← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4037–4076 · переход к 4042.

стр. 4037

بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابى الصالح، أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول الله ﷺ مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي ﷺ الإقامة معه بمكة، فقال: "إنك لا تقدر على ذلك الأن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعت بخروجى فأتنى"، وأنه أتى النبي ﷺ بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وكان أخا أبى ذر لأمه، وقدم المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وثلاثون حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفى بها]. قوله ﷺ : "ومن صام في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام ركض الفرس الجواد المضمر" تقدم معنى المباعدة وركض الجواد المضمر في الصوم، قال ابن النحاس عفا الله عنه (١): وقد كان كثير من السلف يصومون في الجهاد ويقاتلون ولا يفطرون احتسابا لذلك عند الله تعالى وطلبا لمرضاته ورغبة في جزيل ثوابه وحكايات الصالحين في سبيل الله مشهورة، وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة الوالد على ولده ودعوة المظلوم ودعوة المسافر" (٢) فإذا كان الله يستجيب دعاء المسافر من حيث هو فلم لا يستجيب دعاء المجاهد

стр. 4038

وهو أكرم الناس سفرا وأعظمهم في سفره أجرًا لهذا جاء في الحديث: "أن الله يستجيب لهم كما يستجيب للرسل" وما ذاك إلا لكرامتهم عليه ورفعة منزلتهم لديه، والله أعلم. ١٩٧٧ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه ﵁. قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الصَّلاة وَالصِّيَام وَالذكر يُضَاعف على النَّفَقَة فِي سَبِيل الله بسبعمائة ضعف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق زبان عَنهُ (١). قوله: وعن سهل بن معاذ، وأبوه هو: معاذ بن أنس الجهني له صحبة وكان بمصر وبالشام، وله ذكر في أهل مصر وأهل الشام. قوله ﷺ : "إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" الحديث، ورواه ابن المنذر أيضا وابن عساكر عن أبي عقيل أنه سمع ابن المسيب يقول: إن الأعمال في سبيل الله تضاعف على النفقات بسبعمائة ضعف، والأعمال الصلاة والتسبيح والذكر والصدقة، فسأل رجل أبا عقيل: عمن يذكر هذا، قال أبو عقيل عن رسول الله ﷺ ، قال عفا الله عنه: وهذا [مرسل] وعلى هذا تكون صلاة المجاهد في سبيل الله بأربعة ألاف صلاة وتسعمائة صلاة، وكذا الصيام والذكر (٢) والله أعلم. ومما يدل على أن نفقة المرابط مضاعفة كنفقة المجاهد (٣) ما في حديث

стр. 4039

أبي أمامة المذكور في آخر الباب أن رسول الله ﷺ قال: "ونفقة الدينار والدرهم منه أي: من المرابط أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره" (١). ١٩٧٨ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵄، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ طُوبَى لمن أَكثر فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله من ذكر الله فَإِن لَهُ بِكُل كلمة سبعين ألف حَسَنَة كل حَسَنَة مِنْهَا عشرَة أَضْعَاف مَعَ الَّذِي لَهُ عِنْد الله من الْمَزِيد الحَدِيت رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير وَفِيه رجل لم يسم (٢). ١٩٧٩ - وَرُوِيَ عَن معَاذ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن رجلا سَألَهُ فَقَالَ أَي الْمُجَاهدين أعظم أجرا قَالَ أَكثَرهم لله ﵎ ذكرا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانيُّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله (٣). قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا".

стр. 4040

١٩٨٠ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَرَأَ ألف آيَة فِي سَبِيل الله كتبه الله مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق زبان عَنهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قَالَ المملي ﵁ وَالظَّاهِر أَن المرابط أَيْضا هُوَ فِي سَبِيل الله فيضاعف عمله الصَّالح كَمَا يُضَاعف عمل الْمُجَاهِد. ١٩٨١ - وَقد رُوِيَ عَن أنس ﵁ يرفعهُ قَالَ صَلَاة فِي مَسْجِدي تعدل بِعشْرَة آلاف صَلَاة وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل بِمِائَة ألف صَلَاة وَالصَّلَاة بِأَرْض الرِّبَاط بألفي ألف صَلَاة الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان فِي كتاب الثَّوَاب (٢). ١٩٨٢ - وروى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي أُمَامَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن صَلَاة المرابط تعدل خَمْسمِائَة صَلاة وَنَفَقَة الدِّينَار وَالدِّرْهَم مِنْهُ أفضل من سَبْعمِائة دِينَار يُنْفِقهُ فِي غَيره وَالله أعلم (٣). قوله: وعن سهل بن معاذ عن أبيه تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من قرأ ألف آية في سبيل الله كتبه الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" قال عفا الله عنه من سورة تبارك الذي بيده الملك إلى آخر القرآن ألف آية، قال الحافظ المنذري: والظاهر أن المرابط أيضا في

стр. 4041

سبيل الله فيضاعف عمله الصالح كما يضاعف عمل المجاهد فقد روى عن أنس ﵁ يرفعه قال: "صلاة في مسجدي تعدل بعشرة ألاف صلاة وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة والصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة" وسبيل الله يحتمل الغزو وأن يراد به الغزو ويحتمل أن المراد بسبيل الله طاعته وقد يستعمل السبيل في الطاعة كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (١) وقوله [تعالى: ﴿وَ] فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وتقدم معناه أبين من هذا. فائدة فيها بشرى المرابط: قال في شفاء الصدور ذكر عبد المؤمن قال: إذا كان يوم القيامة خلق الله تعالى أرضا بيضاء يغشاها سحاب الرحصة ثم ينادي مناد من عند الله تعالى: أين المرابطون اصعدوا على أعلا هذه الأرض فماذا صعدوا نصب لهم كراسي من نور ثم ينادي بهم جبريل قولوا: مثل الذي كنتم تقولون على ساحل البحر يطلب منهم التهليل والتكبير فتمر بهم الأرض مر السحاب حتى يقفوا بين يدي الله ﵎ فيقول لهم مرحبا وأهلا بأوليائي المرابطين في دار الدنيا يا جبريل شق بهم الأرض شقا إلى الجنة (٣).

