺ موعظة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا قَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد وَإنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكم ومحدثات الأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (١) قَوْله: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ أَي اجتهدوا على السّنة والزموها واحرصوا عَلَيْهَا كَمَا يلْزم العاض على الشَّيء بنواجذه خوفًا من ذَهَابه وتفلته والنواجذ: بالنُّون وَالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة هِيَ الأنياب وَقيل الأضراس. قوله: وعن العرباض بن سارية ﵁، كنيته: أبو نجيح السلمي الصحابي، كان من أهل الصفة وهو من البكّائين نزل بالشام وسكن حمص روى عن رسول الله ﷺ ، روى عنه: أبو أمامة الباهلي وغيره من الصحابة وخلق من

стр. 463

التابعين، توفى سنة خمس وسبعين، وقيل: توفي في زمن ابن الزبير (١). قوله: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة) الحديث، الموعظة: الموعظة ما يوعظ به والوعظ والموعظة معناهما التخويف (٢)، وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود والترمذي موعظة بليغة وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاة الصبح، وفيه: إشارة إلى أنه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ لحدة الذهن وصفاء الخاطر حينئذ ففيه استحباب عظة الرجل أصحابه لينفعهم في دينهم ودنياهم، وفيه أيضا استحباب الإبلاغ في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة (٣) انتهى. وكان النبي ﷺ كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الدائمة كخطب الجمع والأعياد وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (٤) وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (٥) ولكنه لا يديم وعظهم بل يتخولهم به أحيانا قاله ابن رجب الحنبلي (٦). قوله: (وجلت منها القلوب) أي خافت والوجل الخوف والفزع وهو من

стр. 464

باب ضرب، قال أبو بكر الآجري ولم يقل: صرخنا من موعظته ولا زعقنا ولا طرقنا رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا رقصنا ولا قمنا كما يفعل في زماننا هذا كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان، وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسكتون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتماوتون انتهى بدليل أن النبي ﷺ أصدق الناس لهجة وأنصحهم لأمته وأصحابه ﵃ أرق قلوبًا ولو كان محمودا لكانوا أولى الناس به فلو كان هذا جائزًا صحيحا مشروعًا لكانوا يفعلونه بين يدي النبي ﷺ ولكن منكر باطل (١). [فائدة في تلبيس إبليس لابن الجوزي] قال أبو الفرج بن الجوزي: اعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غربائهم نحو ما أنكرنا فبالغ رسول الله ﷺ في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ فذكره إلى أن قال عن ثابت عن أنس قال: وعظنا رسول الله ﷺ يومًا فإذا رجل قد صعق فقال النبي ﷺ : "من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا قد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله" (٢) قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث فذكره إلى أن قال عن أنس بن مالك قال: ذكر عنده هؤلاء الذين

стр. 465

يصعقون عند القراءة فقال أنس: لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله ﷺ ذات يوم حتى سمحت للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد (١). تنبيه: فإن قيل: فقد صح عن جماعة من السلف ﵃ أنهم صرخوا عند سماع القرآن والمواعظ فقد روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع قارئا يقرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ (٢) فصاح صيحة خر مغشيًّا عليه فحمل إلى أهله فلم يزل مريضًا شهرًا، وروى أن زرارة بن أوفى قرأ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (٣) فصعق ومات في المحراب، فالجواب: أين الدر من الصدف والمسك من الجيف هيهات قياس الملائكة بالحدادين والمحققين بالمجرمين (٤) انتهى. فائدة: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي ﵀ أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والسبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟ فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة در ضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع

стр. 466

أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير مع الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين والله أعلم بالصواب (١). قوله: وذرفت منها العيون، بالذال المعجمة والراء المهملة المفتوحتين قال الجوهري (٢): يقال ذرفت عينه إذا سال منها الدمع وهو من باب ضرب، وهذان الوصفان الدال عليهما وهما وجلت وذرفت بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤) الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥) والآيات في ذلك كثيرة، وكان النبي ﷺ إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش (٦) وسيأتي الكلام على هذا الحديث قريبا في محله والله أعلم.

