← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4142–4181 · переход к 4147.

стр. 4142

مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (١) الوجه الآخر أن يكون أراد بدخوله بيته أي لزم البيت طلب السلامة من الفتن يرغب بذلك من العزلة ويأمن بالإقلال من الخلطة ذكره المنذري في الحواشي (٢) أ. هـ. ٢٠٥٨ - وَعَن عبد اللّه بن حبشِي الْخَثْعَمِي ﵁ أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ أَي الأعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان لا شكّ فِيهِ وَجِهَاد لا غلُول فِيهِ وَحجَّة مبرورة قيل فَأَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل قيل فَأَي الْهِجْرَة أفضل قَالَ من هجر مَا حرم اللّه قيل فَأَي الْجِهَاد أفضل قَالَ من جَاهد الْمُشْركين بنَفسِهِ وَمَاله قيل فَأَي الْقَتْل أشرف قَالَ من أهريق دَمه وعقر جَوَاده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم (٣). قوله: وعن عبد اللّه بن حبشي الخثعمي ﵁[سكن مكة، وله صحبة. روى عنه عبيد بن عمير ومحمد بن جبير بن مطعم (٤)]. قوله: "أن النبي ﷺ سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة" تقدم الكلام على ذلك. قوله: قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل [أي قدر ما يحتمله حال القليل المال].

стр. 4143

قوله: قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بنفسه وماله. قيل فأي القتل أشرف قال من أهريق دمه" يقال هراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبه وأصله أراق يريق إراقة وفي الحديث الآخر: "قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال وما الجهاد قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال فأي الجهاد أفضل قال من عقر جواده وأهريق دمه" الجواد الفرس الجيد سمي بذلك لأنه يجود بجريه والأنثى جواد أيضا قاله في الديباجة. ٢٠٥٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : جاهدوا فِي سَبِيل اللّه فَإِن الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يُنجي اللّه ﵎ بِهِ من الْهم وَالْغَم رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَالْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده (١). قوله وعن عبادة بن الصامت ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : جاهدوا في سبيل اللّه فإن الجهاد في سبيل اللّه باب من أبواب الجنة". ٢٠٦٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل القانت الصَّائِم لا يفتر صَلَاة وَلا صياما حَتَّى يرجعه اللّه إِلَى أَهله بِمَا يرجعه إِلَيْهِم من أجر أَو غنيمَة أَو يتوفاه فيدخله الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان

стр. 4144

في صَحِيحه (١). عَن شَيْخه عَمْرو بن سعيد بن سِنَان قَالَ وَكَانَ قد صَامَ النَّهَار وَقَامَ اللَّيْل ثَمَانِينَ سنة غازيا ومرابطا. قَالَ المملي ﵀ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَتقدم. ٢٠٦١ - وَفِي رِوَايَة للنسائي فِي هَذَا الحَدِيث مثل الْمُجَاهِد فِي سَبيل اللّه وَاللّه أعلم بِمن جَاهد فِي سَبيله كمثل الصَّائِم الْقَائِم الخاشع الرَّاكع الساجد (٢). قوله عن أبي هريرة ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل القانت الصائم لا يفتر صلاة ولا صياما" ومعنى القانت هنا المطيع وقد تقدم الكلام على ذلك. ٢٠٦٢ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁: عَن النَّبِي ﷺ أَن امْرَأَة أَتَتهُ فَقَالَت يَا رَسُول اللّه انْطلق زَوجي غازيا وَكنت أقتدي بِصَلَاتِهِ إِذا صلى وبفعله كُله فَأَخْبرنِي بِعَمَل يبلغنِي عمله حَتَّى يرجع قَالَ لَهَا أتستطيعين أَن تقومي وَلا تقعدي وتصومي وَلا تفطري وتذكري اللّه تَعَالَى وَلا تفتري حَتَّى يرجع قَالَت مَا أُطِيق هَذَا يَا رَسُول اللّه فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أطقته مَا بلغت العشور من عمله رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة رشدين بن سعد وَهُوَ ثِقَة عِنْده وَلا بَأْس بحَديثه فِي المتابعات وَالرَّقَائِق (٣).

стр. 4145

العشور جمع عشرَة وَهُوَ الْوَاحِد من عشرَة أَجزَاء. قوله وعن معاذ بن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: أن امرأة أتته فقالت يا رسول اللّه انطلق زوجي غازيا وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى وبفعله كله فأخبرني بعمل يبلغني عمله حتى يرجع فذكره إلى أن قال والذي نفسي بيده لو أطقته ما بلغت العشور من عمله. قال الحافظ (١): العشور جمع عشر وهو الواحد من عشرة أجزاء قد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي ﷺ يسأله عن عمل يعدل الجهاد وفات بعض النساء الحج مع رسول اللّه ﷺ فلما قدم سألته عما يجزئ من تلك الحجة قال "اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجه أو حجة معي" ا هـ. ولما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء. اهـ. فائدة فيها بشرى لهذه الأمة زادها اللّه شرفا: حكى القرطبي في تفسيره عن كعب الأحبار (٢) قال: كان ملكا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى اللّه إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه اللّه ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في العسكر، ويخرجه