стр. 4042

الترغيب في الغدوة في سبيل الله والروحة وما جاء في فضل المشي والغبار في سبيل الله والخوف فيه ١٩٨٣ - عَن أنس بن مَالك ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لغدوة فِي سَبِيل الله أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكم من الْجنَّة أَو مَوضِع قيد يَعْني سَوْطه خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَو أَن امْرَأَة من أهل الْجنَّة اطَّلَعت إِلَى أهل الأرْض لأضَاءَتْ مَا بَينهمَا وَلَمَلأتهُ ريحًا وَلنَصِيفهَا على رَأسهَا خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (١). الغدوة بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الذّهاب. والروحة بِفَتْح الرَّاء هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الْمَجِيء. قوله: عن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه. قوله: أن رسول الله ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة" الغدوة هي المرة الواحدة الذهاب والروحة هي المرة الواحدة من المجيء، قاله الحافظ المنذري: وتقدم الكلام على الغدوة والروحة هي المرة مبسوطا في أول الرباط. قوله ﷺ : "ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيد يعني سوطه خير من الدنيا وما فيها" القاب والقيد هنا قيل هو القدر يقال بيني وبينه قاب رمح

стр. 4043

وقاب قوس أي مقدارهما. قوله ﷺ : "ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا" "ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" النصيف الخمار والخمار ما يغطى به الرأس ويقال أيضا للعمامة وكل ما غطى الرأس نصيف وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن، قال: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ومعنى الحديث: ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه سوطه خير من الدنيا وما فيها. ١٩٨٤ - وَعَن أبي أَيُّوب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ غدْوَة فِي سَبيل الله أَو رَوْحَة خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس أَو غربت رَوَاه مسلم وَالنَّسَائيُّ (١). قوله: وعن أبي أيوب تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت" وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. ١٩٨٥ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَوْضِع سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا والروحة يروحها العَبْد فِي سَبِيل الله أَو الغدوة خير من الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَتقدم (٢).

стр. 4044

قوله: وعن سهل بن سعد [هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنا، فسماه النبي ﷺ سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين. قال الزهرى: سمع من النبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثماثين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهرى، وأبو حاتم، وغيرهما (١)]. قوله ﷺ : "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها" والروحة يروحها العبد في سبيل الله، والغدوة خير من الدنيا وما عليها، تقدم تفسير ذلك. ١٩٨٦ - وَرُوِيَ عَنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا رَاح مُسلم فِي سَبِيل الله مُجَاهدًا أَو حَاجا مهلا أَو ملبيا إِلَّا غربت الشَّمْس بذنوبه رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط (٢).

стр. 4045

قوله: وروى عنه، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا غربت الشمس بذنوبه" تقدم الكلام عليه في الحج، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية. ١٩٨٧ - وَعَن ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْغَازِي فِي سَبِيل الله والحاج إِلَى بَيت الله والمعتمر وَفد الله دعاهم فَأَجَابُوهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ كلَاهُمَا عَن عمرَان بن عُيَيْنَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن مُجَاهِد عَنهُ وَالْبَيْهَقِيّ من هَذِه الطَّرِيق فَوَقفهُ وَلم يرفعهُ (١). وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة النَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَقَالَ ابْن مَاجَه فِي آخِره إِن دَعوه أجابهم وَإِن استغفروه غفر لَهُم (٢). قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر. قوله ﷺ : "الغازي في سبيل الله والحاج إلى بيت الله والمعتمر وفد الله دعاهم فأجابوا" الوفد الجماعة، واحدهم وافد وتقدم الكلام على الوفد. ١٩٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تضمن الله لمن خرج فِي سَبيله لا يُخرجهُ إِلَّا جِهَاد فِي سبيلي وإيمان بِي وتصديق برسلي فَهُوَ ضَامِن أَن أدخلهُ الْجنَّة أَو أرجعه إِلَى منزله الَّذِي خرج مِنْهُ نائلا مَا نَالَ من أجر

стр. 4046

أَو غنيمَة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ مَا كلم يكلم فِي سَبِيل الله إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة كَهَيْئَته يَوْم كلم لَونه لون دم وريحه ريح مسك وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْلا أَن أشق على الْمُسلمين مَا قعدت خلاف سَرِيَّة تغزو فِي سَبِيل الله أبدا وَلَكِن لا أجد سَعَة فأحملهم وَلا يَجدونَ سَعَة ويشق عَلَيْهِم أَن يتخلفوا عني وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١). وَرَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائيُّ وَلَفْظهمْ تكفل الله لمن جَاهد فِي سَبيله لا يُخرجهُ من بَيته إِلَّا الْجِهَاد فِي سَبيله وتصديق بكلماته أَن يدْخلهُ الْجنَّة أَو يردهُ إِلَى مَسْكَنه بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة الحَدِيث (٢). الْكَلم بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام هُوَ الْجرْح. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله ﷺ : "تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان وتصديق برسلي" الحديث، معنى تضمن: أي تكفل الله لمن خرج في سبيلة مجاهدا، وفي الرواية الأخرى: "تكفل الله" والتكفل من الكفالة وهي الضمان، قال النووي (٣): ومعناهما أوجب الله له الجنة بفضله

стр. 4047

وكرمه ، قال الشيخ تقي الدين: والضمان والكفالة هنا عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله ، فإن الضمان والكفالة مذكوران لما تضمن وتكفل به، وتحقيق ذلك من لوازمه، وفي رواية: "انتدب الله لمن خرج في سبيله" المعنى والله أعلم: التزم الله أي أجابه إلى غفرانه يقال وندبته فانتدب أي بعثه ودعوته فأجاب، قيل: معناه سارع في الثواب وحسن الجزاء، وقيل: أجاب وقيل: تكفل والندب الحث على الشيء والرغبة فيه وهذا الضمان والكفالة والانتداب موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) الآية، فقوله: "لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي" معناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى. تنبيه: في قوله "لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي" الحديث وقع في الصحيحين: "إلا جهادًا" وكذا "إيمانًا" و"تصديقًا" في جميع النسخ بالنصب وهو مفعول على أنه مفعول له، وتقديره: ولا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الجهاد والإيمان والتصديق. وقوله: "أو تصديق" وفي بعض النسخ "وتصديق" بالواو الواصلة وهو ظاهر. فإن قلت: إذا كان بأو الفاصلة فمعناه إذ لابد من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسل الله لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله إذ من جملة

