قوله: فأعجبته، أي: حسنت في عينه وطابت في قلبه [قاله في المفاتيح (١)].
قوله: فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول اللّه فذكر ذلك لرسول اللّه ﷺ فقال: "لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل اللّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما" فذكره إلى أن قال: "من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة وجبت له الجنة"، فواق الناقة: هو ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها، قيل: هو ما بين الحلبتين، كذا قاله المنذري، وقال غيره: فواق الناقة هو بضم الفاء وفتحها، قال الجوهري (٢) وغيره: فواق الناقة هو ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصل لتذر ثم تحلب، أ. هـ قال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: وعلى هذا فتكون من باب المبالغة في التحريض على القتال والترغيب فيه لا من باب إرادة حقيقة اللفظ، وهذا كقوله ﷺ : "من بني للّه مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني اللّه له بيتا في الجنة" (٣) ومحال أن يسع مفحص القطاة آدميا يصلي فيه، وقال ابن حبيب فيما حكاه عنه ابن رشد في مقدماته: هو قدر ما تحلب فيه وعلى هذا يكون المراد حقيقة اللفظ وهو أحسن، وفي هذا الحديث أدل دليل على ما تقدم من أن الجهاد والتصدى له أفضل من العزلة للعبادة واللّه
стр. 4108
أعلم، يا هذا ليت شعري من يقوم مقام هذا الصحابي في عزلته وعبادته وطيب مطعمه، ومع هذا فقد قال له النبي ﷺ : "لا تفعل" وأرشده إلى الجهاد فكيف لو أحد منا أن يتركه مع أعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجي معها لكثرتها وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه، ونفوس جامحة إلا نهيت عنه ومآكل حكم حلها عند خالقها، وخواطر علم أصلها عند خالقها ونيات لا يتحقق إخلاصها وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها، وروى ابن الجوزي عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول اللّه في سرية من سراياه، قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيفوته ما كان فيه ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا، ثم قال: لو أني أتيت نبي اللّه ﷺ فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه، فقال: يا نبي اللّه إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدّثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا، قال: فقال النبي ﷺ : "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت با [لحنيفية] السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغدوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة" أ. هـ.
٢٠٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَيْضًا قَالَ قيل يَا رَسُول اللّه مَا يعدل الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه قَالَ لَا تستطيعونه فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا كلّ ذَلِك يَقُول لا تستطيعونه ثمَّ قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كَمثل الصَّائِم الْقَائِم القانت بآيَات اللّه لا يفتر من صَلَاة وَلا صِيَام حَتَّى يرجع الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ
стр. 4109
البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١).
٢٠٣٩ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن رجلًا قَالَ يَا رَسُول اللّه دلَّنِي على عمل يعدل الْجِهَاد قَالَ لَا أَجِدهُ ثمَّ قَالَ هَل تَسْتَطِيع إِذا خرج الْمُجَاهِد أَن تدخل مسجدك فتقوم وَلَا تفتر وتصوم وَلَا تفطر قَالَ وَمن يَسْتَطِيع ذَلِك فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَإِن فرس الْمُجَاهِد ليستن يمرح فِي طوله فَيكْتب لَهُ حَسَنَات وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ نَحْو هَذَا (٢).
اسْتنَّ الْفرس عدا.
والطول بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْوَاو هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الدَّابَّة ويمسك طرفه لترعى.
٢٠٤٠ - وَعنهُ ﷺ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة أعدهَا اللّه للمجاهدين فِي سَبِيل اللّه مَا بَين الدرجتين كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض رَوَاهُ البُخَارِيّ (٣).
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله: قال: قيل لرسول اللّه ﷺ : ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه؟ قال: "لا تستطيعونه" فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا كلّ ذلك يقول: "لا تستطيعونه" الحديث، هكذا في بعض النسخ "لا تستطيعونه" بالنون، وهذا جار على اللغة
стр. 4110
المشهورة، وفي بعضها: "لا تستطيعوه" هكذا هو في معظم النسخ "تستطيعوه" وهذا صحيح أيضًا وهي لغة فصيحة، حذف النون من غير ناصب ولا جازم.
قوله ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل الصائم القائم" الحديث، يريد قيام الليل أو قيام الصلاة ومداومة ذلك.
قوله: "لا يفتر" هو صفة للقائم [كقوله: ولقد أمر علي اللئيم يسبني] القانت هنا المطيع، قال ابن الأنباري: القنوت أربعة أقسام: الصلاة وطول القيام وإدامة الطاعة والسكوت، وفي هذا الحديث عظيم فضل الجهاد لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات اللّه أفضل الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفتر عن ذلك في لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى لأحد، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تستطيعونه".
قوله ﷺ : "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر من صلاتك" ولا تفتر معناه: ولا تسكن، قول أبي هريرة: فإن فرس المجاهد لتستريح بمرج في طولة فتكتب له حسنات، استن الفرس: عدا، والطول: بكسر الطاء وفتح الواو وهو الحبل الذي يشد في الدابة ويمسك طرفه لترعى قاله المنذري.
٢٠٤١ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ خرج بِالنَّاسِ قبل غَزْوَة تَبُوك فَلَمَّا أَن أصبح صلى بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح ثمَّ إِن النَّاس ركِبُوا فَلَمَّا أَن طلعت الشَّمْس نعس النَّاس على إِثْر الدلجة وَلزِمَ معَاذ رَسُول اللّه ﷺ يَتْلُو إثره وَالنَّاس تَفَرَّقت بهم رِكَابهمْ على جواد الطَّرِيق تَأْكُل وتسير فَبينا معَاذ
هَذَا الْأَمر أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَإِن قوام هَذَا الْأَمر إقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَإِن ذرْوَة السنام مِنْهُ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه إِنَّمَا أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة ويشهدوا أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَحده لا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَإِذا فعلوا ذَلِك فقد اعتصموا وعصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وحسابهم على اللّه وَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَد مَا شحب وَجه وَلَا اغبرت قدم فِي عمل تبتغى بِهِ دَرَجَات الْآخِرَة بعد الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة كجهاد فِي سَبِيل اللّه وَلَا ثقل ميزَان عبد كدابة تنْفق فِي سَبِيل اللّه أَو يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب عَن معَاذ وَلَا أرَاهُ سمع مِنْهُ (١).
وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة كلهم من رِوَايَة أبي وَائِل عَنهُ مُخْتَصرا وَيَأْتِي فِي الصمت إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (٢).
قوله: وعن معاذ بن جبل، تقدم الكلام عليه.
قوله: إن رسول اللّه ﷺ خرج بالناس قبل غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج رسول اللّه ﷺ إليها في ثمانين ألفا في
стр. 4113
شدة الحر، وسميت تبوك لأنه ﵇ جاءوهم يبوكون بقدح فقال: "ما زلتم تبوكونها بعد" وهو مشتق من البوك.
