← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4247–4286 · переход к 4252.

стр. 4247

رمية بسهم ووجدناه قد قتل" قال الحافظ (١): البضع بفتح الباء وكسرها أفصح وهي ما بين الثلاث إلى التسع وقيل ما بين الواحد إلى الأربعة وقيل من أربعة إلى تسعة وقيل هو سبعة اهـ. قوله "ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون" قال أهل اللغة يقال مثل بالقتيل والحيوان يمثل مثلا كقتل يقتل قتلا إذا قطع أطرافه أو أنفه أو أذنه أو مذاكيره ونحو ذلك والاسم المثلة (٢)، وهي تعذيب المقتول بقطع أعضاءه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده مثل [أن يجدع] (٣) والجدع قطع الأنف أو الأذن أو الشفة أو اليد وهو بالأنف أخص فإذا [أطلق] غلب عليه (٤) فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة [ومنه الحديث "نهى أن يمثل بالدواب" أي تنصب فترمى، أو تقطع أطرافها وهي حية (٥)]، وهذا إذا لم يكن الكافر فعل ذلك بالمقتول المسلم فإن [مثل بالمقتول المسلم] جاز أن يمثل به و [لذلك قطع رسول الله ﷺ أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله ﷺ وكذلك] هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القطع فإنه يعاقب بمثله وقد قال الله تعالى:

стр. 4248

﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا﴾ (١) الآية (٢) اهـ. قوله "فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه" واسم أخته الربيع بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة وبالمهملة بنت النضر بفتح النون وإسكان المعجمة الأنصارية أخت أنس بن النضر وعمة أنس بن مالك والبنان الأصابع وقيل أطراف الأنامل واحدها بنانه (٣). قوله "فقال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٤) إلى آخر الآية، النحب النذر كأنه ألزم نفسه أن يصدق وقيل النحب الموت كأنه ألزم نفسه أن يقاتل إلى أن يموت ولذلك قالت عائشة أم المؤمنين طلحة من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه (٥) ففي هذا الحديث إلى أنه ينبغي للإنسان الصبر عند اللقاء ولا يكون سببا للهزيمة وإن فعلت هذه من بعض الناس يثبت ويقاتل مع من بقي لعلهم ينصرون أو يقتل شهيدا ليكون مع الذين قال الله في حقهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾، الآية إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٦).

стр. 4249

٢١١٤ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت اللَّيْلَة رجلَيْنِ أتياني فصعدا بِي الشَّجَرَة فأدخلاني دَارا هِيَ أحسن وَأفضل لم أر قطّ أحسن مِنْهَا قَالا لي أما هَذِه فدار الشُّهَدَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي حَدِيث طَوِيل تقدم (١). قوله: وعن سمرة بن جندب ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل لم أر قط أحسن منها قالا لي أما هذه فدار الشهداء" رواه البخاري في حديث طويل تقدم في ترك الصلاة. ٢١١٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ جِيءَ بِأبي إِلَى النَّبِي ﷺ قد مثل بِهِ فَوضع بَين يَدَيْهِ فَذَهَبت أكشف عَن وَجهه فنهاني قومِي فَسمع صَوت صائحة فَقيل ابْنة عَمْرو أَو أُخْت عَمْرو فَقَالَ لم تبْكي أَو لا تبْكي مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). قوله عن جابر بن عبد الله ﵄ هو عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر. قوله "جيء بأبي إلى النبي ﷺ قد مثل به" مثل بضم الميم وكسر الثاء المثلثة المخففة والاسم مثلة وقد تقدم وأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة والرواية هنا بالتخفيف (٣).

стр. 4250

قوله "فسمع صوت صائحة" أي امرأة صارخة، فقيل ابنة عمرو أو أخت عمرو فقال لم تبكي أو لا تبكي قوله: ابنة عمرو وهي عمة جابر أو أخت عمرو فهي عمة المقتول، لما استشهد عبد الله أبو جابر يوم أحد وكانت تبكيه، وأصل لم تبكي لم تبكين حذفت النون نخفيفا ومعناه سواء بكت عليه أم لا فما زالت الملائكة تظله أي بأجنحتها حتى رفع أي فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره فلا ينبغي البكاء على مثل هذا [وفي هذا] تسلية لها (١). قوله "مما زالت الملائكة" يحتمل أن يكون هذا خاصا بعبد الله كرامة له من الله تعالى كما خصه بكلامه له كفاحا، وقال القاضي عياض (٢): ويحتمل أن يكون لتزاحمها عليه لبشارته بفضل الله عليه ورضاه وما أعد الله له من الكرامة، وازدحموا عليه إكراما له وفرحا به عند الله من الكرامة والدرجة الرفيعة، أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه. ٢١١٦ - وَعنهُ ﵁ قَالَ لما قتل عبد الله بن عَمْرو بن حرَام يَوْم أحد قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا جَابر أَلا أخْبرك مَا قَالَ الله لأبيك قلت بلَى قَالَ مَا كلم الله أحدا إِلَّا من وَرَاء حجاب وكلم أَبَاك كفاحا فَقَالَ يَا عبد الله تمن عَليّ أعطك قَالَ يَا رب تحييني فأقتل فِيك ثَانِيَة قَالَ إِنَّه سبق مني أَنهم إِلَيْهَا لا يرجعُونَ قَالَ يَا رب فأبلغ من ورائي فَأنْزل الله هَذِه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا

стр. 4251

فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (١) الآيَة كلهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن أَيْضا وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: وعنه ﵁، تقدم الكلام عليه، قال: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد، غزوة أحد تقدم الكلام عليها وهي من الغزوات التي قاتل فيها رسول الله ﷺ بنفسه. قوله ﷺ : "يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك قلت بلى قال ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحًا" بكسر الكاف أي مواجهة، قال علي بن المديني: الكفاح الحواجهة (٣) ومعناه معاينة ليس بينهما حجاب ولا رسول وأنه رآه قبل الناس في الآخرة وهذا يعضد أن النبي ﷺ رآه ليلة الإسراء إذ لا يتقدمه إلى رؤيته أحد من أمته، قاله ابن العربي (٤). قال أبو العباس القرطبي في شرح مسلم في باب فضائل أبي دجانة بن خرشة الأنصاري، أبو جابر هو: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أحد النقباء شهد العقبة وبدرًا وقتل يوم أحد ومثل به كما تقدم ذكره،