стр. 4048

الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله وكذا التصديق بالرسل، يستلزم الإيمان بالله وهو ظاهر، وتقديره: لا يخرج المخرج إلا الإيمان والتصديق انتهى. قوله: "فهو ضامن إن أدخله الجنة" ذكروا في قوله "ضامن" هنا وجهين أحدهما أنه بمعنى مضمون كـ ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (١) بمعنى مدفوق، و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ و (٢) بمعنى مرضية، و ﴿لَا عَاصِمَ﴾ (٣) بمعنى معصوم، وفسر كاتم بمعنى مكتوم، والثاني: أنه بمعنى ذو ضمان. قوله: "إن أدخله الجنة" فإن قلت: جميع المؤمنين يدخلهم الله الجنة، فيا وجه اختصاصهم بذلك؟ قلت: قال القاضي: يحتمل أنه يدخله الجنة عند موته، قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) وفي الحديث: "أرواح الشهداء في الجنة" قال: ويحتمل أن يكون المراد دخوله الجنة عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفرة لذنوبه كما صرح به في الحديث الصحيح. قوله: "أو أراجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" ومعنى الحديث أن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيرا بكل حال فأما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما بأجر وغنيمة فهو

стр. 4049

مضمون إحدى الحسنيين وضمانه على الله إما الجنة إن قتل وإما الرجوع إلى أهله بالأجر والغنيمة وإنما عطف الغنيمة على الأجر لأن المجاهد لا يأخذها أجرة على قتاله وإنما هي نحلة من الله تعالى أباحها لهذه الأمة ولم تكن لغيرهم من الأمم كما قال النبي ﷺ : "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وهذا بظاهره يقتضي أن المجاهد لا ينقص أجره بالغنيمة لأنه لم يقاتل ليأخذ الغنيمة وإنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فلا يجوز أن يكون ما منحه الله سببا للنقص في ثوابه، وفي هذا الحديث الحث المؤكد على الجهاد، فإن كفالة الله تعالى باعث عظيم، فقوله ﷺ : "بما نال من أجر وغنيمة" قد يتوهم متوهم أن الأجر لا يجتمع مع الغنيمة وليس كذلك بل المعنى أن الله تعالى يرده بأجر كامل إن لم تحصل غنيمة أو بأجر ما وغنيمة، ومما يدل على أن الأجر يحصل مع الغنيمة قوله ﷺ : "ما من غازية أو سرية يسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" و (أو) في قوله "بأجر أو غنيمة" قال أبو الوليد بن رشد في مقدماته: (أو) هنا بمعنى الواو إذ لا تنفي الغنيمة الأجر، وقد تكون (أو) على بابها فيكون معنى الكلام: مع ما نال من أجر دون غنيمة أو غنيمة مع أجر، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: وهذا التقدير لا بأس به. قوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده ما كلمٌ يكلم في سبيل الله" الكلم الجرح، والجرح بفتح الجيم على المصدر لا غير قاله الأزهري، فأما الجرح بالضم فهو الاسم، قاله في النهاية (١).

стр. 4050

قوله: "إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم يكلم لونه لون دم وريحه ريح المسك" فيه دليل على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره، الحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى، وفيه دليل على جواز اليمين وانعقادها بقوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده" ونحو هذه الصيغة من الحلف بما دل على الذات ولا خلاف في هذا، قال النووي (١): قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله تعالى أو صفاته وما دل على ذاته قال القاضي عياض (٢): واليد هنا بمعنى القدرة والملك والله أعلم (٣). قوله ﷺ : "لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزوا في سبيل الله أبدًا" الحديث، يعني: خلفها وبعدها، وفيه ما كان عليه ﷺ من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان ﷺ يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدئ بأهمها. وفيه: مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم. قوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزوا فأقتل، ثم أغزوا فأقتل" الحديث، وفيه الحث على حسن النية، وفيه:

стр. 4051

استحباب القتل في سبيل الله وجواز قول الإنسان: وددت حصول كذا من الخير الذي يعلم أنه يحصل، قال: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من [خرج في سبيل الله في] قتال البغاة [و] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، أ. هـ، قاله الكرماني (١)، قال النووي (٢): فيه فضيلة الغزو والشهادة وفيه تمني الشهادة والخير وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات، وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين [وقوله و] السرية بتخفيف الراء وتشديد الياء، أي: ما تخلفت عنها بل خرجت في جميعها [بنفسي] لعظم الأجر فيه بارتفاع الدرجات ونيل السعادات بسببه، قال إبراهيم الحربي: السرية هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها قالوا: سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفي ذهابها وهي فعيلة بمعنى فاعلة يقال: أسرى وأسرى إذا ذهب ليلا. فائدة أخرى ثانية: وكانت سراياه ﷺ التي بعث بها على ما ذكره ابن سعد والحافظ شرف الدين الدمياطي ستا وخمسين سرية، وقال موسى بن عقبة سبعا وأربعين سرية، وقيل: ثمانيا وأربعين، وقيل: ستا وثلاثين، وقيل: غير ذلك، قالوا: ولم يقاتل ﷺ إلا في تسع بدر وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وغزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، والخندق وبني قريظة، وقريظة قبيلة من اليهود كانوا في قلعة، وبني المصطلق بضم الميم

стр. 4052

وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية وكسر اللام وقاف، عرب من خزاعة، وكانت هذه الغزوة في سنة ست من الهجرة، وخيبر: وهي بلدة معروفة نحو أربع مراحل من المدينة إلى نحو الشام فتحت سنة سبع، وفتح مكة، وحنين وهو واد بين مكة والطائف وراء عرفات، وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة من الهجرة، والطائف: وهي بلدة معروفة على مرحلتين من مكة من جهة الشرق، وقيل: قاتل بوادي القرى وفي الغابة، وبني النضير، والنضير بفتح النون وكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة، وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر وقد دخلوا في العرب فقريظة والنضير إشارة إلى قبيلتين عظيمتين من يهود خيبر. فائدة ثالثة أخرى: وكانت عدة غزوات النبي ﷺ التي غزاها بنفسه الكريمة على ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة سبعا وعشرين غزوة، ونقل أبو عبد الله محمد بن سعد في الطبقات الاتفاق على أن غزواته ﷺ بنفسه ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة، قال غيرهما: خمسا وعشرين وهذا هو المشهور، وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ غزى تسع عشرة غزوة. فائدة رابعة: وهذه الغزوات التي تقدمت هي التي غزاها بنفسه الشريفة ﷺ ، ومنها: ما قاتل فيه، ومنها: ما لم يتفق فيها قتال، وأعظم سراياه سرية زيد بن حارثة وهي غزوة مؤتة وكانت في جمادي الأولى من سنة ثمان، بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف من المسلمين إلى أرض البلقا من أطراف الشام، وقال: "إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن

стр. 4053

أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس" فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج، أ. هـ. ١٩٨٩ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من فصل فِي سَبِيل الله فَمَاتَ أَو قتل فَهُوَ شَهِيد أَو وقصه فرسه أَو بعيره أَو لدغته هَامة أَو مَاتَ على فرَاشْه بِأَيّ حتف شَاءَ الله مَاتَ فَإِنَّهُ شَهِيد وَإِن لَهُ الْجنَّة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَليد عَن ابْن ثَوْبَان وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن ثَابت بن ثَوْبَان وَيَأْتِي الْكَلَام على بَقِيَّة وَعبد الرَّحْمَن (١). فصل بالصَّاد الْمُهْملَة محركا أَي خرج وقصه بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة محركا أَي رَمَاه فَكسر عُنُقه الحتف بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة فَوق هُوَ الْمَوْت. قوله: وعن أبي مالك الأشعري، تقدم الكلام عليه. قال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه يوم مؤتة بعد قتل زيد بن حارثة فقطعت يده فأخذها بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث و [ثلاثين] سنة [فأثابه] جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه فقطعه نصفين انتهى قاله في الديباجة، وسيأتي الكلام على غزوة مؤتة في فضل الشهداء مبسوطا إن شاء الله تعالى. قوله: وعن أبي مالك الأشعري، تقدم الكلام عليه.

стр. 4054

قوله ﷺ : "من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد" قال الحافظ (١): فصل بالصاد المهملة محركا أي خرج، وقال غيره: خرج من منزله و بلده ومنه الحديث: "لا رضاع بعد فصال" أي: بعد أن يفصل الولد عن أمه، وبه سمي الفصيل من أولاد الإبل فعيل بمعنى مفعول، وقال بعضهم: فصل أي مشى ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ (٢) أي: مشى. وقوله: "أو وقصه فرسه أو بعيره" قال الحافظ (٣): أي رماه فكسر عنقه، أ. هـ، وقال غيره: الوقص الدق والكسر. قوله: "أو لدغته هامة" هو بفتح الدال المهملة والغين المعجمة، والهامة بتشديد الميم واحدة الهوام، وهي ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما، وقال بعضهم: ما له سم إلا أنه لا يقتل فهو من الهوام كالعقرب والزنبور ونحوهما، وقد تقع الهامة على كل ما يدب من الحيوان. وقوله: "أو مات على فراشه" أي: في طريق الغزو بأي حتف شاء الله مات فإنه شهيد وإن له الجنة، والحتف هو الموت. ١٩٩٠ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله عمن خرج حَاجا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْحَاج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر الْمُعْتَمِر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمن خرج غازيا فَمَاتَ كتب الله لَهُ أجر

стр. 4055

الْغَازِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو يعلى من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَبَقِيَّة إِسْنَاده ثِقَات (١). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه وعلى الحديث في الحج. ١٩٩١ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ عهد إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ فِي خمس من فعل وَاحِدَة مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنا على الله من عَاد مَرِيضا أَو خرج مَعَ جَنَازَة أَو خرج غازيا فِي سَبِيل الله أَو دخل على إِمَام يُرِيد بذلك تعزيره وتوقيره أَو قعد فِي بَيته فَسلم وَسلم النَّاس مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا (٢). ١٩٩٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يَحْكِي عَن ربه قَالَ أَيّمَا عبد من عبَادي خرج مُجَاهدًا فِي سبيلي ابْتِغَاء مرضاتي ضمنت لَهُ إِن رجعته أرجعه بِمَا أصَاب من أجر أَو غنيمَة وَإِن قَبضته غفرت لَهُ رَوَاهُ النَّسَائيُّ (٣). قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على معاذ ﵁. قوله: "عهد إلينا رسول الله ﷺ في خمس، من فعل واحدة منهن كان ضامنا

стр. 4056

على الله" ومعنى ضامن على الله أي صاحب ضمنا والضمان الرعاية للشيء كما يقال: تامر ولابن، أي: صاحب تمر ولبن، فمعناه أنه في رعاية الله تعالى وما أجزل هذه العطية اللهم ارزقناها ذكره النووي في أذكاره، وتقدم ذلك في الجلوس في المساجد. ١٩٩٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا يلج النَّار رجل بَكَى من خشيَة الله حَتَّى يعود اللَّبن فِي الضَّرع وَلا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح (١). وَالنَّسَائيُّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنهم قَالُوا وَلا يجْتَمع غُبَار فِي سَبيل الله ودخان جَهَنَّم فِي منخري مُسلم أبدا وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع" هو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٣) علقه على شيء لا يكون، ومعناه: لا يدخل النار أبدًا. اعلم: أن البكاء يكون من سبعة أشياء، البكاء من الحزن، والبكاء من الوجع، والبكاء من الفزع، والبكاء من الفرح، والبكاء من الرياء والكذب، والبكاء من الشكر، والبكاء من خشية الله ، وحُقّ لمن لم يعلم ما

стр. 4057

جرى أنه من الحكم في سابق علم الله تعالى بالسعادة جرى له القلم أو بالشقاوة، ولا يعلم ما الذي ينكشف له من الحال عند المعاينة وبماذا يختم له وهو فيما بين هاتين الحالتين قد ركب المحظورات، وخالف خالقه في المنهيات أن يكثر بكاؤه ونحيبه، قال الهروي: والولوج الدخول. قوله ﷺ : "ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم"، وفي رواية البيهقي وغيره: "ولا يجتمع غبار في سبيل الله في منخري مسلم أبدًا"، وسئل ابن المبارك - قدس الله روحه - أيهما أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقال: "سمع الله لمن حمده"، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا، قال ابن النحاس - عفا الله عنه -: وقد رئي السيد الجليل عبد الله بن المبارك في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قال: بعملك الذي بثتته للناس، قال: لا ولكن بما دخل منخري من الغبار في سبيل الله تعالى. ١٩٩٤ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن جبر ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله فَتَمَسهُ النَّار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ (١). وَرَوَاهُ النَّسَائيُّ وَالتِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث وَلَفظه من اغبرت قدماه فِي سَبيل الله فهما حرَام على النَّار (٢).

