← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4282–4321 · переход к 4287.

стр. 4282

وَفرق بِكَسْر الرَّاء أَي خَائِف وجزع. والممصمصة بِضَم الْمِيم الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَكسر الثَّالِثَة وبصادين مهملتين هِيَ الممحصة المكفرة. قوله: وعن عتبة بن عبد الله السلمي، عتبة بن عبد الله السلمي [هو أبو الوليد، عتبة بن عبد السلمي. وقال ابن عبد البر: عتبة بن عبد وهو عتبة بن عبد الندر. وقال: قد قيل إنهما اثنان، ومال إلى القول الأول. وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين، وكذلك أبو حاتم الرازي. وهذا عتبة كان اسمه عتلة، فسماه النبي ﷺ عتبة. شهد خيبر. روى عنه ابنه يحيى، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة، وخالد بن معدان، وغيرهم. مات بحمص سنة سبع وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي (١)]. قوله ﷺ : "القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد الممتحن" الحديث، الممتحن هو المشروح صدره ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) أي: شرحها ووسعها قاله المنذري، وقيل: اختبرها وأخلصها،

стр. 4283

أ. هـ، وقال شمر: الممتحن هو المصفى المهذب (١) يقال: محنت الفضة إذا صفيتها وخلصتها بالنار قاله في النهاية (٢). قوله ﷺ : "ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل"، قوله "فرق" أي خاف وجزع كذا قاله المنذري؛ قوله "فتلك ممصمصة"، والممصمصة هي الممحصة المكفرة قاله المنذري، وقال الهروي في الغريبين (٣)، معنى ممصمصة أي مطهرة غاسلة من دنس الذنوب، وأصله من الموص وهو الغسل، وقال ابن الأثير والأصمعي: يقال ممصمص إناءه إذا جعل فيه الماء وحركه ليتنظف وإنما انتهى والقتل مذكر لأنه أراد معنى الشهادة أو خصلة ممصمصة فأقام الصفة مقام الموصوف قاله في النهاية (٤) والمعنى أن القتل في سبيل الله يطهر من الذنوب كما يمصمص الإناء بالماء فانظر إلى الثاني الذي قاتل خوفا على نفسه من ذنوبه وخطاياه كيف غفر الله له ومحيت ذنوبه وأدخل الجنة (٥). قوله: وفي رواية لأحمد فذلك المفتخر في خيمة الله تحت عرشه" الخيمة معروفة ومنه خيم بالمكان أي أقام فيه وسكنه فاستعارها لظل رحمة الله

стр. 4284

ورضاه [وأمنه] بصدقة الحديث الآخر [الشهيد] في ظل الله وظل عرشه قاله في النهاية (١). ٢١٢٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّهَدَاء ثَلَاثَة رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله لَا يُرِيد أَن يُقَاتل وَلَا يقتل يكثر سَواد الْمُسلمين فَإِن مَاتَ أَو قتل غفرت لَهُ ذنُوبه كلهَا وأجير من عَذَاب الْقَبْر ويؤمن من الْفَزع ويزوج من الْحور الْعين وحلت عَلَيْهِ حلَّة الْكَرَامَة وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار والخلد وَالثَّانِي خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسبا يُرِيد أَن يقتل وَلَا يقتل فَإِن مَاتَ أَو قتل كَانَت ركبته مَعَ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ بَين يَدي الله ﵎: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ (٢) وَالثَّالِث خرج بِنَفسِهِ وَمَاله محتسبا يُرِيد أَن يقتل وَيقتل فَإِن مَاتَ أَو قتل جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة شاهرا سَيْفه وَاضعه على عَاتِقه وَالنَّاس جاثون على الركب يَقُول أَلا أفسحوا لنا فَإنَّا قد بذلنا دماءنا وَأَمْوَالنَا لله ﵎. قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قَالَ ذَلِك لإِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ أَو لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء لزحل لَهُم عَن الطَّرِيق لما يرى من وَاجِب حَقهم حَتَّى يَأْتُوا مَنَابِر من نور تَحت الْعَرْش فيجلسوا عَلَيْهَا ينظرُونَ كيفَ يقْضى بَين النَّاس لَا يَجدونَ غم الْمَوْت وَلَا يغتمون فِي البرزخ وَلَا تفزعهم الصَّيْحَة وَلَا يهمهم الْحساب وَلَا الْمِيزَان وَلَا الصِّرَاط ينظرُونَ كيفَ يقْضى بَين النَّاس

стр. 4285

وَلَا يسْأَلُون شَيْئا إِلَّا أعْطوا وَلَا يشفعون فِي شَيْء إِلَّا شفعوا فِيهِ ويعطون من الْجنَّة مَا أَحبُّوا ويتبوؤون من الْجنَّة حَيْثُ أَحبُّوا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ والأصبهاني وَهُوَ حَدِيث غَرِيب (١). زحل بالزاي والحاء الْمُهْملَة كَذَا فِي رِوَايَة الْبَزَّار وَقَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي رِوَايَته لتنحى لَهُم عَن الطَّرِيق وَمعنى زحل وَتَنَحَّى وَاحِد. ٢١٢٨ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا وقف الْعباد لِلْحسابِ جَاءَ قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دَمًا فازدحموا على بَاب الْجنَّة فَقيل من هَؤُلاءِ قيل الشُّهَدَاء كَانُوا أَحيَاء مرزوقين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِسْنَاده حسن (٢). قوله: عن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "الشهداء ثلاثة رجل خرج بنفسه وماله ... إلى قوله ... ويوضع على رأسه تاج الوقار والخلد" التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر تجعله على رؤوسها ولهذا قال ﵇ "العمائم تيجان العرب" (٣) وفي جامع الترمذي

стр. 4286

عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه" (١). قوله ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن ﵇ أو لنبي من الأنبياء لزحل لهم عن الطريق" ومعنى زحل تنحى وقال الأصبهاني في روايته لتنحى لهم عن الطريق ومعنى زحل وتنحى واحد قاله المنذري، وقال غيره زحل أي تنحى وزال عن مكانه وبه سمي زحل لبعده كذا قاله الأزهري وغيره (٢). ٢١٢٩ - وَعَن نعيم بن همار ﵁ أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ أَي الشُّهَدَاء أفضل قَالَ الَّذين إِن يلْقوا فِي الصَّفّ لَا يلفتون وُجُوههم حَتَّى يقتلُوا أُولَئِكَ ينطلقون فِي الغرف الْعلَا من الْجنَّة ويضحك إِلَيْهِم رَبهم وَإِذا ضحك رَبك إِلَى عبد فِي الدُّنْيَا فَلَا حِسَاب عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى ورواتهما ثِقَات (٣). قوله: وعن نعيم بن همار ﵁[ويقال: ابن هبار، ويقال: ابن هدار، ويقال: ابن خمار، ويقال: ابن حمار، الغطفاني من غطفان بن سعد بن قيس