стр. 4252

وقد تضمن حديثه هذا فضيلة عظيمة لعبد الله لم يسمع بمثلها لغيره وهو أن الله كلمه مشافهة بغير حجاب حجبه به ولا واسطة قبل يوم القيامة ولم يفعل الله تعالى بغيره في هذه الدار كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (١)، وكما قال ﷺ في هذا الحديث: "وما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب "ظاهر هذه الآية وهذا الحديث أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدار لحي ولا ميت إلا لعبد الله هذا خاصة فيلزم على هذا العموم أنه قد خص من ذلك بما لم يخص به أحدًا من الأنبياء وهذا مشكل بالعموم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الأولياء والشهداء فوجه التوفيق أن قوله ﵇: "وما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب" إنما يعني به والله أعلم: أحدًا من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته وقبل يوم القيامة إلا عبد الله ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة من أن المؤمنين يرون الله تعالى في الجنة ويكلمهم بغير حجاب ولا واسطة، وأما الآية فإنما مقصودها حصر أنواع الوحي الحاصل إلى الأنبياء من الله تعالى فمنه ما يقذفه الله تعالى في النبي وروعه ومنه، ومنه ما يسمعه الله تعالى النبي مع كون ذلك النبي محجوبًا من رؤية الله تعالى ومنه ما يبلغه له الملك حاصلها الإعلام بأن الله

стр. 4253

تعالى لم يره أحد من البشر في هذه الدار نبيا كان أو غيره وشهد لهذا قوله ﵇ في الصحيح "اعلموا أنه لا يرى الله أحد ربه حتى يموت" ويقوم الخلاف في رؤية نبينا ﷺ لربه والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك والأصل بقاء ما ذكرناه على أصلنا (١) أ. هـ. ٢١١٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ ملكا يطير فِي الْجنَّة ذَا جناحين يطير مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ مقصوصة قوادمه بالدماء رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا حسن (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "رأيت جعفر بن أبي طالب ﵁ ملكا يطير في الجنة ذا جناحين يطير منها حيث شاء" الحديث، هو: أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب الطيار الهاشمي (٣) ذو الجناحين وذو الهجرتين الجواد أبو الجواد وكان من متقدمي الإسلام وهاجر إلى الحبشة وكان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشي ﵀، وارتفق المسلمون بجعفر هناك واعتضدوا به وكان جعفر أميرهم في الهجرة وهاجرت معه زوجته أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله بن

стр. 4254

جعفر وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وقضية جعفر مع النجاشي في أول اجتماعه به وقراءته عليه سورة مريم، وقوله إن عيسى عبد الله تعالى وغير ذلك مما جرى له مشهور معروف، ثم قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ومن دخل في الإسلام هناك وجاءوا في سفينتين في البحر فقدموا على رسول الله ﷺ في خيبر فأسهم له منها ولم يسهم لمن لم يحضرها غير أهل السفينة، وحديث قصتهم في الصحيح مشهور، سكن المدينة ثم أمره النبي ﷺ على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد هو وزيد فيها فأخبر بوفاته رسول الله ﷺ على المنبر في المدينة حال وفاته واستغفروا له وأمر المسلمين بالاستغفار له ووجدوا به يؤمئذ أربعا وخمسين ضربة بالسيف في مقدمه وقبر صاحبيه زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مشهوران بأرض مؤتة من الشام على نحو مرحلتين من بيت المقدس. قوله: "مقصوصة قوادمه بالدماء" قوادم الطائر مقاديم ريشه وهي عشر في كل جناح، الواحدة: قادمة (١)، وفي الحديث: "إن مدينة لوط حملها جبريل ﵇ على خوافي جناحه" وهي الريش الصغار التي في جناح الطائر ضد القوادم واحدها خافية قاله في النهاية (٢). ٢١١٨ - وَعَن سَالم بن أبي الْجَعْد ﵁ قَالَ أريهم النَّبِي ﷺ فِي النّوم فَرَأى جعفرا ملكا ذَا جناحين مضرجين بالدماء وَزيد مُقَابِله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ

стр. 4255

وَهُوَ مُرْسل جيد الإِسْنَاد (١). قَالَ الْحَافِظ كَانَ جَعْفَر ﵁: قد ذهبت يَدَاهُ فِي سَبِيل الله يَوْم مُؤْتَة فأبدله بهما جناحين فَمن أجل ذَلِك سمي جعفرا الطيار. قوله: وعن سالم بن أبي الجعد ﵁، واسم أبي الجعد [رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، أخو زياد بن أبي الجعد، وعبد الله بن أبي الجعد، وعبيد بن أبي الجعد، قال يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة وقال منصور: قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثا منك؟ قال: لأنه كان يكتب وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير، وقال مطين: مات سنة مئة، وقيل: سنة إحدى ومئة، وقال أبو نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٢)]. قوله: أريهم النبي ﷺ في النوم فرأى جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجين بالدماء وزيد مقابله، أي: على السرير، وابن رواحة جالس معهما كأنهما معرضان عنه، رواه الطبراني وهو مرسل جيد الإسناد، قال الحافظ (٣): كان جعفر ﵁ قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤتة فأبدله بهما جناحين فمن

стр. 4256

أجل ذلك سمي جعفرًا الطيار، أ. هـ. قوله: "مضرجين بالدماء" أي: ملطخين به، وتضرج الثوب بالدم إذا تلطخ بدم أو غيره، قاله صاحب المغيث (١) فالتضريج التدمية والتلطيخ وتقدم الكلام على جعفر. وقوله: "وزيد مقابله" الكلام الآن على زيد بن حارثة، هو: [والد] أسامة بن زيد بن حارثة بالحاء المهملة بن شراحيل بفتح الشين بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس [بن عامر بن الثعمان بن عامر ابن عبد الله بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة بن الحاف، بن قضاعة الكلبي نسبا القرشي الهاشمي بالولاء الحجازي وهو مولى رسول الله ﷺ أشهر مواليه، ويقال له حب رسول الله ﷺ وأبو حبه، كان أصابه سبي في الجاهلية لأن أمه خرجت به تزور قومها فأغارت عليهم بنو القين فأخذوا زيدا فقدموا به سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته للنبي ﷺ قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، قيل: رآه النبي ﷺ ينادى عليه بالبطحاء فذكره لخديجة فقال له يشتريه من مالها ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه، قال ابن عمر: كنا ندعوه زيد بن محمد حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٢) وآخى رسول الله ﷺ بنيه وبين جعفر بن أبي طالب وكان من أول من أسلم حتى أن الزهري قال في رواية عنه أنه أول من أسلم، وقال غيره: أولهم إسلامًا خديجة ثم أبو بكر ثم زيد،