стр. 4146

مجاهدا في سبيل اللّه، فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في العسكر، فكان كل واحد يقتل في شهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار، فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك، فأنزل اللّه تعالى: ليلة القدر خير من ألف شهر من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل اللّه. قال المؤلف عفا اللّه عنه: وهذا من سعة فضل اللّه على هذه الأمة يضاعف لها من العمل اليسير ما لم تدركه الأمم السالفة في العمر الطويل والعمل الكثير فإذا كانت ليلة القدر لهذه الأمة خيرا من ألف شهر من شهور ذلك الملك فكيف بما هو أفضل من ليلة القدر عند الحجر الأسود وهو موقف ساعة في سبيل اللّه تعالى كما صح ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ واللّه أعلم أبيات في فضل الجهاد: قال عبد اللّه بن محمد قاضي نصيبين حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال أملى علي عبد اللّه بن المبارك بهذه الأبيات بطرسوس فأرسلها إلى مكة إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة وكان عبد الله يفضل الجهاد على الانقطاع والفضيل يرى عكس ذلك وهي هذه الأبيات: يَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرتَنا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العِبَادَةِ تَلْعبُ مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ ... فَنَحُوُرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّب أوْ كَانَ يُتعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ ... فَخُيُوْلنا يَوْم الصبيحة تَتْعَبُ ريْحُ العَبيْرِ لكُمْ وَنحْنُ عَبِيرنا ... رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبارُ الأطْيَبُ

стр. 4147

وَلقد أتانَا مِنْ مَقَالِ نبينا ... قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِق لا يَكذِبُ لا يَسْتَوِى وَغُبَارُ خَيْلِ اللّه في ... أنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ هَذَا كتَابُ الله يَنطِقُ بَيْنَنَا ... لَيسَ الشَّهِيدُ بِميِّتٍ، لا يَكذِب قال: فلقيت الفضيل بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني واللّه أعلم. ٢٠٦٣ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مثل الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللّه كمثل الصَّائِم نَهَاره الْقَائِم ليله حَتَّى يرجع مَتى يرجع رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ وَرِجَال أَحْمد مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (١). قوله: وعن النعمان بن بشير ﵄ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل اللّه كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع متى يرجع" الحديث تقدم معناه. ٢٠٦٤ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَاتل فِي سَبِيل اللّه من رجل مُسلم فوَاق نَاقَة وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن جرح جرحا فِي سَبِيل اللّه أَو نكب نكبة فَإِنَّهَا تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كأغزر مَا كَانَت لَوْنهَا لون الزَّعْفَرَان وريحها ريح الْمسك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وصدره فِي صَحِيح ابْن حبَان (٢).

стр. 4148

قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من قاتل في سبيل اللّه من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة" تقدم الكلام على فواق الناقة. قوله ﷺ : "ومن جرح جرحا في سبيل اللّه أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك" تقدم الكلام على الجرح، قوله: "أو نكب نكبة" والنكبة بفتح النون وسكون الكاف واحدة نكبات الدهر: وهو ما يصيب الإنسان من الحوادث. وقوله: "فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت" يقال: غزر الشيء بالضم يغرز فهو غزير إذا كثر وتقدم الكلام على ذلك. ٢٠٦٥ - وَعنهُ ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من جرح جرحا فِي سَبِيل اللّه جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة رِيحه كريح الْمسك ولونه لون الزَّعْفَرَان عَلَيْهِ طَابع الشّهَدَاء وَمن سَأل اللّه الشَّهَادَة مخلصا أعطَاهُ الله أجر شَهِيد وَإِن مَاتَ على فرَاشه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١). قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من جرح جرحا في سبيل اللّه جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك ولونه لون الزعفران عليه طابع الشهداء" والطابع بالطاء المهملة وبعد الألف باء موحدة مفتوحة وهو الخاتم يختم به على الشيء، وكسر الباء لغة فيه والله أعلم. وتقدم ذلك أيضًا.

стр. 4149

قوله ﷺ : "ومن سأل اللّه الشهادة مخلصا أعطاه اللّه أجر شهيد وإن مات على فراشه" تقدم الكلام على ذلك. ٢٠٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من مكلوم يكلم فِي سَبِيل اللّه إِلَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَكَلمه يدمى اللَّوْن لون دم وَالرِّيح ريح مسك. وَفِي رِوَايَة كل كلم يكلم فِي سَبِيل اللّه يكون يَوْم الْقِيَامَة كهيئتها يَوْم طعنت تفجر دَمًا اللَّوْن لون دم وَالْعرْف عرف مسك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ مَالك وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ (١). الْكَلم بِفَتْح الْكَاف وَإِسْكَان اللَّام هُوَ الْجرْح. وَالْعرْف بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الرَّاء هُوَ الرَّائِحَة. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما من مكلوم يكلم في سبيل اللّه إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون دم والريح ريح المسك، والكلم بفتح الكاف وإسكان اللام هو الجرح، وفيه دليل على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة اللّه تعالى، وفي رواية "واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله" الحديث، هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه

стр. 4150

وقاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا، قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار فيدخل فيه من جرح في سبيل اللّه في قتال البغاة وقطاع الطريق في إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك والله أعلم. وفي رواية: "كل كلم يكلم في سبيل اللّه يكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت تفجر دما لون دم والعرف عرف المسك" العرف بفتح العين المهملة وإسكان الراء هو الرائحة كذا قاله المنذري، وفي رواية "إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما" هو بفتح الياء وإسكان الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وآخره باء موحدة ومعناه: يجري متفجرًا أي: كثيرًا وهو معنى الرواية الأخرى: "يتفجر دما"، وقوله ﷺ "كهيئتها يوم طعنت" الضمير في هيئتها يعود على الجراحة، قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: (١) مجيئه يوم القيامة مع سيلان الجرح فيه أمران: أَحَدُهُمَا: الشَّهَادَةُ عَلَى ظَالِمِهِ بِالْقَتْلِ. الثَّانِي: إظْهَارُ شَرَفِهِ لِأَهْلِ الْمَشْهَدِ وَالْمَوْقِفِ بِمَا فِيهِ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ الشَّاهِدَةِ بِالطِّيبِ، واللّه أعلم. ٢٠٦٧ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ شَيْء أحب إِلَى اللّه من قطرتين وأثرين قَطْرَة دموع من خشيَة اللّه وقطرة دم تهراق فِي سَبيل اللّه وَأما الأثران فأثر فِي سَبِيل اللّه وَأثر فِي فَرِيضَة من فَرَائض اللّه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٢).