стр. 4287

عيلان، وقيل: من غطفان جذام الشامي. له صحبة روى عنه قيس الجذامي، وأبو إدريس الخولاني، وسعيد بن عبد العزيز]. قوله: "ويضحك إليهم ربهم وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه" قال القاضي عياض (١) ﵀: الضحك هنا استعارة في حق الله لأنه لا يجوز عليه الضحك: المعروف في حقنا لأنه إنما يصح من الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحالات والله منزه عن ذلك، وإنما المراد بذلك الرضى بفعل العبد والثواب عليه وحمد فعله ومحبته لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره به وبره لمن يلقاه، قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة الله تعالى الذين يوجههم لقبض روحه وإدخاله الجنة كما يقال قتل السلطان فلانا أي أمره بقتله والله أعلم. ٢١٣٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أفضل الْجِهَاد عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يلتقون فِي الصَّفّ الأول فَلَا يلفتون وُجُوههم حَتَّى يقتلُوا أُولَئِكَ يتلبطون فِي الغرف من الْجنَّة يضْحك إِلَيْهِم رَبك وَإِذا ضحك إِلَى قوم فَلَا حِسَاب عَلَيْهِم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). يتلبطون مَعْنَاهُ هُنَا يضطجعون وَالله أعلم.

стр. 4288

٢١٣١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أول ثَلَاثَة يدْخلُونَ الْجنَّة الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرُونَ الَّذين تتقى بهم المكاره إِذا أمروا سمعُوا وأطاعوا وَإِن كَانَت لرجل مِنْهُم حَاجَة إِلَى السُّلْطَان لم تقض لَهُ حَتَّى يَمُوت وَهِي فِي صَدره وَإِن الله ليدعو يَوْم الْقِيَامَة الْجنَّة فتأتي بزخرفها وَزينتهَا فَيَقُول أَيْن عبَادي الَّذين قَاتلُوا فِي سبيلي وَقتلُوا وأوذوا وَجَاهدُوا فِي سبيلي ادخُلُوا الْجنَّة فيدخلونها بِغَيْر حِسَاب وَتَأْتِي الْمَلائِكَة فيسجدون فَيَقُولُونَ رَبنَا نَحن نُسَبِّح بحَمْدك اللَّيْل وَالنَّهَار ونقدس لَك من هَؤُلاءِ الَّذين آثرتهم علينا فَيَقُول الرب هَؤُلاءِ عبَادي الَّذين قَاتلُوا فِي سبيلي وأوذوا فِي سبيلي فَتدخل عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة من كل بَاب سَلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنعم عُقبى الدَّار رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ بِإِسْنَاد حسن لَكِن مَتنه غَرِيب (١). ٢١٣٢ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أخْبركُم عَن الأجود الأجود الله الأجود الأجود وَأَنا أَجود ولد آدم وأجودهم من بعدِي رجل علم علما فنشر علمه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده وَرجل جاد بِنَفسِهِ لله حَتَّى يقتل رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ (٢).

стр. 4289

قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم. قوله ﷺ : "أفضل الجهاد عند الله يوم القيامة الذين يلتقون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف من الجنة" الحديث، يتلبطون معناه هنا يضطجعون وقال في النهاية (١) أي يتمرغون ومنه حديث ماعز "لا تسبوه فإنه يتلبط الجنة" ومنه حديث أم إسماعيل: جعلت تنظر إليه يتلوي ويتلبط، وتقدم معنى الضحك في الحديث قبله. ٢١٣٣ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ عَن النَّبِي ﷺ مثئل حَدِيث قبله وَمَتنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للشهيد عِنْد الله سبع خِصَال أَن يغْفر لَهُ فِي أول دفْعَة من دَمه وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة ويحلى حلَّة الْإِيمَان ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الْأَكْبَر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوتة مِنْهُ خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج ثِنْتَيْنِ وَسبعين زَوْجَة من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين إنْسَانا من أَقَاربه رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن (٢).

стр. 4290

قوله: وعن عبادة بن الصامت ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن للشهيد عند الله سبع خلال" أي: خصال، والخلة بالفتح الخصلة، وفي الرواية الأخرى [سقط هنا نحو ثلاث كلمات]. قوله: "أن يغفر له في أول دفعة من دمه" قال الحافظ (١): الدفعة بضم الدال المهملة هي الدفعة من الدفع وغيره أ. هـ، أي: في أول قطرة من الدم، وقيل: الدفعة بالضم ما دفع من إناء أو سقاء فانصب بمرة وكذلك الدفعة من المطر وغيره (٢) مثل الدفقة بالقاف يقال: جاء القوم دفعة واحدة بالضم إذا دخلوا بمرة واحدة، وقال غيره: الدفعة بالفتح المرة الواحدة من الدفع وهو الإزالة بقوة (٣) فلا يصح هاهنا إنما المراد الأول (٤) ويبينه رواية [يغفر له] في أول دفعة من دمه، أ. هـ. قوله ﷺ : "ويأمن من الفزع الأكبر" الفزع الأكبر: قيل هو إذا أطبقت النار على أهلها أعاذنا الله منها ومن كل عذاب في الدنيا والآخرة، وقيل: هو النفخ في الصور، وقيل: هو حين يعرض على النار، وقيل: هو حين يذبح الموت (٥) وتقدم ذكر ذلك.

стр. 4291

قوله: "ويوضع على رأسه تاج الوقار" أي: العزة، وقيل: الوقار [الحلم والرزانة]، والتاج: هو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر [وفى] حديث "العمائم تيجان العرب" التيجان جمع تاج وقد توجته إذا ألبسته التاج العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرأس، القلانس والعمائم فيهم قليلة (١). قوله ﷺ "ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين" ويحتمل أن المراد من ينزل له منهن عند خروج روحه ومن يزوج بهن يوم القيامة في الجنة (٢). ٢١٣٤ - وَعَن الْمِقْدَام بن معد يكرب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ للشهيد عِنْد الله سِتّ خِصَال يغْفر لَهُ فِي أول دفْعَة وَيرى مَقْعَده من الْجنَّة ويجار من عَذَاب الْقَبْر ويأمن من الْفَزع الْأَكْبَر وَيُوضَع على رَأسه تَاج الْوَقار الياقوتة مِنْهُ خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ويزوج اثْنَتَيْنِ وَسبعين من الْحور الْعين ويشفع فِي سبعين من أَقَاربه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح غَرِيب (٣). الدفعة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْفَاء وَهِي الدفقة من الدَّم وَغَيره.