стр. 4257

وفي المسألة خلاف مشهور ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف وهاجر مع رسول الله ﷺ إلى المدينة وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر وكان هو البشير إلى المدينة بنصر المسلمين يوم بدر، وكان ﵁: من الرماة المذكورين وزوجه النبي ﷺ مو لاته أم أيمن فولدت له أسامة وتزوج زينب بنت جحش أم المؤمنين ثم طلقها ثم تزوجها رسول الله ﷺ وقصته في القرآن العظيم في سورة الأحزاب، قال العلماء: ولم يذكر الله في القرآن باسم العلم من أصحاب نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إلا زيدًا في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١)، ولما جهز رسول الله ﷺ الجيش إلى غزاة مؤتة جعل أميرهم زيد بن حارثة، وقال: "إن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة" فاستشهدوا ثلاثتهم بها ﵄ وحزن عليهم رسول الله ﷺ والمسلمون، روي لزيد عن النبي ﷺ حديثا وروي عنه ابنه أسامة بن زيد ﵁، قال النووي (٢): روينا في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال حين أمر أسامة بن زيد فطعن بعض المنافقين في إمارته فقال رسول الله ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ من بعده" (٣)، وقد ذكر تمام الرازي في فوائده أن حارثة والد زيد أسلم حين جاء في طلب

стр. 4258

زيد ثم ذهب إلى قومه مسلمًا، ومناقبه كثيرة مشهورة (١). فائدة: وغزوة مؤتة كانت في جمادي الأولي في السنة الثامنة من الهجرة قبل الفتح، ومؤتة بضم الميم ثم همزة ساكنة ويجوز ترك الهمزة كما في نظائره وهي قرية معروفة من قرى البلقاء في طرف الشام عند الكرك، التقت جيوش المسلمين وهرقل وقتل جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة فيها وأخذ الراية بعد ابن رواحة خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وكان المسلمون ثلاثة آلاف والروم مع هرقل في مائة ألف كذا في التحفة فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف من المسلمين إلى أرض البلقاء من أطراف الشام، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج (٢) وقد اختلف العلماء في عسكر المسلمين بمؤتة هل كانت الهزيمة عليهم أو على المسلمين فحكى ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين وحكي أيضا أنها كانت على الروم وذهبت جماعة إلى أن الهزيمة كانت على المشركين والنصرة للمسلمين وهو الأقرب واليه مال البيهقي ورجحه في دلائل النبوة واستدل بقوله ﷺ في الحديث الصحيح ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (٣)، أ. هـ.

стр. 4259

٢١١٩ - وَعَن عبد الله بن جَعْفَر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَنِيئًا لَك يَا عبد الله أَبوك يطير مَعَ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: وعن عبد الله، عبد الله هذا هو ابن جعفر ﵄ الطيار، وهو والد والد علي بن المديني (٢). قوله: "هنيئا لك يا عبد الله، جعفر أبوك يطير مع الملائكة في السماء"، وتقدم أن جعفر قد ذهبت يداه في سبيل الله يوم مؤتة فأبدله الله بهما جناحين، أ. هـ، فجزاه الله أن جعله من الأحياء المذكورين عنده وزاده أن أبدله بيديه جناحين يطير بهما حيث شاء، ويأكل من ثمار الجنة ما شاء فمن أجل ذلك سمي الطيار وكان عبد الله بن عمر إذا حيي عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين (٣). فائدة: قال السهيلي (٤): ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنهما ليسا كما سبق الوهم على مثل جناحي الطائر وريشة لأن الصورة الآدمية

стр. 4260

أشرف الصورة وأكملها وقي قوله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" تشريف لها عظيم وحاشى الله من التشبيه والتمثيل، ولكنها عبارة عن صورة ملائكته وقوة روحانية أعطيها جعفر كما أعطيتها الملائكة وقد قال الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ (١) فعبر عن العضد بالجناح توسعا وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخلق به إذن بوصف الجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء في صفة جبريل ﵊، فدل على أثها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد أيضا في بيانها خبر فيجب علينا الإيمان بها ولا يفيدنا إعمال الفكر في كيفيتها علما، وكل أمريء قريب من معاينة ذلك فإما أن يكون من الذين تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وإما أن يكون من الذين تقول لهم الملائكة وهم باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون، أ. هـ، قاله في الديباجة.

стр. 4261

٢١٢٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه كانَ فِي غَزْوَة مُؤْتَة قَالَ فالتمسنا جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ فوجدناه فِي الْقَتْلَى فَوَجَدنَا بِمَا أقبل من جسده بضعا وَتِسْعين بَين ضَرْبَة ورمية وطعنة. وَفِي رِوَايَة فعددنا بِهِ خمسين طعنة وضربة لَيْسَ مِنْهَا شَيْء فِي دبره رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه كان في غزوة مؤتة. ومؤتة: موضع على مرحلتين من بيت المقدس (٢)، وتقدم الكلام على مؤتة في حديث سالم بن أبي الجعد. قوله: فوجدنا بما أقبل من جسده بضعا وتسعين بين ضربة ورمية وطعنة، وفي رواية: فعددنا به خمسين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، الحديث، والدبر: بضم الباء الموحدة وسكونها الظهر يعني لم يكن شيء منها في حال الإدبار بل كلها في حال الإقبال وغرضه بيان شجاعته ﵁ (٣). تنبيه: فإن قلت: الرواية السابقة خمسون، قلت: كان ذلك في قبله خاصة وهذا في جميع جسده، أو ذلك من الطعنات والضربات وهذا من الطعنات والرميات، والفرق بينهما أن الطعنة بالرمح والضربة بالسيف والرمية بالسهم مع أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد والله أعلم.