قوله: نعس الناس على أثر الدلجة؛ نعس: بفتح العين، قوله: على أثر الدلجة، الدلجة: هو نزول المسافر آخر الليل ليستريح.
قوله: ولزم معاذ رسول اللّه ﷺ يتلوا أثره، هو بفتح الهمزة والثاء المثلثة وبكسر الهمزة وسكون الثاء لغتان مشهورتان.
قوله: "والناس قد تفرقت بهم ركابهم على جواد الطريق" الجواد الطرق واحدها جادة وهي سواء الطريق ووسطه، قيل: هي الطريق الأعظم الذي يجمع الطرق ولابد من المرور عليه قاله في النهاية (١).
قوله: عثرت ناقة معاذ فحنكها بالزمام فهبت، الحديث، الزمام: ما يقاد به الدابة.
قوله: حتى نفرت منها ناقة رسول اللّه ﷺ ، وحكي النووي في شرح مسلم في كتاب الحج (٢) في العضباء، والقصوي، والجذعاء، هل هي ناقة واحدة أو نوق؟ فقال ابن قتيبة: كانت للنبي ﷺ نوق ثلاث: القصوي، والعضباء، والجذعاء، وقال القاضي عياض (٣): إنها ناقة واحدة بخلاف ما قاله ابن قتيبة وأن هذا كان اسمها ووصفها، وقال النووي (٤) بعد ذلك: وقد
стр. 4114
قال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي وغيره أن العضباء والقصوى والجذعاء أسماء لناقة واحدة كانت لرسول اللّه ﷺ .
قوله: ثم إن رسول اللّه ﷺ كشف عنه قناعه، القناع: ما يغطى به الرأس.
قوله: فقال معاذ: يا رسول اللّه ائذن لي أن أسألك عن كلمة أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني، وهذا يدلّ على شدة اهتمام معاذ ﵁ بالأعمال الصالحة.
قوله: يا نبي اللّه حدّثني بعمل يدخلني الجنة، لا أسألك عن شيء غيره، وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ (١)، وأما قول النبي ﷺ : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" فالمراد، واللّه أعلم، أن العمل بنفسه لا يستحق به أحدٌ الجنة لولا أن اللّه جعله بفضله ورحمته سببا لذلك والعمل نفسه من رحمة اللّه وفضله على عبيده، وأسبابها كلّ من فضل اللّه ورحمته.
قوله ﷺ : "بخ بخ، لقد سألت عن عظيم" قالها ثلاثًا، وذلك أن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم ولأجله أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل.
قوله ﷺ : "وإنه ليسير على من أراد اللّه به الخير" إشارة إلى أن التوفيق كلّه بيد اللّه تعالى ممن يسر اللّه عليه الهدى اهتدي، ومن لم ييسره عليه لم ييسر له ذلك، وقال ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" أما أهل السعادة فييسرون
стр. 4115
لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.
قوله ﷺ : "وتعبد اللّه وحده لا تشرك به شيئًا حتى تموت وأنت على ذلك" الحديث، إنما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه في الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا بقوله: "تعبد اللّه" أما العبادة فهي الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة اللّه تعالى والإقرار بوحدانيته.
قوله ﷺ : "إن شئت يا معاذ حدّثتك برأس هذا الْأَمر وقوام هذا الْأَمر وذروة السنام" الحديث، أخبر ﷺ عن ثلاثة أشياء رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، فأما رأس الْأَمر: فهو الدين الذي بعث به ﷺ وهو الإسلام، وقد جاء تفسيره في هذا الحديث بالشهادتين فمن لم يقربهما ظاهرا وباطنا فليس من الإسلام في شيء وأما قوام الْأَمر الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده فهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقامة الصلاة هو الإتيان بها بالشروط الصحيحة المكملة مع الدوام عليها، وأما الزكاة فمعروفة يأتي الكلام عليها في أماكنها فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه، والفسطاط الخيمة، وأما ذروة سنامه وهو أعلا ما فيه وأرفعه فهو الجهاد وهذا يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العُلماء قاله ابن رجب الحنبلي، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا شيء بعد فرض الأعيان من أعمال البر أفضل من العلم ثم الجهاد، ومذهب الشافعي: أفضل
стр. 4116
الأعمال بعد الفرائض الصلاة أفضل الأعمال البدنية وتطوعها أفضل التطوع، قاله ابن هبيرة، وقال ابن النحاس - عفا اللّه عنه -: إنما كان الإسلام رأس الْأَمر وهو الدين لأنه لا يصح شيء من الأعمال إلا مع وجوده، فإذا فقد الرأس كانت الأعمال كالجسد بلا رأس فهي موات، ولهذا تجعل يوم القيامة هباء منثورا وإنما كانت الصلاة عمود الدين تشبيها لها بعمود الخيمة لأن أول ما يحاسب به المرء من عمله إقامة الصلاة كذلك أول ما يقام من الخيمة عمودها، وكما أنه إذا ردت الصلاة رد عليه سائر عمله كما جاء في الحديث كذلك عمود الخيمة إن أقيم رفعت وإن حبط حبطت، وأيضًا كما أن الخيمة لا تثبت وتمنع من الحر والبرد إلا إذا أقيم عمودها كذلك لا يثبت الإسلام ويحقن الدم إلا إذا أقيمت الصلاة، وإنما شبه الجهاد بذروة سنام البعير لأن ذروة السنام وهي أعلاه لا يعادلها شيء من أجزاء البعير كذلك الجهاد لا يعادله شيء من أعمال الإسلام لقوله ﷺ لما سئل ما يعدل الجهاد في سبيل اللّه؟ قال: "لا أجده"، وفي رواية: "لا تستطيعونه" هذا ما يظهر لي واللّه أعلم بمراد نبيه ﷺ ، ويحتمل أنه لما كان البعير حاملا الإنسان وموصلا له إلى المكان الذي يرومه شبه به هذا الْأَمر وهو الدين الحنيفي لأنه يوصل المؤمن في سفره الدنيوي إلى موطنه الأول وهو الجنة ثم شبه ﷺ الإسلام وهو التلفظ بالشهادة برأس البعير إذ كان كلّ أحد يمكنه الوصول إلى هذا الإسلام كما يمكنه الوصول إلى رأس البعير إما باللمس أو الرؤية، وشبه الجهاد بذروة سنامه إذ كان لا ينالها إلا أطول الناس جدًّا أو
стр. 4117
مالًا كذلك الجهاد لا يناله إلا أفضل المؤمنين سابقة ومآلا كما قال ﷺ : "لا يناله إلا أفضلهم"، ويحتمل أن النبي ﷺ إنما شبه الجهاد بذروة السنام لأن من تسور السنام فقد حكم على جميع أجزاء البعير كذلك من رزقه الله الجهاد فقد أناله جميع ما في الإسلام من أجزاء الفضل؛ لأن نوم المجاهد أجر، وسفره أجر، ونفقته أجر، ونصبه أجر، وخوفه أجر، وظمأه أجر، وجوعه أجر، وحركاته كلها أجر إلى غير ذلك واللّه سبحانه أعلم.
