← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4212–4251 · переход к 4217.

стр. 4212

٢٠٩٨ - وَعَن حبيب بن مسلمة ﵁: قَالَ سَمِعت أَبَا ذَر يَقُول قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن لم تغل أمتِي لم يقم لَهُم عَدو أبدًا قَالَ أَبُو ذَر لحبيب بن مسلمة هَل يثبت لكم الْعَدو حلب شَاة قَالَ نعم وَثَلَاث شِيَاه غزر قَالَ أَبُو ذَر غللتم وَرب الْكَعْبَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَال إِلَّا تَدْلِيس بَقِيَّة بن الْوَليد فقد صرح بِالتَّحْدِيثِ (١). قوله: وعن حبيب بن مسلمة ﵁، حبيب هذا [حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر] القرشي [الفهري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو مسلمة، ويقال: أبو سلمة المكي نزيل الشام] قال البخاري: له صحبة، قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قد [سمع من النبي] ﷺ [أخرج إلى الشام مجاهدا في حياة أبي بكر الصديق]، وشهد اليرموك وكان له دار بدمشق وكان شريفا [أنكر الواقدي أن يكون سمع من النبي ﷺ ، توفي رسول اللّه ﷺ ] ولحبيب اثنتا عشرة سنة [وقال ابن أبي مليكة أن حبيب بن مسلمة قدم المدينة] على النبي ﷺ غازيا [وأدركه] أبوه، وقال [للنبي ﷺ : يا نبي اللّه إني ليس لي ولد غيره يقوم في مالي وضيعتي، وعلى أهل بيتي فرده] رسول اللّه ﷺ وقال: [لعلك أن يخلو لك] وجهك [عامك، فارجع يا حبيب مع أبيك] فمات مسلمة من عامه

стр. 4213

وكان يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهدته الروم ودخوله بلادهم (١)، وقد أثبت البخاري والزبيري صحبته، ومات سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة اثنتين وأربعين، قال ابن سعد: بأرمينيا واليًا عليها، وقيل بدمشق، قاله في شرح الإلمام، وقد مدحه حسان بن ثابت بأبيات منها: فِيهِمْ حَبِيبٌ شِهَابُ الْمَوْتِ يَقْدُمُهُمْ ... مُسْتَلْئِمًا قَدْ بَدَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ قال سمعتُ أبا ذر يقول قال رسول اللّه ﷺ إن لم تغل أمتي لم يقم لهم عدو أبدًا، تقدم الكلام على الغلول. وقوله: [قال نعم] وثلاث شياه غزر، الحديث، فغزر جمع غزيرة أي: كثيرة اللبن هكذا جاء في رواية المعزوز بالعين المهملة والزاءين جمع عزوز قاله في النهاية (٢). قوله: قال أبو ذر: غللتم ورب الكعبة، أي: خنتم في القول والعمل ولم تصدقوا قاله في النهاية (٣) أيضًا وتقدم الكلام على أبي ذر. ٢٠٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول اللّه ﷺ ذَات يَوْم فَذكر الْغلُول فَعَظمهُ وَعظم أمره حَتَّى قَالَ لا أَلفَيْنِ أحدكم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته بعير لَهُ رُغَاء فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئًا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته فرس لَهُ حَمْحَمَة فَيَقُول

стр. 4214

يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته شَاة لَهَا ثُغَاء يَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته نفس لَهَا صياح فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته رقاع تخفق فَيَقُول يَا رَسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك لا أَلفَيْنِ أحدكُم يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة على رقبته صَامت فَيَقُول يَا زسُول اللّه أَغِثْنِي فَأَقُول لا أملك لَك شَيْئا قد أبلغتك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١). لا أَلفَيْنِ أَي لَا أجدن. والرغاء بِضَم الرَّاء وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ هُوَ صَوت الإِبِل وَذَوَات الْخُف. والحمحمة بحاءين مهملتين مفتوحتين هُوَ صَوت الْفرس. والثغاء بِضَم الْمُثَلَّثَة وبالغين الْمُعْجَمَة وَالْمدّ هُوَ صَوت الْغنم. والرقاع بِكَسْر الرَّاء جمع رقْعَة وَهُوَ مَا تكْتب فِيهِ الْحُقُوق. وتخفق أَي تتحرك وتضطرب. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، أي: خطيبًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره الحديث، هذا تصريح بغلظ تحريم الغلول وأصل الغلول الخيانة

стр. 4215

مطلقًا كما تقدم. قوله ﷺ : "حتى قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء" قال الحافظ (١): "لا ألفين" بالفاء لا أجدن، قال النووي (٢): ضبطناه بضم الهمزة وبالفاء المكسورة أي لا أجدن أحدكم على هذه الصفة ومعناه: لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة، قال القاضي: ووقع في رواية العذري "لا ألفين" بفتح الهمزة والقاف من اللقاء وبالفاء من باب الأفعال يقال: ألفيت الشيء ألفيه إلفاء إذا وجدته وصادفته ولقيته (٣)، قال الجوهري (٤): ألفيت الشيء وجدته ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٥) أي صادفاه وفيه أن المرأة تقول: [لبعلها] سيدي وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف ﷺ لا يصح فلم يكن بعلها سيدًا ليوسف ﵇ في الحقيقة (٦)، واللفاء في اللغة هو الشيء الخسيس الحقير يقال: رضي فلان من الوفاء باللفاء ومن الجرا بأقل الجرا (٧)، قاله في الديباجة لكن المشهور الأول.