стр. 4262

قاله الكرماني (١)، وهذا يدل على أن الحرب لما انكشفت وانهزم المشركون رجع المسلمون إلى القتلى ينظرون من فقد منهم كما جرت به العادة وكان ممن وقف على القتلى عبد الله بن عمر فلا طريق إلى الجمع بين الحديثين إلا أن يقال إن ابن عمر انهزم في أول الحرب مع طائفة ثم تشجعوا ورجعوا وقاتلوا إلى أن فتح الله على المسلمين وانهزم المشركون وكان اختفاؤهم في المدينة لما رجع العسكر، أ. هـ، ذكره ابن النحاس (٢). ٢١٢١ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ زيدا وجعفرا وَعبد الله بن رَوَاحَة وَدفع الرَّايَة إِلَى زيد فأصيبوا جَمِيعًا قَالَ أنس فنعاهم رَسُول الله ﷺ قبل أَن يَجِيء الْخَبَر فَقَالَ أَخذ الرَّايَة زيد فأصيب ثمَّ أَخذهَا جَعْفَر فأصيب ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فأصيب ثمَّ أَخذ الرَّايَة سيف من سيوف الله خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ فَجعل يحدث النَّاس وَعَيناهُ تَذْرِفَانِ. وَفِي رِوَايَة قَالَ وَمَا يسرهم أَنهم عندنَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (٣). قوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه. قوله: بعث رسول الله ﷺ زيدًا وجعفرًا وعبد الله بن رواحة، وتقدم الكلام على زيد وجعفر والكلام الآن على عبد الله بن رواحة، وقيل: أبو عمرو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن

стр. 4263

امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني، شهد العقبة وشهد بدرا وأحدا والحندق والحديبية وخيبر وعمرة القضاء والمشاهد كلها مع رسول الله إلا الفتح وما بعدها فإنه كان توفي قبلها يوم مؤتة وهو أحد الأمراء في غزوة مؤتة وهو خال النعمان بن بشير وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم وكان أحد الشعراء المحسنين الذي يردون الأذى عن رسول الله ﷺ والإسلام والمسلمين، وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: ما رأيت أحدا أجرأ ولا أسرع شعرا من ابن رواحة، وعن أبي الدرداء قال: أعوذ بالله أن يأتي يومٌ لا أذكر فيه عبد الله بن رواحة كان إذا لقيني يقول: يا عويمر اجلس فلنؤمن ساعة فنجلس فنذكر الله تعالى ما شاء الله ثم يقول يا عويمر هذه الإيمان، وهو الذي شجع المسلمين في غزوة مؤتة على لقاء الكفار وكان المسلمون ثلاثة آلاف والكفار مائتي ألف، وقيل: غير ذلك، استشهد عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ولم يعقب ومناقبه كثيرة مشهورة (١). قال ابن هشام في السيرة: وحدثني من أتق به من أهل العلم أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله جناحين يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين (٢)، وقال موسى بن عقبة

стр. 4264

زعموا والله أعلم أن يعلى بن منبه قدم على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت فأخبرني وإن شئت فأخبرتك" قال: فأخبر في يا رسول الله، فأخبره رسول الله خبره كله ووصفه لهم فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم" (١) أ. هـ. قوله: ودفع الراية إلى زيد فأصيبوا جميعًا، الراية: العلم الكبير، واللواء دوثه (٢)، واللواء بكسر اللام وبالمد هو بمعنى الراية والمراد بهما العلم الذي يحمل في الحروب وهو من العلامة لأنه يعرف به موضع مقدم الجيش واللواء والراية مترادفان صرح به أهل اللغة والغريب، ومنهم صاحب المشارق والنهاية (٣)، انتهى. وقال بعض العلماء: كانت راية النبي ﷺ سوداء ولواءه أبيض (٤)، والراية قال الجوهري: العلم (٥)، وكان اسم راية النبي ﷺ العقاب (٦)، قال الجوهري

стр. 4265

في باب المعتل: والألوية المطارف أردية من خز مربعة لها أعلام (١)، وفي هذا الحديث استحباب الألوية في الحروب وأنه ينبغي أن تكون مع أمير الجيش فجعل آخذ الراية هو الأمير، وقد يقيم الأمير في حملها غيره، ولا أمير كامل [الإمرة] مع حضوره ﵇ ولكنه يقيم من يشاء فيما شاء (٢) والله أعلم. قوله: قال أنس فنعاهم النبي ﷺ قبل أن يجيء الخبر، الخبر والنعي بسكون العين وبكسرها خبر الموت (٣). قوله ﷺ : "فقال أخذ الراية زيد فأصيب" إلى آخره، وأصيب معناه: نيل بالمصيبة. قوله: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد" الحديث هو: أبو سليمان، وقيل: أبو الوليد خالد بن الوليد بن المغيرة [بن عبد الله بن عمرو بن] مخزوم [بن يقظة] بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزوكي، سيف الله، أمه: لبابة الصغرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين، ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وشهد غزوة مؤتة وسماه النبي ﷺ يومئذ سيف الله، وشهد خيبر وفتح مكة وحنينا، روى له عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر حديثا، اتفق

стр. 4266

البخاري ومسلم على حديث، روى عنه ابن عباس وجابر والمقدام بن معدي كرب وأبو أمامة بن سهل الصحابيون وغيرهم من التابعين، وكان ﵁ من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة، قال الزبير بن بكار وغيره: وكان خالد هو المقدم على خيول قريش في الجاهلية ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله ﷺ أعنة الخيل فيكون في مقدمتها، أرسله رسول الله ﷺ إلى أكيدر صاحب دومة فأسره وأحضره عند رسول الله ﷺ فصالحه على الجزية ورده إلى بلده، وأرسله رسول الله ﷺ سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب من مدلج فقدم معه رجال منهم فأسلموا ورجعوا إلى قومهم، وأمره أبو بكر الصديق على قتال مسيلمة الكذاب والمرتدين باليمامة وكان له في قتالهم الأثر العظيم، وله الآثار العظيمة المشهورة في قتال الروم بالشام والفرس بالعراق، وافتتح دمشق، وكان في قلنسوته شعر من شعر رسول الله ﷺ يستنصر به وببركته فلا يزال منصورًا، ولما حضرت خالدًا الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو نحوها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما لي عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا متترس بها [الجبناء جمع جبان والجبن الخوف وعدم الإقدام على الشيء]، وتوفي ﵁ في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين، وكانت وفاته بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من حمص، وقيل: توفي بالمدينة، قاله أبو زرعة الدمشقي عن دحيم، والصحيح الأول، وحزن عليه عمر والمسلمون حزنا شديدا عظيما، ولما حضرته الوفاة