قوله ﷺ : "إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" الحديث، إذا قال الرسول ﷺ : "أمرت" فهم منه أن اللّه أمره بذلك، وإذا قال الصحابي: فهم منه أن الرسول ﵊ أمره بذلك فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره بذلك.
قوله ﷺ : "ويشهدوا أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله" ومن أعظم [الأعمال وأفضلها] أداء الصلوات في أوقاتها بكمالها وحقوقها كما أمرنا، قال بعض الحكماء: من منع الصلاة منع اللّه منه الشهادة ومن منع الزكاة منع اللّه منه البركة، ومن منع الصدقة منع اللّه منه الصحة، ومن منع الدعاء منع اللّه منه الإجابة، ومن منع الاستغفار منع اللّه منه التوبة.
قوله ﷺ : "فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ومعنى عصموا: منعوا.
قوله ﷺ : "وحسابهم على اللّه" أي: فيما يسرون به من الكفر والمعاصي ويخفونه من النيات ويذرونه من الأعمال الباطنة دون ما يخلون به من
стр. 4118
الواجبات الظاهرة، والمعنى: إنما نحكم عليهم بالإيمان ونؤاخذهم بحقوق الإسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم واللّه يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ويجازي الفاسق بفسقه أو يعفو عنه فذلك إلى المطلع على السرائر، وأن حكم النبي ﷺ والأئمة بعده إنما كان على الظاهر، أما إذا أخلوا بشيء من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر فإنهم يطالبون بموجبه كما قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة، ويدل عليه قوله: "عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه".
قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده" تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "ما شحب وجه ولا اغبرت قدم" الحديث شحب بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدهما باء موحّدة أي تغير، والشحوب من حزن أو خوف أو نحوه.
قوله ﷺ : "ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق في سبيل اللّه" أي: تموت، يقال: نفقت الدابة إذا هلكت أي ماتت، قد جاء في الحديث أن النفقة في سبيل الله توضع في ميزان منفقها كلّ يوم.
قوله: رواه البزار من رواية شهر بن حوشب، تقدم الكلام على شهر بن حوشب، ورواه أحمد وغيره من رواية أبي وائل، أبو وائل: اسمه شقيق بن مسلمة الأسدي، أدرك النبي ﷺ لم يسمع منه شيئًا واللّه أعلم، أ. هـ.
٢٠٤٢ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من رَضِي بِاللّه رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا وَجَبت لَهُ الْجنَّة فَعجب لَهَا أَبُو سعيد
стр. 4119
فَقَالَ أعدهَا عَليّ يَا رَسُول اللّه فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَأُخْرَى يرفع اللّه بهَا للْعَبد مائَة دَرَجَة فِي الْجنَّة مَا بَين كلّ دَرَجَتَيْنِ كمَا بَين السَّمَاء وَالأرْض قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُول اللّه قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا وجبت له الجنة" الحديث، أي: من آمن باللّه ورضي به وبدين الإسلام ونبوة محمد ﷺ وجبت له الجنة واستحق دخولها فإذا دخلها بفضلة وكرمه أعطى الثواب بقدر عمله، وأي عمل أزكى ممن باع نفسه للّه تعالى وبذلها في طاعته وهو الجهاد في سبيله بقتال الكفار أو بقهر الشيطان وعدم طاعته كذا في التحفة، وفي رواية: "ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا" الرضي ينقسم إلى عام وخاص، فالعام هو الرضي بأن لا رب سوى اللّه ولا دين سوى دين الإسلام ولا نبي في زمن المصطفى ولا بعده سواه وهذا هو الظاهر من الحديث، وأما الخاص فقد كان أبو الحُسين النوري يقول: هو سرور القلب بمر القضاء فالرضى بربوبية اللّه تعالى يتضمن الرضى بعبادته وحده لا شريك له والرضى بتدبيره للعبد و اختياره له والرضي بالإسلام دينا يقتضي اختياره على سائر الأديان، والرضي بمحمد ﷺ يقتضي الرضي بجميع ما جاء به من عند اللّه وقبول ذلك بالتسليم والانشراح
стр. 4120
كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) الآية.
قوله: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليّ يا رسول اللّه، فأعادها عليه رسول اللّه ﷺ ثم قال: "وأخرى يرفع اللّه بها للعبد مائة درجة في الجنة ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض"، قال: وما هي يا رسول اللّه؟ قال: "الجهاد في سبيل اللّه" الحديث، قال القاضي عياض (٢): يحتمل أن هذا على ظاهره وأن الدرجات هي المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدري، قال: ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعيم وعظيم الإحسان ما لم يخطر على قلب بشر ولا يصفه مخلوق، وأن أنواع ما أنعم اللّه به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلا كثيرًا ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد، قال القاضي عياض (٣): والاحتمال أظهر وهو كما قال.
فائدة: في صحيح البخاري (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من آمن باللّه ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على اللّه أن
стр. 4121
يدخله الجنة" فذكر الحديث إلى أن قال: "إن في الجنة مائة درجة".
أعدها اللّه للمجاهد في سبيل اللّه، وخرج ابن عساكر عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعن أبي أمامة ﵄ قالا: ذكر عند رسول ﷺ الجهاد، فقال: "إن للمجاهد في سبيل اللّه سبعين درجة من ياقوت ما بين كلّ درجتين مثل ما بين السماء والأرض"، فإن قلت: قد تقدم في حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد أن الدرجات مائة، وفي هذا الحديث أن الدرجات سبعون، فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: أن الوازع لا تقوم به حجة، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة الذي بعده من حيث الصحة لا يقاومهما شيء وإن صح حديث السبعين فيحمل على تفاوت المجاهدين بتفاوت مقاصدهم وإخلاصهم: فمنهم من يرفع سبعين درجة، ومنهم من يرفع مائة درجة، واللّه أعلم، ذكره ابن النحاس في كتابه الذي في الجهاد.
٢٠٤٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁: عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ ذرْوَة سَنَام الْإِسْلَام الْجِهَاد لا يَنَالهُ إِلَّا أفضلهم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (١).
قوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "ذروة سنام الإسلام الجهاد لا يناله إلا أفضلهم" تقدم ذكر ذروة سنام الإسلام في حديث معاذ المطول.
стр. 4122
٢٠٤٤ - وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن عبسة ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ من قَاتل فِي سَبِيل اللّه فوَاق نَاقَة حرم اللّه على وَجهه النَّار رَوَاهُ أَحْمد (١).