стр. 4292

قوله: وعن المقدام بن معد يكرب ﵁ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة" تقدم تفسيره في الحديث الذي قبله. قوله: "ويشفع في سبعين من أقاربه" فإنهما أنه ارتفعت درجته حتى صار من الشافعين والحمد لله رب العالمين. قوله: "ويجار من عذاب القبر" أي يحفظ منه. ٢١٣٥ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ شَيْء أحب إِلَى الله من قطرتين وأثرين قَطْرَة دموع من خشيَة الله وقطرة دم تهراق فِي سَبِيل الله وَأما الأثران فأثر فِي سَبِيل الله وَأثر فِي فَرِيضَة من فَرَائض الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١). قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين ... وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله" هو الذي يقوم فتنفطر قدماه أو يصوم فينحل بدنه ويصفر لونه من أثر العبادة وتقدم الكلام على ذلك قريبا أبسط من هذا. ٢١٣٦ - وَعَن مُجَاهِد عَن يزِيد بن شَجَرَة وَكَانَ يزِيد بن شَجَرَة ﵁ مِمَّن يصدق قَوْله فعله خَطَبنَا فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم مَا أحسن

стр. 4293

نعْمَة الله عَلَيْكُم ترى من بَين أَخْضَر وأحمر وأصفر وَفِي الرِّجَال مَا فِيهَا وَكَانَ يَقُول إِذا صف النَّاس للصَّلَاة وصفوا لِلْقِتَالِ فتحت أَبْوَاب السَّمَاء وأبواب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وزين الْحور الْعين واطلعن فَإِذا أقبل الرجل قُلْنَ اللَّهُمَّ انصره وَإِدْا أدبر احْتَجِبْنَ مِنْهُ وقلن اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ فانهكوا وُجُوه الْقَوْم فدى لكم أبي وَأمي وَلَا تخزوا الْحور الْعين فَإِن أول قَطْرَة تنضح من دَمه تكفر عَنهُ كل شَيْء عمله وَينزل إِلَيْهِ زوجتان من الْحور الْعين يمسحان التُّرَاب عَن وَجهه ويقولان فدانا لَك وَيَقُول فدانا لَكمَا ثمَّ يكسى مائَة حلَّة من نسج بني آدم وَلَكِن من نبت الْجنَّة لَو وضعن بَين أصبعين لوسعن وَكَانَ يَقُول نبئت أَن السيوف مَفَاتِيح الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيقين إِحْدَاهمَا جَيِّدَة صَحِيحَة (١). وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْبَعْث إِلَّا أَنه قَالَ فَإِن أول قَطْرَة تقطر من دم أحدكُم يحط الله عَنهُ بهَا خطاياه كمَا يحط الْغُصْن من ورق الشّجر وتبتدره اثْنَتَانِ من الْحور الْعين وتمسحان التُّرَاب عَن وَجهه ويقولان فدانا لَك وَيَقُول فدانا لَكمَا فيكسى مائَة حلَّة لَو وضعت بَين أُصْبُعِي هَاتين لوسعتاهما لَيست من نسج بني آدم وَلكنهَا من نبَات الْجنَّة مكتوبون عِنْد الله بأسمائكم وسماتكم الحَدِيث (٢).

стр. 4294

رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن يزِيد بن شَجَرَة مَرْفُوعا مُخْتَصرا (١)، وَعَن جدان أَيْضا مَرْفُوعا وَالصَّحِيح الْمَوْقُوف مَعَ أَنه قد يُقَال إِن مثل هَذَا لَا يُقَال من قبل الرَّأْي فسبيل الْمَوْقُوف فِيهِ سَبِيل الْمَرْفُوع وَالله أعلم (٢). وَيزِيد بن شَجَرَة بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم مفتوحتين قيل لَهُ صُحْبة وَلَا يثبت وَالله أعلم (٣). وانهكوا وُجُوه الْقَوْم هُوَ بِكَسْر الْهَاء بعد النُّون أَي أجهدوهم وابلغوا جهدهمْ والنهك الْمُبَالغَة فِي كل شَيْء. قوله: وعن مجاهد [هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيمس بن الحارث، وهو تابعي، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.

стр. 4295

روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث. قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة]. قوله: عن يزيد بن شجرة قال المنذري: قيل له صحبة ولا يثبت والله أعلم. وقال غيره هو يزيد بن شجرة الرهاوي ورهاء قبيلة من مدلج مختلف في صحبته وقد ذكره الحافظ الذهبي في تجريد الصحابة وقال له صحبة ورواية (١) والله أعلم. قوله: "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ما أحسن نعمة الله عليكم ترى من بين أخضر وأحمر وأصفر وفي الرجال ما فيها" الرجال بالحاء المهملة أي في البيوت والمنازل قال الرهاوي ومنه الحديث "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" يعني في الدور والمساكن والمنازل وهي جمع رحل يقال لمنزل

стр. 4296

الإنسان ومسكنه رحله وانتهينا إلى رحالنا أي منازلنا قاله في النهاية (١). قوله: "فانهكوا وجوه القوم" انهكوا هو بكسر الهاء بعد النون أي اجهدوهم وأبلغوا جهدهم والنهك المبالغة في كل شيء قاله المنذري يقال في الحث على القتال انهكوا وجوه القوم أي ابلغوا جهدكم في قتالهم. قوله: "ولا تخزوا الحور العين" الحديث يقول لا تجعلوهن يستحيين من فعلكم وتقصيركم في الجهاد وقد يكون الخزي بمعنى الهلاك والوقوع في البلية ومنه الحديث "شارب الخمر شارب الخمر أخزاه" ويروى خزاه أي قهره يقال منه يخزي قاله في النهاية (٢) بمعنى الحديث لا تجعلهن يستحيين من فعلكم وبالغوا في قتال القوم أي غير مستحيين مأخوذ من الخزاية وهي الاستحياء. قوله: "وينزل إليه زوجتان من الحور العين يمسحان التراب عن وجهه ويقولان فدانا لك ويقول فدانا لكما" فدانا هو بفتح الألف وتخفيف النون مقصور أي حان لك يقال أنا الشيء إذا حان وقته والله أعلم. قوله: "وكان يقول نبئت أن السيوف مفاتيح الجنة" نبئت أي أخبرت قال ابن النحاس عفا الله عنه: جعلت السيوف في هذا الحديث مفاتيح الجنة لأنها سبب في فتح أبوابها لكونها إذا أشهرت في سبيل الله عند التقاء الصفين تفتح أبواب الجنة (٣).