стр. 4151

قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ليس شيء أحب إلى اللّه من قطرتين وأثرين قطرة دموع من خشية اللّه وقطرة دم تهراق في سبيل اللّه وأما الأثران فأثر في سبيل اللّه وأثر في فريضة من فرائض اللّه" هو الذي يقوم فتنفطر قدماه أو يصوم فينحل بدنه وتجف شفتاه ويصفر لونه من أثر العبادة واللّه أعلم، قاله في التنقيح، وقال في الديباجة: الأثران هما الخُطى في سبيل اللّه وفي أداء فرائض اللّه من الصلاة والحج، روى الحاكم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من حج من مكة حتى يرجع إليها كتب اللّه له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة" قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (١) قال مجاهد وقتادة والحسن: الآثار في هذه الآية الخطى إلى الجمعة، وقال ثابت البناني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فأسرعت فحبسني فلما انقضت الصلاة قال لي: أما علمت أن الآثار تكتب، وتقدم قريبا فضل من اغبرت قدماه في سبيل اللّه، وفي أبواب الصلاة فضل [المشي] إلى المسجد واللّه أعلم، أهـ. ٢٠٦٨ - وَعَن سهل بن سعد ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء وقلما ترد على دَاع دَعوته عِنْد حُضُور النداء والصف فِي سَبِيل اللّه (٢).

стр. 4152

وَفِي لفظ ثِنْتَانِ لا تردان أَو قَالَ مَا تردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بعض بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). وَفِي رِوَايَة لابْنِ حبَان ساعتان لا ترد على دَاع دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل اللّه (٢). يلحم بِالْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ ينشب بَعضهم بِبَعْض فِي الْحَرْب. قوله: "وعن سهل بن سعد ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ساعتان لا تردان أو ما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا" الحديث، قوله ﷺ "وعند البأس" بالهمز الشدة في الحرب. قوله ﷺ "يلحم بعضهم بعضا" يلحم: هو بضم الباء وسكون اللام وكسر الحاء هذا هو الذي يظهر من كلام الجوهري في صحاحه وكلام النهاية ومعناه: ينشب بعضهم ببعض في الحرب كذا قاله المنذري، أي: يشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم بعضا، يقال: لحمت الرجل إذا قتلته، والملحمة الحرب وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسداء وقيل غير ذلك.

стр. 4153

خاتمة: قد ورد في الحديث "لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا"، فإن قيل: فما الفرق بين تمني لقاء العدو حيث نهي عنه وبين تمني الشهادة حيث طلبه ورغب فيه فقال ﷺ "من سأل اللّه الشهادة صادقا من قلبه أعطيها وإن مات على فراشه"؟ قلنا: الفرق بينهما أن الجهاد ابتلاء وامتحان لا يعرف ما تسفر عاقبته وقد لا تحصل فيه غنيمة ولا شهادة بل حصل ضد ذلك ففيه خطر عظيم بخلاف الشهادة من حيث الشهادة فإنها درجة عظيمة يتمناها العلماء، وقد قال ﵇ وددت أن أقتل في سبيل اللّه الحديث، وربما تحصل الشهادة وهو على فراشه بغير قتال بالنية أو بمرض من الأمراض انتهى.

стр. 4154

الترغيب في إخلاص النية في الجهاد وما جاء فيمن يولد الأجر والغنيمة والذكر وفضل الغزاة إذا لم يغنموا ٢٠٦٩ - عَن أبي مُوسَى ﵁: أَن أَعْرَابِيًا أتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه الرجل يُقَاتل للمغنم وَالرجل يُقَاتل ليذكر وَالرجل يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ فَمن فِي سَبِيل اللّه فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ من قَاتل لتكون كلمة اللّه هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل اللّه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). قوله: عن أبي موسى ﵁. تقدم الكلام عليه. قوله: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ "الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية. قوله: "فقال يا رسول اللّه الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر" أي ليذكره الناس بالشجاعة. قوله: "والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل اللّه فقال رسول اللّه ﷺ من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه" وفي حديث آخر "سئل رسول اللّه ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل اللّه فقال رسول اللّه ﷺ من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل

стр. 4155

اللّه" (١) قال أهل اللغة الشجاعة شدة في القلب عند البأس (٢)، والحمية الأنفة والغيرة والمحاماة عن عشيرته وأقاربه (٣) ولولا ذلك لم يقاتل، والرياء يمد ويقصر والأشهر المد وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة وهو ضد الإخلاص فإن أراد نفع الدنيا والآخرة فهو مراء أيضا (٤)، وأما القتال للشجاعة فتارة يكون لإظهارها ليقال هو شجاع وهذا هو الفرق بينه وبين من يقاتل لإعلاء كلمة اللّه وبذل نفسه في رضاه رغبة فيما عند اللّه تعالى ظاهرا وهو في الباطن بخلاف ذلك، فالأول قصد المدح على الشجاعة في الدنيا فقط فهذا قصد الدنيا أو غيرها من الأغراض الفاسدة، وتارة يقاتل للشجاعة طبعا ولم يقصد شيئا فهو أقل من الأول ذنبا لعدم قصده ولا يقال إنه قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا إذ لم يقصد ذلك، نعم إن أخلص أولا ثم قاتل طبعا وشجاعة ولم يقصد ما ينافي الأول فهو على نيته لأن الإنسان عندما يدهمه القتال قد يذهل عن ذلك كما [قد] يذهل عن التوحيد عند الموت [فيحكم] بإيمانه المتقدم ما لم يطرأ [على استحضاره ما ينافيه والثالث] يقاتل للشجاعة [قاصدا إعلاء كلمة اللّه - تعالى - حال]، القتال فهذا هو المراد بالحديث وهو الغاية (٥).

