← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4317–4356 · переход к 4322.

стр. 4317

٢١٤٧ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ جَاءَ أنَاس إِلَى النَّبِي ﷺ أَن ابْعَثْ مَعنا رجَالًا يعلمونا الْقُرْآن وَالسّنة فَبعث إِلَيْهِم سبعين رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُم الْقُرَّاء فيهم خَالِي حرَام يقرؤون الْقُرْآن وَيَتَدَارَسُونَهُ بِاللَّيْلِ يتعلمون وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يجيئون بِالْمَاءِ فيضعونه فِي الْمَسْجِد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون بِهِ الطَّعَام لأهل الصّفة وللفقراء فبعثهم النَّبِي ﷺ إِلَيْهِم فعرضوا لَهُم فَقَتَلُوهُمْ قبل أَن يبلغُوا الْمَكَان فَقَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا قَالَ وأتى رجل حَرَامًا خَال أنس من خَلفه فطعنه بِرُمْح حَتَّى أنفذه فَقَالَ حرَام فزت وَرب الْكَعْبَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن إخْوَانكُمْ قد قتلوا وَإِنَّهُم قَالُوا اللَّهُمَّ أبلغ عَنَّا نَبينَا أَنا قد لقيناك فرضينا عَنْك ورضيت عَنَّا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ. ٢١٤٨ - وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ قَالَ أنس ﵁ أنزل فِي الَّذين قتلوا ببئر مَعُونَة قُرْآن قرأناه ثمَّ نسخ بعد بلْغُوا قَومنَا أَنا قد لَقينَا رَبنَا فَرضِي عَنَّا ورضينا عَنْهُ (١). قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله "جاء أناس إلى النبي ﷺ أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام بن ملحان يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد" الحديث معناه يضعونه في المسجد سبيلا لمن

стр. 4318

أراد استعماله لطهارة أو شرب أو غيره وفيه جواز وضعه في المسجد وقد كانوا أيضا يضعون أعذاق التمر لمن أرادها في المسجد في زمن النبي ﷺ ولا خلاف في جواز هذا وفضله. قوله "ويحتطبون" أي يجمعون الحطب "فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء" والقراء جمع قارئ وسموا به لأنهم كانوا أكثر قراءة من غيرهم وكانوا من أورع الناس ومن أوزاع وقصته أن عامر بن مالك قدم على رسول الله ﷺ قبل إسلامه فقال: لو بعثت إلي أهل نجد بعثًا لاستجابوا لك فقال رسول الله ﷺ أخاف عليهم فقال: أنا جار لهم فابعثهم فبعث رسول الله ﷺ رجلا من قراء الصحابة وفضلائهم وجعل أميرهم المنذر بن عمرو الساعد فلما نزلوا بئر معونة بعثوا إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله ﷺ فلم ينظر فيه وقتل رسولهم وجاء بطائفة من قبائل عصية ورعل وذكوان على بعث رسول الله ﷺ فقتلوا أكثرهم قاله الكرماني (١)، وقيل: لم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري، وأما أهل الصفة ففقراء الغرباء المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي ﷺ ، وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه قاله إبراهيم الحربي والقاضي، وأصله من صفة البيت وهي شيء كالظلة قدامه (٢).

