← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4177–4216 · переход к 4182.

стр. 4177

ثلثا الأجر بمحاربتهم أعداء اللّه و [الأجر] الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب اهـ. خاتمة: اختلف العُلماء أيهما أفضل من قتل في سبيل اللّه أو غنم ورجع سالما فالأكثرون على الأول وأما الشيخ عز الدين بن عبد السَّلام فرجح الثاني لما فيه من نكاية العدو وبقائه كذلك بخلاف من انقطع فعله فيهم بالقتل واللّه تعالى أعلم.

стр. 4178

الترهيب من الفرار من الزحف ٢٠٨٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﷺ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات قَالُوا يَا رَسُول اللّه وَمَا هن قَالَ الإِشْرَاك بِاللّه وَالسحر وَقتل النَّفس الَّتِي حرم اللّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). وَالْبَزَّار وَلَفظه قَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْكَبَائِر سبع أولَاهُنَّ الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس بِغَيْر حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف الْمُحْصنَات والانتقال إِلَى الْأَعْرَاب بعد هجرته (٢). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "اجتنبوا السبع الموبقات"، أي: المهلكات. قوله: قالوا: يا رسول اللّه: وما هن؟ قال: "الشرك باللّه والسحر وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"، أما عده السحر من الكبائر

стр. 4179

فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير أن السحر حرام من الكبائر تعلمه وتعليمه، ذكره النووي (١). قوله: "والتولي يوم الزحف"، التولّي: هو الإعراض، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون نحوهم (٢) ويوم الزحف يوم الجهاد ولقاء العدو في الحرب ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا، فإن فرَّ متحرفًا لقتال أو متحيزا إلى فئة يستنجد بها جاز هذا في حال الغزوة، أما من عجز بمرض أو نحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال، فالعبد إذا لثحهد الوقعة بغير إذن سيده فلا يحرم عليه الانصراف، والنساء إذا شهدن القتال فلا يأثمن بالتولي (٣) واللّه أعلم. ٢٠٨٤ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَان ﵁: عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ ثَلاثَة لَا ينفع مَعَهُنَّ عمل الشّرك بِاللّه وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٤). قوله: وعن ثوبان ﵁، تقدم الكلام على ثوبان. قوله ﷺ : "ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف"، تقدم الكلام على ذلك.

стр. 4180

٢٠٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من لَقِي اللّه لا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَأدّى زَكاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه محتسبا وَسمع وأطاع فَلهُ الْجنَّة أَو دخل الْجنَّة وَخمْس لَيْسَ لَهُنَّ كفَّارَة الشّرك بِاللّه وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت مُؤمن والفرار من الزَّحْف وَيَمِين صابرة يقتطع بهَا مَالا بِغَيْر حق رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه بَقِيَّة بن الْوَليد (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من لقي اللّه لا يشرك به شيئًا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة" تقدم الكلام عليه في الزكاة. قوله ﷺ : "خمس ليس لهن كفارة الشرك باللّه وقتل النفس بغير حق و [بهت] مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق" سيأتي الكلام على ذلك في بابه. قوله: وفيه بقية بن الوليد، وبقية بن الوليد [أحد الأعلام ثقة عند الجمهور لكنه مدلس، قال النسائي: وغيره إذا قال حدّثنا أو أخبرنا فهو ثقة وقال أحمد هو أحب إليّ من إسماعيل بن عيَّاش، وروى له مسلم في صحيحه شاهدا حديث "من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب" لم يرو له غيره وفيه كلام كثير مبسوط في كتب الرجال].

стр. 4181

٢٠٨٦ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قَالَ صعد رَسُول اللّه ﷺ الْمِنْبَر فَقَالَ لَا أقسم لَا أقسم ثمَّ نزل فَقَالَ أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا من صلى الصَّلَوَات الْخمس واجتنب الْكَبَائِر دخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ قَالَ الْمطلب سَمِعت رجلًا يسْأَل عبد اللّه بن عَمْرو أسمعت رَسُول اللّه ﷺ يذكرهن قَالَ نعم عقوق الْوَالِدين والشوك بِاللّه وَقتل النَّفس وَقذف الْمُحْصنَات وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار من الزَّحْف وَأكل الرِّبَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسنَاده مُسلم بن الْوَليد بن الْعَبَّاس لا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا عَدَالَة (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر، قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟، قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالشِّرْكُ بِاللّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا" [قوله: وفي إسناده (مسلم بن الوليد بن العبَّاس)]. ٢٠٨٧ - وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ﵁: عَن أَبِيه عَن جدّه أَن رَسُول اللّه ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات فَذكر فِيهِ وَإِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد اللّه يَوْم الْقِيَامَة الإِشْرَاك بِاللّه وَقتل النَّفس

стр. 4182

المؤمنة بِغَيْر الْحق والفرار فِي سَبِيل اللّه يَوْم الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَرمي المحصنة وَتعلم السحر وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه [أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنصارى مدنى من تابعى التابعين، وثقات المسلمين وأئمتهم، يقال: اسمه كنيته لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد. واتفقوا على توثيقه، وإمامته، وجلالته، قال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفى بالمدينة سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة (٢)، وأبوه هو أبو عبد الملك، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو القاسم محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان، المدنى. ولد في حياة رسول اللّه ﷺ بنجران، وأبوه عامل عليها لرسول اللّه ﷺ ، وهو من كبار التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، له عقب بالمدينة وببغداد، قتل يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين، وكان فقيها، فاضلًا من صالحي المسلمين (٣)، وجده هو أبو الضحاك، ويقال: أبو محمد عمرو بن حزم بن زيد بن لوزان، بفتح اللام وإسكان الواو بذال معجمة، ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدني،

стр. 4183

وقيل في نسبه غير هذا، أول مشاهده مع رسول اللّه ﷺ الخندق، واستعمله رسول اللّه ﷺ على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث معه كتابا فيه الفرائض، والسنن، والصدقات، والجروح، والديات، وكتابه هذا مشهور في كتب السنن. توفى بالمدينة سنة إحدي، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وخمسين (١)]. قوله: أن رسول اللّه ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات فذكر فيه وإن أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة الإشراك باللّه وقتل النفس المؤمنة بغير حق والفرار في سبيل اللّه يوم الزحف وعقوق الوالدين ورمي المحصنات وتعلم السحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم" الحديث، الكبائر جمع كبيرة، وهي: ما كان حراما محضا شرع عليها عقوبة محضة بنص قاطع في الدنيا أو في الآخرة (٢)، وقيل: كلّ صغيرة جاءت مخالفة لأمر اللّه تعالى فهي كبيرة، قال ابن عباس: كلّ ما نهى اللّه عنه فهو كبيرة (٣) [وقالت طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة، وقيل: كلّ ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، فهو صغيرة،