стр. 4216

قوله: "بعير له رغاء" الرغاء هو صوت الإبل وذوات الخف قاله المنذري، أ. هـ يقال: رغا يرغو رغاء وأرغيته أنا ومنه حديث الإفك، وقد أرغى الناس للرحيل أي حملوا رواحلهم على الرغاء وهذا دأب الإبل عند رفع الأحمال عليها، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي رَجاء "لَا يكونُ الرَّجل مُتَّقيا حَتَّى يَكُونَ أذَلَّ مِنْ قَعُود، كلُّ مَن أتَى عَلَيْهِ أَرْغَاهُ" أَيْ قَهَره وأذلَّه، لِأَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَرْغُو إلَّا عَنْ ذُلّ وإسْتِكَانة، وَإِنَّمَا خَصَّ القَعُود لِأَنَّ الفَتِيَّ مِنَ الْإِبِل يَكُونُ كثيرَ الرُّغَاءِ. قاله في النهاية (١). قوله: فيقول: يا رسول اللّه أغثني فأقول لا أملك لك شيئًا فقد أبلغتك. قال القاضي (٢): معناه أي من المغفرة أو الشفاعة إلا بإذن اللّه، قال: ويكون ذلك أولًا غضبا عليه لمخالفته ثم يشفع في جميع الموحدين بعد ذلك. قوله: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة" الحديث: الحمحمة هو صوت الفرس إذا طلب العلف قاله المنذري. قوله: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء" والثغاء هو صوت الغنم قاله المنذري، يقالط: ما له ثاغية أي شيء من الغنم، ومنه حديث جابر: عمدت إلى عنز لأذبحها فثغت فسمع رسول اللّه ﷺ ثغوتها فقال: "لا تقطع [درا ولا] نسلا" الثغوت المرة من الثغاء قاله في النهاية (٣)،

стр. 4217

والثغاء للضأن أو يعار، واليعار للمعز، ومثله شاة تيعر (١). قوله: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق" الرقاع جمع الرقعة وهي الخرقة (٢) وهو ما يكتب فيه الحقوق (٣). وقوله: "تخفق" أي: تتحرك وتضطرب، قاله المنذري، وليس المقصود منه تعيينها بل تعميم الأجناس من الحيوان والنقود والثياب وغيرها قاله الكرماني (٤). قوله: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت" والصامت: الذهب والفضة خلاف الناطق وهو الحيوان (٥). فائدة: والحكمة في خفق الرقاع ونطق الحيوان أن كلّ من غل شيئًا في سبيل الله فإنه يأتي يوم القيامة وهو على عنقه يصوت بلغته ويصيح على رأسه ليروعه. بصياحه وليفتضح بذلك على رؤوس الأشهاد، ويحصل له الخزي بإظهار خيانته بين كافة العباد مع ما هو فيه من مشقة حمله في كرب المحشر وشدة الزحام وإلجام العرق وعظم الأهوال وغير ذلك هذا ما يظهر لي واللّه أعلم قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد (٦).

стр. 4218

قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (١) قال علماؤنا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) إن ذلك على الحقيقة كما بينه النبي ﷺ أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته موبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد وكذلك مانع الزكاة كما في الحديث الصحيح. قال أبو حامد الغزالى (٣): فمانع زكاة الإبل يحمل بعيرًا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة البقر يحمل ثورًا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم، ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف، ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله أعدالًا قد ملئت من الجنس الذي كان يبخل به برًا كان أو شعيرًا أثقل ما يكون ينادي تحته بالويل والثبور، ومانع زكاة المال يحمل شجاعًا أقرع له زبيبتان وذنبه قد انساب في منخريه واستدارت بجيده وثقل على كاهله كأنه طوق بكل وحي في الأرض وكل واحد ينادي مثل هذا فتقول الملائكة هذا ما بخلتم به في الدنيا رغبة فيه وشحًا عليه وهو قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤). قلت: وهذه الفضيحة التي يوقعها اللّه بالغال نظير الفضيحة التي يوقعها بالغادر، إذا رفع له لواء غدرته يوم القيامة.

стр. 4219

[فصل] فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أي: بذلك الشيء بعينه يحمله على عنقه وهذا وعيد عظيم فإن يفتضح به على رؤوس الأشهاد، وقال الزمخشري (٢): وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك وتليت عليه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فقال: أجيء بها حقيقة المحمل طيبة الريح، أ. هـ وجعل اللّه تعالى هذه المعقبات حسب ما تعهده البشر ويفهمونه [ألا ترى إلى قول الشاعر (٣). أَسُمَّيَ وَيْحَكَ هل سمعتِ بِغَدْرَةٍ ... رُفع اللِّوَاءُ لنَا بِها في مَجمعِ فكانت العرب ترفع للغادر لواء في المحافل ومواسم الحج، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، و] ذهب بعض العُلماء أن ما يجيء به الغال يحمله عبارة عن وزر ذلك وشهرة الْأَمر أي يأتي يوم القيامة قد شهر اللّه أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء وفرسا لها حمحمة (٤). قلت: وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه، وقد أخبر النبي ﷺ بالحقيقة فهو أولى (٥) واللّه أعلم، أ. هـ. اعلم أن من غل شيئًا في سبيل اللّه استوجب عقوبتين عقوبة في الدنيا وعقوبة

стр. 4220

في الآخرة، أما عقوبة الآخرة فقد تقدم أن من غل يدخل النار ويلبس مثل ما غل من النار وأنه يأتي يوم القيامة بحمل ما غله على عنقه وهو يصيح عليه ويفضحه على رؤوس الأشهاد، وتقدم أن الغلول نار وعار وشنار يوم القيامة، وإن الغال إذا جاء يوم القيامة يسأل رسول اللّه الشفاعة والإغاثة يقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك"، وأنه يحرم الفوز بالشهادة وإن قتل في جهاده لقوله ﷺ حين قال الصحابة لمن قتل في سبيل اللّه وقد غل: فلان شهيد، فقال: "كلا، واللّه إنه في النار" فنفي أن يكون شهيدًا، وأكد ذلك بقسمه البار ﷺ ، وقد صرح النووي (١) بأن من غل في سبيل اللّه لا يكون شهيدًا في الآخرة، ذكره مسلم في باب بيان الشهداء واللّه أعلم (٢)، وأما عقوبة الغال في الدنيا فإن الغلول ما ظهر في قوم إلا ألقى في قلوبهم الرعب وأخر عنهم النصر لقوله ﷺ : "ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى اللّه في قلوبهم الرعب" (٣) الحديث (٤)، أ. هـ.