стр. 4058

قوله: وعن عبد الرحمن بن جبر، وكنيته: أبو عبس وهو أنصاري صحابي له صحبة شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، قال ابن عبد البر (١): وهو معدود من كبار الصحابة من الأنصار، توفي وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع ونزل في قبره أبو بردة بن نيار وقتادة بن النعمان ومحمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة ولم يخرج له مسلم في كتابه شيئًا، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير الثلاثة وهم البخاري والترمذي والنسائي والمذكورين أخرجوا له هذا الحديث خاصة. قوله ﷺ : "ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" قال ابن بطال في شرح البخاري (٢): مصداق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٣). قوله ﷺ : "ذلك العمل الصالح بأنه لا تمس النار من اغبرت قدماه في سبيل الله" وهذا وعد من النبي ﷺ ، والوعد منه منجز، وسبيل الله جميع الطاعات، أ. هـ قاله في الديباجة.

стр. 4059

١٩٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّار اجتماعا يضر أَحدهمَا الآخر مُسلم قتل كَافِرًا ثمَّ سدد الْمُسلم وقارب وَلا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوف عبد غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم وَلا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب عبد الإِيمَان وَالشح رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَقَالَ النَّسَائيُّ الإِيمَان والحسد وَصدر الحَدِيث فِي مُسلم (١). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر مسلم قتل كافرا ثم سدد المسلم وقارب " الحديث، وفي حديث آخر"لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا" أي: إذا كان الكافر في النار ولا يكون قاتله في النار بل يخرج قاتله بعد استيفاء ما وجب عليه من العذاب، وقيل: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في مجاهدة العدو، وأن ذلك تكفير للذنوب حتى لا يعاقب عليها، أو يكون بنية مخصوصة الله أعلم بها، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار في الأعراف كالحبس عن دخول الجنة، ولا يدخل النار أبدًا، أو يكون أن عوقب بها لا يكون حيث يعاقب الكفار ولا يكون معهم في إدراكها والله أعلم. وقوله في أول الحديث "اجتماعا يضر أحدهما الآخر": يدل أنه اجتماع مخصوص وأنه لا يجتمع معه في وقت أن يستحق العقاب فيعيره بدخوله معه وأن إيمانه وقتله إياه لم يغنه والله أعلم ذكره المنذري في الحواشي.

стр. 4060

١٩٩٦ - وَروِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من رجل يغبر وَجهه فِي سَبِيل الله إِلَّا آمنهُ الله دُخان النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَمَا من رجل تغبر قدماه فِي سَبِيل الله إِلَّا آمن الله قَدَمَيْهِ النَّار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من رجل يغبر وجهه في سبيل الله إلا أمنه الله دخان النار يوم القيامة" الحديث، تقدم تفسيره في الأحاديث قبله. ١٩٩٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ يرفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا يجمع الله فِي جَوف عبد غبارا فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم وَمن اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله باعد الله مِنْهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة مسيرَة ألف عَام للراكب المستعجل وَمن جرح جِرَاحَة فِي سَبِيل الله ختم لَهُ بِخَاتم الشُّهَدَاء لَهُ نور يَوْم الْقِيَامَة لَوْنهَا مثل لون الزَّعْفَرَان وريحها مثل ريح الْمسك يعرفهُ بهَا الأولونَ وَالآخرُونَ يَقُولُونَ فلَان عَلَيْهِ طَابع الشُّهَدَاء وَمن قَاتل فِي سَبِيل الله فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد ورواة إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا أَن خَالِد بن دريك لم يدْرك أَبَا الدَّرْدَاء (٢).

стр. 4061

١٩٩٨ - وروى الطَّبَرَانيُّ فِي الأوْسَط عَن عَمْرو بن قيس الْكِنْدِيّ قَالَ أَنا مَعَ أبي الدَّرْدَاء منصرفين من الصائفة فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اجْتَمعُوا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرم الله سَائِر جسده على النَار (١). قَوْله من الصائفة أَي من غَزْوَة الصائفة وَهِي غَزْوَة الرّوم سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يغزونهم فِي الصَّيف خوفًا من الْبرد والثلج فِي الشتَاء. قوله: وعن أبي الدرداء تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يجمع الله في جوف عبد غبارا في سبيل الله ودخان جهنم" تقدم ذكره. قوله: "ومن اغبرت قدماه في سبيل الله" يعني: جميع الطرق الموصلة إلى الله وهي طاعته "باعد الله منه النار يوم القيامة مسيرة ألف عام" ومعنى المباعدة من النار: المعافاة منها. فائدة [محل هذه الفائدة تقدم في الحديث الذي سبق فيه ذكر السيد الجليل عبد الله بن المبارك - نفعنا الله به -]: قال عبد الله بن محمد قاضي نصيبين: حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأرسلها معي إلى الفضيل بن عياض (٢) في