стр. 4184

وقيل: كلّ ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة، وقيل: كلّ ما لعن اللّه أو رسوله فاعله فهو كبيرة، وقيل: كلّ ما ذكر من أولط سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١)، وقالت طائفة الذنوب كلها بالنسبة إلى الجراءة على اللّه سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره، كبائر، فالنظر إلى من عصى أمره وانتهك محارمه، يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة] (٢)، وسيأتي الكلام على كلّ واحدة من الكبائر المذكورة في الحديث في بابها إن شاء الله تعالى. ٢٠٨٨ - وَعَن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع إِن أَوْليَاء اللّه المصلون وَمن يُقيم الصَّلَوَات الْخمس الَّتِي كتبهن اللّه عَلَيْهِ ويصوم رَمَضَان ويحتسب صَوْمه وَيُؤْتى الزَّكاة محتسبا طيبَة بهَا نَفسه ويجتنب الْكَبَائِر الَّتِي نهى اللّه عَنْهَا فَقَالَ رجل من أَصْحَابه يَا رَسُول اللّه وَكم الْكَبَائِر قَالَ تسع أعظمهن الْإِشْرَاك بِاللّه وَقتل الْمُؤمن بِغَيْر حق والفرار من الزَّحْف وَقذف المحصنة وَالسحر وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين وَاسْتِحْلَال الْبَيْت الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتا لَا يَمُوت رجل لم يعْمل هَؤُلَاءِ الْكَبَائِر وَيُقِيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة إِلَّا رافق مُحَمَّدًا ﷺ

стр. 4185

فِي بحبوحة جنَّة أَبْوَابهَا مصاريع الذَّهَب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (١). بحبوحة الْمَكَان بحاءين مهملتين وياءين موحدتين مضمومتين هُوَ وَسطه قَالَ الْحَافِظ كانَ الشَّافِعِي ﵁: يَقُول إِذا غزا الْمُسلمُونَ فَلَقوا ضعفهم من الْعَدو حرم عَلَيْهِم أَن يولوا إِلَّا متحرفين لقِتَال أَو متحيزين إِلَى فِئَة وَإِن كَانَ الْمُشْركُونَ أَكثر من ضعفهم لم أحب لَهُم أَن يولوا وَلَا يستوجبون السخط عِنْدِي من اللّه لَو ولوا عَنْهُم على غير التحرف لِلْقِتَالِ أَو التحيز إِلَى فِئَة وَهَذَا مَذْهَب ابْن عَبَّاس الْمَشْهُور عَنهُ (٢). قوله: وعن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه [هو أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول اللّه ﷺ ، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر، وعبد اللّه بن عمرو بن علي توثيقه، أخرج له الجماعة، وأبوه صحابى ذكره البر في وقال له حديثان]. قوله ﷺ : "إن أولياء اللّه المصلون ومن يقيم الصلوات" فذكر الحديث إلى أن قال "ويجتنب الكبائر التي نهى اللّه عنها"، فقال رجل من أصحابه: يا رسول اللّه وكم الكبائر؟ قال: "تسع أعظمهن الإشراك باللّه وقتل المؤمن بغير

стр. 4186

حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام"، تقدم في حديث أبي هريرة في أول الباب أن الكبائر سبع، وفي حديث أبي بكر بن محمد بن حزم عدها ثمانية، وفي حديث عبيد بن عمير عدها تسعا (١). قوله: "والفرار من الزحف" قال الحافظ (٢): كان الشافعي ﵀ يقول: إذا غزا المسلمون فلقوا ضِعفهم (ضِعف الشيء: مثلاه) من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وان كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا يستوجبون السخط عندي من اللّه لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، وهذا مذهب ابن عباس المشهور عنه، ا. هـ. قال غيره: اعلم أن الفرار من الزحف حيث لا يجوز من أعظم كبائر الذنوب عند اللّه تعالى بإجماع العُلماء وفعله مستحق لغضب اللّه ومقته وأليم عذابه، وقد ورد في الترهيب من ذلك والتحذير من فعله جملة أحاديث (٣)، واعلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية على الإنسان ثم حضر الصف صار عليه فرض عين وحرم عليه الفرار، وإنما يحرم الفرار إذا لم يزد عدد الكفار على المسلمين فإن فر متحيزا القتال كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم

стр. 4187

أو يكون في مضيق فينصرف فيتبعه العدو لمتسع يسهل القتال فيه أو يتحول من مقابلة الشمس والريح ونحو هذا جاز وسواء كانت تلك الفئة قليلة أو كثيرة قريبة أو بعيدة على الصحيح، ومن عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانهزام كما تقدم إن لم يمكنه الرمي بالحجارة فإن أمكنه الرمي بالحجارة حرم عليه الانهزام على الأصح وإن زاد عدد الكفار على المثلين جاز الانهزام وإن كانوا رجالة والمسلمون فرسانا، فلو كان المسلمون رجالة والكفار فرسانا حرمت الهزيمة، ويحرم انهزام مائة بطل من مائتين وواحد ضعفاء على الأصح لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا وإنما يراعي العدد عند تقارب الأوصاف واللّه أعلم، ذكره ابن النحاس عفا اللّه عنه (١).