стр. 4267

حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله، وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن خالدا احتبس أذراعه وأعتاده في سبيل الله" وفضائله كثيرة مشهورة (١)، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه بسر محمد، وتقدم الكلام عليه أخصر من هذا. قوله: فجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان، وتذرفان بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الذال المعجمة وكسر الراء المهملة وبالفاء أي: يسيل دمعهما، يقال: ذرفت عينه إذا سال دمعها (٢)، وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ (٣) والله أعلم. ٢١٢٢ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ أَن يعقر جوادك ويهراق دمك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٤). وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن عبسة قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت فَذكره (٥). قوله: وعن جابر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: "أن يعقر جوادك ويهراق دمك" الحديث.

стр. 4268

٢١٢٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا يجد الشَّهِيد من مس الْقَتْل إِلَّا كمَا يجد أحدكم من مس القرصة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله ﷺ : "ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة" إنما كان كذلك لأنه ينتقل إلى روح وريحان ورب غير غضبان ويبشر بالنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول فتقرأ عليهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ (٢) فلا يجدون من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة، وهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل الشهادة ولا شك أنها كذلك، أ. هـ. واعلم أن الجريح في سبيل الله لا يجد من ألم الجراح ما يجده غيره فإنه قد صح في الحديث أن القتيل في سبيل الله لا يجد ألم القتل إلا كمس القرصة وإذا كان هذا حال القتل فكيف بما دونه من الجراح، وهذا أمر مستقر لا يجحده إلا من لم يجرب، وما تقدم من أخبار الجرحي يؤيد ذلك مع ان العقل لا يستبعد ذلك فإن سورة الغضب والحمية إذا اشتدت وحكمت وجد الإنسان في نفسه من الشدة والقوة والصبر والاحتمال وقلة المبالاة بالمكروه وعدم الإحسالس بالآلام ما لم يكن يجده قبل ذلك حتى ربما يقع بيني المتخاصمين الشجاج المؤلمة

стр. 4269

والجراح البالغة ولا يحسون بذلك إلا بعد انفصالهم مما هم فيه، هذا وكل منهم مجتهد في الدفع عن نفسه كاره للموت أن ينزل به فكيف بمن يشتد غضبه لله ويخرج عن نفسه إلى الله، ويتمنى الشهادة عند الله ويعد ما أصابه من فضل الله، ويشهد بقوة نور الإيمان ما أعدّ الله للشهداء والجرحى في سبيله من الفضل الجزيل شهودًا محققًا لا علمًا مجردًا كما قال أنس بن النضر في وقعة أحد: واها لريه الجنة إني لأجد ريحها دون أحد، ثم انغمس في المشركين حتى قتل لص ﵁ (واها) قال العلماء: كلمة تحنن وتلهف (١)، ومن هذا ما قيل: إن امرأة فتح الموصلي عثرت فطار ظفرها، فضحكت فقيل لها: يذهب ظفرك وتضحكين، فقال: عن حلاوة الأجر أذهبت عني مرارة الألم أو نحو هذا، وروي أيضًا في الحديث عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "إذا التقى الزحفان ونزل الصبر كان القتل أهون على الشهيد من الماء البارد في اليوم الصائف" (٢) ذكره صاحب شفاء الصدور، وفي حديث مرفوع قال: "عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح بل هو أشهى إليه من شراب بارد في يوم صائف" (٣)، أ. هـ، ذكره ابن النحاس في كتابه (٤).

стр. 4270

٢١٢٤ - وَعَن كعْب بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طير خضر تعلق من ثَمَر الْجنَّة أَو شجر الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (١). تعلق بِفَتْح الْمُثَنَّاة فَوق وَعين مُهْملَة وَضم اللَّام أَي ترعى من أعالي شجر الْجنَّة. ٢١٢٥ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الشَّهِيد يشفع فِي سبعين من أهل بَيته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن كعب بن مالك ﵁، كعب بن مالك [هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، وقيل: أبو بشير كعب بن مالك بن عمرو بن القين بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام، ابن سعد بن علي الأنصارى الخزرجى السلمى، بفتح السين واللام. شهد العقبة، وأحدا، وسائر المشاهد إلا بدرا، وتبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (٣)، والثلاثة: كعب بن مالك،

стр. 4271

ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وحديث قصتهم طويل مشهور في الصحيحين. روى لكعب عن رسول الله ﷺ ثمانون حديثا اتفقا على ثلاثة، وللبخارى حديث، ولمسلم حديثان. روى عنه بنوه عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد، وعبيد الله بنو كعب، وابن عباس، وجابر، وأبو أمامة الباهلى، ومحمد بن علي بن الحسين، رضى الله عنهم، وآخرون. جرح كعب يوم أحد أحد عشر جرحا في سبيل الله، وهو أحد شعراء رسول الله ﷺ ، وكانوا ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكان حسان يقبل على الأنساب، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب يخوفهم الحرب. توفى بالمدينة في زمن معاوية سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنه خمسين، رضى الله عنه (١)]. قوله ﷺ : "إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة" الحديث، تعلق بضم اللام أي تتناول، وقيل: [تأكل وتصيب منها وقيل تشم] وبالفتح أيضًا ومعناه تتعلق وتلزم ثمارها وتأوي إليها وتقع عليها، وقيل: هما سواء، وقد روي: "تسرح" وهذا يشهد بضم اللام ومن رواه التاء عني النسمة ويحتمل أن يرجع على الطير على أن يكون جميعا ويكون ذكر النسمة لأنه أراد الجنس لا الواحد، وقد يكون التذكير والتأنيث جمعا للروح لأن الروح تذكر وتؤنث، أ. هـ، قاله عياض (٢)، وقال المنذري:

стр. 4272

تعلق أي ترعى من أعالى شجر الجنة، وقال في النهاية (١) هو في الأصل في الإبل إذا أكلت العضاة يقال: علقت تعلق فنقل إلى الطير، قاله في النهاية (٢)، وفي هذا الحديث: بيان أن الجنة مخلوقة موجودة الآن وهو مذهب أهل السنة وهي التي أهبط الله منها آدم وهي التي ينعم فيها المؤمنون يوم القيامة، هذا إجماع أهل السنة، وقالت المعتزلة وطائفة من المبتدعة أيضا غيرهم: أنها ليست موجودة وأنها توجد بعد البعث في القيامة قالوا: والجنة التي أخرج منها آدم غيرها، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق، وفي هذا الحديث إثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة (٣)، قال القاضي عياض (٤): وفيه أن الأرواح باقية لا تفنى فينعم المحسن ويعذب المسيء، وقد جاء بذلك القرآن والآثار وهو مذهب أهل السنة خلافا لطائفة من المبتدعة قالت تفنى. فائدة في أرواح الشهداء: في حديث سئل عبد الله بن مسعود ﵁ عن أرواح الشهداء عند الله كطير في قناديل تحت العرش، وفيه أحاديث مختلفة وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح المنعم على جهات مختلفة منها ما هو طائر يعلق من شجر الجنة ومنها ما هو في حواصل طير خضر ومنا ما يأوى في قناديل تحت العرش ومنها ما هو في حواصل طير بيض ومنها ما هو

стр. 4273

في تاجواف طير كالزرازير ومنها ما هو في أشخاص وصور من صور الجنة ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم ومنها ما يسرح ويتردد جنتها يزورها ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل ومكنها ما هو في كفالة آدم ومنها ما هو في كفالة إبراهيم ﵇ وهذا قول حسن فإنه يجمع الأخبار حتى لا تتدافع والله أعلم ذكره القرطبي في التذكرة (١). فائدة: روى الطبراني وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: "أرواح المؤمنين في أجواف طيور خضر، كالزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة" (٢) الزرزور: بضم الزاي طائر من نوع العصفور سمي بذلك لزرزرته أي تصويته، وما أحسن قول شيخنا الشيخ برهان الدين القيراطي رحمة الله تعالى عليه (٣): قد قلت لما مر بي معرضا ... وكفه يحمل زرزورا يا ذا الذي عذّبني مطله ... إن لم يزر حقا فزرزورا

стр. 4274

وفي مناقب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، لعبد المحسن بن عثمان بن غانم، قال الشافعي: من عجائب الدنيا، طلسم على صفة الزرزور من نحاس في رومية، يصفر في يوم واحد من السنة فلا يبقى طائر من جنسه إلا أتى رومية وفي منقاره زيتونة، فإذا اجتمع ذلك عصر، وكان منه زيتهم في ذلك العام. قاله في حياة الحيوان (١). فائدة أخرى: قال أبو الحسن القابسي أنكر العلماء قول من قال أرواح الشهداء في حواصل طير خضر لأنها رواية غير صحيحة لأنها إذا كانت كذلك فهي محصورة مضيق عليها، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي الرواية صحيحة لأنها في صحيح مسلم فيحتمل أن تكون الفاء بمعنى على فيكون المعنى أرواحهم على حواصل طير خضر كما قال تعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢) [أي على جذوع النخل وجائز أن يسمى الظهر: جوفا: إذا هو محيط به ومشتمل عليه، قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسن جدا] (٣) قال ابن النحاس عفا الله عنه: في هذا الكلام كله نظر فإنا لا نسلم أن أرواحهم محصورة بأجسادها وأن يكون جعفر ﵁ محصورا بالجسد الذي رآه النبي ﷺ فيه وهو سيد الشهداء ولا ضرورة تدعو إلى التأويل الذي أوله أبو محمد (٤)، قال ابن

стр. 4275

النحاس عفا الله عنه: بل الذي يظهر لي والله أعلم من الحكمة في جعلهم في هذه الأجساد أنهم لما جاءوا بأجسادهم الكثيفة لله تعالى وبذلوها في حبه وعرضوها للآلام والمشاق الشديدة وسمحوا بها للفناء امتثالا لأمر الله تعالى وطلبا لمرضاته عوضهم الله عنها أجسادا لطيفة في دار النعيم الباقي يأكلون بها ويشربون ويسرحون في الجنة حيث شاءوا ولما كان ألطف الحيوانات أجساما الطير وألطف الألوان الأخضر وألطف الجمادات الشفافة الزجاج كما قال الله تعالى ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (١) فإن كانت من ذهب كما جاء في حديث ابن عباس فهو المفرح طبعا وخاصية وناهيك بذهب الجنة مفرحا فلذلك والله أعلم جعل الله أرواح الشهداء في ألطف الأجساد وهو الطير الملون بألطف الألوان وهو الخضرة تأوي إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة أو المفرحة في ظل عرش لطيف رحيم ليكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم فكيف يظن أنها محصورة كلا والله إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليشمر المشمرون وعليه فليجتهد المجتهدون (٢) والله أعلم. اهـ فائدة أخرى: قال القرطبي (٣): الذي عليه المعظم هو ما ذكرناه، وأن حياة الشهداء محققة. وأنهم أحياء في الجنة يرزقون كما أخبر الله تعالى ولا محالة

стр. 4276

أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، ومن العلماء من يقول: ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون. وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١): وهذا هو الصحيح من الأقوال، لأن ما صح به النقل فهو الواقع. وقد قيل إنه يكتب في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة وقيل لأن أرواحهم تركع وتسجد إلى يوم العرش إلى يوم القيامة كأرواح المؤمنين الذين باتوا على وضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض. قال ابن النحاس عفا الله عنه: والذي يظهر لي والله أعلم أن أجساد الشهداء تتميز عن أجساد الأموات بصفة من صفة الحياة تفيد إدراكا ما والظاهر أن أرواحهم عند الله على رتب في المكانة فمنهم من روحه في جوف طير خضر ترعى في الجنة وتأوى إلى قناديل في ظل العرش كما ورد في الأحاديث ومنهم من هو على بارق نهر بباب الجنة يخرج إليهم رزقهم في الجنة بكرة وعشيا ومنهم من يطير مع الملائكة في السماء وفي الجنة حيث يشاء كما في حديث جعفر بن أبي طالب ومنهم من هو على أسرة في الجنة