стр. 4221

٢١٠٠ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄. قَالَ كَانَ رَسُول اللّه ﷺ إِذا أصَاب غنيمَة أَمر بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجَاء رجل يَوْمًا بعد النداء بزمام من شعر فَقَالَ يَا رَسُول اللّه هَذَا كَانَ فِيمَا أصبناه من الْغَنِيمَة فَقَالَ أسمعت بِلَالًا نَادي ثَلَاثًا قَالَ نعم قَالَ فَمَا مَنعك أَن تَجِيء بِهِ فَاعْتَذر إِلَيْهِ فَقَالَ كن أَنْت تَجِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَلَنْ أقبله عَنْك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: كان رسول اللّه ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر، فقال يا رسول اللّه: هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة. الحديث، وكل هذا تعظيم أمر الغلول وتحذير له وإذا كان هذا في القليل فمان الظن بالكثير، وقد اختلف العُلماء في صفة عقوبة الغال، قال ابن النحاس عفا اللّه عنه (٢): هذه المسألة مما اختلف العُلماء فيها، قال الإمام أبو بكر بن المنذر في كتاب الإشراف (٣): واختلفوا فيما يفعل بالغال، فقالت طائفة: يُحَرَّقُ رَحْلُهُ، كذلك

стр. 4222

قال الحسن البصري، ومكحول، وسعيد بن عبد الملك، والوليد بن هشام، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقال الحسن البصري: "ألا أن لا يكون حيوانًا أو مصحفًا"، وقال الأوزاعي: لا يحرق ما غلّ لأنه حق للغانمين يرد عليهم فإن استهلكه غرم قيمته ويحرق مَتَاعه الَّذِي غزا بِهِ، وسرجه، وإكافه، وَلَا تحرق دَابَّته وَلَا نَفَقَته إِن كَانَت فِي خرجه، وقال أحمد بن حنبل: لَا تحرق ثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ، وَلَا سَرْجه، وَلَا يحرق مَا يلْبسهُ عَلَيْهِ من سلاحه. وَقَالَت طَائِفَة: لَا يحرق رَحْله وَلَا يعاقب فِي مَاله هَذَا قَول مَالك بن أنس، وَاللَّيْث بن سعد، وَالشَّافِعِيّ، وَكَانَ اللَّيْث بن سعد يرى أَن عَلَيْهِ الْعقُوبَة، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي إِذا كَانَ عَالما بِالنَّهْي، وَقَالَ الشَّافِعِي: "لَا يعاقب رجل فِي مَاله إِنَّمَا يُعَاقب فِي بدنه، جعل اللّه الْحُدُود على الْأَبدَان، لا على الأموال"، أ. هـ. وقال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره (١): إذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه وأدب وعوقب بالتعزير عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، أ. هـ.

стр. 4223

٢١٠١ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى خَيبَر فَفتح الله علينا فَلم نغنم ذَهَبا وَلا وَرقا غنمنا الْمَتَاع وَالطَّعَام وَالثيَاب ثمَّ انطلقنا إِلَى الْوَادي يَعْني وَادي الْقرى وَمَعَ رَسُول الله ﷺ عبد لَهُ وهبه لَهُ رجل من جذام يدعى رِفَاعَة بن يزِيد من بني الضبيب فَلَمَّا نزلنَا الْوَادي قَامَ عبد رَسُول الله ﷺ يحل رَحْله فَرمي بِسَهْم فَكَانَ فِيهِ حتفه فَقُلْنَا هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَة يَا رَسُول الله قَالَ رَسُول الله ﷺ كلا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن الشملة لتلتهب عَلَيْهِ نَارا أَخذهَا من الْغَنَائِم لم تصبها المقاسم قَالَ فَفَزعَ النَّاس فجَاء رجل بِشِرَاك أَو شراكين فَقَالَ أصبت يَوْم خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ شِرَاك من نَار أَو شراكان من نَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيّ (١). الشملة كسَاء أَصْغَر من القطيفة يتشح بهَا. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى. الحديث، تقدم الكلام على غزوة خيبر وعلى وادي القرى وهو: اسم موضع قتل فيه رفاعة أصابه سهم. قوله: ومع رسول الله ﷺ عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن [زيد] (٢) من بني الضبيب، قال ابن النحاس عفا الله عنه: هذا

стр. 4224

العبد الذي قتل بوادي القرى اسمه مدعم بكسر الميم وإسكان الدال المهملة وفتح العين المهملة أيضًا على وزن درهم، كذا جاء مسمى عند أبي داود وغيره (١). واختلف العلماء هل أعتقه النبي ﷺ أو مات عبدا وجاء هاهنا أن العبد الأسود هو مدعم، وقيل: غير مدعم وكلاهما قتل بخيبر (٢). قوله: من بني الضبيب، الضبيب بضم الضاد وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ثم باء موحدة اسم قبيلة. قوله: فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه. الرحل هو بالحاء وهو مركب الرجل على البعير، والحتف هو: بفتح الحاء وإسكان المثناة فوق أي موته، وجمعه حتوف، ومات حتف أنفه أي من غير قتل ولا ضرب (٣). قوله ﷺ : "كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم" [والشملة، قال الحافظ (٤): كساء أصغر من القطيفة يتشح بها] وقال في الديباجة: الشملة كساء يتغطى به ويتلفف فيه (٥).

стр. 4225

وفي حديث سهل أن الشملة هي البردة (١) وتقدم الكلام على قوله "والذي نفسي بيده"، وفيه أن من غل شيئًا يجب رده وإذا رده يقبل منه ولا يحرق متاعه سواء رده أم لم يرده، فإنه ﵇ لم يحرق متاع صاحب الشملة وصاحب الشراك، ولو كان واجبا لفعله ولو قبله لنقل (٢)، وقد تقدم الخلاف في عقوبة الغال في ماله. وقوله: "لتلتهب عليه نارًا" والتهاب النار إيقادها. قوله: "لم تصبها المقاسم" معناه: لم تدخل في القسمة أي أخذها قبل قسمة الغنائم. قوله ﷺ : "شراك من نار أو شراكان من نار" الشراك أحد سيور النعل [التي تكون على وجهها على ظهر القدم، قال العلماء: قد تكون المعاقبة بهما أنفسهما فيعذب بهما وهما من نار، وقد يكون ذلك على أنهما سبب لعقاب النار (٣). قوله: رواه البخاري، قال البخاري: روينا عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري رواية صحيح البخاري قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال: "أين تريد؟ " قلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: "أقرئه مني السلام" (٤)، وعن

стр. 4226

محمد بن حمدويه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائة ألف حديث غير صحيح، جملة ما صحح البخاري من الأحاديث المسندة سبعة ألاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف حديث (١). (٢) ٢١٠٢ - وَعَن أبي رَافع ﵁: قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى الْعَصْر ذهب إِلَى بني عبد الأشْهَل فيتحدث عِنْدهم حَتَّى ينحدر للمغرب قَالَ أَبُو رَافع فَبينا النَّبِي ﷺ يسْرع إِلَى الْمغرب مَرَرْنَا بِالبَقِيعِ فَقَالَ أُفٍّ لَك أُفٍّ لَك أُفٍّ لَك قَالَ فَكبر ذَلِك فِي ذرعي فاستأخرت وظننت أَنه يُرِيدنِي فَقَالَ مَا لَك امش قلت وَحدث حدث فَقَالَ مَا ذَاك قلت أففت بِي قَالَ لا وَلَكِن هَذَا فلَان بعثته ساعيا علي بني فلَان فَغَلَّ نمرة فدرع مثلهَا من نَار رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (٣). البقيع بِالْبَاء الْمُوَحدَة مَوَاضِع بِالْمَدِينَةِ. مِنْهَا بَقِيع الْخَيل وبقيع الخنجبة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْجِيم وبقيع الْغَرْقَد وَهُوَ المُرَاد هُنَا كَذَا جَاءَ مُفَسرًا فِي رِوَايَة الْبَزَّار وَكبر فِي ذرعي هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة بعْدهَا رَاء سَاكنة أَي عظم عِنْدِي موقعه.