стр. 4188

الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر ٢٠٨٩ - عَن أنس ﵁: أَنَّ رَسُول اللّه ﷺ كَانَ يدْخل على أم حرَام بنت ملْحَان فتطعمه وَكَانَت أم حرَام تَحت عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ فَدخل عَلَيْهَا رَسُول اللّه ﷺ فأطعمته ثمَّ جَلَست تفلي رَأسه فَنَامَ رَسُول اللّه ﷺ ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يضْحك قَالَت فَقلت يَا رَسُول اللّه مَا يضحكك قَالَ نَاس من أمتِي عرضوا عَليّ غزَاة فِي سَبِيل اللّه يركبون ثبج هَذَا الْبَحْر ملوكا على الأسرة أَو مثل الْمُلُوك على الأسرة قَالَت فَقلت يَا رَسُول اللّه ادْع اللّه أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم فَدَعَا لَهَا ثمَّ وضع رَأسه فَنَامَ ثمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يضْحك قَالَت فَقلت مَا يضحكك يَا رَسُول اللّه قَالَ نَاس من أمتِي عرضوا عَليّ غزَاة فِي سَبِيل اللّه كمَا قَالَ فِي الأولى قَالَت فَقلت يَا رَسُول اللّه ادْع اللّه أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم قَالَ أَنْت من الْأَوَّلين فركبت أم حرَام بنت ملْحَان الْبَحْر فِي زمن مُعَاوِيَة فصرعت عَن دابتها حِين خرجت من الْبَحْر فَهَلَكت ﵂ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١). قَالَ المملي ﵁ كَانَ مُعَاوِيَة ﵁ قد أغزى عبَادَة بن الصَّامِت قبرس فَركب الْبَحْر غازيا وَركبت مَعَه زَوجته أم حرَام.

стр. 4189

ثبج الْبَحْر هُوَ بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة بعدهمَا جِيم مَعْنَاهُ وسط الْبَحْر ومعظمه. قوله: عن أنس ﵁، تقدم الكلام على أنس ﵁. قوله: أن رسول اللّه ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، الحديث، ملحان: بكسر الميم وإسكان اللام، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام، وأم حرام بفتح الحاء والراء المهملتين وبعد الألف ميم، قيل: اسمها الرميصاء، وقيل: غير ذلك، وهي أخت أم سليم أم أنس بن مالك زوجة أبي طلحة الأنصاري، وقيل: النمري، لم أقف لها على اسم صحيح وهي أنصارية نجارية خالة أنس بن مالك نسبًا وخالة رسول اللّه ﷺ رضاعا، واتفق العُلماء على أن أم حرام كانت محرما لسيدنا رسول اللّه ﷺ ، واختلفوا في ذلك فقال ابن عبد البر (١) وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاع، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار وكان رسول اللّه ﷺ يأتيها زائرا والزيارة من صلة الرحم وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول اللّه ﷺ فأطعمته تم جلست تفلي رأسه، الحديث، قال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود: ظاهره أنه كان زوجها حين نام النبي ﷺ غير أنه جاء في الحديث الآخر ما يبين ذلك وأن عبادة بن الصامت تزوجها بعد ذلك فأخبر الابن في

стр. 4190

الحديث الأول عن حالها بعد لا في ذلك الوقت، وفسره في الثاني (١)، ا. هـ. فتحمل الرِّواية الأولى على موافقة الثانية ويكون قد أخبر عما صار حالها بعد ذلك، وقوله "ثم جلست تفلي رأسه" تفلي بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر الميم فيه جواز فلي الرأس وقتل القمل منه ومن غيره، قال النووي (٢): قال أصحابنا قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب وفيه جواز ملامسة المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها وهذا كلّه مجمع عليه، ا. هـ وما نقله في الإجماع في المسائل الثلاث صحيح، وما ذكره من الاتفاق على أن أم حرام كانت محرما له ﷺ ليس بصحيح ومن أحاط علما بنسب النبي ﷺ ونسب أم حرام علم أنه ليس محرما لها وقد بين ذلك الحافظ شرف الدين الدمياطي في جزء مفرد (٣) وأما الجواب عن قصة أم حرام فهو أن النبي ﷺ لم يكن يفعل ذلك مع كلّ أحد لكن أم حرام لها خصوصية فلذلك كان يقيل عندها وتفلي رأسه ﷺ ، وأيضًا فقد صح أن أبا بكر قبل خد عائشة وهي نائمة، وكان قد دخل عليها وهي مضطجعة أصابتها حمى فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها، وفي رواية: أن فاطمة كانت إذا دخلت على رسول اللّه ﷺ قام إليها ورحب بها وأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وقال مالك: ولا بأس أن يقبل الرجل خد ابنته

стр. 4191

وَلَا يُقَبِّلُ خَدَّ ابْنِهِ ولا غيره لأنه لم يكن من فعل الماضين (١)، وقال النووي (٢): وفي الحديث جواز أكل الضيف عند الأمة المزوجة. قوله: إلا أن يعلم أنه من مال الزوج ويعلم أنه يكره أكله من طعامه. قوله: فنام رسول اللّه ﷺ ثم استيقظ إلى آخره، هذا الضحك مرحا وسرورًا بكون أمته تبقى بعده متظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر (٣)، وسروره بما يفتح اللّه عليهم في الدنيا وما يجب لهم من الأجر في الآخرة (٤). قوله ﷺ : "ثبج هذا البحر" معناه: وسط البحر ومعظمه، قاله المنذري، وقال غيره: هو ظهره ووسطه (٥). قوله: "مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، شَكَّ إِسْحَاقُ" ابن عبد اللّه أنه قال: ملوكًا أو مثل الملوك. والأسرة: جمع سرير شبههم بالملوك لفضل الجهاد في سبيل اللّه، وقيل: هو صفتهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة كما قال اللّه تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ (٦) و ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ (٧)، وقيل: يحتمل أن يريد حالهم في الدنيا من ركوب البحر

стр. 4192

مراكب الغزاة أو الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم وكثرة عددهم وجودة آلاتهم فكأنهم الملوك على أسرتهم وهذا هو الأصح (١). قوله: فقالت أم حرام: قلت: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، إلى قوله: فقلت يا رسول اللّه: ادع اللّه أن يجعلني منهم! قال: "أنت من الأولين"، ومعنى قوله "أنت من الأولين" أي: لا تركبين البحر ثانيًا، وكان النبي ﷺ قد دعا لها في الأولى فهذا يدلّ على أن عرض فيها عليه غير الطائفة الأولى، ففي هذا الحديث دليل على جواز الركوب في البحر للجهاد، ولسرور النبي ﷺ بما عرض عليه من ذلك، وفيه دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى فيه وجه من إعلام نبوءته ﷺ أخبر بها ﷺ قبل وقوعها فكانت كما أخبر، منها جهاد أمته في البحر وضحكه دليل على أن اللّه تعالى يفتح لهم ويغنمهم، وفيه معجزات للنبي ﷺ منها إخباره ببقاء أمته بعده وأنه يكون لهم شوكة وقوة وعدد وأنهم يغزون وأنهم يركبون البحر وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان وأنها تكون معهم وقد وجد بحمد الله تعالى كلّ ذلك وفيه فضيلة لتلك الجيوش وأنهم غزاة في سبيل اللّه (٢). قوله: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت ﵂، الحديث، قال الحافظ (٣) ﵀:

стр. 4193

كان معاوية قد أغزى عبادة بن الصامت قبرس (١) فركب البحر غازيا وركبت معه زوجته أم حرام، ا. هـ. واختلف العُلماء متى جرت هذه الغزوة التي توفيت فيها أم حرام في البحر، وقال القاضي عياض (٢) ﵀: قال أكثر أهل السير والأخبار أن ذلك كان في خلافة عثمان بن عفان، قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ (٣): رَكِبَ مُعَاوِيَةُ الْبَحْرَ غَازِيًا بِالْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ عُثمَانَ إلَى قُبْرُصَ وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ زَوْجَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَرَكِبَتْ بَغْلَتَهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ السَّفِينَةِ فَصُرِعَتْ فَمَاتَتْ. وكانت هذه الغزوة لمعاوية سنة ثمان وعشرين فذهب أكثر أهل السير، إلى ما قدمناه وأن ذلك في خلافة عثمان وأن قوله في زمن معاوية أي في زمان غزوه في البحر لا في أيام خلافته (٤)، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه (٥): كان أول من غزا في البحر معاوية في زمن عثمان ﵁: كذا قال الفريابي وغيره، وأغزى عبادة بن الصامت قبرس فخرجت معه زوجته أم حرام فلما أن جاءت قربت لها بغلة لتركبها فصرعتها فاندقت عنقها، قال بعضهم: فأهل قبرس يستسقون

стр. 4194

بقبرها ﵂ (١)، ثم أغزى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك القسطنطينية وجهز إليها الجيوش برا وبحرا فأغزى أهل الشام والجزيرة في البر في نحو من عشرين ومائة ألف وأغزى إلى أهل مصر والمغرب في البحر في ألف مركب وعليهم عمر بن هبيرة وأمير الكل مسلمة بن عبد الملك، فنزل بفنائها يحاصرها ثلاثين شهرا حتى أكل الناس في العسكر الميتة والعذرة من الجوع هذا، وفي وسط العسكر عرمة حنطة مثل الجبل يغيظون بها الروم، قال محمد بن زياد الألهاني: غزونا القسطنطينية فجعنا حتى هلك ناس كثير وإن كان الرجل ليخرج إلى قضاء الحاجة والآخر ينظر إليه فإذا قام أقبل ذلك على رجيعه فأكله وإن كان الرجل يذهب إلى الحاجة فيؤخذ ويذبح ويؤكل وإن الأهرام من الطعام كالتلال لا نصل إليها نكايد بها أهل القسطنطينية فلما استخلف عمر بن عبد العزيز أذن لهم في الترحل عنها ذكر ذلك غير واحد من أئمة التاريخ، أ. هـ. ففي هذا الحديث يعني حديث أم حرام يعني جواز ركوب البحر للرجال والنساء وكذا قاله الجمهور، وكره مالك ركوبه للنساء لأنه لا يمكنهن غالبا التستر فيه ولا غض البصر عن المبصرين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن في تصرفهن لاسيما فيما صغر من السقى مع ضرورتهن إلى قضاء حاجة بحضرة الرجال، قال القاضي عياض (٢): وروى عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد

стр. 4195

العزيز منع ركوبهن، وقيل: إنما منعه العمران للتجارة وطلب الدنيا لا لطلب الطاعات، وقد روى عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ النهي عن ركوب البحر إلا لحاج أو معتمر أو غاز، وضعف أبو داود هذا الحديث وقال رواته مجهولون (١)، وفيه: ضحك المستبشر إذا بشر بما يسره كما فعل النبي ﷺ (٢)، قيل: وفيه: فضل لمعاوية لأنه أول من غزى في البحر وجعل من غزى تحت رايته من الأولين (٣). فائدة: استدل بعض العُلماء بهذا الحديث أن القتل في سبيل اللّه والموت فيه سواء في الأجر لأن أم حرام ماتت ولم تقتل ولا دلالة فيه لذلك لأنه ﷺ لم يقل إنهم شهداء إنما قال: "يغزون في سبيل اللّه" ولكن قد ذكر مسلم في حديث زهير بن حرب من رواية أبي هريرة: "من قتل في سبيل اللّه فهو شهيد ومن مات في سبيل اللّه فهو شهيد" وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤) الآية (٥)، واللّه أعلم.

стр. 4196

٢٠٩٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄. قالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ حجَّة لمن لم يحجّ خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج وغزوة فِي الْبَحْر خير من عشر غزوات فِي الْبر وَمن أجَاز الْبَحْر فَكَأَنَّمَا أجَاز الأودية كلهَا والمائد فِيهِ كالمتشحط فِي دَمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْبَيْهَقِيّ كلَاهُمَا من رِوَايَة عبد اللّه بن صَالح كَاتب اللَّيْث (١). وروى الْحَاكِم مِنْهُ غَزْوَة فِي الْبَحْر خير من عشر غزوات فِي الْبر إِلَى آخِره وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَا يضر مَا قيل فِي عبد اللّه بن صَالح فَإِن البُخَارِيّ احْتج بِهِ (٢). المائد هُوَ الَّذِي يدوخ رَأسه ويميل من ريح الْبَحْر والميد الْميل. ٢٠٩١ - وَرُوِيَ عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من غزا فِي سَبِيل اللّه غَزْوَة فِي الْبَحْر وَاللّه أعلم بِمن يَغْزُو فِي سَبيله فقد أدّى إِلَى اللّه طَاعَته كلهَا وَطلب الْجنَّة كلّ مطلب وهرب من النَّار كلّ مهرب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة (٣).

стр. 4197

قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلها والمائد فيه كالمتشحط في دمه" المائد هو الذي تدوخ رأسه وتميل من ريح البحر بالأمواج، والميد الميل قاله المنذري وغيره، والمائد [هذا اسم فاعل] من ماد يميد إذا دار رأس الرجل من [من خوف البحر وغشيان معدته من تحرك السفينة في البحر" يعني: من] ركب البحر [وأصابه دوار له أجر شهيد إن كان يمشي إلى طاعة، كالغزو والحج وتحصيل العلم] أما التجار؛ فإن لم يكن لهم طريق سوى البحر، وكانوا يتَّجِرون للقُوت لا لجمعِ المال، فهم داخلون في هذا الأجر، قاله في شرح المصابيح (١). قوله: "كالمتشخط في دمه في البر" أي المضطرب في الدم (٢). فائدة فيها بشرى لشهداء البحر: ورد في الحديث: "إذا دخل أهل الجنة الجنة ركب شهداء البحر في قراقير من در" (٣) القراقير: جمع قرقور وهي السفينة العظيمة ذكره في النهاية لابن الأثير (٤).