стр. 4156

واعلم أن من قاتل لثواب اللّه فهو في سبيل اللّه ويشهد له فعل الصحابة، وقد سمع [رسول اللّه ﷺ ] يقول: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض [فألقى التمرات التي في يده وقاتل حتى قتل وظاهر هذا أنه قاتل لثواب الجنة] " ذكره [ابن النحاس (١)] عفا اللّه عنه، وقال أبو العباس القرطبي: من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه" يعني بكلمة اللّه دين الإسلام وأصله أن الإسلام ظهر بكلام اللّه تعالى الذي أظهره على لسان نبيه ﷺ ، ويفهم من هذا الحديث اشتراط الإخلاص في الجهاد وكذلك هو شرط في جميع العبادات لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) (٣) قال المهلب: إذا كان في أصل النية إعلاء كلمة اللّه ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك، ومن قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فخليق أي حقيق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة اللّه وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة اللّه فهذا لا يضره إذا كان عقدًا صحيحًا (٤). اهـ ففي هذا الحديث بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل اللّه مختص بمن قاتل لتكون كلمة

стр. 4157

الله هي العليا (١) واللّه أعلم، ففيه دليل على أن الإخلاص واجب في الجهاد كما يجب في غيره، وأنه تدخله النية، وقد قسم العلماء [الشهداء ثلاثة أقسام شهيد في الدنيا والآخرة وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وشهيد] في الدنيا دون الآخرة وهو الذي يقاتل رياء أو سمعة أو [طمعا في المغنم] ولا يمنع الإخلاص في الجهاد دخول الشهرة بالشجاعة ووقوع المحمدة من الناس فإنا لو فتحنا هذا الباب أدى ذلك إلى ترك العمل جملة بل متى صح القصد لم يضر المدح، وكذلك لا يمنع الإخلاص القتال لطلب الجنة والغنيمة مع قصد إعلاء الكلمة لأنه طلب لما وعد اللّه على الجهاد ولذلك لا يقدح قصد طلب الثواب وسائر الأعمال، قال عبد اللّه بن المبارك: العبادة على ثلاثة أقسام عبادة الأحرار وهم الذين عبدوا اللّه لأداء حق الربوبية لا لطلب ثواب ولا لخوف عقاب فهذه أعلاها، وعبادة التجار وهم الذين عبدوا اللّه تعالى لطلب الثواب وعبادة العبيد وهم الذين عبدوا اللّه خوفا من النار (٢) ا. هـ. وإنما كانت عبادة الأحرار أفضل لأنهم شاهدوا من أنفسهم التقصير ورأوا نعم اللّه تعالى أوجبت عليهم الشكر ورأوا أعمالهم تقع قاصرة عن أداء الشكر الواجب عليهم قال اللّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٣)

стр. 4158

والعامل إذا رأى عمله قاصرًا عن وفاء الحق الذي عليه لم يحسن منه طلب ثوابا عليه كما أن دافع الدين لا يطلب عوض ما دفع ممن له الحق اهـ. ٢٠٧٠ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁. أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول اللّه رجل يُرِيد الْجِهَاد وَهُوَ يُرِيد عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا للرجل عد لرَسُول اللّه ﷺ فلعلك لم تفهمه فَقَالَ الرجل يَا رَسُول اللّه رجل يُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل اللّه وَهُوَ يَبْتَغِي عرض الدُّنْيَا قَالَ لا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا عد لرَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَة رجل يُرِيد الْجِهَاد وَهُوَ يَبْتَغِي عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ لا أجر لَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم بِاخْتِصَار وَصَححهُ (١). الْعرض بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالرَّاء جَمِيعًا هُوَ مَا يقتنى من مَال وَغَيره. قوله: وعن أبي هريرة ﵁. تقدم الكلام عليه. قوله: "أن رجلًا قال: يا رسول اللّه رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضًا من الدنيا فقال رسول اللّه ﷺ لا أجر له" العرض ما يقتنى من مال وغيره قاله الحافظ المنذري اهـ، والعرض أيضا بالتحريك المال قل أو كثر وبالسكون المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير. قوله: "يبتغي عرضا" أي يطلب.

стр. 4159

قوله "لا أجر له" أي لا ثواب له. اعلم أن المجاهدين في نية الجهاد على أقسام، منهم من يجاهد ونيته تحصيل عرض الدنيا من غير التفات إلى قصد نوع من العبادة بحيث لو عرض عليهم غزو طائفة من الكفار ليس لهم ما يغنم أو علم أنه يمنع من الغنيمة لم يغز فهذا إذا قتل ليس بشهيد وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد وليس له أجر البتة لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدم لما سئل عمن يريد الجهاد وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال: "لا أجر له" ثم هل يعاقب على ذلك في الآخرة؟ اختلف السلف في ذلك على قولين منهم من قال يعاقب لأنه عمل عمل الآخرة للدنيا، القول الثاني أنه لا يثاب ولا يعاقب وهو الظاهر ويدل عليه قوله ﷺ "لا أجر له" ولم يذكر فيه عقابا، وكذلك قوله ﷺ "من غزا ولم ينوي إلا عقالا فله ما نوى" وأشباه ذلك (١). اهـ ومنهم من يخرج إلى الجهاد مكثرا سواد المسلمين ليس له من نية أن يقتل ولا يقتل وهذا إن قتل فهو شهيد لأن من كثر سواد قوم فهو منهم (٢) ومنه الحديث "الشهداء ثلاثة" وذكر منهم من يكثر سواد المسلمين، ومنهم من يجاهد ونيته وجه اللّه ونيل الغنيمة جميعا فهذه النية مما اختلف فيها وفي أشباهها أئمة السلف فذهب بعضهم إلى أن هذه النية فاسدة وأن صاحبها يعاقب عليها لإدخاله قصد الدنيا في عمل الآخرة وذهب آخرون إلى أن هذه