стр. 4227

والنمرة بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم بردة من صوف تلبسها الأعْرَاب. وَقَوله فدرع بِالدَّال الْمُهْملَة المضمومة أَي جعل لَهُ درع مثلهَا من نَار. ٢١٠٣ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة بَرِيئًا من ثَلَاث دخل الْجنَّة الْكبر والغلول وَالدّين رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١). قوله: وعن أبي رافع ﵁، هو: أبو رافع أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز من موالي رسول الله ﷺ وهبه العباس من رسول الله ﷺ فلما أسلم العباس بشر رسول الله ﷺ بإسلامه فأعتقه رسول الله ﷺ ، توفي ﵁ قبل مقتل عثمان ﵁ (٢). قوله: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، بنو عبد الأشهل اسم قبيلة. قوله: قال أبو رافع فبينا النبي ﷺ يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع، بالباء الموحدة مواضع بالمدينة، منها: بقيع الخيل، ومنها: بقيع الخبجبة بفتح الخاء المعجمة والجيم الخبجبة شجرة [عرف بها] ذكره السهيلي في الروض

стр. 4228

الأنف على السيرة (١)، ومنها: بقيع الغرقد وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها كان به شجر الغرقد [، فذهب وبقي اسمه]، قاله في النهاية (٢) وهو المراد هنا كذا جاء مفسرا في رواية البزار، أ. هـ. وقال القاضي عياض (٣): النقيع روى بالباء والنون، حكاهما القاضي عياض (٤) والأصح الأشهر الذي قاله الخطابي (٥) والأكثرون بالنون وكسر القاف الخفيفة والمهملة وهو موضع في [صدر] وادي العقيق على نحو عشرين ميلا من المدينة، وسمي به لأنه مستنقع للماء وإذا نضب نبت فيه الكلأ وهو الذي حماه رسول الله لإبل الصدقة و [خيل] المجاهدين ونحوه (٦). قوله: فقال أف لك أف لك [أف لك]، الحديث، قال القاضي عياض (٧) وغيره: فيها عشر لغات بفتح الفاء وضمها وكسرها بلا تنوين وبالتنوين فهذه ستة وأف وأفى وأفه، قالوا: وأصل الأف والفف وسخ الأظفار، وأف لفظ يستعمل جوابا عما يضجر منه، وتستعمل هذه الكلمة في كل ما يستقذر وهو فعل يستعمل في الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد،

стр. 4229

قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) قال الهروي: يقال لكل ما يضجر منه ويستثقل أف له، وقيل: معناه الاحتقار مأخوذ من الأفف وهو القليل. قوله: فكبر ذلك في ذرعي، بالذال المعجمة المفتوحة بعدها راء ساكنة أي عظم عندي موقعه كذا قاله المنذري وقال غيره: أي عظم عندي موقع ما فعله رسول الله ﷺ من التأفيف. قوله: "فغل نمرة فدرع مثلها من نار" النمرة بكسر الميم وسكونها ويجوز كسر النون مع سكون الميم قاله الكرماني (٢)، وهي كما قال المنذري: بردة من صوف تلبسها الأعراب، أ. هـ. وقال غيره: النمرة كساء من صوف فيه خطوط بيض وسود وحمر كأنها أخذت من جلد النمر لاشتراكهما في التلون ولذلك سميت نمرة لشبهها بال [نمر] وهي من مأزر العرب (٣)، وقال في النهاية (٤): أي ألبس عوضها درعا من نار ودرع المرأة قميصها والدراعة والمدرعة والمدرع واحد وأدرعهما إذا لبسها، أ. هـ. قوله: "فدرع مثلها من نمار" بالدال المهملة المضمومة أي جعل له درع مثلها من نار، قاله المنذري.

стр. 4230

٢١٠٤ - وَعَن أبي حَازِم ﵁: قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ بنطع من الْغَنِيمَة فَقيل يَا رَسُول الله هَذَا لَك تستظل بِهِ من الشَّمْس قَالَ أتحبون أَن يستظل نَبِيكُم بِظِل من نَار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَالطَّبَرَانيّ فِي الأوْسَط وَزَاد يَوْم الْقِيَامَة (١). قوله: وعن أبي حازم ﵁: [هو سلمة بن دينار المدنى الأعرج، الزاهد، الفقيه، المشهور بالمحاسن، وهو مخزومى، مولى الأسود بن سفيان المخزومى، وقيل: مولى لبنى ليث، سمع سهل بن سعد الساعدى، وأكثر الرواية عنه في الصحيحين وغيرهما، والنعمان بن أبي عياش الزرقى، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وآخرين، روى عنه ابناه عبد العزيز وعبد الجبار، والزهرى وهو أكبر من أبى حازم، ومالك بن أنس، وابن أبي ذؤيب، وسفيان التورى، وسليمان بن بلال، ومعمر، وسفيان بن عيينة، وأخوه محمد بن عيينة، وخلائق لا يحصون. وأجمعوا على توثيقه وجلالته والثناء عليه، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم يكن في زمن أبى حازم مثله، توفى سنة خمس وثلاثين ومائة. واعلم أن في هذا المرتبة اثنين يكنيان أبا حازم، أحدهما هذا المشهور بالرواية عن سهل، والثانى أبو حازم سلمان مولى عزة الأشجعية المشهورة بالرواية عن أبي هريرة، والله أعلم].