стр. 4277

كما في حديث ابن رواحة وصاحبيه وإنما تفاوتت منازل أرواحهم لتفاوت رتب إخلاصهم وسماحة أنفسهم بأنفسهم وما كانوا عليه قبل حصول الشهادة من رتب الإسلام والإيمان والإحسان (١) اهـ. [ويجاب أيضا بأن حواصل الطير لا تنحصر الأرواح فيها حصر الظرف في مظروفه كسائر خلق الجنة كما ورد وصفه في الأحاديث من وصف قصورها وحورها بل ذلك على خلاف ما تفهمه العقول بل في ذلك أيضا نوع استئناس للأرواح عن مفارقة الأشباح وتعويضها أجساما هي ألطف وأشف في فضاء هذه الحواصل مما الله عالم بقدر سعته وإن كانت بادي الرأى طيرا صغيرة الجرم ومنحصرة الجسم ولعل داخل حواصلها من النعيم والمنظر الرائق العجيب ما تقصر عنه العبارة وتنبو عنه الإشارة مما يفوت غير الشهداء ممن ليس كذلك والله أعلم قاله كاتبه]. فائدة أخرى: وقد من الله على الشهداء بفضائل لا تحصى ومآثر لا تستقصى قال ابن النحاس عفا الله عنه: وها أنا أذكر إن شاء الله تعالى من ذلك ما وصل إليه علمي القليل وفهمي الكليل فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون: فمنها أنهم أحياء عند ربهم يرزقون كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (٢) وقال

стр. 4278

تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ (١) الآية (٢). ومنها أن الشهادة في سبيل الله تكفر جميع ما على العبد من الذنوب التي بينه وبين الله تعالى (٣). ومنها أن الملائكة تظلل الشهيد بأجنحتها (٤). ومنها أن الشهادة الخالصة في سبيل الله توجب دخول الجنة مطلقا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٥) الآية وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٦) الآية (٧). ومنها أن الشهداء حين يقتلون في سبيل الله تجعل أرواحهم في أجواف طير خضر في الجنة (٨). ومنها أن الشهداء لا يفتنون في قبورهم ولا يصعقون عند نشورهم وقد

стр. 4279

ثبت أن المرابط في سبيل الله لا يفتن في قبره فالشهيد أولى وأحرى لأنه أفضل منه، وما نال المرابط ما ناله من الفضل إلا بتعرضه للشهادة وتوقعه لها فكيف لا يعطى ذلك الفضل من نالها (١). ومنها: أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته (٢). ومنها: أن الشهيد يأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة (٣). ومنها: أن الشهيد يغفر له بأول قطرة من دمه ذنوبه كلها ويرى مقعده من الجنة (٤). ومنها: أن دم الشهيد لا يجف حتى يرى الحور العين (٥). ومنها: أن الشهيد في سبيل الله أفضل ممن انتصر ورجع سالما (٦). ومنها: أن الشهيد لا يجد من ألم القتل في سبيل الله إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة (٧). ومنها: أن الملائكة يدخلون على الشهداء من كل باب يسلمون عليهم (٨).

стр. 4280

ومنها: أن الشهيد في سبيل الله يرضى الله عنه رضي لا سخط بعده (١). ومنها: أن الشهادة لا يشترط فيها سبق أعمال الأبرار بل هي بسابق الإرادة والاختيار (٢). ومنها: أن الشهيد في سبيل الله لا يفضله النبيون إلا بفضل النبوءة (٣). ومنها: أن الشهيد يزوجه الله الحور العين (٤). تنبيه: ذكر الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره حديثا غريبا جدًّا (٥) قال: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أكرم الله تعالى الشهداء" بخمس كرامات لم يكرم بها أحدا من الأنبياء ولا أنا، إحداها: أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي سيقبض روحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف شاء ولا يسلط على أرواحهم ملك الموت، والثاني: أن جميع الأنبياء قد غسلوا بعد الموت وأنا أغسل بعد الموت والشهداء لا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا؛ والثالث: أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم؛ والرابع: الأنبياء لما ماتوا سموا أمواتا وأنا إذا مت يقال: قد مات والشهداء لا يسمون

стр. 4281

أمواتا؛ والخامس: أن الأنبياء لهم الشفاعة لهم يوم القيامة وشفاعتي أيضًا يوم القيامة، وأما الشهداء فإنهم يشفعون كل يوم فيمن يشفعون (١)، أ. هـ. ٢١٢٦ - وَعَن عتبة بن عبد السّلمِيّ ﵁ وَكَانَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْقَتْلَى ثَلَاثَة رجل مُؤمن جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو وَقَاتلهمْ حَتَّى يقتل فَذَلِك الشَّهِيد الممتحن فِي جنَّة الله تَحت عَرْشه لَا يفضله النَّبِيُّونَ إِلَّا بِفضل دَرَجَة النُّبُوَّة وَرجل فرق على نَفسه من الذُّنُوب والخطايا جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو قَاتل حَتَّى يقتل فَتلك ممصمصة محت ذنُوبه وخطاياه إِن السَّيْف محاء للخطايا وَأدْخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ فَإِن لهَا ثَمَانِيَة أَبْوَاب ولجهنم سَبْعَة أَبْوَاب وَبَعضهَا أفضل من بعض وَرجل مُنَافِق جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو قَاتل فِي سَبِيل الله حَتَّى يقتل فَذَلِك فِي النَّار إِن السَّيْف لَا يمحو النِّفَاق رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ (٢). الممتحن بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة هُوَ المشروح صَدره وَمِنْه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أَي شرحها ووسعها. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فَذَلِك المفتخر فِي خيمة الله تَحت عَرْشه وَلَعَلَّه تَصْحِيف.