стр. 4160

النية صحيحة وهذا هو المذهب الصحيح وإليه ذهب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وذكر كلاما مطولا ملخصه أن هذا تصريح منه بأن هذه النية صحيحة ومن قتل بها فهو شهيد وكذلك صرح الإمام أبو عبد اللّه القرطبي بصحتها فإنه قال في التفسير: ودل خروج النبي ﷺ ليلقى العير يعني عير أبي سفيان لما قدم من الشام على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ (١). أ. هـ وهذا الدليل الذي استدل به القرطبي دليل جيد فإن أبا سفيان بن حرب لما قدم من الشام في عير قريش وفيها أموالهم وتجارتهم وكان فيها ثلاثون رجلا قال ابن عقبة كانوا سبعين رجلا وكانت عيرهم ألف بعير فلما سمع النبي ﷺ بها فندب المسلمين إليها الحديث في غزوة بدر الكبرى (٢)، ومنهم من إذا دهمه القتال يقاتل مقبلا غير مدبر ليس له نية البتة غير الدفع عن نفسه وهذا قريب من أصحاب النية الثالثة وليس مثلهم وهو شهيد لأن من دفع عن نفسه قطاع الطريق فقتلوه كان من الشهداء فكيف لا يكون شهيدا من قتل بسيوف الأعداء بل هو شهيد في الفضل والحكم والمقاتل مع هؤلاء مع

стр. 4161

علمه أنه يسلم إذا استسلم أفضل من المقاتل الذي يعلم أنه إذا استسلم قتلوه وأما من فر حيث يحرم الفرار فقتل مدبرا فإنه ليس بشهيد وإن جرت عليه أحكام الشهداء في هذه الدار (١). قوله في الحديث "أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي فقال رسول اللّه ﷺ نعم إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر" فدل هذا الحديث على أن من قتل مدبرا حيث لا يجوز له الفرار أنه ليس بشهيد بل قد باء بغضب من اللّه وسخطه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية، فأين هذا من الفوز برتبة الشهادة ولهذا كان النبي ﷺ يقول في دعائه "وأعوذ بك أن أقتل في سبيلك مدبرًا" رواه النسائي وغيره (٣) واللّه أعلم قاله ابن النحاس عفا اللّه عنه (٤). ٢٠٧١ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ أَنه قَالَ يَا رَسُول اللّه أَخْبرنِي عَن الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد اللّه بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك اللّه

стр. 4162

صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائيا مكاثرا بَعثك اللّه مرائيا مكاثرا يَا عبد اللّه بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بَعثك اللّه على تِلْكَ الْحَال رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : لعمر بن العاص: إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك اللّه صابرًا محتسبًا وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك اللّه مرائيًا مكاثرًا" تقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق. ٢٠٧٢ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِنَّمَا الأعْمَال بِالنِّيَّةِ وَفِي رِوَايَة بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى اللّه وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى اللّه وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (٢). قوله: وعن عمر بن الخطاب ﵁. تقدم الكلام عليه مبسوطا في أوائل هذا الكتاب. قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنية وفي رواية بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، والنيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف فإن شددت كانت من نوى ينوي إذا قصد

стр. 4163

وأصلها نويه قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها فقيل نية وإن خففت كانت من ونى يني إذ أبطأ وتأخر لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر ولهذا ترى بعض الناس يبطئ في نية الصلاة حتى تفوته الركعة الأولى مع الإمام، ومنها: نوى ينوي إذا قصد يقال: نواك اللّه بخير إذا قصدك به ونويت فلانا وانتويته بمعنى، ا. هـ، قاله الطوفي (١)، ومعنى الحديث: لا تحسب الأعمال الشرعية إلا بالنية (٢)، قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهما: لفظة إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث: أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه: دليل على أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا تصح إلا بالنية وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات (٣)، ولهذا لو نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح، فهذا الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما مثلنا، وتدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها: أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإذا أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دُين فيما بينه وبين اللّه تعالى، ولا يقبل منه في الظاهر (٤).

стр. 4164

قوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى"، قالوا: فائدة ذكره بعد "إنما الأعمال بالنية": بيان أن تعين المنوي شرطٌ، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أدر عصرا أو غيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك (١)؛ والنية: هي القصد إلى الشيء، تقول العرب: نواك اللّه بحفظه أي قصدك اللّه بحفظه (٢)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أوائل هذا التعليق، وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: قوله "وإنما لكل امرئ ما نوى" يقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، وكل ما لم ينزه لم يحصل له فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من [المسائل]، فإن جاء دليل خارج يقتضي أن المنوي لا يحصل أو أن غير المنوي يحصل وكان راجحا وعمل وخصص هذا العموم ثم قال: وفرق بين قولنا من نوى شيئا لم يحصل له غيره، وبين قولنا: من لم ينو شيئا لم يحصل له، والحديث: يحتمل الأمرين وآخره: يشير إلى المعنى الأول (٣)، ا. هـ. وقد [رأينا] من نوى شيئا فحصل غيره كالجمعة للمسبوق يفوتها قبل سلام الإمام ويصليها ظهرًا وغير ذلك ولكن يدخل في ذلك قوله: إلا بدليل قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.