قوله: وعن عمرو بن عبسة [هو أبو نجيح، وقيل: أبو شعيب عمرو بن عبسة، بعين مهملة ثم باء موحّدة مفتوحتين، ثم سين مهملة على وزن عدسة، وهذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث، ورأيت جماعة ممن صنف في ألفاظ المهذب يزيدون فيه نونا، وهذا غلط فاحش، ومنكر ظاهر، وإنما ذكرته نتبيها عليه لئلا يغتر به، وهو عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب، ويقال: خفاف بن امرئ القيس بن بهثة، بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة، ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مصر بن نذار السلمى الصحابي الصالح أسلم قديما، وثبت في صحيح مسلم أنه كان رابع أربعة في الإسلام، وأنه قدم على رسول اللّه ﷺ مكة فأسلم رابع أربعة، وطلب من النبي ﷺ الإقامة معه بمكة، فقال: "إنك لا تقدر على ذلك الآن، ولكن ارجع إلى قومك، فإذا سمعتُ بخروجى فأتنى"، وأنه أتى النبي ﷺ بعد ذلك إلى المدينة مهاجرا، وكان أخا أبي ذر لأمه، وفد المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام روى له عن رسول اللّه ﷺ ثمانية وثلاثون
стр. 4123
حديثا، روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو إمامة، وسهل بن سعد، وجماعة من التابعين، سكن حمص، وتوفي بها (١)].
قوله ﷺ : "من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة حرم اللّه على وجهه النار" فواق الناقة، تقدم الكلام عليه.
٢٠٤٥ - وَعَن أبي الْمنْذر ﵁ أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِن فلانا هلك فصل عَلَيْهِ فَقَالَ عمر إِنَّه فَاجر فَلَا تصل عَلَيْهِ فَقَالَ الرجل يَا رَسُول اللّه ألم ترَ اللَّيْلَة الَّتِي صبحت فِيهَا فِي الحرس فَإِنَّهُ كانَ فيهم فَقَامَ رَسُول اللّه ﷺ فصلى عَلَيْهِ ثمَّ تبعه حَتَّى جَاءَ قَبره قعد حَتَّى إِذا فرغ مِنْهُ حثى عَلَيْهِ ثَلَاث حثيات ثمَّ قَالَ يثني عَلَيْك النَّاس شرا وأثني عَلَيْك خيرا فَقَالَ عمر وَمَا ذَاك يَا رَسُول اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ دَعْنَا مِنْك يَا ابْن الْخطاب من جَاهد فِي سَبِيل اللّه وَجَبت لَهُ الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده لا بَأْس بِهِ إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (٢).
قوله: وعن أبي المنذر، أبو المنذر اسمه [لا يعرف وذكره مطين في الصحابة، وأخرجه أبو داود في المراسيل].
قوله: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إن فلانا هلك فصل
стр. 4124
عليه! فقال عمر: إنه فاجر، فلا تصل عليه، فقال الرجل: يا رسول اللّه، ألم تر الليلة التي صبحت فيها في الحرس فإنه كان فيهم، فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا فرغ منه حثى عليه ثلاث حثيات، الحثية أما أخذ بالكف المبسوطة وقيل: الحثية باليد والحفنة باليدين وقيل الحثية ما يحثيه الإنسان بيديه].
٢٠٤٦ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ بَيْنَمَا أَنا عِنْد رَسُول اللّه ﷺ إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان بِاللّه وَجِهَاد فِي سَبيله وَحج مبرور فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ وأهون عَلَيْك من ذَلِك إطْعَام الطَّعَام ولين الْكَلَام وَحسن الْخلق فَلَمَّا ولى الرجل قَالَ وأهون عَلَيْك من ذَلِك لا تتهم اللّه على شَيْء قَضَاهُ عَلَيْك رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن وَاللَّفْظ لَهُ (١).
قوله: وعن عبادة بن الصامت [هو أبو الوليد عبادة بن أبي عبادة الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصارى الخزرجى، شهد عبادة العقبة الأولى والثانية مع رسول اللّه ﷺ ، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان،
стр. 4125
وسائر المشاهد، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، كان نقيبا على القواقل؛ وآخى رسول اللّه ﷺ بينه وبين أبى مرثد الغنوى، واستعمله النبي ﷺ على الصدقات، وكان يعلّم أهل الصفة القرآن، ولما فتح الشام أرسله عمر بن الخطاب، ومعاذا، وأبا الدرداء ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفهموهم، فأقام عبادة بحمص، ومعاذ بفلسطين، وأبو الدرداء بدمشق، ثم صار عبادة إلى فلسطين، روى له عن رسول اللّه ﷺ مائة وأحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. قال الأوزاعى: أول من ولى قضاء فلسطين عبادة، وكان فاضلا، خيرا، جميلا، طويلا، جسيما، توفى ببيت المقدس، وقيل: بالرملة، سنة أربع وثلاثين، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة، وقيل: توفى سنة خمس وأربعين، والأول أصح وأشهر (١)].
قوله: إذ جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه، أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان باللّه وجهاد في سبيله وحج مبرور" تقدم الكلام على ذلك، والحج المبرور: هو الذي لا تقع فيه معصية، وقيل: [هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما].
٢٠٤٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلاثَة حق على اللّه عونهم الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه وَالْمكَاتب الَّذِي يُرِيد الأدَاء والناكح الَّذِي يُرِيد العفاف
стр. 4126
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١).
قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل اللّه والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف" المكاتب هو: العبد الذي يبتاع نفسه من سيده على نجوم معلومة، فإذا أداها إليه وحط عنه السيد بعض الشيء من النجوم صار حرًا.
٢٠٤٨ - وَعَن مَكْحُول ﵁: قَالَ كثر المستأذنون رَسُول اللّه ﷺ إِلَى الْحَج يَوْم غَزْوَة تَبُوك فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ غَزْوَة لمن قد حج أفضل من أَرْبَعِينَ حجَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (٢).
قوله: وعن مكحول [هو أبو عبد اللّه مكحول بن زيد، ويقال: ابن أبي مسلم بن شاذل بن سند بن شروان بن يردك بن يغوث بن كسرى الكابلى الدمشقى، يقال: كابلى، ويقال: هذلى، فالكابلى من سبى كابل، والهذيلى قيل لأنه كان مولى لامرأة من هذيل، وقيل: كان مولى لسعيد بن العاص، فوهبه لامرأة من قريش فأعتقته، وكان يسكن دمشق، وداره عند طرف سوق الأحد، وقال أبو مسهر: لم يسمع مكحول عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدرى
стр. 4127
أدركه أم لا. وقال ابن إسحاق: سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض في طلب العلم. وقال أبو وهيب، عن مكحول: عقبت بمصر فلم أدع بها علما إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق فلم أدع بها علما إلا احتويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول. وقال ابن يونس: كان فقيها، عالما. واتفقوا على توثيقه، سكن دمشق. توفى بها سنة ثمانى عشرة ومائة (١)].