стр. 4062

سنة سبع وسبعين ومائة وكان عبد الله يفضل الجهاد على الانقطاع للعبادة، والفضيل يرى عكس ذلك، وهذه الأبيات ستذكر بكمالها ونذكر منها ما يتعلق بهذا الحديث: يَا عَابِدَ الحَرَمِيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعَبُ رِيْحُ العَبيْرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيْرُنَا ... رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغبارُ الأطْيَبُ وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا ... قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِقٌ لا يُكْذَبُ لَا يَسْتَوِي وَغُبَارُ خَيْلِ اللهِ فِي ... أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلهبُ هَذَا كتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا ... لَيْسَ الشَّهِيْدُ بِمَيِّتٍ لَا يُكْذَبُ وكان عبد الله بن المبارك فرد زمانه، وكان يقال: هو أمير المؤمنين في كل شيء، قرأ القرآن على أبي عمرو بن العلاء وجالس أبا حنيفة في الفقه، وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنِ ابْنِ المُبَارَكِ، وَهُوَ فِي المُحَدِّثِيْنَ مِثْلُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ فِي النَّاسِ. وقَالَ نُعَيْمُ بن حَمَّادٍ: قَالَ رَجُل لابْنِ المُبَارَكِ: قرأت القرآن البارحة في ركعة، فقال: لكنّي أعرف رجلا لم يزل البارحة يردد ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (١) إلى الصُّبْح ما قدِر أن يتجاوزها، يعني نفسه. أ. هـ قاله في الديباجة (٢). قوله: "ومن جرح جراحة في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء له نور يوم القيامة" إلى قوله: "يقولون فلان عليه طابع الشهداء" والطابع بالطاء المهملة

стр. 4063

وبعد الألف باء موحدة مفتوحة هو: الخاتم يختم به على الشيء وكسر الباء لغة فيه. قوله ﷺ : "ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" فواق الناقة بضم الفاء وفتحها هو ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، ومنه الحديث: "عبادة المريض قدر فواق الناقة"، قال الزمخشري (١): وسمي فواقا لأن اللبن ينزل فيه من فوق الضرع إلى أسفله، أ. هـ، وقيل: ما بين الشخبتين والله أعلم. ١٩٩٩ - وَعَن ربيع بن زِيَاد ﵁: أَنه قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يسير إِذا هُوَ بِغُلَام من قُرَيْش معتزل من الطَّرِيق يسير فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَليْسَ ذَاك فلَان قَالُوا بلَى قَالَ فَادعوهُ فَدَعوهُ قَالَ مَا بالك اعتزلت الطَّرِيق قَالَ يَا رَسُول الله كرهت الْغبار قَالَ فَلَا تعتزله فوالذي نفس مُحَمَّد بيَدِهِ إِنَّه لذريرة الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (٢). قوله: وعن ربيع بن زياد [وقيل: ربيعة بن زيد. وقيل: ابن يزيد السلمي. روى عنه أبو كرز وبرة قال البغوي: لا أدري له صحبة أم لا؟ وجعله أبو داود والنسائي من التابعين]. قوله: قال: يا رسول الله كرهت الغبار قال: "فلا تعتزله فوالذي نفس

стр. 4064

محمد بيده إنه لذريرة الجنة" الذريرة بالذال المعجمة وهي فتات قصب طيب يجاء به من الهند، خرج ابن عساكر بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول لله ﷺ : "الغبار في سبيل الله اسفار الوجوه يوم القيامة" قال ابن النحاس - عفا الله عنه - لما كانت الوجوه يوم القيامة منها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١)﴾ (١) أمن الله الوجه الذي علاه الغبار في سبيل الله من غبره ذلك اليوم وزاده على ذلك أن جعله مسفرا ضاحكا مستبشرا والله ذو الفضل العظيم، أ. هـ. وفي حديث مكحول أنه كره التلثم من الغبار في الغزو، أي: سد الفم باللثام وهو ثوب يتقنع به وإنما كرهه رغبة في زيادة الثواب بما يناله من الغبار في سبيل الله قاله في النهاية (٢)، وحكي ابن يونس الصقلي في كتاب الجامع لمسائل المدونة عن مكحول أنه كره التلثم في سبيل الله يعني من أجل الغبار، قال - عفا الله عنه - وينبغي أن يكون مكروهًا عند غيره أيضًا لما ورد من النهي عن التلثم والترغيب في الغبار وفضله، وقد كره جماعة من العلماء السواك للصائم بعد الزوال لا لنهي ورد فيه ولكن لإزالة الخلوف الذي هو أحب إلى الله من ريح المسك فكراهة التلثم للاحتراز من الغبار أولى لأن السواك من أجل السنن وآكدها وقد صار مكروها لإزالة ذلك الأثر المرغب فيه، فلم لا يُكره التلثم الذي ليس بمسنون ولا مستحب ككونه

стр. 4065

يمنع الغبار الذي هو سبب التحريم على النار، وقد نهى عنه هذا مما لا ينبغي أن يكون في كراهته خلاف والله أعلم. ٢٠٠٠ - وَعَن أبي المصبح المقرائي ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحن نسير بِأَرْض الرّوم فِي طَائِفَة عَلَيْهَا مَالك بن عبد الله الْخَثْعَمِي إِذْ مر مَالك بجابر بن عبد الله ﵄. وَهُوَ يَقُود بغلا لَهُ فَقَالَ لَهُ مَالك أَي أَبَا عبد الله اركب فقد حملك الله فَقَالَ جَابر أصلح دَابَّتي وأستغني عَن قومِي وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار فَسَار حَتَّى إِذا كَانَ حَيْثُ يسمعهُ الصَّوْت نَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا أَبَا عبد الله اركب فقد حملك الله فَعرف جَابر الَّذِي يُرِيد فَقَالَ أصلح دَابَّتي وأستغني عَن قومِي وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله حرمه الله على النَّار فتواثب النَّاس عَن دوابهم فَمَا رَأَيْت يَوْمًا أَكثر مَاشِيا مِنْهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (١). ٢٠٠١ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَنه قَالَ عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى قَالَ بَينا نَحن نسير فَذكره بِنَحْوِهِ وَقَالَ فِيهِ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله إِلَّا حرم الله عَلَيْهِمَا النَّار فَنزل مَالك وَنزل النَّاس يَمْشُونَ فَمَا رئي يَوْمًا أَكثر مَاشِيا مِنْهُ (٢).