стр. 4198

واعلم أيدك اللّه بتوفيقه أن للغزو في البحر فضائل ليست للغزو في البر، منها: أن غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر كما هو مذكور في هذا الحديث، ومنها: أن المائد في البحر كالشهيد المتشخط في دمه كما هو مذكور أيضًا في هذا الحديث ومنها: أن شهداء البحر أفضل على الإطلاق من شهداء البر، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه: إذا كان المائد في البحر كالشهيد في البر فكيف يكون الشهيد فيه، ومنها: ما روى أن من غزى في البحر كمن غزى مع النبي ﷺ ، ومنها: ما خرجه ابن عساكر بإسناده عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه ﷺ : "مَنْ غَزَا فِي الْبَحْرِ غَزْوَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ - وَاللّهُ أَعْلَمُ مَنْ هُوَ فِي سَبيلِهِ - فَقَدْ أَدَّى إِلَى اللّهِ طَاعَتَهُ كُلَّهَا، وَطَلَبَ الْجَنَّةَ كُلَّ مَطْلَبٍ، وَهَرَبَ مِنَ النَّارِ كُلَّ مَهْرَبٍ" (١)، ومنها: ما روي أن فَضْلُ الْغَازِي فِي الْبَحْرِ عَلَى الْغَازِي فِي الْبَرِّ كَفَضْلِ الْغَازِي فِي الْبَرِّ عَلَى الْقَاعِدِ فِي بَيْتِهِ (٢)، ومنها: أن أجر جهاد في يوم في البحر كأجر جهاد شهر في البر، ومنها: أن خيار الشهداء عند اللّه تعالى وأفضلهم من تتغلب بهم مراكبهم فيغرقون في سبيل اللّه وأن للمجاهد إذا غرق في البحر أجر شهيدين في البر، ومنها: ما روي أن غزاة البحر لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقد صح أن المرابط إذا مات يبعث يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر وغازي البحر أعلا منه وأولى بهذه الفضيلة والله أعلم، ومنها: ما روى أن لغازي البحر ما بين كلّ موجين كمن قطع الدنيا في

стр. 4199

طاعة اللّه ، ومنها: ما روي أن شهداء البحر يغفر لهم الذنوب كلها والديون بخلاف شهداء البر لأنهم يغفر لهم كلّ الذنوب إلا الدين، ومنها: أن الغازي في البحر إذا وضع رجله في السفينة يخلف خطايا خلف ظهره ويخرج منها كيوم ولدته أمه ويضحك اللّه إليه، ومنها: ما روى أن شهيد البحر لا يجد القتل في سبيل اللّه إلا كشربة عسل بماء بارد، ومنها: ما ذكر صاحب شفاء الصدور عن كعب أن شهيد البحر يأتي يوم القيامة في نهر من نور أبيض يتلألأ رافعين شراعهم من دورهم في سفائنهم، الحديث مطول، ومنها: ما روي أن ملك الموت يقبض روح كلّ شهيد وغيره إلا شهداء البحر فإن اللّه تعالى يتولى قبض أراوحهم لكرامتهم عليه. [فائدة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: من أراد أن يوقن بأن اللّه هو الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر (١)]. قال صاحب المغني (٢) وغيره من أصحاب الإمام أحمد: غزو البحر أفضل من غزو البر لأن البحر أعظم خطرا ومشقة فإنه بين خطر العدو وخطر الغرق ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضل من غيره، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه: وينبغي أن لا يكون في هذا خلاف لما تقدم في فضله من الأحاديث الحسان وغيرها (٣) واللّه أعلم.

стр. 4200

قوله: في آخر حديث عبد اللّه بن عمرو: ولا يضر ما قيل في عبد اللّه بن صالح فإن البخاري احتج به، قال شيخ الإسلام ومحدّث الأنام ابن حجر: البخاري لم يحتج به واللّه أعلم (١). ٢٠٩٢ - وَعَن أم حرَام ﵄ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ المائد فِي الْبَحْر الَّذِي يُصِيبهُ الْقَيْء لَهُ أجر شَهِيد والغريق لَهُ أجر شَهِيد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). ٢٠٩٣ - وَرُوِيَ عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من فَاتَهُ الْغَزْو معي فليغز فِي الْبَحْر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٣). قوله: وعن أم حرام ﵂، تقدم الكلام على أم حرام. قوله ﷺ : "المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد" الحديث؛ قوله: "الذي يصيبه القيء" أي: غثيان معدته من تحرك السفينة في البحر. خاتمة: عن سليم بن عامر قال: سمعتُ أبا أمامة يقول: سمعتُ رسول اللّه ﷺ يقول: فذكر الحديث (٤) إلى أن قال: "وإن اللّه وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإن اللّه يتولى قبض روحه ويغفر لشهيد البر الذنوب

стр. 4201

كلها إلا الدين ولشهيد البحر الذنوب والدين" انفرد به ابن ماجه، ومذهب جميع العُلماء أن اللّه تعالى هو القابض لأرواح جميع الخلق وأن ملك الموت وأعوانه وسائط، وسئل مالك بن أنس عن البراغيث، أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا ثم قال: ألها نفس؟ قالوا: نعم، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (١) (٢) [ففي الخبر أن ملكي الموت والحياة]، تناظرا فقال ملك الموت: أنا أميت الأحياء، وقال ملك الحياة: أنا أحيي الموتي، فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما [وما سخرتكما له] من الصنع وأنا المميت [والمحي لا يميت] ولا يحيى سواي، كذا ذكره الشيخ أبو حامد في الإحياء (٣) قاله في الديباجة.