قوله: فقام رجل رث الهيئة، الرث بالثاء المثلثة الشيء البالي، أ. هـ.
قوله: كثر المستأذنون على رسول اللّه ﷺ إلى الحج يوم غزوة تبوك.
قوله: "غزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة" رواه أبو داود في المراسيل من رواية إسماعيل بن عياش [هو إسماعيل بن عياش الحمصي: عالم أهل الشام قال النسائي ضعيف وقال ابن حبان كثير الخطأ في حديثه فخرج عن حد الاحتجاج به وقال علي بن المديني إسماعيل عندي ضعيف وقال ابن خزيمة لا يحتج به وقال أبو داود سمعت ابن معين يقول إسماعيل بن عياش ثقة، وكذا روى عباس عن ابن معين أيضا وقال دحيم هو في الشاميين غاية وخلط عن المدنيين وقال الفسوي: تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشاميين أكثر ما تكلموا فيه قالوا يغرب عن نقات الحجازيين وقال البخاري إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر وقال أبو حاتم لين].
стр. 4128
٢٠٤٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ حجَّة خير من أَرْبَعِينَ غَزْوَة وغزوة خير من أَرْبَعِينَ حجَّة يَقُول إِذا حج الرجل حجَّة الإِسْلَام فغزوة خير لَهُ من أَرْبَعِينَ حجَّة وَحجَّة الإِسْلَام خير لَهُ من أَرْبَعِينَ غَزْوَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَرُوَاته ثِقات معروفون (١).
وعنبسة بن هُبَيْرَة وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَلم أَقف فِيهِ على جرح.
قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه.
قوله: "حجة أفضل من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة" يقول: إذا حج الرجل حجة الإسلام فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإسلام خير له من أربعين، رواه البزار، وفيه عنبسة بن هبيرة [عنبسة بن هبيرة بن النعمان الطائي من أهل حران كنيته أبو مروان يروي عن عكرمة روى عنه عثمان بن عبد الرحمن قال أبو حاتم: مجهول، وقال ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه من غير رواية عثمان الطائفي عنه (٢)].
٢٠٥٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيهَقِيّ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي غزَاة الْبَحْر إِن شَاءَ اللّه (٣).
стр. 4129
قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات" الحديث، تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.
٢٠٥١ - وَعَن أبي بكر بن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ ﵁: قَالَ سَمِعت أبي وَهُوَ بِحَضْرَة الْعَدو يَقُول قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن أَبْوَاب الْجنَّة تَحت ظلال السيوف فَقَامَ رجل رث الْهَيْئَة فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَنْت سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول هَذَا قَالَ نعم فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ أَقرَأ عَلَيْكُم السَّلَام ثمَّ كسر جفن سَيْفه فَأَلْقَاهُ ثمَّ مَشى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدو فَضرب بِهِ حَتَّى قتل رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وغيرهما (١).
جفن السَّيْف بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان الْفَاء هُوَ قرَابه.
قوله: وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري [أخو أبي بردة بن أبي موسى، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، وقال أبو عبيد الآجري: قلت لأبي داود: أبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة بن أبي موسى، كان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني
стр. 4130
قاتل عمار فأجلسه إلى جنبه، وقال: "مرحبا بأخي"، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، ومات في ولاية خالد بن عبد اللّه (١)].
قوله: سمعت أبي وهو بحضرة العدو، هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال: أيضًا يحضر العدو بفتح الحاء والضاد وحذف الهاء، ذكره النووي في شرح مسلم (٢).
قوله ﷺ : "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" قال العلماء: معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها، وقيل: المراد به الدنو من الأقران حتى يكونوا تحت ظلال سيوفهم ولا يفرون منهم وكل شيء علاك ودنا منك فقد أظلك، وقيل: معناه ثواب اللّه والسبب الوصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل اللّه، ومشي المجاهد في سبيل اللّه فأحضروا فيه بصدق واثبتوا، قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العمدة: هو من باب البلاغة والمجاز الحسن فيجوز أن يكون من مجاز التشبيه مع حذف المضاف، فإن ظل الشيء لما كان ملازما له جعل ثواب الجنة واستحقاقها بالجهاد وأعمال السيوف لازما لذلك كما يلزم الظل، أ. هـ؛ قال - عفا اللّه عنه -: والذي يظهر في معناه واللّه أعلم أنه من رفع يده بالسيف ضاربا به في سبيل اللّه أو رفع عليه سيف في سبيل اللّه على أي حال
стр. 4131
ظلل عليه السيف صار بذلك كأنه وصل إلى أبواب الجنة فيوشك أن يستشهد فيدخلها في الحال أو يؤخر فيموت على فراشه فيدخلها في المآل لأن من قاتل في سبيل اللّه وجبت له الجنة فكأن أبواب الجنة لذلك تحت ظلال السيوف حقيقة، وشبيه بهذا قوله ﷺ يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض".
قوله ﷺ لمن جاء يستأذنه في الجهاد: "ألك والدن؟ " قال: نعم، قال: "الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما" وكذلك ما روي في الحديث: "الجنة تحت ظلال السيوف وتحت أقدام الأمهات" وأشباه ذلك والله أعلم.
قوله: "الجنة تحت ظلال السيوف" أي: تحت بارقة السيوف وبارقة السيوف هو ظلها الذي يقع على الأرض وغيره ولما كان بارقة السيوف مما يفزع الأنفس ويكون سببا لفرارها، بيّن ﷺ أن من وقف تحت ظلال السيوف وحبس نفسه على القتال دخل الجنة قُتل أم لم يقتل لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (١) ويحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون المعنى أن الصبر على بارقة السيوف ثوابه أفضل من الجنة وأن الجنة دونه وأن ثوابه ﵁: أفضل من الجنة وكذلك النظر إلى وجهه الكريم، الثاني: أنه يعبر بالتحت [عما] خفي عن المشاهدة بالبصر، وقد يكون للشيء ظاهر مكروه وباطن محبوب ببارقة السيوف ظاهرها ورؤيتها مما يكره النفس وثواب الجنة منطو فيها والصبر على بارقة السيوف
стр. 4132
كالصبر على شرب الدواء لما فيه من النفع العظيم والصبر على القتال في سبيل الله في ضمنه تكفير الذنوب وحصولها الجنة، وهذا وقع نظيره في الدجال فإنه يأتي ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار فجنته ظاهرها محبوب وباطنها مكروه وناره على العكس ظاهرها مكروه وباطنها محبوب، ومما قيل فيه:
فَنَارُهُ جَنَّة طُوْبَي لِدَاخِلِها ... وَزُوْرُ جَنّتِهِ نَارٌ مِنَ السُّعُرِ
ولما كانت الجنة منطوية فيما يشاهد من المكروه من طلال السيوف أي: بارقتها، وكان المجاهد كأنه يرى الموت عيانا أعطى اللّه تعالى للمجاهد خصلتين إحداهما: ألا يذوق من ألم الموت إلا كما يذوق الإنسان من قرصة البقة، كما رواه النسائي عنه ﷺ ، ويكفيه بارقة السيوف عبارة عن السكرة، الثانية: أنه قتل حصلت له الشهادة والحياة الأبدية من غير تأخير حسب قوله تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١) بيّن تعالى أنهم في البرزخ أحياء يتنعمون بالجنة وأن عملهم لا ينقطع بموتهم كما جاء في الخبر الآخر، أ. هـ، واللّه أعلم، وعن الحسن أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما أذن اللّه لعبد في جهاد ولو قدر فواق ناقة إلا استحيى أن يرده إلى منزله ولم يعتقه من النار" ذكره صاحب شفاء الصدور.