стр. 4297

فائدة: وفي حديث آخر في المعنى عن مجاهد قال: قام يزيد بن شجرة في أصحابه فقال: إنه قد أصبحت عليكم، وأمسيت من بين أخضر وأحمر وأصفر، وفي البيوت ما فيها، فإذا لقيتم العدو غدا فقدما قدما، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما تقدم رجل من خطوة إلا تقدم إليه الحور العين، فإن تأخر استترن منه، وإن استشهد، كانت أول نضحة كفارة الخطايا، وينزل الله من الحور العين ثنتين، فتنفضان عنه التراب، ويقولان: مرحبا، قد آن لك ويقول: مرحبًا: قد آن لكما" رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل وكذا رواه ابن الأثير في أسد الغابة ورواه أيضا ابن أبي شيبة موقوفا مختصرا بإسناد صحيح وكذا رواه عبد الرزاق موقوفا بإسناد صحيح (١). قوله: "قدما قدما" هو بضم القاف والدال قال الجوهري (٢) ومعناه التحريض

стр. 4298

على القتال قال أهل اللغة: يقال مضى قدما إذا لم يعرج ولم ينثني (١). قوله: "قد أنى لك" بفتح الألف وتخفيف النون مقصور أي حان (٢) وتقدم الكلام على الحديث قبله. فائدة أخرى: غزا قوم في سبيل الله فلما صافوا عدوهم واقتتلوا رأى كل واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السماء وهي تستدعي صاحبها إليه وتحثه على القتال فقتلوا كلهم إلا واحدا وكان كلما قتل منهم واحد أغلق باب وغابت منه المرأة فأفلت آخرهم فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي وقالت ما فاتك يا شقي فكان يبكي على حاله إلى أن مات ولكنه أورثه ذلك طول الاجتهاد والحزن والأسف. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كان من ليلى على الهجر طاويا (٣) ٢١٣٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ ذكر الشَّهِيد عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَا تَجف الأَرْض من دم الشَّهِيد حَتَّى تبتدره زوجتاه كَأَنَّهُمَا ظئران أظلتا فصيليهما فِي براح من الأَرْض وَفِي يَد كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حلَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة شهر بن حَوْشَب (٤).

стр. 4299

الظِّئْر بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة سَاكنة هِيَ الْمُرْضع وَمَعْنَاهُ أَن زوجتيه من الْحور الْعين تبتدرانه وتحنوان عَلَيْهِ وتظلانه كمَا تحنو النَّاقة الْمُرْضع على فصيلها وَيحْتَمل أَن يكون أضلتا بالضاد فَيكون النَّبِي ﷺ شبه بدارهما إِلَيْهِ باللهفة والحنو والشوق كبدار النَّاقة الْمُرْضع إِلَى فصيلها الَّذِي أضلته وَيُؤَيّد هَذَا الاحْتِمَال قَوْله فِي براح من الأَرْض وَالله أعلم. والبراح بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة هِيَ الأَرْض المتسعة لَا زرع فِيهَا وَلَا شجر. قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أظلتا فصيليهما في براح من الأرض" قال الحافظ (١) الظئر بكسر الظاء المعجمة بعدها همزة ساكنة هي المرضه. اهـ قال صاحب المغيث (٢): الظئر يقع على الذكر والأنثى وأصله التعطف وفي حديث إبراهيم ﷺ إن له ظئرا يتم رضاعه في الجنة، الظئر المرضعة غير ولدها وتقع على الذكر والأنثى والاسم الظئار والظئار أن تعطف الناقة على غير ولدها وكانوا إذا أرادوا ذلك سدوا أنف الناقة وعينيها وحشوا في جيابها خرقة ثم حلوه بخلالين وتركوها كذلك يوما فتظن أنها قد مخضت بولادة فإذا غمها ذلك وأكربها نفسوا عنها وأخرجوا الخرقة من جيابها ويكونون قد

стр. 4300

أعدوا لها حوارا من غيرها فيلطخونه بتلك الخرقة ويقدمونه ثم يفتحون أنفها وعينيها فإذا رأت الحوار وشمته ظنت أنه ولدته [فترأمه] وتعطفت عليه اهـ قاله في النهاية (١) ومعنى الحديث أن زوجتيه من الحور العين تبتدرانه وتحنوان عليه وتظلانه كما تحنوا الناقة المرضع على فصيلها قاله الحافظ (٢) وقال غيره معنى الحديث إن زوجتى الشهيد من الحور العين تبتدرانه قبل أن يجف دمه كما تبتدر الناقة المرضع ولدها الضال إذا وجدته مع شدة شوقها إليه في أرض متسعة ليس لها شيء يحول بينه وبينها من بناء ولا غيره (٣). قوله ﷺ : "أضلتا فصيلها في براح من الأرض" أضلتا بالضاد غير المشالة، وقال بعضهم: هو بالطاء، والفصيل ولد الناقة قبل أن يفصل عنها، والبراح بفتح الباء الموحدة وبالحاء المهملة هي الأرض المتسعة لا زرع فيها ولا شجر، قال الحافظ (٤): ويحتمل أن يكون أصلها بالضاد فيكون النبي ﷺ شبه بدارهما إليه باللهفة والحنو والشوق كبدار الناقة المرضع إلى فصيلها الذي أضلته، ويؤيد هذا الاحتمال قوله "في براح من الأرض"، والله أعلم، ا. هـ، وقال غيره: معناه أن زوجتيه من الحور العين يحنوان عليه ويظلانه كما تحنو الناقة على فصيلها، وتظله من الشمس وغيرها في أرض

стр. 4301

ليس فيها ما يقيه ذلك الحر من ماء أو شجر ونحو ذلك (١)، أ. هـ. ٢١٣٨ - وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الشُّهَدَاء أَرْبَعَة رجل مُؤمن جيد الْإِيمَان لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَاك الَّذِي يرفع النَّاس إِلَيْهِ أَعينهم يَوْم الْقِيَامَة هَكَذَا وَرفع رَأسه حَتَّى وَقعت قلنسوته فَلَا أَدْرِي قلنسوة عمر أَرَادَ أم قلنسوة النَّبِي ﷺ قَالَ وَرجل مُؤمن جيد الْإِيمَان لَقِي الْعَدو فَكَأَنَّمَا ضرب جلده بشوك طلح من الْجُبْن أَتَاهُ سهم غرب فَقتله فَهُوَ فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَرجل مُؤمن خلط عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَلِك فِي الدرجَة الثَّالِثَة وَرجل مُؤمن أسرف على نَفسه لَقِي الْعَدو فَصدق الله حَتَّى قتل فَذَلِك فِي الدرجَة الأولى رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (٢). القلنسوة هُوَ مَا يلبس فِي الرَّأْس. والطلح بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام نوع من الْأَشْجَار ذِي الشوك. والجبن بِضَم الْجِيم وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ الْخَوْف وَعدم الْإِقْدَام. وَسَهْم غرب غرب بِالْإِضَافَة أَيْضا وبسكون الرَّاء وتحريكها فِي كليهمَا أَيْضا أَرْبَعَة وُجُوه هُوَ الَّذِي لَا يدرى راميه وَلَا من أَيْن جَاءَ.