стр. 4202

الترهيب من الغلول والتشديد فيه وما جاء فيمن ستر على غال ٢٠٩٤ - عَن عبد اللّه بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄. قالَ كَانَ على ثقل رَسُول اللّه ﷺ رجل يُقَال لَهُ كركرة فَمَاتَ فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ هُوَ فِي النَّار فَذَهَبُوا ينظرُونَ إِلَيْهِ فوجدوا عباءة قد غلها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ قَالَ ابْن سَلام كركرة يَعْنِي بفتحهما (١). الثّقل محركا هُوَ الْغَنِيمَة. وكركرة ضبط بِفَتْح الكافين وبكسرهما وَهُوَ أشهر. والغلول هُوَ مَا يَأْخُذهُ أحد الْغُزَاة من الْغَنِيمَة مُخْتَصًّا بِهِ وَلَا يحضرهُ إِلَى أَمِين الْجَيْش ليقسمه بَين الْغُزَاة سَوَاء قل أَو كثر وَسَوَاء كانَ الآخِذ أَمِين الْجَيْش أَو أحدهم. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الطَّعَام والعلوفة وَنَحْوهمَا اخْتِلَافا كثيرًا لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره. قوله: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: كان على ثقل رسول اللّه ﷺ رجل يقال له كركرة، الثقل هو بفتح الثاء المثلثة والقاف هو متاع المسافر وما يحمله على دوابه، ومنه قوله

стр. 4203

تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ (١) الآية (٢)، هكذا ذكره في شرح مشارق الأنوار، وذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد له فقال: النفل بفتح النون والفاء جميعا هو الغنيمة (٣)، أ. هـ. وقال أهل اللغة والفقهاء: الأنفال هي العطايا من الغنيمة غير السهم المستحق بالقسمة واحدها نفل، بفتح الفاء على المشهور وحكي إسكانها (٤)، وقال الحافظ (٥): النفل محركا هو الغنيمة، ولم يتعرض الشيخ لمادة حروف الثقل ولكن تفسيره بالغنيمة يقتضي أن يكون بالنون والفاء، قال الجوهري (٦): والنفل بالتحريك الغنيمة والجمع الأنفال، وقيده القاضي في المشارق (٧) بفتح الثاء المثلثة والقاف. وقال تبعا للجوهري (٨): الثقل متاع البيت وحشمه أي خدمه ومن يغضب له، وكذا قيده الزركشي في تنقيحه (٩) وفسره بالعيال وما يثقل من الأمتعة وهو قريب من الأول وهذا هو الظاهر وقال الكرماني (١٠): الثقل هو متاع المسافر

стр. 4204

وحشمه أصله من الثقل ضد الخفة والمراد هنا: آلات السفر ومتاع المسافر، قال في شرح مشارق الأنوار هو متاع المسافر وما يحمله على دوابه، وتقدم تفسيره من كلام المشارق" وكركرة: هذا معدود من موالي رسول اللّه كان غلاما للنبي ﷺ ، ذكره عبد الملك النيسابوري في شرف المصطفى (١) فقال: كركرة مولى رسول اللّه ﷺ كان نوبيا أهداه هوذة بن علي الحنفي إلى رسول اللّه ﷺ فأعتقه ولا يعرف لكركرة المذكور ذكر في غير هذا الحديث واللّه أعلم، قال ابن سَلَام: كركرة بفتح الكافين، قال الكرماني (٢): ابن سلام الصحيح الذي عليه الجمهور تخفيف لامه، وقيل: بتشديدها، قال الدَّارقُطْنِي (٣): ليس في الأسماء ابن سلام بالتخفيف إلا عبد اللّه بن سلام الصحابي وكانت الموالي نحو ستة عشر. واعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي ﷺ بل كان بعض منهم في وقت (٤). [قوله:] فمات فقال رسول اللّه ﷺ "هو في النار" فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءة قد غلها، الحديث، ففي هذا الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره كما سيأتي ذكره في [هذا] الباب في [الرجل الذي غل خرزا من خرز يهود]

стр. 4205

والغلول هو ما يأخذه أحد الغزاة من الغنيمة مختصا به ولا يحضره إلى أمين الجيش ليقسمه بين الغزاة إلى آخره. تنبيه: قال بعض العُلماء: وإنما سمي غلولا لأن الأيدي مغلولة عنه أي ممنوعة من تناوله مجعول فيها غل [وهو الحديدة] التي تجمع في يد الأسير إلى عنقه (١) وقال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه أي محبوسة (٢) والغلول هو أحد عظائم الذنوب وكبائر المعاصي وموبقات الآثام (٣)، وقد قال اننبي ﷺ : "من مات وهو برئ من الكبر والغلول والدين دخل الجنة" رواه الترمذي (٤). فائدة: أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول فإنه من الكبائر وأجمعوا على أن عليه رد ما غله فإن كان تفرق الجيش وتعذر إيصال كلّ واحد إلى حقه، ففيه خلاف للعلماء قال الشافعي وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضائعة، وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي ومالك والثوري وأحمد بن حنبل والجمهور: يدفع خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي (٥).

стр. 4206

لطيفة: غلّ رجل من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمير الجيش فأبى أن يقبل منه وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا فأتى حجاج بن الشاعر فقال: يا هذا، إن اللّه تعالى يعلم الجيش وأسمائهم وأنسابهم فادفع خمسة إلى صاحب الجيش وتصدق بالباقي عنهم فإن اللّه يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل فلما أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إليّ من نصف ملكي (١)، ا. هـ. ٢٠٩٥ - وَعَن عبد اللّه بن شَقِيق أَنه أخبرهُ من سمع النَّبِيّ ﷺ وَهُوَ بوادي الْقرى وجاءه رجل فَقَالَ اسْتشْهد مَوْلَاك أَو قَالَ غلامك فلَان قَالَ بل يجر إِلَى النَّار فِي عباءة غلها رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح (٢). قوله: وعن عبد اللّه بن شقيق، هو عبد اللّه بن شقيق [العقيلي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد البصري، من بني عقيل بن كعب بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة. وكان عبد اللّه بن شقيق عثمانيا، وكان ثقة في الحديث وروى أحاديث صالحة، وقال صالح بن أحمد، عن علي: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: كان سليمان التيمي سئ الرأي في عبد اللّه بن شقيق، وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يحمل على علي، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن مَعين: ثقة، من خيار المسلمين، لا يطعن في حديثه وقال أبو حاتم: ثقة