стр. 4282

وَفرق بِكَسْر الرَّاء أَي خَائِف وجزع. والممصمصة بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَكسر الثَّالِثَة وبصادين مهملتين هِيَ الممحصة المكفرة. قوله: وعن عتبة بن عبد الله السلمي، عتبة بن عبد الله السلمي [هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي ﷺ عتبة. شهد خيبر. روى عنه ابنه يحيى، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم. مات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي (١)]. قوله ﷺ : "القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد الممتحن" الحديث، الممتحن هو المشروح صدره ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) أي: شرحها ووسعها قاله المنذري، وقيل: اختبرها وأخلصها،

стр. 4283

أ. هـ، وقال شمر: الممتحن هو المصفى المهذب (١) يقال: محنت الفضة إذا صفيتها وخلصتها بالنار قاله في النهاية (٢). قوله ﷺ : "ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل"، قوله "فرق" أي خاف وجزع كذا قاله المنذري؛ قوله "فتلك ممصمصة"، والممصمصة هي الممحصة المكفرة قاله المنذري، وقال الهروي في الغريبين (٣)، معنى ممصمصة أي مطهرة غاسلة من دنس الذنوب، وأصله من الموص وهو الغسل، وقال ابن الأثير والأصمعي: يقال ممصمص إناءه إذا جعل فيه الماء وحركه ليتنظف وإنما انتهى والقتل مذكر لأنه أراد معنى الشهادة أو خصلة ممصمصة فأقام الصفة مقام الموصوف قاله في النهاية (٤) والمعنى أن القتل في سبيل الله يطهر من الذنوب كما يمصمص الإناء بالماء فانظر إلى الثاني الذي قاتل خوفا على نفسه من ذنوبه وخطاياه كيف غفر الله له ومحيت ذنوبه وأدخل الجنة (٥). قوله: وفي رواية لأحمد فذلك المفتخر في خيمة الله تحت عرشه" الخيمة معروفة ومنه خيم بالمكان أي أقام فيه وسكنه فاستعارها لظل رحمة الله

стр. 4284

ورضاه [وأمنه] بصدقة الحديث الآخر [الشهيد] في ظل الله وظل عرشه قاله في النهاية (١). ٢١٢٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّهَدَاء ثَلَاثَة رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله لَا يُرِيد أَن يُقَاتل وَلَا يقتل يكثر سَواد الْمُسلمين فَإِن مَاتَ أَو قتل غفرت لَهُ ذنُوبه كلهَا وأجير من عَذَاب الْقَبْر ويؤمن من الْفَزع ويزوج من الْحور الْعين وحلت عَلَيْهِ حلَّة الْكَرَامَة وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار والخلد وَالثَّانِي خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسبا يُرِيد أَن يقتل وَلَا يقتل فَإِن مَاتَ أَو قتل كَانَت ركبته مَعَ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ بَين يَدي الله ﵎: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (٢) وَالثَّالِث خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسبا يُرِيد أَن يقتل وَيقتل فَإِن مَاتَ أَو قتل جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة شاهرا سَيْفه وَاضعه على عَاتِقه وَالنَّاس جاثون على الركب يَقُول أَلا أفسحوا لنا فَإنَّا قد بذلنا دماءنا وَأَمْوَالنَا لله ﵎. قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قَالَ ذَلِك لإِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ أَو لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء لزحل لَهُم عَن الطَّرِيق لما يرى من وَاجِب حَقهم حَتَّى يَأْتُوا مَنَابِر من نور تَحت الْعَرْش فيجلسوا عَلَيْهَا ينظرُونَ كيفَ يقْضى بَين النَّاس لَا يَجدونَ غم الْمَوْت وَلَا يغتمون فِي البرزخ وَلَا تفزعهم الصَّيْحَة وَلَا يهمهم الْحساب وَلَا الْمِيزَان وَلَا الصِّرَاط ينظرُونَ كيفَ يقْضى بَين النَّاس

стр. 4285

وَلَا يسْأَلُون شَيْئا إِلَّا أعْطوا وَلَا يشفعون فِي شَيْء إِلَّا شفعوا فِيهِ ويعطون من الْجنَّة مَا أَحبُّوا ويتبوؤون من الْجنَّة حَيْثُ أَحبُّوا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (١). زحل بالزاي والحاء الْمُهْملَة كَذَا فِي رِوَايَة الْبَزَّار وَقَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي رِوَايَته لتنحى لَهُم عَن الطَّرِيق وَمعنى زحل وَتَنَحَّى وَاحِد. ٢١٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا وقف الْعباد لِلْحسابِ جَاءَ قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دَمًا فازدحموا على بَاب الْجنَّة فَقيل من هَؤُلاءِ قيل الشُّهَدَاء كَانُوا أَحيَاء مرزوقين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِسْنَاده حسن (٢). قوله: عن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "الشهداء ثلاثة رجل خرج بنفسه وماله ... إلى قوله ... ويوضع على رأسه تاج الوقار والخلد" التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر تجعله على رؤوسها ولهذا قال ﵇ "العمائم تيجان العرب" (٣) وفي جامع الترمذي

стр. 4286

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه" (١). قوله ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن ﵇ أو لنبي من الأنبياء لزحل لهم عن الطريق" ومعنى زحل تنحى وقال الأصبهاني في روايته لتنحى لهم عن الطريق ومعنى زحل وتنحى واحد قاله المنذري، وقال غيره زحل أي تنحى وزال عن مكانه وبه سمي زحل لبعده كذا قاله الأزهري وغيره (٢). ٢١٢٩ - وَعَن نعيم بن همار ﵁ أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ أَي الشُّهَدَاء أفضل قَالَ الَّذين إِن يلْقوا فِي الصَّفّ لَا يلفتون وُجُوههم حَتَّى يقتلُوا أُولَئِكَ ينطلقون فِي الغرف الْعلَا من الْجنَّة ويضحك إِلَيْهِم رَبهم وَإِذا ضحك رَبك إِلَى عبد فِي الدُّنْيَا فَلَا حِسَاب عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى ورواتهما ثِقَات (٣). قوله: وعن نعيم بن همار ﵁[ويقال: ابن هبار، ويقال: ابن هدار، ويقال: ابن خمار، ويقال: ابن حمار، الغطفاني من غطفان بن سعد بن قيس
следующие страницы →