стр. 4302

قوله: وعن عمر بن الخطاب ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الشهداء أربعة" الحديث"رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو" فذكره إلى أن قال "ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته" قال الحافظ (١) ﵀: القلنسوة هو ما يلبس في الرأس، وقال غيره: البرنس بضم الباء الموحدة وسكون الواو وضم النون ثوب رأسه منه ملتزق به قلنسوة طويلة، قال الجوهري (٢): كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، اهـ قوله "ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن" والطلح نوع من الأشجار والشوك والجبن هو الخوف وعدم الإقبال على الشيء قاله المنذري. قوله ﷺ : "أتاه سهم غرب فقتله" هو الذي لا يدري راميه ولا من أين جاء، قاله المنذري، قوله سهم غرب على النعت هو بفتح الراء وسكونها قال أبو زيد فبالفتح إذا رمى شيئًا فأصاب غيره وبسكونها إذا أتى السهم من حيث لا يدري، وقال الكسائي والأصمعي: إنما هو سهم غرب بفتح الراء مضاف الذي لا يعرف راميه فإذا عرف فليس بغرب، قال أبو عبيد: والمحدثون يسكنون الراء والفتح أجود، وقال ابن سراج وبالإضانة مع فتح الراء ولا تضاف مع سكونها، ومنه سهم غرض وحجر غرض، قاله القاضي عياض (٣)، أ. هـ.

стр. 4303

٢١٣٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وعشيا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الشُّهَدَاء على بارق نهر بِبَاب الْجنَّة فِي قبَّة خضراء يخرج عَلَيْهِم رزقهم من الْجنَّة بكرَة وعشيا" والنهر بالفتح والسكون لغتان واحد الأنهار، وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر﴾ (٢) أي أنهار وقد يعبر بالواحد عن الجمع كما قال تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٣) أ. هـ. ٢١٤٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما أُصِيب إخْوَانكُمْ جعل الله أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة تَأْكُل من ثمارها وتأوي إِلَى قناديل من ذهب معلقَة فِي ظلّ الْعَرْش فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد وَلَا ينكلُوا عَن الْحَرْب فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أبلغهم عَنْكُم

стр. 4304

قَالَ فَأنْزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (١). إِلَى آخر الْآيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢). ينكلُوا مُثَلّثَة الْكَاف أَي يجبنوا ويتأخروا عَن الْجِهَاد. قوله: وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لما أُصِيب إخْوَانكُمْ جعل الله أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر ترد أَنهَار الْجنَّة تَأْكُل من ثمارها" وفي هذا الحديث دليل على أن الأرواح باقية لَا تفنى فينعم المحسن ويعذب المسيء، وتقدم الكلام على ذلك أوضح من هذا. قوله: "فَلَمَّا وجدوا طيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ، قَالُوا: من يبلغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنا أَحيَاء فِي الْجنَّة نرْزق؟ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد وَلَا ينكلُوا عَن الْحَرْب" الحديث، "ينكلوا" مثلثة الكاف أي يجيئوا ليلا ويتأخروا عن الجهاد قاله المنذري، وهذا الحديث صريح في أكلها وشربها وحركتها وانتقالها وكلامها، وإذا كان هذا شأن الأرواح فتميزها بعد المفارقة يكون أظهر من تمييز الأبدان والاشتباه بينها أبعد من اشتباه البدر فإن الأبدان تشتبه كثيرًا، وأما الأرواح فقلما تشتبه قاله ابن قيم الجوزية (٣).

стр. 4305

تنبيه: في أراوح الشهداء هل تكون في السماء أو في الأرض؟ فالجواب: أنها تسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش كما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود، وروي الإمام أحمد (١) بإسناد حسن عن ابن عباس رفعه "أراوح الشهداء على باب نهر على باب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا" ولا مغايرة بين الحديثين أن النهر على باب الجنة والقناديل المعلقة بالعرش، أيضًا تحمل على أنها بجوار الجنة، وأما ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رفعه: "أن كل ميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي" (٢) الحديث، فلا ينافي الحديث المذكور أيضًا لأنه محمول على غير الشهداء، وأما على عمومه والمراد بالمقعد المستقرئ في القيامة كالقصر ونحوه، فذلك لا يحصل دخوله، والاستقراء فيه إلا يوم القيامة وهذا هو المعتمد والله أعلم قاله قاضي القضاة شيخ الإسلام ابن حجر (٣). وقد اختلف الناس في الروح ما هي اختلافا كثيرا لا يكاد ينحصر، فقال كثير من العلماء: هي مما لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٤)، وقال جمهور الأطباء: هي البخار اللطيف السائر في البدن،

стр. 4306

قيل: هو الدم والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن فإذا فارقته مات، وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة، وقال بعض متقدمي أئمتنا: هو جسم لطيف متصور على صورة الإنسان داخل الجسم، وقال بعض مشايخنا وغيرهم: إنه النفس الداخل والخارج، وقال آخرون: هو الدم، هذا ما نقله القاضي، قال القاضي: واختلفوا في النفس والروح، فقيل: هما بمعنى، قيل: لفظان لمسمى واحد، وقيل: إن النفس هي الداخل والخارج (١). ٢١٤١ - وَعَن رَاشد بن سعد ﵁ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله مَا بَال الْمُؤمنِينَ يفتنون فِي قُبُورهم إِلَّا الشَّهِيد قَالَ كفى ببارقة السيوف على رَأسه فتْنَة رَوَاهُ النَّسَائِيّ (٢). قوله: وَعَن رَاشد بن سعد ﵁[هو راشد بن سعد المقرائي. تابعي جليل القدر، يعد في الشاميين، سمع ثوبان، ويعلي بن مرة روى عنه ثور، وصفوان بن عمرو، والمقرائي: بضم الميم، وسكون القاف، وفتح الراء، وكسر الهمزة، وقيل: هو بفتح الميم، نسبة إلى مقرا قرية بدمشق "والحبراني" بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وفتح الراء نسبة إلى حبران بطن من حمير. قال الأثرم عن أحمد لَا بأس به وقال الدارمي عن ابن معين ثقة وكذا قال أبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد هو أحب إلي من مكحول وقال المفضل الغلابي من أثبت أهل

стр. 4307

الشام وقال ابن سعد كان ثقة. مات سنة (١٠٨) وقال الدارقطني لا بأس به إذا لم يحدث عنه متروك وله ذكر في الجهاد من صحيح البخاري. قلت وذكره ابن حبان في الثقات وقال مات سنة (١١٣) وكذا أرخه أبو عبيد وخليفة والحربي وابن قانع وقال أبو حاتم والحربي لم يسمع من ثوبان وقال الخلال عن أحمد لا ينبغي أن يكون سمع منه وقال أبو زرعة راشد بن سعد عن سعد بن أبي وقاص مرسل قلت وفي روايته عن أبي الدرداء نظر وذكر الحاكم أن الدارقطني ضعفه وكذا ضعفه بن حزم وقد ذكر البخاري أنه شهد صفين مع معاوية]. قوله: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، مَا بَال الْمُؤمنِينَ يفتنون فِي قُبُورهم إِلَّا الشَّهِيد؛ الحديث، قد ثبت أن المرابط في سبيل الله لا يفتن في قبره، فالشهيد أولى وأحرى لأنه أفضل منه، وما نال المرابط ما ناله من الفضل إلا بتعرضه للشهادة وتوقعه لها فكيف لا يعطي ذلك الفضل من نالها (١). قوله: "كفى ببارقة السيوف على رَأسه فتْنَة" الحديث، بارقة السيوف: هو ظلها الذي يقع على الأرض وغيرها، وقال في النهاية (٢): هو لمعانها، يقال: برق سيفه وأبرق إذا لمع به، ومنه حديث عمار"الجنة تحت البارقة"، أي: تحت السيوف ومعنى قوله "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" أن الفتنة في القبر بسؤال الملكين إنما هي لاختبار ما عند المرء من حقيقة الإيمان