стр. 4207

وقال أبو أحمد بن عدي: ما بأحاديثه إن شاء اللّه بأس، وقال الهيثم بن عدي، ومحمد بن سعد: توفي في ولاية الحجَّاج بن يوسف على العراق، وقال خليفة بن خياط: مات بعد المئة، وقال غيرهم: مات سنة ثمان ومئة (١)]. قوله: أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادي القرى. جمع القرية موضع، وادي القرى بضم القاف وفتح المهملة من أعمال المدينة والشام، جاء ذكره كثيرًا في الحديث والمغازي، وقد نزل فيه رسول اللّه ﷺ . قوله: وجاءه رجل فقال استشهد مولاك أو قال غلامك فلان، قال: بل يجر إلى النار في عباءة غلها، أي: من أجلها وسببها. ٢٠٩٦ - وَعَن زيد بن خَالِد ﵁ أَن رجلًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ توفّي يَوْم خَيْبَر فَذكرُوا لرَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ صلوا على صَاحبكُم فتغيرت وُجُوه النَّاس لذَلِك فَقَالَ إِن صَاحبكُم غل فِي سَبِيل اللّه ففتشنا مَتَاعه فَوَجَدنَا خرزا من خرز يهود لا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ رَوَاهُ مَمالك وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَة (٢). قوله: وعن زيد بن خالد الجهني ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر فذكروا للنبي ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك"، فقال: "إن

стр. 4208

صاحبكم غل". الحديث، وكانت غزوة خيبر في السنة السادسة من الهجرة وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول اللّه ﷺ بنفسه (١) قد جاء في هذا الحديث أن النبي ﷺ كان لا يصلي على من غل في سبيل اللّه ولو كان غلوله شيئًا يسيرًا تعظيما لجرمه وتغليظا لإثمه وإشارة إلى أنه كما امتنع من الدعاء له والشفاعة في الدنيا كذلك يمتنع من الشفاعة فيه في الآخرة كما سيأتي في حديث أبي هريرة المطول أنه إذا جاء إليه حاملا مكروبا فيقول: يا رسول اللّه أغثني فيجيبه ﷺ : "لا أملك لك من اللّه شيئًا"، قد أبلغتك الحديث وتاللّه أن من حرم شفاعة النبي ﷺ لجدير بالهلاك والبوار وأن من رده الشفوق النصوح الرحيم خائبا لحري أن يكون من أهل النار، اللهم لا تحرمنا شفاعته وإن من عظم جرمنا وجل حوبنا وكثرت ذنوبنا يا أرحم الراحمين (٢). قوله: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين، الحديث، الأصل في يهود أن يستعمل بغير لام التعريف لأنه علم خاص لقوم أي علم للقبيلة فلهذا امتنع من الصرف للتأنيث والعلمية وقد يدخله اللام نحو الحس وإنما جوز تعريفه لأنه أجرى يهودي ويهود مجرى تمرة وتمر كذا في الفائق (٣). قوله: رواه مالك، هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة المجمع على حفظه

стр. 4209

وإتقانه وعدالته وعلو شأنه، خرجه في موطئه الذي رواه عنه أكابر الأئمة وتلقاه بالقبول أحبار الأمة واللّه أعلم. قوله: ورواه الإمام أحمد بن حنبل، كان الإمام أحمد بن حنبل أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة حتى ثبت أنه كان يذاكر بألف ألف حديث، وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين اللّه فما لم تجدوه فيه فليس بشيء، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (١). قوله: ورواه أبو داود، اسم أبي داود سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر، كذا نسبه ابن أبي حاتم، وكان أبو داود إماما حافظا محدّثا فقيها أجمع الناس على عدالته، قال أبو عيسى الرملي: ورّاق أبي داود، قلت لأبي داود: ما خرجت هذه السنن إلا من حديث كثير، فقال لي: أو قد فطنت بذلك ما خرجتها إلا من ثلثمائة ألف ونيف وستين ألف حديث، ولد أبو داود سنة ثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة في النصف من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، ذكره صاحب العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور (٢). ٢٠٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ حَدثنِي عمر ﵁ قَالَ لما كَانَ يَوْم خَيْبَر أقبل نفر من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فَقَالُوا فلَان شَهِيد وَفُلَان شَهِيد وَفُلَان شَهِيد حَتَّى مروا على رجل فَقَالُوا فلَان شَهِيد فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ كلا إِنِّي

стр. 4210

رَأَيْته فِي النَّار فِي بردة غلها أَو عباءة غلها ثمَّ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ يَا ابْن الْخطاب اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس إِنَّه لا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (١). قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام عليه. قوله: حدّثني عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد، فقال رسول اللّه ﷺ : "كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها" الحديث، تقدم الكلام على النفر وأنهم من الثلاثة إلى التسعة، وقوله: "كلا" كلمة زجر ورد لقولهم في هذا الرجل أنه شهيد محكوم له بالجنة أول وهلة بل هو في النار بسبب غلولة والغلول أصله الخيانة مطلقا ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة (٢) وكل من خان في شيء [خفية] فقد غل (٣)، ويحك يا ظالم بل ويلك إذا كان هذا شهيد المعركة، وصاحب حق في الغنيمة وجاهد بين يدي رسول اللّه ﷺ ، ولو أراد أن ينفله ما أخذه لكان يسوغ له الأخذ والشملة أو العباءة تلتهب عليه نارا فكيف حال من يأخذ الأموال بالإجمال ولا حق له فيها البتة قاله الشيخ تقي الدين اليحصبي (٤).

стр. 4211

تنبيه: كلمة (ويلك) هذه كلمة أصلها لمن وقع في هلكة يقال له ذلك، وقيل: هذه كلمة تجري على اللسان وتستعمل من غير قصد إلى غير ما وضعت له أولا لذلك كقولهم لا أم لك، لا أب له، تربت يداه أو قاتله اللّه وَعَقْرَى وَحَلْقَى، وما أشبه ذلك (١) واللّه أعلم. قوله: ثم قال رسول اللّه ﷺ : "يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" أنه بفتح الهمزة لكون إن مع اسمه وخبره مفعولا، وناد بالكسر فيه معنى القول. قوله: "أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" قال ابن النحاس عفا اللّه عنه (٢): في هذا الحديث إشارة إلى أن الغال ليس بمؤمن ويؤيده ما روى عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يغل مؤمن" رواه الطبراني (٣) وهو من باب قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٤) الحديث.