стр. 4231

قوله: أتي النبي ﷺ بنطع من الغنيمة، في النطع أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية: بفتحهما، والثالثة بفتح النون مع إسكان الطاء بكسر النون مع إسكان الطاء، قاله النووي (١). ٢١٠٥ - وَعَن يزِيد بن مُعَاوِيَة أَنه كتب إِلَى أهل الْبَصْرَة سَلام عَلَيْكُم أما بعد فَإِن رجلا سَأل رَسُول الله ﷺ زماما من شعر من مغنم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سَأَلتنِي زماما من نَار لم يكن لَك أَن تسألنيه وَلم يكن لي أَن أعْطِيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل أَيْضا. قوله: وعن يزيد بن معاوية أنه كتب إلى أهل البصرة: [سلام عليكم أما بعد] فإن رجلا سأل رسول الله ﷺ زمامًا من شعر، الحديث، الزمام هو [السير الذي يعقد فيه الشسع]. قوله: رواه أبو داود في المراسيل، الحديث المرسل تقدم الكلام عليه مرات عديدة [وهو ما أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي ﷺ من غير أن يذكر الصحابي الذي يروي الحديث]. ٢١٠٦ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁: قَالَ أما بعد فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول من يكتم غالا فَإِنَّهُ مثله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). يكتم غالا أَي يستر عَلَيْهِ. قوله: وعن سمرة بن جندب ﵁، تقدم الكلام عليه.

стр. 4232

قوله ﷺ : "من يكتم غالا فإنه مثله" أي: يستر عليه قاله المنذري، وقال: قد جاء أن من رأى غالا أو علم به فستر عليه كان عليه مثل إثمه. واعلم أن الغلول ذنب عظيم عند الله تعالى سواء كان قليلًا أو كتيرًا جليلًا أو حقيرًا، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أحاديث الباب، والله أعلم. خاتمة: في الحديث "لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" تقدم الكلام على الغلول أنه بضم الغين وهو الخيانة وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، قال أبو سليمان الخطابي (١): إنه يدل على أن من سرق مالا أو [خانه] ثم تصدق به لم يجز وإن كان نواه عن صاحبه وفيه مستدل لمن ذهب إلى أنه إن تصدق به على صاحب المال لم تسقط عنه تبعته وإن كان طعاما فأطعمه إياه لم يبرأ منه ما لم يُعلِمه بذلك وإطعام الطعام لأهل الحاجة صدقة ولغيرهم معروف وليس من باب أداء الحقوق ورد الظلامات، أ. هـ. وهذه المسألة ذكرها الأصحاب في باب الغصب أن الغاصب إذا حمل المغصوب منه على إتلافه بأن قدم له طعامًا مغصوبا ضيافة فأكله فللشافعي قولان: أحدهما: أن قرار الضمان على الغاصب لأنه غر المالك؛ والقول الثاني، وهو الأظهر: أن الغاصب يبرأ بذلك من ضمان المغصوب لأن المالك هو المباشر لإتلافه وإليه عادت منفعته وهذان القولان يعرفان بقول المباشرة والغرور ومحلهما عند جهل الأكل، أما عند علمه فيبرأ الغاصب قطعًا، أما إذا أمر الغاصب رجلا بإتلاف المغصوب بفعل أو إحراق ففعله

стр. 4233

جاهلا بالحال فالمذهب القطع بأن القرار على المتلف لأن الفعل حرام، وقيل: على القولين، ولو لم يطعمه الغاصب المغصوب بل أكله المالك ظانا أنه طعام الغاصب برئ وجها واحدا، ولو صال العبد المغصوب فقتله بالدفع لم يبرأ الغاصب سواء علم أنه عبده أم لا لأنا الإتلاف [بهذه الجهة كإتلاف العبد نفسه ولهذا لو] كان العبد [لغيره] لم [يضمنه] وقيل: لا يبرأ عند [العلم] وهو ضعيف، وإذا قال الغاصب للمالك أعتق هذا العبد فأعتقه جاهلا نفذ العتق وبرئ الغاصب [ولو زوج الغاصب الجارية المغصوبة من مالكها] فتزوجها جاهلًا بالحال فتلفت [عنده] لم يبرأ كما لو [أودعها] فتلفت، ولو استولدها .. نفذ الاستيلاد قطعًا وبرئ الغاصب (١) والله أعلم.

стр. 4234

الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء ٢١٠٧ - عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا أحد يدْخل الْجنَّة يحب أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا وَإِن لَهُ مَا على الأرْض من شَيْء إِلَّا الشَّهِيد فَإِنَّهُ يتَمَنَّى أَن يرجع إِلَى الدُّنْيَا فَيقْتل عشر مَرَّات لما يرى من الْكَرَامَة وَفِي رِوَايَة لما يرى من فضل الشَّهَادَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (١). قوله: وعن أنس ﵁: تقدم. قوله ﷺ : "ما أحدٌ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة" الحديث، سيأتي الكلام على معنى هذا الحديث في الحديث بعده. قوله: "وإن له مما على الأرض" الحديث، بفتح الهمزة عطف على أن يرجع وبالكسر على أنها جملة حالية. ٢١٠٨ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله يُؤْتى بالرجل من أهل الْجنَّة فَيَقُول الله لَهُ يَا بن آدم كَيفَ وجدت مَنْزِلك فَيَقُول أَي رب خير منزل فَيَقُول سل وتمنه فَيَقُول وَمَا أَسأَلك وأتمنى أَسأَلك أَن تردني إِلَى الدُّنْيَا فأقتل فِي سَبِيلك

стр. 4235

عشر مَرَّات لما يرى من فضل الشَّهَادَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول أي رب خير منزل فيقول سل وتمنَّه فيقول وما أسألك وأتمنى أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة" رواه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، أ. هـ. قال ابن النحاس، ورواه أبو عوانة في صحيحة (٢)، قال عفا الله عنه: فإذا كان أهل الجنة يتمنون الشهادة يسألونها وقد حصلوا على ما حصلوا عليه من الفوز العظيم ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من النعيم المقيم فكيف لا يتمناها ويسألها من هو الآن في دار المحي والغرور واللعن والشرور، ولا يدري إلى الجنة يصير أو إلى النار وبئس المصير، وقد ثبت من غير ما حديث عن النبي ﷺ أن الشهداء يتمنون الخروج من الجنة ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرجوع إلى الدنيا ليقتلوا في سبيل الله لما وجدوا من لذة القتل في سبيل الله وفضل الشهادة عند الله (٣).