стр. 4308

والتصديق، ولا شك أن من وقف للقتال وراء السيوف تلمع وتقطع والأسنة تبرق وتخرق والسهام ترشق وتمزق والرءوس تندر والدماء تثغب، والأعضاء تتطاير والثاس بين قتيل وجريح وطريح فثبت على ذلك ولم يول الدبر ولم ينهزم وجاء بنفسه لله تعالى إيمانا وتصديقا بوعده ووعيده كما وصف الله تعالى المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ (١) فيكفيه هذا امتحانا واختبارًا وفتنة إذ لو كان عنده شك وارتياب لولى الدبر وذهل عما هو واجب عليه من الثبات داخله الشك والارتياب كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿غُرُورًا﴾ (٢) فيكفي الشهيد هذا الامتحان من سؤال الفتان كما قاله ابن النحاس (٣)، وقال القرطبي في التذكرة: معناه أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان وبرقت السيوف فروا لأن من شأن المنافق الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل والتسليم لله نفسا وهيجان حمية الله والتعصب له لإعلاء كلمته فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر قاله الترمذي الحكيم (٤)، قال أبو عبد الله

стр. 4309

القرطبي في التذكرة: وإذا كان الشهيد لا يفتن فالصديق أجل خطرًا وأعظم أجرًا، فهو أحرى أن لا يفتن لأنه المقدم ذكره في التنزيل على الشهداء في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ (١) وقد جاء في المرابط الذي هو أقل مرتبة من الشهيد أنه لا يفتن، فكيف بمن هو أعلى مرتبة منه ومن الشهيد؟ فتأمله (٢) والله تعالى أعلم. ٢١٤٢ - وَعَن أنس ﵁ أَن رجلا أسود أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله ﷺ إِنِّي رجل أسود منتن الرّيح قَبِيح الْوَجْه لَا مَال لي فَإِن أَنا قَاتَلت هَؤُلاءِ حَتَّى أقتل فَأَيْنَ أَنا قَالَ فِي الْجنَّة فقاتل حَتَّى قتل فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ فَقَالَ قد بيض الله وَجهك وَطيب رِيحك وَأكْثر مَالك وَقَالَ لهَذَا أَو لغيره لقد رَأَيْت زَوجته من الْحور الْعين نازعته جُبَّة لَهُ من صوف تدخل بَينه وَبَين جبته رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٣). قوله: وروى عَن أنس ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: أَن رجلا أسود أَتَى النَّبِي ﷺ . قال عفا الله عنه: اسم هذا الأسود الذي أتى النبي ﷺ (جُعال) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة، وذكره الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الصحابة، وروي هذا الحديث بنحوه في ترجمته من حديث ابن عمر ولفظه: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله،

стр. 4310

أرأيت إن قاتلت بين يديك حتى أقتل، يدخلني ربي الجنة ولا يحقرني؟ قال: "نعم، قال: فكيف وأنا منتن الريح، أسود اللون، خسيس في العشيرة؟، ومضى، فقاتل، فاستشهد، فمر به رسول الله ﷺ فقال: "الآن طيب الله ريحك، يا جعال، وبيض وجهك" (١). ٢١٤٣ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أن النَّبِي ﷺ مر بخباء أَعْرَابِي وَهُوَ فِي أَصْحَابه يُرِيدُونَ الْغَزْو فَرفع الأعرَابِي نَاحيَة من الخباء فَقَالَ من الْقَوْم فَقيل رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه يُرِيدُونَ الْغَزْو فَقَالَ هَل من عرض الدُّنْيَا يصيبون قيل لَهُ نعم يصيبون الْغَنَائِم ثمَّ تقسم بَين الْمُسلمين فَعمد إِلَى بكر لَهُ فاعتقله وَسَار مَعَهم فَجعل يدنو ببكره إِلَى رَسُول الله ﷺ وَجعل أَصْحَابه يذودون بكره عَنهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دعوا لي النجدي فوالذي نَفسِي بِيَد إِنَّه لمن مُلُوك الْجنَّة قَالَ فَلَقوا الْعَدو فاستشهد فَأخْبر بذلك النَّبِي ﷺ فَأَتَاهُ فَقعدَ عِنْد رَأسه مُسْتَبْشِرًا أَو قَالَ مَسْرُورا يضْحك ثمَّ أعرض عَنهُ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله رَأَيْنَاك مُسْتَبْشِرًا تضحك ثمَّ أَعرَضت عَنهُ فَقَالَ أما مَا رَأَيْتُمْ من استبشاري أَو قَالَ سروري فَلَمَّا رَأَيْت من كَرَامَة روحه على الله وَأما إعراضي عَنهُ فَإِن زَوجته من الْحور الْعين الْآن عِنْد رَأسه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام علي ابن عمر. قوله: أن النبي ﷺ مر بخباء أعرابي. الخباء بكسر المعجمة وخفة

стр. 4311

الموحدة وبالمد خيمة من وبر أو صوف وهي على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت، قاله الكرماني (١)، والأعرابي: بفتح الهمزة هو الذي يسكن البادية وتقدم ذكر ذلك. قوله: فقال: "هل من عرض الدنيا يصيبون قيل له: نعم، يصيبون الغنائم ثم تقسم بين المسلمين" العرض بفتح العين والراء ما يقتنى من المال وغيره، وتقدم ذكر ذلك في السؤال في الصدقة؟ قوله: "فعمد إلى بكر له فاعتقله وسار معهم" الحديث عمد بفتح الميم معناه قصد، وهذا الحديث بمفرده دليل واضح على ما ذكرناه في الذي يجاهد ونيته وجه الله ونيل الغنيمة فإن في الحديث التصريح بقصد الغزو، وقد أخبر النبي ﷺ بكرامة روحه على الله تعالى وأنه من ملوك الجنة وحسبك بهذا شرفا وفضلا غير أن من كان قصده مشوبا بإرادة الغنيمة والميل إليها لا يساوي من ليس إليها التفات البتة كما تقدم أن نيل الغنيمة منقص لأجر أكثر الغزاة وإن لم ينووها لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ "ما من غزية أو سرية في سبيل الله فيصيبون ويغنمون" الحديث، ولأجل ما في نيل الغنيمة من شائبة نقص الأجر كان جماعة يتعففون عن المغنم منهم إبراهيم بن أدهم كان إذ غزى لم ينل من المغنم شيئا فيقال له: أتشك في أنه حلال؟ فيقول: إنما الزهد في الحلال، ذكره ابن النحاس (٢)، وذكر صاحب شفاء