стр. 4212

٢٠٩٨ - وَعَن حبيب بن مسلمة ﵁: قَالَ سَمِعت أَبَا ذَر يَقُول قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن لم تغل أمتِي لم يقم لَهُم عَدو أبدًا قَالَ أَبُو ذَر لحبيب بن مسلمة هَل يثبت لكم الْعَدو حلب شَاة قَالَ نعم وَثَلَاث شِيَاه غزر قَالَ أَبُو ذَر غللتم وَرب الْكَعْبَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَال إِلَّا تَدْلِيس بَقِيَّة بن الْوَليد فقد صرح بِالتَّحْدِيثِ (١). قوله: وعن حبيب بن مسلمة ﵁، حبيب هذا [حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر] القرشي [الفهري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو مسلمة، ويقال: أبو سلمة المكي نزيل الشام] قال البخاري: له صحبة، قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قد [سمع من النبي] ﷺ [أخرج إلى الشام مجاهدا في حياة أبي بكر الصديق]، وشهد اليرموك وكان له دار بدمشق وكان شريفا [أنكر الواقدي أن يكون سمع من النبي ﷺ ، توفي رسول اللّه ﷺ ] ولحبيب اثنتا عشرة سنة [وقال ابن أبي مليكة أن حبيب بن مسلمة قدم المدينة] على النبي ﷺ غازيا [وأدركه] أبوه، وقال [للنبي ﷺ : يا نبي اللّه إني ليس لي ولد غيره يقوم في مالي وضيعتي، وعلى أهل بيتي فرده] رسول اللّه ﷺ وقال: [لعلك أن يخلو لك] وجهك [عامك، فارجع يا حبيب مع أبيك] فمات مسلمة من عامه

стр. 4213

وكان يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهدته الروم ودخوله بلادهم (١)، وقد أثبت البخاري والزبيري صحبته، ومات سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة اثنتين وأربعين، قال ابن سعد: بأرمينيا واليًا عليها، وقيل بدمشق، قاله في شرح الإلمام، وقد مدحه حسان بن ثابت بأبيات منها: فِيهِمْ حَبِيبٌ شِهَابُ الْمَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مُسْتَلْئِمًا قَدْ بَدَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ قال سمعتُ أبا ذر يقول قال رسول اللّه ﷺ إن لم تغل أمتي لم يقم لهم عدو أبدًا، تقدم الكلام على الغلول. وقوله: [قال نعم] وثلاث شياه غزر، الحديث، فغزر جمع غزيرة أي: كثيرة اللبن هكذا جاء في رواية المعزوز بالعين المهملة والزاءين جمع عزوز قاله في النهاية (٢). قوله: قال أبو ذر: غللتم ورب الكعبة، أي: خنتم في القول والعمل ولم تصدقوا قاله في النهاية (٣) أيضًا وتقدم الكلام على أبي ذر. ٢٠٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول اللّه ﷺ ذَات يَوْم فَذكر الْغلُول فَعَظمهُ وَعظم أمره حَتَّى قَالَ لا أَلفَيْنِ أحدكم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته بعير لَهُ رُغَاء فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئًا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته فرس لَهُ حَمْحَمَة فَيَقُول

стр. 4214

يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته شَاة لَهَا ثُغَاء يَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته نفس لَهَا صياح فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته رقاع تخفق فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته صَامت فَيَقُول يَا زسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١). لا أَلفَيْنِ أَي لَا أجدن. والرغاء بِضَم الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ هُوَ صَوت الإِبِل وَذَوَات الْخُف. والحمحمة بحاءين مهملتين مفتوحتين هُوَ صَوت الْفرس. والثغاء بِضَم الْمُثَلَّثَة وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ هُوَ صَوت الْغنم. والرقاع بِكَسْر الرَّاء جمع رقْعَة وَهُوَ مَا تكْتب فِيهِ الْحُقُوق. وتخفق أَي تتحرك وتضطرب. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، أي: خطيبًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره الحديث، هذا تصريح بغلظ تحريم الغلول وأصل الغلول الخيانة

стр. 4215

مطلقًا كما تقدم. قوله ﷺ : "حتى قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء" قال الحافظ (١): "لا ألفين" بالفاء لا أجدن، قال النووي (٢): ضبطناه بضم الهمزة وبالفاء المكسورة أي لا أجدن أحدكم على هذه الصفة ومعناه: لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة، قال القاضي: ووقع في رواية العذري "لا ألفين" بفتح الهمزة والقاف من اللقاء وبالفاء من باب الأفعال يقال: ألفيت الشيء ألفيه إلفاء إذا وجدته وصادفته ولقيته (٣)، قال الجوهري (٤): ألفيت الشيء وجدته ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٥) أي صادفاه وفيه أن المرأة تقول: [لبعلها] سيدي وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف ﷺ لا يصح فلم يكن بعلها سيدًا ليوسف ﵇ في الحقيقة (٦)، واللفاء في اللغة هو الشيء الخسيس الحقير يقال: رضي فلان من الوفاء باللفاء ومن الجرا بأقل الجرا (٧)، قاله في الديباجة لكن المشهور الأول.

стр. 4216

قوله: "بعير له رغاء" الرغاء هو صوت الإبل وذوات الخف قاله المنذري، أ. هـ يقال: رغا يرغو رغاء وأرغيته أنا ومنه حديث الإفك، وقد أرغى الناس للرحيل أي حملوا رواحلهم على الرغاء وهذا دأب الإبل عند رفع الأحمال عليها، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي رَجاء "لَا يكونُ الرَّجل مُتَّقيا حَتَّى يَكُونَ أذَلَّ مِنْ قَعُود، كلُّ مَن أتَى عَلَيْهِ أَرْغَاهُ" أَيْ قَهَره وأذلَّه، لِأَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَرْغُو إلَّا عَنْ ذُلّ وإسْتِكَانة، وَإِنَّمَا خَصَّ القَعُود لِأَنَّ الفَتِيَّ مِنَ الْإِبِل يَكُونُ كثيرَ الرُّغَاءِ. قاله في النهاية (١). قوله: فيقول: يا رسول اللّه أغثني فأقول لا أملك لك شيئًا فقد أبلغتك. قال القاضي (٢): معناه أي من المغفرة أو الشفاعة إلا بإذن اللّه، قال: ويكون ذلك أولًا غضبا عليه لمخالفته ثم يشفع في جميع الموحدين بعد ذلك. قوله: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة" الحديث: الحمحمة هو صوت الفرس إذا طلب العلف قاله المنذري. قوله: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء" والثغاء هو صوت الغنم قاله المنذري، يقالط: ما له ثاغية أي شيء من الغنم، ومنه حديث جابر: عمدت إلى عنز لأذبحها فثغت فسمع رسول اللّه ﷺ ثغوتها فقال: "لا تقطع [درا ولا] نسلا" الثغوت المرة من الثغاء قاله في النهاية (٣)،
следующие страницы →