стр. 4236

٢١٠٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَن أغزو فِي سَبِيل الله فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل ثمَّ أغزو فأقتل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث تقدم (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل" قال النووي (٢): في هذا الحديث جواز قول الإنسان وددت حضور كذا من الخير الذي يعلم [أنه لا] يحصل، وفيه فضل الجهاد [والشهادة] في سبيل الله والحث على حسن النية، قال: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار يدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة، وفيه إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، وفيه: أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين، وفيه: تمني الشهادة وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات والله أعلم، وتقدم الكلام على هذا الحديث مطولا في الجهاد. ٢١١٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵁. أن رَسُول الله ﷺ قَالَ يغْفر للشهيد كل ذَنْب إِلَّا الدّين رَوَاه مسلم (٣). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄، تقدم الكلام عليه.

стр. 4237

قوله ﷺ : "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" رواه مسلم، وفي رواية قال: "القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين" قال أبو الوليد بن رشد في مقدماته، وقد قيل: إن ذلك كان في أول الإسلام ولما روي أن الله تعالى يقضي عنه دينه (١)، أ. هـ. وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (٢): الدين الذي يحبس صاحبه عن الجنة والله أعلم هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأدإء فلم يؤده أو أدانه في سفر أو سرف ومات ولم يوفه فهذا هو الذي يحبس صاحبه عن الجنة [حتى يقع] القصاص بالحسنات والسيئات لا [إتلاف المال على صاحبه، فيحتمل] أن يكون قوله في شهيد البحر عام في الجميع وهو الأظهر لأنه لم يفرق بين دين ودين، وأما من أدان في حق واجب كفاقة أو عسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله شهيدًا كان أو غيره، لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين (٣)، قال ﷺ : "من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته" (٤) أ. هـ.

стр. 4238

ثم قال (١): فإن لم يقض عنه السلطان فإن الله يقضي عنه ويرضي خصمه ثم ذكر الدليل على ذلك ومن جملته قوله ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" رواه البخاري (٢)، قال ابن النحاس عفا الله عنه: ومما يؤيد ما ذكره القرطبي قصة عبد الله والد جابر فإنه خرج في غزاة أحد وعليه دين فاستشهد فرأى النبي ﷺ ولده جابرا بعد أيام وهو مهتم [لما] على أبيه من الدين فأخبره أن الله تعالى كلم أباه كفاحًا (٣) فلو كان أبوه محبوسا عن الجنة بسبب دينه لما حصلت له هذه الدرجة العظيمة في تخصيص الله تعالى له بالتكليم كفاحا وكذلك الزبير استشهد وعليه ألف ألف ومائتا ألف (٤) والله أعلم. ٢١١١ - وَعَن أبي قَتَادَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَامَ فيهم فَذكر أَن الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَالإِيمَان بِالله أفضل الأعْمَال فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن قتلت فِي سَبِيل الله تكفر عني خطاياي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ نعم إِن قتلت فِي سَبِيل الله وَأَنت صابر محتسب مقبل غير مُدبر ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ كيفَ قلت قَالَ أَرَأَيْت إِن قتلت فِي سَبِيل الله أتكفر عني خطاياي فَقَالَ رَسُول الله

стр. 4239

- ﷺ نعم إِن قتلت وَأَنت صابر محتسب مقبل غير مُدبر إِلَّا الدّين فَإِن جِبْرَائِيل قَالَ لي ذَلِك رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (١). قوله: وعن أبي قتادة، تقدم. قوله: أن رسول الله ﷺ قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، الحديث، إونما جعل الجهاد أفضل من غيره لأنه بذل النفس في سبيل الله والجود بالنفس أفضل غاية الجود والأفضل بعده هو الحج لأنه عبادة مركبة من العبادة البدنية والمالية، وأسقط في الحديث ذكر الصلاة والزكاة والصيام ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد مرتبة؛ فإن قيل: لم قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام والجهاد فرض كفاية، فالجواب: أن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفايات وإذا لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة وما زاد فنفل (٢) قال النووي (٣): الأفضل في هذا الحديث بعد الإيمان الجهاد، وفي حديث ابن مسعود، وفي بالصلاة لوقتها، وفي حديث أبي ذر ولم يذكر الحج، وفي الحديث الآخر أي الإسلام أفضل قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" وفي حديث آخر: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام" (٤) قال العلماء: اختلاف الأجوبة في هذا الحديث لاختلاف الأحوال فأعلم كل قوم بما بهم الحاجة إليه

стр. 4240

دون ما لم تدع حاجتهم إليه، وذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس وترك ما علموه والله أعلم، قاله الكرماني في شرح البخاري (١). قوله: فقام رجل: فقال يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي فقال رسول الله ﷺ : "نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر" وفي آخره "إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك"، في هذا الحديث هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد وهي تكفير خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط المذكورة وهو أن يقاتل صابرًا محتسبًا مقبلا غير مدبر، ومنه أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية والإخلاص لله تعالى، وقوله "مقبل غير مدبر" لعله احتراز ممن يقبل في وقت ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص لله تعالى، فإن قاتل لعصبية أو لغنيمة أو لصيت أو نحو ذلك فليس له هذا الثواب ولا غيره، وأما قوله: "إلا الدين" ففيه تنبيه على حقوق الآدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا تكفر حقوق الآدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى، وأما قوله ﷺ "نعم" ثم قال بعد ذلك "إلا الدين" فمحمول على أنه أوحى إليه به في الحال، ولهذا قال ﷺ "إلا الدين" فإن جبريل قال لي ذلك (٢). تنبيه: والمراد بالدين هاهنا ما يتعلق بذمته من كل ما كان من حقوق الآدميين كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجراحة وغير ذلك من التبعات وكذلك الغيبة والنميمة والسخرية وما أشبه ذلك فإن هذه

стр. 4241

الحقوق كلها لابد من استيعابها لمستحقها وقد نبه على ذلك النووي في شرح مسلم (١) وغيره (٢) والله أعلم. فائدة: روى الطبراني (٣) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "يسبق المقتول في سبيل الله تعالى مقبلا غير مدبر المقتول المدبر بسبعين خريفًا". ٢١١٢ - وَعَن ابْن أبي عميرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من نفس مسلمة يقبضهَا رَبهَا تحب أَن ترجع إِلَيْكُم وَإِن لهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا غير الشَّهِيد قَالَ ابْن أبي عميرَة ﵁: قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأن أقتل فِي سَبِيل الله أحب إِلَيّ من أَن يكون لي أهل الْوَبر والمدر رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالنَّسَائيّ وَاللَّفْظ لَهُ (٤). أهل الْوَبر هم الَّذين لا يأوون إِلَى جِدَار من الأعْرَاب وَغَيرهم. وَأهل الْمدر أهل الْقرى والأمصار والمدر محركا هُوَ الطين الصلب المستحجر. قوله: وعن ابن أبي عمرة: صوابه ابن أبي عميرة بفتح العين وكسر الميم بعدها ياء هكذا ذكره بعض المحدثين.