فائدة: ذكر غير واحد أن أول سيف سلّ في سبيل اللّه تعالى سيف الزبير بن العوام ﵁ لدعوة النبي ﷺ له، وذلك أنه أسلم وله ثمان سنين فنفخت
стр. 4133
نفخة من الشيطان أن النبي ﷺ أخذ بأعلى مكة فخرج الزبير وهو ابن ثنتي عشرة سنة ومعه سيف حتى أتى النبي ﷺ فقال: "ما لك؟ " قال: أخبرت أنك أخذت، فقال: كنت صانعا ماذا، قال: كنت أضرب به من أخذك فدعا له النبي ﷺ فكان سيفه أول سيف سل في سبيل الله وهو أحد شجعان الإسلام وأبطاله، قال ابن أبي الزناد: ضرب الزبير يوم الخندق عثمان بن عبد الله بن المغيرة بالسيف على مغفره فقطعه إلى القربوس، فقالوا: ما أجود سيفك؟ فغضب الزبير يريد أن العمل ليده لا للسيف، وهذه الضربة إحدى الضربات المشهورة في الإسلام، أ. هـ، قاله ابن النحاس.
فائدة أخرى: كان للنبي ﷺ أسياف، منها: (المأثور) ورثه من أبيه وقدم به المدينة، ومنها: (العضب) بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة أرسل به إليه سعد بن عبادة عند توجهه إلى بدر، ومنها: (ذو الفقار) بكسر الفاء وقيل بفتحها كان في وسطه مثل فقرات الظهر غنمه يوم بدر وكان معه في حروبه كلها وكانت قائمته وحلقه وعلاقته وبكراته ونصله فضة، ومنها: (الصمصام) بصادين مهملتين مفتوحتين وهو سيف عمرو بن معدي كرب وكان مشهورًا، ومنها: (القلعي) بفتح القاف واللام نسبه إلى مرج القلعة بالبادية، ومنها: (البتار) بباء موحدة ثم مثناة فوق مشددة، ومنها: (الحتف) بفتح الحاء المهملة وهو من أسماء الموت، ومنها أيضًا: (الرِّسُوب) وكان عنده، من رسب في الماء إذا غاص فيه، لأن ضربته تغوص في المضروب به، ومنها: (المخذم) بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الذال المعجمة
стр. 4134
وهو اسم للسيف القاطع والقضيب، أ. هـ.
فائدة أخرى: وقد روى في السيوف والرماح أحاديث وفضائل، منها: ما رواه أحمد من حديث عبد اللّه بن عمرو قال: قال رسول اللّه ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي" الحديث، ومنها: "أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ومنها: "أن السيوف مفاتيح الجنة"، ومنها: "أن الضرب بالسيف في سبيل اللّه سبب لدخول الجنة"، ومنها: ما روي أن "من تقلد سيفا في سبيل اللّه قلده اللّه وشاح الكرامة ورداه رداء الإيمان"، ومنها: ما روي أن "من تقلد سيفا في سبيل اللّه قلده اللّه تعالى وشاحين من الجنة وأن اللّه يباهي ملائكته بسيف الغازي ورمحه"، ومنها: ما روي أن الملائكة تصلي على الغازي ما دام سيفه معلقا في عنقه، أ. هـ.
٢٠٥٢ - وَعَن الْبَراء ﵁ قَالَ أَتَى النَّبِي ﷺ رجل مقنع بالحديد فَقَالَ يَا رَسُول اللّه أقَاتل أَو أسلم قَالَ أسلم ثمَّ قَاتل فَأسلم ثمَّ قَاتل فَقتل فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ عمل قَلِيلا وَأجر كثيرا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم (١).
٢٠٥٣ - وروى مُسلم عَن جَابر ﵁: قَالَ جَاءَ رجل من بني النبيت قبيل من الأَنصَار فَقَالَ أشهد أَن لا إِلَه إِلَا اللّه وَأنَك عَبده وَرَسُوله ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل فَقَالَ النَّبِي ﷺ عمل هَذَا يَسِيرا وَأجر كثيرا (٢).
стр. 4135
مقنع بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة أَي متغط بالحديد وَقيل على رَأسه خوذة وَقيل غير ذَلِك.
قوله: وعن البراء، هو البراء بن عازب تقدم الكلام على مناقبه ﵁.
قوله: أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، قال الحافظ (١): أي متغط بالحديد، قيل: على رأسه خوذة، وقيل: بيضة وهي الخوذة، لأن الرأس موضع القناع، قاله في [النهاية] وقيل: غير ذلك، ومنه الحديث أن النبي ﷺ زار قبر أمه في ألف مقنع، أي: ألف فارس مغطى بالسلاح.
قوله ﷺ : "عمل هذا قليلا" إشارة إلى الزمان الذي قتل فيه وهو زمان يسير لم يفتقر إلى أداء شيء من العبادات.
قوله: "وأجر كثير" إشارة إلى ما حصل له من الفوز بالشهادة.
قوله: في حديث جابر من رواية مسلم: جاء رجل من بني النبيت قبيل من الأنصار، النبيت: هو بنون مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة ثم مثناة تحت ساكنة ثم مثناة فوق وهم قبيل من الأنصار كما ذكر في حديث جابر، وقال غيره: بنو النبيت: جيل من النصارى.
٢٠٥٤ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ انْطلق رَسُول اللّه ﷺ وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر وَجَاء الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا يتقدمن أحد مِنْكُم إِلَى شَيْء حَتَّى أكون أَنا دونه فَدَنَا الْمُشْركُونَ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ قومُوا إِلَى
стр. 4136
جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالأرْض قَالَ عُمَيْر بن الْحمام يَا رَسُول اللّه جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالأرْض قَالَ نعم قَالَ بخ بخ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا يحملك على قَوْلك بخ بخ فَقَالَ لا وَاللّه يَا رَسُول اللّه إِلَا رَجَاء أَن أكون من أَهلهَا قَالَ فَإنَّك من أَهلهَا فَأخْرج تمرات من قرنه فَجعل يَأْكُل مِنْهُنَّ ثمَّ قَالَ إِن أَنا حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة فَرمى بِمَا كَانَ مَعَه من التَّمْر ثمَّ قَاتلهم حَتَّى قتل ﵁ رَوَاهُ مُسلم (١).
الْقرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء هُوَ جعبة النشاب.
قوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه.
قوله: انطلق رسول اللّه ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، وغزاة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه ﷺ بنفسه كما تقدم ذلك.
قوله ﷺ : "لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" الحديث أي: قدامه متقدما في ذلك الشيء لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا يعلمونها.
قوله ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" أي: إلى سبب جنة وهو القتال لإعلاء كلمة اللّه تعالى، وقيل: قوموا إلى قتال إن قتلتم فلكم الجنة، والجنة هي دار النعيم في الدار الآخرة من الاجتنان وهو الستر لتكاثف
стр. 4137
أشجارها وتطليلها بالتفاف أغصانها.
قوله: فقال عمير بن الحمام: يا رسول اللّه جنة عرضها السموات والأرض، قال: "نعم"؛ عمير بن الحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي الصحابي، شهد بدرا واستشهد بها، وذكر ابن عقبة في مغازيه أن عمير أول قتيل يومئذ من الأنصار في الإسلام، وكان النبي ﷺ آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث المطلبي فاستشهدا في وقعة بدر ﵄، والقاتل لعمير بن الحمام خالد بن الأعلم العقيلي، قيل: بل أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة.
قوله: بخ بخ، بفتح الباء وإسكان الخاء المعجمة وهي كلمة تقال عند تعظيم الأمور وتفخيمه في الخير تعجبا ويقال فيها أيضا بخ بخ بالخفض منونا.
قوله: فقال رسول اللّه ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ؟ " قال لا واللّه يا رسول اللّه إلا رجاءة أن أكون من أهلها قال "فإنك من أهلها" هكذا هو في أكثر النسخ المعتمدة، (رجاءة) بالمد ونصب التاء وفي بعضها رجاء بلا تنوين وفي بعضها بالتنوين ممدودا بحذف التاء وكله صحيح معروف في اللغة ومعناه: واللّه ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها.
قوله: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، القرن هو جعبة النشاب أي السهام وهي تصنع من جلد قش ويجعل فيها النشاب والقرن بالتحريك ويجمع على أقرن وأقران كحبل وأحبال ومنه الحديث "الناس يوم القيامة
стр. 4138
كالنبل في القرن يجتمعون مثلها" قاله في النهاية (١).
قوله: فإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، أي لم ير تأخير الغزو إلى الفراغ من أكل التمر فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ﵁ الحديث. في هذا الحديث جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز بلا كراهة فيه عند جماهير وفيه ثبوت الجنة للشهيد وفيه المبادرة بالخير وأنه لا يشتغل عنه بحظوظ النفس وفيه أن عميرا إنما قاتل رجاء دخول الجنة، وقد شهد النبي ﷺ أنه من أهلها.
٢٠٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ لا يجْتَمع كَافِر وقاتله فِي النَّار أبدا رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكم أطول مِنْهُ (٢).
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيت معَاذ بن جبل.
٢٠٥٦ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ يَعْنِي يَقُول اللّه الْمُجَاهِد فِي سبيلي هُوَ عَليّ ضَامِن إِن قَبضته أورثته الْجنَّة وَإِن رجعته رجعته بِأَجْر أَو غنيمَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح (٣) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَتقدم.
стр. 4139
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ "لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا" الحديث وفي رواية "لا يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر" قيل من هم يا رسول اللّه؟ قال "هو من قتل كافرا ثم سدد" قال القاضي عياض (١) في الرواية الأولى يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في الجهاد فيكون ذلك مكفرا لذنوبه حتى لا يعاقب عليها أو تكون نيته مخصوصة أو حالة مخصوصة، ويحتمل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أولا ولا يدخل النار أو يكون إن عوقب به في غير موضع عقاب الكفار ولا يجتمعان في إدراكها، قال وأما قوله في الرواية الثانية اجتماع يضر أحدهما الآخر فيدل على أنه اجتماع مخصوص قال وهو مشكل المعنى وأوجه ما فيه أن يكون معناه ما أشرنا إليه أنهما لا يجتمعان في وقت إن استحق العقاب فيعيره بدخوله معه وأنه لم ينفعه إيمانه وقتله إياه، وقد جاء مثل هذا في بعض الآثار لكن قوله في هذا الحديث: مؤمن قتل كافرا ثم سدد مشكل لأن المؤمن إذا سدد ومعناه استقام على الطريقة المثلى ولم يخلط لم يدخل النار أصلا سواء قتل كافرا أو لم يقتله، قال القاضي ووجهه عندي أن يكون قوله ثم سدد عائدا على الكافر القاتل ويكون بمعنى الحديث الآخر "يضحك اللّه من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة" ورأى بعضهم هذا اللفظ تغييرا من بعض الرواة وأن صوابه "مؤمن قتله كافر ثم سدد" ويكون معنى قوله "لا
стр. 4140
يجتمعان في النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر" أي لا يدخلانها للعقاب ويكون هذا استثناء من اجتماع الورود وتخاصمهم على جسر جهنم هذا آخر كلام القاضي عياض (١) والله أعلم.
وقد تقدم الكلام على شيء من ذلك من كلام المنذري في الحواشي.
٢٠٥٧ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من جَاهد فِي سَبِيل اللّه كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن عَاد مَرِيضا كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن غَدا إِلَى الْمَسْجِد أَو رَاح كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن دخل على إِمَام يعزره كَانَ ضَامِنا على اللّه وَمن جلس فِي بَيته لم يغتب إنْسَانا كَانَ ضَامِنا على اللّه رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لَهما (٢).
وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِنَحْوِهِ وَعِنْده أَو خرج مَعَ جَنَازَة بدل وَمن غَدا إِلَى الْمَسْجِد وَرَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَتقدم لَفْظهمَا (٣).
وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد من حَدِيث أبي أُمَامَة إِلَا أَن عِنْده الثَّالِثَة وَرجل دخل بَيته بِسَلام فَهُوَ ضَامِن على اللّه (٤).
قوله: وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على ذلك.
стр. 4141
قوله: "فهو علي ضامن" بمعنى مضمون ويجيء فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (١) أي مرضية وقوله تعالى: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢) أي مدفوق قيل معناه ذا ضمان كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) وذا عيشة راضية ومعنى "ضامن على اللّه تعالى": أي صاحب ضمان، والضمان: الرعاية للشيء، كما يقال: تَامِرٌ، ولَابنٌ: أي صاحب تمر ولبن فمعناه أنه في رعاية اللّه تعالى وحفظه ذكره النووي في الأذكار (٤).