стр. 4066

المصبح بِضَم الْمِيم وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة. والمقرائي بِضَم الْمِيم وَقيل بِفَتْحِهَا وَالضَّم أشهر وبسكون الْقَاف بعْدهَا رَاء وَألف ممدودة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بِدِمَشْق. قوله: وعن أبي المصبح المقرأي، المصبح: قال المنذري: بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة، أ. هـ وقال غيره: بضم الميم وتشديد الباء الموحدة وكسرها، والمقرأى بضم الميم وقيل بفتحها والضم أشهر وسكون القاف بعدها راء وألف ممدودة نسبة إلى قرية بدمشق، أ. هـ وقال غيره: نسبة إلى مقرأ قرية بدمشق في ذيل جبل قاسيون، قاله ابن النحاس. قوله: بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي، الحديث، الروم: بنو الأصفر، وسموا به لأن جيشا من الحبشة غلبوهم على ناحيتهم في وقت فوطئ أي الجيش نساءهم فولدت أولادا صفرا بين سواد الحبشة وبياض الروم، وقيل: نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، أ. هـ؟ قال ابن النحاس: مالك بن عبد الله الخثعمي هذا صحابي مشهور يعرف تلك السرايا لأنه كان كثير الغزو، وقاد سرايا الطوائف في سبيل الله تعالى أربعين سنة. ٢٠٠٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا خالط قلب امرئ رهج فِي سَبِيل الله إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (١).

стр. 4067

الرهج بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَقيل بِفَتْحِهَا هُوَ مَا يداخل بَاطِن الإِنْسَان من الْخَوْف والجزع وَنَحْوه. قوله: وعن عائشة تقدم الكلام على عائشة. قوله ﷺ : "ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرم الله عليه النار" الرهج: هو ما بدا من باطن الإنسان من الخوف والجزع ونحوها. هـ، قاله المنذري، وقال بعض العلماء: الرهج الغبار. قوله: حديث آخر: "من دخل جوفه الرهج لم يدخله حر النار"أ. هـ. ٢٠٠٣ - وَرُوِيَ عَن سلمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا رجف قلب الْمُؤمن فِي سَبِيل الله تحاتت عَنهُ خطاياه كَمَا يتحات عذق النَّخْلَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الْكَبِير والأوسط (١). العذق بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الذال الْمُعْجَمَة بعْدهَا قَاف هُوَ القنو وَهُوَ المُرَاد هُنَا وبفتح الْعين النَّخْلَة. ٢٠٠٤ - وَعَن أم مَالك البهزية ﵂ قَالَت ذكر رَسُول الله ﷺ فتْنَة فقربها قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس فِيهَا قَالَ رجل فِي مَاشِيَة يُؤَدِّي حَقّهَا ويعبد ربه وَرجل أَخذ بِرَأْس فرسه يخيف الْعَدو ويخيفونه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن

стр. 4068

رجل عَن طَاوس عَن أم مَالك وَقَالَ حَدِيث غَرِيب وَتقدم (١). قوله: وعن سلمان تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحاتت عنه خطاياه كما تتحات عذق النخلة" قال المنذري: العذق بكسر العين المهملة وإسكان الذال المعجمة بعدها قاف هو القنو وهو المراد هنا وبفتح العين النخلة.

стр. 4069

الترغيب في سؤال الشهادة في سبيل الله ٢٠٠٥ - عَن سهل بن حنيف ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سَأل الله الشَّهَادَة بِصدق بلغه الله منَازِل الشُّهَدَاء وَإِن مَاتَ على فرَاشه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيُّ ابْن مَاجَه (١). ٢٠٠٦ - وَعَن أنس ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من طلب الشَّهَادَة صَادِقا أعطيها وَلَو لم تصبه رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). قوله: عن سهل بن حنيف، كنيته: أبو ثابت ويقال: أبو سعيد ويقال أبو الوليد سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة الأنصاري المدني، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، روى له عن النبي ﷺ أربعون حديثًا، توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلى عليه علي بن أبي طالب. قوله ﷺ : "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" وفي حديث أنس بعده: "من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه" الحديث، أي: لم تقدر له ولم تنله، وقوله: "أعطيها" أي: أعطي

стр. 4070

أجرها، قال النووي (١): معنى الحديث أنه إذا سأل الشهادة يعني أن يقتل شهيدا في سبيل الله بصدق وأعطي ثواب الشهداء وإن مات على فراشه ففيه استحباب طلب الشهادة واستحباب نية الخير ولهذا وضعه مسلم في صحيحه بعد حديث: "الأعمال بالنيات". ٢٠٠٧ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَاتل فِي سَبِيل الله فوَاق نَاقَة فقد وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن سَأل الله الْقَتْل من نَفسه صَادِقا ثمَّ مَاتَ أَو قتل فَإِن لَهُ أجر شَهِيد وَمن جرح جرحا فِي سَبِيل الله أَو نكب نكبة فَإِنَّهَا تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كأغزر مَا كَانَت لَوْنهَا لون الزَّعْفَرَان وريحها ريح الْمسك فَذكر الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالنَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ وَمن سَأل الله الشَّهَادَة مخلصا أعطَاهُ الله أجر شَهِيد وَإِن مَاتَ على فرَاشه وَرَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٢). فوَاق النَّاقة بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الْوَاو هُوَ مَا بَين رفع يدك عَن الضَّرع حَال الْحَلب ووضعها وَقيل هُوَ مَا بَين الحلبتين. قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.

стр. 4071

قوله ﷺ : "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة" قد ذكره الحافظ (١)، وتقدم أيضًا تفسيره. قوله: "ومن سأل الله القتل من نفسه صادقًا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد" تقدم في الحديث قبله. قوله ﷺ : "ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران" الجرح بفتح الجيم على المصدر لا غير، قال الأزهري: فأما الجرح بالضم الاسم، قال المنذري: وأكثر ما يقرأ هذا بالضم كما ذكره في الحواشي، والنكبة سيأتي الكلام علها قريبا، والغزارة الكثرة يقال: غزر الشي بالضم يغزر فهو غزير إذا كثر والله أعلم.