стр. 4242

قوله ﷺ : لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل الوبر والمدر" قال الحافظ (١): أهل الوبر هم الذين لا يأوون إلى جدار من الأعراب وغيرهم اهـ، وقال في النهاية: أهل البوادي الذين يسكنون مواضع الأحجار والجبال سموا بذلك لأنهم يتخذون بيوتهم من وبر الإبل (٢) اهـ. قيل يريد ربيعة ومضر وقال في النهاية (٣) يريد بأهل المدر أهل القرى والأمصار المدن، والمدر جمع مدرة وهي البنية اهـ وأهل المدر هم أهل القرى والأمصار والمدر محركا هو الطين الصلب المستحجر اهـ. ٢١١٣ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ غَابَ عمي أنس بن النَّضر عَن قتال بدر فَقَالَ يَا رَسُول الله غبت عَن أول قتال قَاتَلت الْمُشْركين لَئِن أشهدني الله قتال الْمُشْركين ليرين الله مَا أصنع فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد وانكشف الْمُسلمُونَ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك مِمَّا صنع هَؤُلاءِ يَعْني أَصْحَابه وَأَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع هَؤُلاءِ يَعْني الْمُشْركين ثمَّ تقدم فَاسْتَقْبلهُ سعد بن معَاذ ﵁: فَقَالَ يَا سعد بن معَاذ الْجنَّة وَرب النَّصْر إِنِّي أجد رِيحهَا دون أحد قَالَ سعد فَمَا اسْتَطَعْت يَا رَسُول الله أصنع مَا صنع قَالَ أنس فَوَجَدنَا بِهِ بضعا وَثَمَانِينَ ضَرْبَة بِالسَّيْفِ أَو طعنة بِرُمْح أَو رمية بِسَهْم ووجدناه قد قتل وَقد مثل بِهِ الْمُشْركُونَ فَمَا عرفه أحد إِلَّا أُخْته ببنانه فَقَالَ أنس كنَّا نرى أَو نظن أَن هَذِه الآيَة نزلت فِيهِ وَفِي

стр. 4243

أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١) إِلَى آخر الآيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم وَالنَّسَائيّ (٢). الْبضْع بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا أفْصح وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع وَقيل مَا بَين الْوَاحِد إِلَى أَرْبَعَة وَقيل من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة وَقيل هُوَ سَبْعَة قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "غاب عمي أنس بن النضر" بن ضمضم بن زيد بن حرام عم أنس بن مالك استشهد يوم أحد وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال في حقه "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". [قوله] "غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر" هي أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسة وهي في السنة الثانية من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام. قوله "لئن أشهدني الله قتال المشركين" أي أحضرني. قوله "ليرين الله ما أصنع" الحديث جواب القسم المقدر هكذا هو في بعفالنسخ بياء بعد الراء ثم نون مشددة وهكذا وقع في صحيح البخاري ووقع في أكثر النسخ "ليراني" بالألف وهو صحيح ويكون معنى ما أصنع بدلا من الضمير في أراني أي ليرى الله ما أصنع وعلى ليرن الله ضبطوه بوجهين

стр. 4244

أحدهما ليرن بفتح الياء والراء أي يراه الله واقعا بارزا والثاني ليرين بضم الياء وكسر الراء ومعناه ليرين الله الناس ما أصنع ويبرزه الله تعالى لهم ذكره النووي (١). قوله "فلما كان يوم أحد" أي في العام المقبل أي في يوم قتال أحد وأطلقوا اليوم وأريد الوقعة. قوله "وانكشف المسلمون فقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين" وفيه حسن العبارة إذ لم يصرح بلفظ الانهزام على المسلمين (٢). قوله وانكشف المسلمون أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها (٣). وقوله "أعتذر إليك مما صنع هؤلاء" يعني أصحابه أي من فرار المسلمين (٤). وقوله "وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء" يعني المشركين أي أمتنع من هذا وأنكره (٥) أي القتال مع رسول الله ﷺ (٦). قوله "ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ ﵁ فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها دون أحد" سعد بن معاذ هو أبو عمرو سعد بن

стр. 4245

معاذ بن النعمان بن امرئ القيس الأنصاري الأوسي الأشهلي المدني سيد الأوس وأمه كبشة بنت رافع أسلمت ولها صحبة أسلم سعد على يد مصعب بن عمير ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ قبله مهاجرا إلى المدينة يعلم الناس أمر دينهم فلما أسلم سعد قال لبني الأشهل كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام ومن أنفعهم لقومه وشهد بدرا وأحدا والخندق وقريظة وثبت مع رسول الله ﷺ وتوفي شهيدا عام الخندق من جرح أصابه من قتال المشركين وثبت في صحيح البخاري عن جابر عن النبي ﷺ قال "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ﵁" (١) وقال العلماء: اهتزاز العرش فرح الملائكة بقدومه لما رأوا منزلته وشهده سبعون ألفا من الملائكة وفيه يقول الشاعر: وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ ... سَمِعْنَا بِهِ إِلا لِسَعْدِ أَبِي عَمْرٍو وفي الصحيحين عن البراء "أهدي للنبي ﷺ ثوب حرير، فجعلنا نلمسه ونتعجب منه، فقال النبي ﷺ : "أتعجبون من هذا" قلنا: نعم، قال: "مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا وألين" (٢)، وفي الترمذي عن أنس "لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن الملائكة كانت تحمله" (٣)،

стр. 4246

ووافق حكمه في قريظة حكم الله من فوق سماواته روى له البخاري حديثا من رواية ابن مسعود ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قوله "فقال يا سعد بن معاذ الجنة" هو بالنصب أي أريد الجنة وبالرفع أي هي مطلوبي (٢). قوله "ورب النضر إني لأجد ريحها دون أحد" أي عند هذا محمول على ظاهره وأن الله تعالى أوجده ريحا من موضع المعركة وقد ثبتت الأحاديث أن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام وريح الجنة نوعان ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانا لا تدركه العبارة وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما تشم روائح الأزهار وغيرها وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب ومن بعد وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبياءه ورسله وهذا الذي وجده أنس بن النضر يجوز أن يكون من هذا القسم وأن يكون من الأول قاله في حادي الأرواح (٣). قوله "قال سعد فما استطعت يا رسول الله أصنع ما صنع" أي ما قدرت على مثل ما يصنع أنس مع أني شجاع كامل القوة (٤). قوله "قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو

стр. 4247

رمية بسهم ووجدناه قد قتل" قال الحافظ (١): البضع بفتح الباء وكسرها أفصح وهي ما بين الثلاث إلى التسع وقيل ما بين الواحد إلى الأربعة وقيل من أربعة إلى تسعة وقيل هو سبعة اهـ. قوله "ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون" قال أهل اللغة يقال مثل بالقتيل والحيوان يمثل مثلا كقتل يقتل قتلا إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره ونحو ذلك والاسم المثلة (٢)، وهي تعذيب المقتول بقطع أعضاءه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده مثل [أن يجدع] (٣) والجدع قطع الأنف أو الأذن أو الشفة أو اليد وهو بالأنف أخص فإذا [أطلق] غلب عليه (٤) فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة [ومنه الحديث "نهى أن يمثل بالدواب" أي تنصب فترمى، أو تقطع أطرافها وهي حية (٥)]، وهذا إذا لم يكن الكافر فعل ذلك بالمقتول المسلم فإن [مثل بالمقتول المسلم] جاز أن يمثل به و [لذلك قطع رسول الله ﷺ أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله ﷺ وكذلك] هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القطع فإنه يعاقب بمثله وقد قال الله تعالى:

стр. 4248

﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾ (١) الآية (٢) اهـ. قوله "فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه" واسم أخته الربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة وبالمهملة بنت النضر بفتح النون وإسكان المعجمة الأنصارية أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن مالك والبنان الأصابع وقيل أطراف الأنامل واحدها بنانه (٣). قوله "فقال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٤) إلى آخر الآية، النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق وقيل النحب الموت كأنه ألزم نفسه أن يقاتل إلى أن يموت ولذلك قالت عائشة أم المؤمنين طلحة من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه (٥) ففي هذا الحديث إلى أنه ينبغي للإنسان الصبر عند اللقاء ولا يكون سببا للهزيمة وإن فعلت هذه من بعض الناس يثبت ويقاتل مع من بقي لعلهم ينصرون أو يقتل شهيدا ليكون مع الذين قال الله في حقهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾، الآية إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٦).

стр. 4249

٢١١٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت اللَّيْلَة رجلَيْنِ أتياني فصعدا بِي الشَّجَرَة فأدخلاني دَارا هِيَ أحسن وَأفضل لم أر قطّ أحسن مِنْهَا قَالا لي أما هَذِه فدار الشُّهَدَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي حَدِيث طَوِيل تقدم (١). قوله: وعن سمرة بن جندب ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قالا لي أما هذه فدار الشهداء" رواه البخاري في حديث طويل تقدم في ترك الصلاة. ٢١١٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ جِيءَ بِأبي إِلَى النَّبِي ﷺ قد مثل بِهِ فَوضع بَين يَدَيْهِ فَذَهَبت أكشف عَن وَجهه فنهاني قومِي فَسمع صَوت صائحة فَقيل ابْنة عَمْرو أَو أُخْت عَمْرو فَقَالَ لم تبْكي أَو لا تبْكي مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). قوله عن جابر بن عبد الله ﵄ هو عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر. قوله "جيء بأبي إلى النبي ﷺ قد مثل به" مثل بضم الميم وكسر الثاء المثلثة المخففة والاسم مثلة وقد تقدم وأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة والرواية هنا بالتخفيف (٣).

стр. 4250

قوله "فسمع صوت صائحة" أي امرأة صارخة، فقيل ابنة عمرو أو أخت عمرو فقال لم تبكي أو لا تبكي قوله: ابنة عمرو وهي عمة جابر أو أخت عمرو فهي عمة المقتول، لما استشهد عبد الله أبو جابر يوم أحد وكانت تبكيه، وأصل لم تبكي لم تبكين حذفت النون نخفيفا ومعناه سواء بكت عليه أم لا فما زالت الملائكة تظله أي بأجنحتها حتى رفع أي فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره فلا ينبغي البكاء على مثل هذا [وفي هذا] تسلية لها (١). قوله "مما زالت الملائكة" يحتمل أن يكون هذا خاصا بعبد الله كرامة له من الله تعالى كما خصه بكلامه له كفاحا، وقال القاضي عياض (٢): ويحتمل أن يكون لتزاحمها عليه لبشارته بفضل الله عليه ورضاه وما أعد الله له من الكرامة، وازدحموا عليه إكراما له وفرحا به عند الله من الكرامة والدرجة الرفيعة، أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه. ٢١١٦ - وَعنهُ ﵁ قَالَ لما قتل عبد الله بن عَمْرو بن حرَام يَوْم أحد قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا جَابر أَلا أخْبرك مَا قَالَ الله لأبيك قلت بلَى قَالَ مَا كلم الله أحدا إِلَّا من وَرَاء حجاب وكلم أَبَاك كفاحا فَقَالَ يَا عبد الله تمن عَليّ أعطك قَالَ يَا رب تحييني فأقتل فِيك ثَانِيَة قَالَ إِنَّه سبق مني أَنهم إِلَيْهَا لا يرجعُونَ قَالَ يَا رب فأبلغ من ورائي فَأنْزل الله هَذِه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا

стр. 4251

فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (١) الآيَة كلهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن أَيْضا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه، قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد، غزوة أحد تقدم الكلام عليها وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول الله ﷺ بنفسه. قوله ﷺ : "يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك قلت بلى قال ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحًا" بكسر الكاف أي مواجهة، قال علي بن المديني: الكفاح الحواجهة (٣) ومعناه معاينة ليس بينهما حجاب ولا رسول وأنه رآه قبل الناس في الآخرة وهذا يعضد أن النبي ﷺ رآه ليلة الإسراء إذ لا يتقدمه إلى رؤيته أحد من أمته، قاله ابن العربي (٤). قال أبو العباس القرطبي في شرح مسلم في باب فضائل أبي دجانة بن خرشة الأنصاري، أبو جابر هو: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أحد النقباء شهد العقبة وبدرًا وقتل يوم أحد ومثل به كما تقدم ذكره،
следующие страницы →