стр. 467

قوله: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع"، فيه جواز الحكم بالقرائن فهو يدل على أنه كان ﷺ قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع (١) فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها ولربما كان قد وقع منه ﷺ تعريض في تلك الخطبة بالتوديع انتهى قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (٢). قوله: فأوصنا، يعنون وصية جامعة كافية فافهم لما فهوا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة (٣). قوله ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" ففيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلها واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل وفاتهم فجمع في ذلك كل ما يحتاج، فإن التقوى والسمع والطاعة امتثال المأمورات واجتناب المحذورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك قاله الطوفي (٤). فهاتان الكلمتان تجمعان شهادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كلمة كاملة بسعادة الآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما

стр. 468

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) (٢). تنبيه: التقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء، أحدها: الخشية والهيبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤)، والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٥)، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته، قال مجاهد: هو أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، والثالث: في تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (٦)، ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلم أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهي تنزيه القلب عما ذكرنا، ثم قال: حقيقة التقوى هي اجتناب كل ما فيه ضررٌ للدين (٧)، انتهى، قاله في الديباجة. وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم

стр. 469

مصالح العباد في معايشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي بن طالب: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجر عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله (١)، انتهى، قاله ابن رجب (٢). قوله ﷺ : "وإن تأمر عليكم عبدٌ وحشي" وفي رواية: "حبشي ... أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم وإن كان الخليفة عبدًا حبشيًا ... " واعلم أنه لايجوز أن يكون الخليفة عبدًا ولكن المراد بالعبد هنا من جعله الخليفة حاكمًا على قوم في كل بلد يعني اقبلوا أقوال الخليفة ونوابه وأطيعوه وإن كان من جعله الخليفة واليا عليكم عبدًا حبشيًا لأن طاعة نائب الخليفة طاعةٌ للخليفة وطاعة الخليفة طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة الله تعالى فقوله: "وإن أمّر عليكم عبدًا" وفي الراوية الأخرى "حبشي"، هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي ﷺ وهو مما اطلع عليه النبي ﷺ من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان" (٣) وقوله ﷺ "الناس تبع لقريش" (٤) وقوله: "الأئمة من قريش" (٥) لأن ولاية العبيد قد

стр. 470

تكون من جهة إمام قرشي ويشهد لذلك قوله: الأئمة من قريش أبرارها وفجارها أمراء، ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمّرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا ... " (١) إسناده جيد ولكنه روي عن علي ﵁ مَوقوفًا، وقال الدارقطني هو أشبه (٢) وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه المثل وإن لم يصح وقوعه قال أبو سليمان الخطابي (٣): ضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يصح في الموجود وكما قال النبي ﷺ : "من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاء لبيضها بنى الله له مثله في الجنة" (٤)، ومفحص القطاة لا يصلح مسجدًا للناس أو لآدمي ونظائر هذا في الكلام كبيرة. فائدة: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيًا حرًّا؟ فالجواب: من وجهين، أحدهما: أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدًا، والوجه الثاني: أن المراد لو قهر عبدٌ

стр. 471

مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم شق العصا عليه والله أعلم (١). قوله ﷺ : "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ... " الحديث، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه بأنه ﷺ كُشِفَ له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح في حديث أبي سعيد وغيره ويحتمل أنه بنظر واستدلال فإن اختلاف المقاصد والشهوات سبب لإختلاف الآراء والمقامات ويجوز أن يكون بقياس أمته بعده على أمم الأنبياء السابقين بعدهم بدليل قوله ﷺ : "لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف" (٢) أو كما قال، قاله الطوفي (٣). وقال ابن رجب (٤): فهذا إخبارٌ منه ﷺ بما وقع بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه في الأقوال والأفعال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه ﷺ من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان ما هو عليه وأصحابه ﵃ ولذلك أمر
следующие страницы →