стр. 4312

الصدور حديثا غريبا عن أبي الدرداء قال: بلغني أن رسول الله ﷺ مر عليه علقمة اليهودي وهو شاب جميل فقال له النبي ﷺ : "يا علقمة، لو كان لك مع جمالك إسلام لكمل لك أمرك، ألا تتقي الله على حسن صورتك" قال: فقال: يا رسول الله إن أسلمت فما لي، قال: "أزوجك سبعين من الحور العين" قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فخرج رسول الله ﷺ إلى غزوة وخرج معه علقمة فقاتل بين يديه حتى استشهد فقال النبي ﷺ لأبي بكر وعمر: "ائتيا لي خيمة من سعف" وقال: "لا يدخل عليّ أحد" فدخل النبي ﷺ في الخيمة وعليه جبة له فسمع أبو بكر وعمر جلبة كجلبة الخيل فقام عمر وأخذ سيفه، فقال له أبو بكر: لا يا عمر نهى رسول الله ﷺ أن يدخل عليه أحد فخرج رسول الله ﷺ قد انقطعت أزرار جبته وقد شقوها من خلفه فقال: "هل سمعتم شيئًا" فقال عمر نعم يا رسول الله قد سمعنا جلبة كجلبة الخيل فأخذت سيفي ظننت أن العدو أتاك فحبسني أبو بكر، فقال: إن تلك الجلبة التي سمعتها الحور العين اقتتلوا عليه حتى أوفيته سبعين حوراء فهن شققن عليّ جبتي (١). فائدة: واعلم أن الحور العين قد يتراءين للجريح إذا أغمي عليه بشارة له بأن الله تعالى قد أفاض خلعة الشهادة عليه وقد يتراءين في اليقظة لبعض المجاهدين ليبذل جهده ويكون من المستشهدين (٢)، وأما من تراءين له

стр. 4313

في المنام فكثير لا تحصره الأقلام (١) والله أعلم وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي، أنه أتى النبي ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه الغنم فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع فيها؟ فقال: "اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها". فقام الأسود، فأخذ حفنة من حصى، ورمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لَا أصبحك بعدها أبدا، فرجت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به إلى النبي ﷺ وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم أعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟ فقال ﷺ : "إن معه الآن زوجتيه من الحور العين، ينفضان التراب عن وجهه، ويقولان: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك". قال أبو عمرو: إنما رد رسول الله ﷺ الغنم إلى الحصن، لأن ذلك كان مصالحا عليه، أو كان قبل حل الغنائم. ذكره في حياة الحيوان (٢). قوله ﷺ : "دعوا لي النجدي " قال الجوهري: ونجد من بلاد العرب، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد (٣)، قال الرافعي: اليمن تشتمل

стр. 4314

على نجد وتهامة. وكذلك الحجاز وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز (١). ٢١٤٤ - وَعَن أنس ﵁ أَن أم الرّبيع بنت الْبَراء ﵂ وَهِي أم حَارِثَة بنت سراقَة أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله ﷺ أَلا تُحَدِّثنِي عَن حَارِثَة وَكَانَ قتل يَوْم بدر فَإِن كَانَ فِي الْجنَّة صبرت وَإِن كَانَ غير ذَلِك اجتهدت عَلَيْهِ بالبكاء فَقَالَ يَا أم حَارِثَة إِنَّهَا جنان فِي الْجنَّة وَإِن ابْنك أصَاب الفردوس الأعْلَى رَوَاهُ البُخَارِيّ (٢). قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله "أن أم الربيع بنت البراء ﵂ هي أم حارثة بنت سراقة الأنصارية". قوله: فقال يا أم حارثة إنها جنان في الجنة" أي إن جنته جنان في الجنة. قوله "وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" الفردوس هو البستان الذي يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات وقال الضحاك: الفردوس هو الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد وقال: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف بالأشجار والأغلب عليه العنب وجمعه الفراديس قال وبهذا سمي باب الفراديس بالشام والفردوس الأعلى وجنة الفردوس وهو اسم يقال على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها ومنه

стр. 4315

تتفجر الأنهار وفي الحديث "الفردوس ربوة الجنة أي أرفعها" الربوة بالضم والفتح وهو ما ارتفع من الجنة قاله في النهاية (١). "قوله أم الربيع" بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء المكسورة مصغر كذا في جميع النسخ وهذا وهم والصحيح أن يقول الربيع بنت النضر وهي أم حارثة بن سراقة عمة البراء لابنته قال الدارقطني: الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك أم حارثة بن سراقة المستشهد ببدر والبراء هذا هو [أخو] أنس بن مالك بن النضر اهـ قاله عياض (٢). وكذا قاله ابن الأثير (٣) في جامع الأصول الذي جاء في كتب النسب وأسماء الصحابة [أن أم حارثة بن سراقة هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك] وكذا الربيع بنت [معوذ] بياء التصغير وأمها أم الربيع ومن عداهما الربيع بالفتح. ٢١٤٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عجب رَبنَا ﵎ من رجل غزا فِي سَبِيل الله فَانْهَزَمَ يَعْنِي أَصْحَابه فَعلم مَا عَلَيْهِ فَرجع حَتَّى أهريق دَمه فَيَقُول الله لملائكته انْظُرُوا إِلَى عَبدِي رَجَعَ رَغْبَة فِيمَا عِنْدِي وشفقة مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أهريق دَمه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَطاء بن السَّائِب عَن مرّة عَنهُ (٤).

стр. 4316

٢١٤٦ - وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَتقدم لَفظهمْ فِي قيام اللَّيْل (١). وَتقدم فِيهِ أَيْضا حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ عَن النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة يُحِبهُمْ الله ويضحك إِلَيْهِم ويستبشر بهم الَّذِي إِذا انكشفت فِئَة قَاتل وَرَاءَهَا بِنَفسِهِ لله فإمَّا أَن يقتل وَإِمَّا أَن ينصره الله ويكفيه فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عَبدِي هَذَا كيفَ صَبر لي بِنَفسِهِ الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "عجب ربنا ﵎ من رجل غزا في سبيل الله فانهزم يعني أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمه" الحديث قيل معناه عظم ذلك عنده وكثر وكبر لديه وقيل رضي وأثاب فسماه عجبا مجازا والله لا تخفى عليه أسباب الأشياء، والعجب ما خفى سببه ولم يعلم وقال ابن فورك (٣): العجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم وأن الله يعظم من أخبر عنه فإنه يعجب منه ويرضى عنه وتقدم أيضا الكلام على ذلك في قيام الليل.