стр. 4165

قوله ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله" وأما الهجرة فأصلها الترك، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل وكان واجبا على من أسلم أن يهاجر إلى النبي ﷺ مفارقا دار قومه، فلما فتحت مكة ودخل الناس في دين اللّه أفواجًا انقطعت هذه الهجرة وبقيت هذه الهجرة من دار الكفر على حالها، أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فباقية إلى يوم القيامة، ولهذا قال ﵇: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين" (١) فمن لم يتمكن من إظهار دينه فعليه أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (٢)، وسمي الذين تركوا موطن مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك، واسم الهجرة يقع على أمور الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة ﵁، الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة" الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول اللّه ﷺ لتعلم الشرائع ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي ﷺ ثم يرجع إلى مكة، الهجرة الخامسة: هجرة ما نهي اللّه عنه، وهي أعظمها وأعمها، قال ﵇: "المهاجر مما نهى اللّه عنه"

стр. 4166

ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة واللّه أعلم، والتقدير: فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى اللّه ورسوله حكما وشرعًا (١). وقوله: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" هذا الحديث ورد على سبب: وهو أنه لما أمر بالهجرة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم اللّه تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية، ولم يهاجر جماعة لفقدان استطاعتهم فعذرهم اللّه تعالى واستثناهم بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٣) الآية، وهاجر إليه المخلصون فمدحهم اللّه تعالى في كتابه في غير موضع من القرآن وكان من المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة يقال لها أم قيس فهاجرت إلى المدينة فهاجر الرجل لأجلها لا تدينا فعرض النبي ﷺ في هذا الحديث، هذا الحديث تنفيرا عن مثل قصده، وكان ذلك الرجل بعد يدعى مهاجر أم قيس، وأم قيس هذه معدودة (٤). وقوله: "لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور

стр. 4167

كان يحبها لمالها وجمالها فجمعهما في التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بهما، ويحتمل غير ذلك، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (١)، ومعنى الحديث: من قصد بهجرته وجه اللّه وقع أجره على اللّه، ومن قصد دنيا أو امرأة ينكحها فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة (٢) واللّه أعلم، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا. ٢٠٧٣ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ أَرَأَيت رجلا غزا يلْتَمس الأجر وَالذكر مَا لَهُ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا شَيء لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول رَسُول اللّه ﷺ لا شَيْء لَهُ ثمَّ قَالَ إِن اللّه لا يقبل من الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ خَالِصا وابتغي بِهِ وَجهه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (٣). قَوْله يلْتَمس الْأجر وَالذكر يَعْنِي يُرِيد أجر الْجِهَاد وَيُرِيد مَعَ ذَلِك أَن يذكرهُ النَّاس بِأَنَّهُ غاز أَو شجيع وَنَحْو ذَلِك. ٢٠٧٤ - وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَة من نصيب رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي

стр. 4168

صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَتقدم فِي الرِّيَاء هُوَ وَغَيره (١). ٢٠٧٥ - وَتقدم أَيْضا حَدِيث معَاذ بن جبل ﵁: عَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع اللّه بِهِ على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه. قوله: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال: أرأيت رجلا غزى يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "لا شيء له" فذكر الحديث إلى أن قال: "إذ اللّه لا يقبل اللّه من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه". قوله: يلتمس الأجر والذكر، يعني: يريد أجر الجهاد ويريد مع ذلك أن يذكره الناس بأنه غاز أو شجاع ونحو ذلك، هكذا قاله المنذري، اختلف الناس هل يعاقب على هذه النية أم لا؟ فذهب ذاهبون إلى أنه يعاقب لإرادته بعباده اللّه غيره، وذهب آخرون إلى أنه لا يثاب ولا يعاقب بل يكفيه من العقوبة إحباط أجر في بذل نفسه التي هي أنفس الأشياء لديه وأعزها عليه، والدليل لهذا القول جملة من الأحاديث منها قوله ﷺ : "قال اللّه أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن

стр. 4169

عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو للذي أشرك" (١) وروى الترمذي عن أبي سعد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إذا جمع اللّه الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمله أحدا فليطلب ثوابه من عنده فإن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك" (٢) وهذه أدلة واضحة لهذا القول إذ لم يذكر النبي ﷺ فيها عقابا. فإن قلت: ينبغي أن يثاب على شائبة القربى في قصده بقدرهما مما يثاب المخلص ويعاقب على قصده الرياء بقدر ما يعاقب المرائي الكامل لأن: (من يعمل مثقال ذرة خيرا يره) الآية، قلنا يكفيه من العقوبة إحباط أجره في بذل نفسه وعدم فوزه بالشهادة مع ما ناله من ألم القتل لأنه لا يخفف عنه ألمه كما يخفف عن المخلص وحسبه من الثواب على شائبة القربة في قصده دفع العقوبة عنه إذ لولا تلك الشائبة لكان من الثلاثة الذين تسعر بهم النار فوجود تلك الشائبة هو الذي منعه من العقوبة التي يستحقها المرائي الكامل ووجود الرياء هو الذي منعه من الأجر الذي يفوز به المخلص فلا يكون له أجر لعدم حقيقة الإخلاص ولا يستحق عقوبة لما في عمله من قصد القربة وعدم تمحض الرياء واللّه سبحانه أعلم، قاله ابن النحاس (٣) عفا اللّه عنه. ٢٠٧٦ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْغَزْو غَزوَان فَأَما من ابْتغى وَجه اللّه وأطاع الإِمَام وَأنْفق الْكَرِيمَة وياسر الشَّرِيك واجتنب

стр. 4170

الْفساد فَإِن نَومه وتنبهه أجر كله وَأما من غزا فخرا ورياء وَسُمْعَة وَعصى الإِمَام وأفسد فِي الأرْض فَإِنَّهُ لن يرجع بالكفاف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (١). قَوْله: يَاسر الشَّرِيك مَعْنَاهُ عَامله باليسر والسماحة قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه اللّه وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله" الحديث، الكريمة هي العزيزة على صاحبها الجامعة للكمال الممكن في حقها من الحيوان وغيره (٢). قوله: "وياسر الشريك" معناه عامله باليسر والسماحة كذا قاله المنذري والمياسرة المساهلة. قوله: "ونبهه" بفتح النون وبعدها باء موحدة مفتوحة وهاء من الانتباه والسهر. قوله: "فإنه لن يرجع بالكفاف" هو الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه (٣) ويكون معناه يرجع ولم يحصل له حسنة ولم يكتسب خطيئة أي يرجع بالإثم لا بالأجر (٤) واللّه أعلم.