قوله ﷺ : "من غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنا على اللّه" الحديث، الغدو والرواح عند العرب يستعملان في السير متى كان ليلا أو نهارا يقال راح أول النهار وآخره وغدا بمعناه، هذا كلام الأزهري (٥).
قوله: "ومن دخل على إمام يعزره كان ضامنا على اللّه" تقدم الكلام على قوله: يعزره في المشي إلى المساجد.
قوله: "ورجل دخل بيته بسلام" قيل يحتمل وجهين أحدهما أن يسلم إذا دخل منزله كما قال تعالى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً
стр. 4142
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (١) الوجه الآخر أن يكون أراد بدخوله بيته أي لزم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب بذلك من العزلة ويأمن بالإقلال من الخلطة ذكره المنذري في الحواشي (٢) أ. هـ.
٢٠٥٨ - وَعَن عبد اللّه بن حبشِي الْخَثْعَمِي ﵁ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان لا شكّ فِيهِ وَجِهَاد لا غلُول فِيهِ وَحجَّة مبرورة قيل فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل قيل فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ من هجر مَا حرم اللّه قيل فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ من جَاهد الْمُشْركين بنَفسِهِ وَمَاله قيل فَأَي الْقَتْل أشرف قَالَ من أهريق دَمه وعقر جَوَاده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم (٣).
قوله: وعن عبد اللّه بن حبشي الخثعمي ﵁[سكن مكة، وله صحبة. روى عنه عبيد بن عمير ومحمد بن جبير بن مطعم (٤)].
قوله: "أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة" تقدم الكلام على ذلك.
قوله: قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل [أي قدر ما يحتمله حال القليل المال].
стр. 4143
قوله: قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بنفسه وماله.
قيل فأي القتل أشرف قال من أهريق دمه" يقال هراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبه وأصله أراق يريق إراقة وفي الحديث الآخر: "قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال وما الجهاد قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال فأي الجهاد أفضل قال من عقر جواده وأهريق دمه" الجواد الفرس الجيد سمي بذلك لأنه يجود بجريه والأنثى جواد أيضا قاله في الديباجة.
٢٠٥٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : جاهدوا فِي سَبِيل اللّه فَإِن الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يُنجي اللّه ﵎ بِهِ من الْهم وَالْغَم رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده (١).
قوله وعن عبادة بن الصامت ﵁ تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : جاهدوا في سبيل اللّه فإن الجهاد في سبيل اللّه باب من أبواب الجنة".
٢٠٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل القانت الصَّائِم لا يفتر صَلَاة وَلا صياما حَتَّى يرجعه اللّه إِلَى أَهله بِمَا يرجعه إِلَيْهِم من أجر أَو غنيمَة أَو يتوفاه فيدخله الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان
стр. 4144
في صَحِيحه (١). عَن شَيْخه عَمْرو بن سعيد بن سِنَان قَالَ وَكَانَ قد صَامَ النَّهَار وَقَامَ اللَّيْل ثَمَانِينَ سنة غازيا ومرابطا. قَالَ المملي ﵀ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَتقدم.
٢٠٦١ - وَفِي رِوَايَة للنسائي فِي هَذَا الحَدِيث مثل الْمُجَاهِد فِي سَبيل اللّه وَاللّه أعلم بِمن جَاهد فِي سَبيله كمثل الصَّائِم الْقَائِم الخاشع الرَّاكع الساجد (٢).
قوله عن أبي هريرة ﵁: تقدم الكلام عليه.
قوله ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل القانت الصائم لا يفتر صلاة ولا صياما" ومعنى القانت هنا المطيع وقد تقدم الكلام على ذلك.
٢٠٦٢ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁: عَن النَّبِي ﷺ أَن امْرَأَة أَتَتهُ فَقَالَت يَا رَسُول اللّه انْطلق زَوجي غازيا وَكنت أقتدي بِصَلَاتِهِ إِذا صلى وبفعله كُله فَأَخْبرنِي بِعَمَل يبلغنِي عمله حَتَّى يرجع قَالَ لَهَا أتستطيعين أَن تقومي وَلا تقعدي وتصومي وَلا تفطري وتذكري اللّه تَعَالَى وَلا تفتري حَتَّى يرجع قَالَت مَا أُطِيق هَذَا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أطقته مَا بلغت العشور من عمله رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة رشدين بن سعد وَهُوَ ثِقَة عِنْده وَلا بَأْس بحَديثه فِي المتابعات وَالرَّقَائِق (٣).
стр. 4145
العشور جمع عشرَة وَهُوَ الْوَاحِد من عشرَة أَجزَاء.
قوله وعن معاذ بن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه.
قوله: أن امرأة أتته فقالت يا رسول اللّه انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى وبفعله كله فأخبرني بعمل يبلغني عمله حتى يرجع فذكره إلى أن قال والذي نفسي بيده لو أطقته ما بلغت العشور من عمله. قال الحافظ (١): العشور جمع عشر وهو الواحد من عشرة أجزاء قد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي ﷺ يسأله عن عمل يعدل الجهاد وفات بعض النساء الحج مع رسول اللّه ﷺ فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة قال "اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجه أو حجة معي" ا هـ.
ولما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء. اهـ.
فائدة فيها بشرى لهذه الأمة زادها اللّه شرفا: حكى القرطبي في تفسيره عن كعب الأحبار (٢) قال: كان ملكا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى اللّه إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه اللّه ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في العسكر، ويخرجه
стр. 4146
مجاهدا في سبيل اللّه، فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في العسكر، فكان كل واحد يقتل في شهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار، فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك، فأنزل اللّه تعالى: ليلة القدر خير من ألف شهر من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل اللّه.
قال المؤلف عفا اللّه عنه: وهذا من سعة فضل اللّه على هذه الأمة يضاعف لها من العمل اليسير ما لم تدركه الأمم السالفة في العمر الطويل والعمل الكثير فإذا كانت ليلة القدر لهذه الأمة خيرا من ألف شهر من شهور ذلك الملك فكيف بما هو أفضل من ليلة القدر عند الحجر الأسود وهو موقف ساعة في سبيل اللّه تعالى كما صح ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ واللّه أعلم أبيات في فضل الجهاد:
قال عبد اللّه بن محمد قاضي نصيبين حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال أملى علي عبد اللّه بن المبارك بهذه الأبيات بطرسوس فأرسلها إلى مكة إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة وكان عبد الله يفضل الجهاد على الانقطاع والفضيل يرى عكس ذلك وهي هذه الأبيات:
يَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرتَنا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العِبَادَةِ تَلْعبُ
مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ ... فَنَحُوُرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّب
أوْ كَانَ يُتعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ ... فَخُيُوْلنا يَوْم الصبيحة تَتْعَبُ
ريْحُ العَبيْرِ لكُمْ وَنحْنُ عَبِيرنا ... رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبارُ الأطْيَبُ