стр. 4319

قوله: "فبعثهم النبي ﷺ إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان" الحديث، قال: فدعا النبي ﷺ على من قتلهم أربعين صباحا، وفي رواية: "شهرا"، [قاله في أهل بئر معونة] ومعونة بفتح الميم وضم العين في أرض بني سليم فيما بين مكة والمدينة [وبني سليم بين مكة وعسفان بأرض هذيل]، فإما الغين المعجمة فموضع قريب من المدينة قاله في النهاية (١)، وكانت هذه الوقعة بعد الهجرة في أول السنة الرابعة، وفي هذا الحديث فضل الصدقة وفضل الاكتساب من الحلال لها، وفيه: جواز الصفة في المسجد، وفيه: جواز المبيت فيه بلا كراهة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. قوله ﷺ : "إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا" الحديث؛ قوله "إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا" بكسر إن للحال أو للعطف في هذا الحديث أيضًا فضيلة ظاهرة للشهداء وثبوت الرضى منهم ولهم وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) قال العلماء: أي بطاعته ورضوا عنه بما أكرمهم به وأعطاهم إياه من الخيرات والرضي من الله تعالى إفاضة الخير والإحسان والرحمة فيكون من صفات الأفعال وهو أيضًا بمعنى إرادته فيكون من صفات الذات (٣). قال أنس أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نسخ بعد بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، رفع بعد ذلك أي نسخ تلاوته،

стр. 4320

قال الكرماني (١): قلت القرآن المنسوخ يجوز نقله بالمعنى والله أعلم. ٢١٤٩ - وَعَن مَسْرُوق ﵁ قَالَ سَأَلنَا عبد الله عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (٢) فَقَالَ أما أَنا فقد سَأَلنَا عَن ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَرْوَاحهم فِي جَوف طير خضر لَهَا قناديل معلقَة بالعرش تسرح من الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ تأوي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطلع عَلَيْهِم رَبهم اطلاعة فَقَالَ هَل تشتهون شَيْئا قَالُوا أَي شَيْء نشتهي وَنحن نَسْرَح من الْجنَّة حَيْثُ شِئْنَا فَفعل ذَلِك بهم ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لن يتْركُوا من أَن يسْأَلُوا قَالُوا يَا رب نُرِيد أَن ترد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك مرّة أُخْرَى فَلَمَّا رأى أَن لَيْسَ لَهُم حَاجَة تركُوا رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا (٣). قوله: وعن مسروق ﵁، مسروق هو ابن [الأجدع، بالجيم ودال مهملة، ابن مالك بن أمية بن عبد الله الهمدانى الكوفى التابعى المخضرم. روى عن أبي بكر الصديق، وعثمان، وعلى. وسمع عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، والمغيرة، وعائشة، رضى الله عنهم. روى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وسليم بن أسود، وابن الضحى، والشعبي، والنخعي، والسبيعي، وعبد الله بن مرة،

стр. 4321

وعبيد الله ابن عبد الله بن عقبة، وآخرون. واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته، قال الشعبي: ما علمت أحدا كان أطلب للعلم من مسروق. وقال مرة: ما ولدت همدانية مثل مسروق. وقال علي بن المديني: لا أقدم على مسروق أحدا من أصحاب ابن مسعود، وصلى خلف أبي بكر، ولقى عمر وعليا، ولم يرو عن عثمان شيئا. وقال أبو داود: كان أبو مسروق أفرس فارس باليمن، وهو ابن أخت عمرو بن معدى كرب، وقال عمر بن الخطاب لمسروق: ما اسمك؟ قال: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الأجدع شيطان"، أفت مسروق بن عبد الرحمن. قال الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن، وكان مسروق يصلى حتى تورمت قدماه. قال أبو سعد السمعانى: كان مسروق سرق في صغره، فغلب عليه ذلك. توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة ثلاث وستين، رحمه الله تعالى (١)]. [قوله:] سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (٢) [قال المازري] كذا جاء، عبد الله غير منسوب قال أبو علي الغساني: من الناس من ينسبه فيقول عبد الله بن عمرو، وذكره [أبو مسعود] الدمشقي في مسند ابن مسعود، قال القاضي عياض (٣): ووقع في بعض النسخ من صحيح مسلم عبد الله بن مسعود [قال]