стр. 4171

٢٠٧٧ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ من غزا فِي سَبِيل اللّه وَلم ينْو إِلَّا عقَالًا فَلهُ مَا نوى رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). ٢٠٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄. قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول اللّه إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه اللّه وَأُرِيد أَن يرى موطني فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول اللّه ﷺ حَتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (٣). ٢٠٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِن قَاتَلت لأن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٤). ٢٠٨٠ - وَعند التِّرْمِذِيّ حَدثنِي رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِن اللّه ﵎ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يَدْعُو بِهِ

стр. 4172

رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل اللّه وَرجل كثير المَال فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل اللّه فَيَقُول اللّه لَهُ فيماذا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول اللّه لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول اللّه ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول اللّه ﷺ على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق اللّه تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة (١). وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء. جريء هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء وبالمد أَي شُجَاع. قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من غزا في سبيل اللّه ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى" تقدم الكلام على معنى ذلك. قوله ﷺ : "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل" [الحديث] قال النووى: قوله ﷺ : [في الغازي والعالم] والجواد وعقابهم [على فعلهم ذلك] وجه اللّه تعالى [وإدخالهم النار دليل على] على تغليظ [تحريم الرياء وشدة] عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد اللّه تعالى بذلك مخلصا

стр. 4173

وكذلك الثناء على العُلماء وعلى المنفقين في وجوه الخير كلّه محمول على من فعل ذلك للّه مخلصًا (١) اهـ. واللّه أعلم. ٢٠٨١ - وَعَن شَدَّاد بن الْهَاد ﵁ أَن رجلًا من الأعْرَاب جَاءَ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَآمن بِهِ وَاتّبعهُ ثمَّ قَالَ أُهَاجِر مَعَك فأوصى بِهِ النَّبِيّ ﷺ بعض أَصْحَابه فَلَمَّا كَانَت غزاته غنم النَّبِيّ ﷺ فقسم وَقسم لَهُ فَأعْطى أَصْحَابه مَا قسم لَهُ وَكَانَ يرْعَى ظهْرهمْ فَلَمَّا جَاءَ دفعوه إِلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قسم قسمه لَك النَّبِيّ ﷺ فَأَخذه فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ قسمته لَك قَالَ مَا على هَذَا اتبعتك وَلَكِن اتبعتك على أَن أرمي إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حلقه بِسَهْم فأموت فَأدْخل الْجنَّة فَقَالَ إِن تصدق اللّه يصدقك فلبثوا قَلِيلا ثمَّ نهضوا إِلَى قتال الْعَدو فَأتي بِهِ إِلَى النَّبِيّ ﷺ يحمل قد أَصَابَهُ سهم حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ أهوَ هُوَ قَالُوا نعم قَالَ صدق اللّه فَصدقهُ ثمَّ كَفنه النَّبِيّ ﷺ فِي جبته الَّتِي عَلَيْهِ ثمَّ قدمه فصلى عَلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا ظهر من صلَاته اللَّهُمَّ هَذَا عَبدك خرج مُهَاجرا فِي سَبِيلك فَقتل شَهِيدا أَنا شَهِيد على ذَلِك رَوَاهُ النَّسَائِيّ (٢). قوله: وعن شداد بن الهاد ﵁: هو شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر والهاد لقب لأسامة، وقيل لعمرو، ولقب به لأنه كان يوقد نارا ليهتدي إليه الأضياف وغيرهم واللّه أعلم. قوله: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه" فذكر الحديث إلى أن قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى

стр. 4174

هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال إن تصدق اللّه يصدقك فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به إلى النبي ﷺ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي ﷺ أهو هو قيل نعم قال صدق اللّه فصدقه ثم كفنه النبي ﷺ في جبته التي عليه ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مجاهدًا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك. فانظر رحمك اللّه كيف شهد اللّه له النبي ﷺ بالشهادة مع أنه ما أراد غير الجنة ولو كانت هذه النية غير صحيحة لأرشده النبي ﷺ إلى غيرها حين ذكرها له [قاله ابن النحاس (١)]. قوله: أنا شهيد على ذلك" شهيد بمعنى شاهد. ٢٠٨٢ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ مَا من غَازِيَة أَو سَريَّة تغزو فِي سَبِيل اللّه يسلمُونَ ويصيبون إِلَّا تعجلوا ثُلثي أجرهم وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق وتخوف وتصاب إِلَّا تمّ أجرهم (٢). وَفِي رِوَايَة مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فِي سَبيل اللّه فيصيبون الْغَنِيمَة إِلَّا تعجلوا ثُلثي أجرهم من الآخِرَة وَيبقى لَهُم الثُّلُث وَإِن لم يُصِيبُوا غنيمَة تمّ لَهُم أجرهم رَوَاه مسلم وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة الثَّانِيَة (٣). يُقَال أخفق الْغَازِي إِذا غزا وَلم يغنم أَو لم يظفر.

стр. 4175

قوله: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ﵄ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل اللّه" الحديث، والغازية تأنيث الغازي وهو ههنا صفة لجماعة غازية. قوله "أو سرية" ليس هو من قول الراوي وإنما هو من قول الرسول ﷺ أتى به للتقسيم وإثبات الحكم المذكور في القليل منهم والكثير، والسرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وسموا بذلك لأنهم يكونون خيار العسكر، من السرى وهو الشيء النفيس كذا في النهاية (١). قوله ﷺ : "يسلمون ويصيبون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" الحديث، معنى الحديث والصواب الذي لا يجوز غيره أن معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المرتب على غزوهم وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر (٢) فقد أصاب مرتبتين من المراتب الثلاثة للغزو وبقي له الثالثة وهي دخول الجنة وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي يجنيها (٣).