стр. 4072

الترغيب في الرمي في سبيل الله وتعلمه والترهيب من تركه بعد تعلمه رغبة عنه ٢٠٠٨ - عَن عقبَة بن عَامر ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ على الْمِنْبَر يَقُول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١) أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (٢). قوله: وعن عقبة بن عامر، تقدم الكلام عليه. قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣) ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" قد ذهب بعض العلماء إلى إيجابه لهذه الآية الشريفة لأن المراد بالقوة الرمي، والحديث الذي فيه "ألا إن القوة الرمي" ثلاث مرات، رواه مسلم، وقد روى هذا الحديث أبو عوانة في صحيحه، وبوب عليه باب الترغيب في الرمي وإيجابه على المسلم، والدليل على أنه من اللهو المباح، وبيان عقاب من تعلم الرمي ثم تركه، ثم ذكر هذا الحديث، وفي هذا الحديث تصريح بأن [هذا هو تفسيرها] ورد لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا، وفي هذا الحديث وفي الأحاديث بعده

стр. 4073

فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل اللّه، وكذلك المتابعة وسائر أنواع استعمال السلاح وكذلك المسابقة للخيل وغيرها والمراد بهذا كلّه التمرن على القتال والتدرب والتحدق فيه ورياضة الأعضاء بذلك. وفي فتاوي ابن [الصلاح مسألة الرمي] أفضل أو [الضرب بالسيف أجب] الرمي أفضل لأنه أعدة وقوة لأهل طاعة، اللّه تعالى على [أهل معصية اللّه، واستدل بهذا الحديث على [ذلك وبأن رسول اللّه صلى اللّه عليه] وسلم كرر فيه ألا [إن القوة الرمي] ومعنى هذه [الصيغة عند أهل] العلم أن معظم [القوة المأمور بإعدادها] الرمي وهذا [يوجب تفضيل] الرمي على السيف [ثم أورد] رحمه الله تعالى عقبها [مسألة] وهي أنه أيما أفضل [الكرم في طاعة] اللّه أو الشجاعة في طاعة اللّه [أجاب] فقال إن قابلنا بين الكرم المطلق وبين الشجاعة، فالكرم المطلق أرجح وأفضل فإنه يدخل فيه الشجاعة مع سائر أجناس الجود ثم الكرم من صفات الباري سبحانه وتعالي، ولا يوصف تبارك بالشجاعة وإن قابلنا بين الشجاعة على الخصوص وبين الكرم بالمال على الخصوص أو مع ما يلتحق به من المنافع، فالشجاعة أفضل لأنها جود بالنفس والجود بالنفس أقصى غايات الجود (١)، واللّه أعلم. قاله في الديباجة]. ٢٠٠٩ - وَعنهُ ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِن اللّه يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاَثة نفر الْجنَّة صانعه يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر والرامي بِهِ ومنبله وَارْمُوا

стр. 4074

واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا وَمن ترك الرَّمْي بعد مَا علمه رَغْبَة عَنهُ فَإِنَّهَا نعْمَة تَركَهَا أَو قَالَ كفرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَاكِم وَغَيرهَا (١). ٢٠١٠ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِن اللّه يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة صانعه الَّذِي يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر وَالَّذِي يُجهز بِهِ فِي سَبِيل اللّه وَالَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيل اللّه (٢). منبله بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ الَّذِي يناول الرَّامِي النبل وَهُوَ يكون على وَجْهَيْن أَحدهمَا يقوم بِجنب الرَّامِي أَو خَلفه يناوله النبل وَاحِدًا بعد وَاحِد حَتَّى يَرْمِي وَالآخر أَن يرد عَلَيْهِ النبل المرمي بِهِ ويروى والممد بِهِ وَأي الْأَمريْنِ فعل فَهُوَ ممد بِهِ انْتهى (٣). قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله منبله أَي الَّذِي يُعْطِيهِ للمجاهد ويجهز بِهِ من مَاله إمدادا لَهُ وتقوية وَرِوَايَة الْبَيْهَقِيّ تدل على هَذَا.

стр. 4075

قوله: وعنه أيضًا تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن اللّه يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله"، قوله "ومنبله" قد ضبطه المنذري في الترغيب بضم الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحّدة، وضبطه في التنقيح نقلًا عن المنذري أيضًا بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحّدة وكسرها، وهذا رأيتُ أكثر العُلماء نحوا إليه، يقال: نبلت الرجل بالتشديد وكذا أنبلته إذا ناولته النبل، أ. هـ؛ قال البغوي في شرح السنة (١): والمنبل هو الذي يناول الرامي النبل وهو يكون على وجهين [أحدهما] يقوم بجنب الرامي أو خلفه يناوله النبل واحدًا بعد واحد حتى يرمي، والوجه الآخر: أن يرد عليه النبل المرمي به والممد به، وأي الأمرين فعل فهو سعد به، ومما يؤيد ما ذكره البغوي (٢) ما رواه الحاكم وغيره عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال يوم أحد "إنبوا سعدًا، ارم يا سعد رمى اللّه لك فداك أبي وأمي" قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ومعنى قوله: "إنبلوا سعدًا" أي: ناولوه النبل، والنبل: قال الجوهري (٣) وغيره هي السماع العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وقد يجمعوها على نبال وأنبال، أ. هـ. وقال الهروي: وإذا أراد الواحد قالوا نشابة أو سهم، أ. هـ، وقال غير الجوهري: والنبل السهام العربية وهي لطاف ليست بطوال كسهام النشاب

стр. 4076

والحسان أصغر من النبل وهي التي يرمي بها عن القسي الكبار في مجاري من خشب، وذكر الرافعي والنووي (١) وصاحب المغني وغيرهم: أن سهام القوس الأعجمية هي المسماة بالنشاب وأن سهام العربية هي التي تسمي نبلا بالقوس العربية تنقسم على أنواع كثيرة منها الحجازية والواسطية وغيرهما، والقوس العربية: اسم جامع لها وإنما سميت عربية لأن أبا العرب وهو إسماعيل صلوات اللّه وسلامه عليه كان الأصل في رمي العرب، أ. هـ، قال الحافظ ﵀ (٢): ويحتمل أن يكون المراد بقوله "ومنبله" أي: الذي يعطيه المجاهد ويجهزه به من ماله إمدادًا له وتقوية، ورواية البيهقي المذكورة في الكتاب تدل على هذا، أ. هـ، وقال في التنقيح: الظاهر أن الضمير في منبله عائد إلى الرامي واللّه أعلم. ٢٠١١ - وَعَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ قَالَ مرَّ النَّبِيّ ﷺ على قوم ينتصلون فَقَالَ ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كانَ راميا ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِم فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا لكم لَا ترمون قَالُوا كيفَ نرمي وَأَنت مَعَهم قَالَ النَّبِيّ ﷺ ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (٣).
следующие страницы →