стр. 4317

٢١٤٧ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ جَاءَ أنَاس إِلَى النَّبِي ﷺ أَن ابْعَثْ مَعنا رجَالًا يعلمونا الْقُرْآن وَالسّنة فَبعث إِلَيْهِم سبعين رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُم الْقُرَّاء فيهم خَالِي حرَام يقرؤون الْقُرْآن وَيَتَدَارَسُونَهُ بِاللَّيْلِ يتعلمون وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يجيئون بِالْمَاءِ فيضعونه فِي الْمَسْجِد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون بِهِ الطَّعَام لأهل الصّفة وللفقراء فبعثهم النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم فعرضوا لَهُم فَقَتَلُوهُمْ قبل أَن يبلغُوا الْمَكَان فَقَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا قَالَ وأتى رجل حَرَامًا خَال أنس من خَلفه فطعنه بِرُمْح حَتَّى أنفذه فَقَالَ حرَام فزت وَرب الْكَعْبَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن إخْوَانكُمْ قد قتلوا وَإِنَّهُم قَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ. ٢١٤٨ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ قَالَ أنس ﵁ أنزل فِي الَّذين قتلوا ببئر مَعُونَة قُرْآن قرأناه ثمَّ نسخ بعد بلْغُوا قَومنَا أَنا قد لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا ورضينا عَنْهُ (١). قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله "جاء أناس إلى النبي ﷺ أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام بن ملحان يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد" الحديث معناه يضعونه في المسجد سبيلا لمن

стр. 4318

أراد استعماله لطهارة أو شرب أو غيره وفيه جواز وضعه في المسجد وقد كانوا أيضا يضعون أعذاق التمر لمن أرادها في المسجد في زمن النبي ﷺ ولا خلاف في جواز هذا وفضله. قوله "ويحتطبون" أي يجمعون الحطب "فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء" والقراء جمع قارئ وسموا به لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم وكانوا من أورع الناس ومن أوزاع وقصته أن عامر بن مالك قدم على رسول الله ﷺ قبل إسلامه فقال: لو بعثت إلي أهل نجد بعثًا لاستجابوا لك فقال رسول الله ﷺ أخاف عليهم فقال: أنا جار لهم فابعثهم فبعث رسول الله ﷺ رجلا من قراء الصحابة وفضلائهم وجعل أميرهم المنذر بن عمرو الساعد فلما نزلوا بئر معونة بعثوا إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله ﷺ فلم ينظر فيه وقتل رسولهم وجاء بطائفة من قبائل عصية ورعل وذكوان على بعث رسول الله ﷺ فقتلوا أكثرهم قاله الكرماني (١)، وقيل: لم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري، وأما أهل الصفة ففقراء الغرباء المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي ﷺ ، وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه قاله إبراهيم الحربي والقاضي، وأصله من صفة البيت وهي شيء كالظلة قدامه (٢).

стр. 4319

قوله: "فبعثهم النبي ﷺ إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان" الحديث، قال: فدعا النبي ﷺ على من قتلهم أربعين صباحا، وفي رواية: "شهرا"، [قاله في أهل بئر معونة] ومعونة بفتح الميم وضم العين في أرض بني سليم فيما بين مكة والمدينة [وبني سليم بين مكة وعسفان بأرض هذيل]، فإما الغين المعجمة فموضع قريب من المدينة قاله في النهاية (١)، وكانت هذه الوقعة بعد الهجرة في أول السنة الرابعة، وفي هذا الحديث فضل الصدقة وفضل الاكتساب من الحلال لها، وفيه: جواز الصفة في المسجد، وفيه: جواز المبيت فيه بلا كراهة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. قوله ﷺ : "إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا" الحديث؛ قوله "إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا" بكسر إن للحال أو للعطف في هذا الحديث أيضًا فضيلة ظاهرة للشهداء وثبوت الرضى منهم ولهم وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) قال العلماء: أي بطاعته ورضوا عنه بما أكرمهم به وأعطاهم إياه من الخيرات والرضي من الله تعالى إفاضة الخير والإحسان والرحمة فيكون من صفات الأفعال وهو أيضًا بمعنى إرادته فيكون من صفات الذات (٣). قال أنس أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نسخ بعد بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، رفع بعد ذلك أي نسخ تلاوته،

стр. 4320

قال الكرماني (١): قلت القرآن المنسوخ يجوز نقله بالمعنى والله أعلم. ٢١٤٩ - وَعَن مَسْرُوق ﵁ قَالَ سَأَلنَا عبد الله عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٢) فَقَالَ أما أَنا فقد سَأَلنَا عَن ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر لَهَا قناديل معلقَة بالعرش تسرح من الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطلع عَلَيْهِم رَبهم اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون شَيْئا قَالُوا أَي شَيْء نشتهي وَنحن نَسْرَح من الْجنَّة حَيْثُ شِئْنَا فَفعل ذَلِك بهم ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لن يتْركُوا من أَن يسْأَلُوا قَالُوا يَا رب نُرِيد أَن ترد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك مرّة أُخْرَى فَلَمَّا رأى أَن لَيْسَ لَهُم حَاجَة تركُوا رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (٣). قوله: وعن مسروق ﵁، مسروق هو ابن [الأجدع، بالجيم ودال مهملة، ابن مالك بن أمية بن عبد الله الهمدانى الكوفى التابعى المخضرم. روى عن أبي بكر الصديق، وعثمان، وعلى. وسمع عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، والمغيرة، وعائشة، رضى الله عنهم. روى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وسليم بن أسود، وابن الضحى، والشعبي، والنخعي، والسبيعي، وعبد الله بن مرة،

стр. 4321

وعبيد الله ابن عبد الله بن عقبة، وآخرون. واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته، قال الشعبي: ما علمت أحدا كان أطلب للعلم من مسروق. وقال مرة: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال علي بن المديني: لا أقدم على مسروق أحدا من أصحاب ابن مسعود، وصلى خلف أبي بكر، ولقى عمر وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئا. وقال أبو داود: كان أبو مسروق أفرس فارس باليمن، وهو ابن أخت عمرو بن معدى كرب، وقال عمر بن الخطاب لمسروق: ما اسمك؟ قال: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الأجدع شيطان"، أفت مسروق بن عبد الرحمن. قال الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن، وكان مسروق يصلى حتى تورمت قدماه. قال أبو سعد السمعانى: كان مسروق سرق في صغره، فغلب عليه ذلك. توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة ثلاث وستين، رحمه الله تعالى (١)]. [قوله:] سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (٢) [قال المازري] كذا جاء، عبد الله غير منسوب قال أبو علي الغساني: من الناس من ينسبه فيقول عبد الله بن عمرو، وذكره [أبو مسعود] الدمشقي في مسند ابن مسعود، قال القاضي عياض (٣): ووقع في بعض النسخ من صحيح مسلم عبد الله بن مسعود [قال]
следующие страницы →