стр. 4176

قال النووي (١): وهذا الذي ذكرناه هو الصَّواب وهو ظاهر الحديث ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حملة على ما ذكرنا وقد اختار القاضي عياض (٢) معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز أن ينقص ثوابهم بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل غنيمة. وذكر كلاما طويلا لا طائل تحته. قوله ﷺ : "تخفق وتخوف وتصاب إلا تم لهم أجرهم" أي تقتل وتهلك قاله القاضي عياض (٣) الحديث معناه رجعت ولم تغنم شيئًا، قال الحافظ (٤) يقال أخفق الغازي أذا غزا ولم يغنم أو لم يظفر اهـ، وقال أهل اللغة الإخفاق أن يغزوا فلا يغنم شيئًا وكذا كلّ طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ومنه إخفاق الصائد إذا لم يقع له صيد فإذا غزا ولم يغنم شيئًا وليصاب في نفسه أي قتل دخل الجنة وأصاب أجور المراتب كلها والله أعلم. تنبيه: الناس في الغزو على ثلاثة أحوال: إما أن يغنموا ويسلموا. أو لم يسلموا ولم يغنموا. أو يخفقوا ويصابوا بقتل أو جراحة، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة وسلم لهم

стр. 4177

ثلثا الأجر بمحاربتهم أعداء اللّه و [الأجر] الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب اهـ. خاتمة: اختلف العُلماء أيهما أفضل من قتل في سبيل اللّه أو غنم ورجع سالما فالأكثرون على الأول وأما الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام فرجح الثاني لما فيه من نكاية العدو وبقائه كذلك بخلاف من انقطع فعله فيهم بالقتل واللّه تعالى أعلم.

стр. 4178

الترهيب من الفرار من الزحف ٢٠٨٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﷺ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَمَا هن قَالَ الإِشْرَاك بِاللّه وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم اللّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). وَالْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْكَبَائِر سبع أولَاهُنَّ الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس بِغَيْر حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات والانتقال إِلَى الْأَعْرَاب بعد هجرته (٢). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "اجتنبوا السبع الموبقات"، أي: المهلكات. قوله: قالوا: يا رسول اللّه: وما هن؟ قال: "الشرك باللّه والسحر وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"، أما عده السحر من الكبائر

стр. 4179

فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير أن السحر حرام من الكبائر تعلمه وتعليمه، ذكره النووي (١). قوله: "والتولي يوم الزحف"، التولّي: هو الإعراض، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون نحوهم (٢) ويوم الزحف يوم الجهاد ولقاء العدو في الحرب ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا، فإن فرَّ متحرفًا لقتال أو متحيزا إلى فئة يستنجد بها جاز هذا في حال الغزوة، أما من عجز بمرض أو نحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال، فالعبد إذا لثحهد الوقعة بغير إذن سيده فلا يحرم عليه الانصراف، والنساء إذا شهدن القتال فلا يأثمن بالتولي (٣) واللّه أعلم. ٢٠٨٤ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان ﵁: عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ ثَلاثَة لَا ينفع مَعَهُنَّ عمل الشّرك بِاللّه وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٤). قوله: وعن ثوبان ﵁، تقدم الكلام على ثوبان. قوله ﷺ : "ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف"، تقدم الكلام على ذلك.

стр. 4180

٢٠٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من لَقِي اللّه لا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَأدّى زَكاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه محتسبا وَسمع وأطاع فَلهُ الْجنَّة أَو دخل الْجنَّة وَخمْس لَيْسَ لَهُنَّ كفَّارَة الشّرك بِاللّه وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت مُؤمن والفرار من الزَّحْف وَيَمِين صابرة يقتطع بهَا مَالا بِغَيْر حق رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه بَقِيَّة بن الْوَليد (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من لقي اللّه لا يشرك به شيئًا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة" تقدم الكلام عليه في الزكاة. قوله ﷺ : "خمس ليس لهن كفارة الشرك باللّه وقتل النفس بغير حق و [بهت] مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق" سيأتي الكلام على ذلك في بابه. قوله: وفيه بقية بن الوليد، وبقية بن الوليد [أحد الأعلام ثقة عند الجمهور لكنه مدلس، قال النسائي: وغيره إذا قال حدّثنا أو أخبرنا فهو ثقة وقال أحمد هو أحب إليّ من إسماعيل بن عيَّاش، وروى له مسلم في صحيحه شاهدا حديث "من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب" لم يرو له غيره وفيه كلام كثير مبسوط في كتب الرجال].

стр. 4181

٢٠٨٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قَالَ صعد رَسُول اللّه ﷺ الْمِنْبَر فَقَالَ لَا أقسم لَا أقسم ثمَّ نزل فَقَالَ أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا من صلى الصَّلَوَات الْخمس واجتنب الْكَبَائِر دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ قَالَ الْمطلب سَمِعت رجلًا يسْأَل عبد اللّه بن عَمْرو أسمعت رَسُول اللّه ﷺ يذكرهن قَالَ نعم عقوق الْوَالِدين والشوك بِاللّه وَقتل النَّفس وَقذف الْمُحْصنَات وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار من الزَّحْف وَأكل الرِّبَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسنَاده مُسلم بن الْوَليد بن الْعَبَّاس لا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا عَدَالَة (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر، قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟، قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالشِّرْكُ بِاللّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا" [قوله: وفي إسناده (مسلم بن الوليد بن العبَّاس)]. ٢٠٨٧ - وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ﵁: عَن أَبِيه عَن جدّه أَن رَسُول اللّه ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات فَذكر فِيهِ وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد اللّه يَوْم الْقِيَامَة الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس
следующие страницы →