стр. 4322

النووي (١): وكذا وقع في نسخ [بلادنا] المعتمدة ولكن لم يقع منسوبا إلى معظمها، وذكر خلف الواسطي والحميدي وغيرهما في مسند ابن مسعود وهو الصواب، وهذا الحديث مرفوع لقوله إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ . قوله: "فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت" هذا الحديث في صحيح مسلم، وفي غير مسلم بطير خضر، وفي حديث آخر لحواصل طير، وفي الموطأ "إنما نسمة المؤمن طير" والنسمة تطلق على ذات الإنسان جسما وروحا وتطلق على الروح مفردة وهو المراد بها هنا لتفسيرها في الحديث بالروح ولعلمنا بأن الجسم يفنى ويأكله التراب، وفي حديث آخر عن قتادة: "الروح في صورة طير أبيض" قال القاضي: كل هذا من المجوزات فإذا أراد الله تعالى أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد في قناديل أجواف طير أو حيث شاء كان ذلك ووقع ولم يبعد لاسيما مع القول بأن الأرواح أجسام لطيفة (٢). قوله "تسرح من الجنة حيث شاءت" أي: الأرواح تتنعم وتردد في ثمار الجنة كما تسرح الإبل في مراعيها (٣) انتهى. قوله ﷺ : "فاطلع عليهم ربهم إطلاعة" فقال: "هل تشتهون شيئا؟ " ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب

стр. 4323

نريد أن ترد أرواحنا أي: الأرواح، في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى" الحديث، هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم ما لا يخطر على قلب بشر ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدا على ما أعطاهم فسألوا حين رأوا أنه لابد من سؤال أن ترجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا نفوسهم في الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله (١) والله أعلم. ٢١٥٠ - (٢) وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه سَأَلَ جِبْرَائِيل ﵇ عَن هَذِه الآيَة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) من الَّذين لم يشإ الله أَن يصعقهم قَالَ هم شُهَدَاء الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٤). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه سأل جبرائيل ﵇ عن هذه الآية ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم شهداء الله، الصعق [أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما مات منه، ثم استعمل في الموت كثيرًا]. ٢١٥٢ - وَعَن عَامر بن سعد ﵁ عَن أَبيه أَن رجلا جَاءَ إِلَى الصَّلاة وَالنَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي فَقَالَ حِين انْتهى الصَّفّ اللَّهُمَّ آتني أفضل مَا تؤتي عِبَادك

стр. 4324

الصَّالِحين فَلَمَّا قضى النَّبِي ﷺ الصَّلَاة قَالَ من الْمُتَكَلّم آنِفا فَقَالَ الرجل أَنا يَا رَسُول الله قَالَ إِذا يعقر جوادك وتستشهد رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: وعن عامر بن سعد ﵁ عن أبيه [هو عامر بن سعد بن أبي وقاص القريشي الزهري المدني التابعي، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم، رضى الله عنهم. روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين. واتفقوا على توثيقه. توفى بالمدينة سنة ثلاث، وقيل: سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك (٢)]. قوله: أن رجلا جاء إلى الصلاة والنبي ﷺ يصلي فقال حين انتهى الصف اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى الضبي ﷺ الصلاة قال من المتكلم آنفا فقال الرجل أنا يا رسول الله، آنفا أي قريبا. قوله: "إذا يعقر جوادك وتستشهد" تقدم معنى الجواد، وتقدم الكلام على الشهيد وفضائل الشهادة، ذهب بعض العلماء إلى أن الميت [في سبيل الله والمقتول سواء].

стр. 4325

الترهيب من أن يموت الإنسان ولم يغز ولم ينو الغزو وذكر أنواع من الموت تلحق أربابها بالشهداء والترهيب من الفرار من الطاعون ٢١٥٣ - عَن أبي عمرَان ﵁ قَالَ كنَّا بِمَدِينَة الرّوم فأخرجوا إِلَيْنَا صفا عَظِيما من الرّوم فَخرج إِلَيْهِم من الْمُسلمين مثلهم أَو أَكثر وعَلى أهل مصر عقبَة بن عَامر ﵁ وعَلى الْجَمَاعَة فضَالة بن عبيد ﵁ فَحمل رجل من الْمُسلمين على صف الرّوم حَتَّى دخل بَينهم فصاح النَّاس وَقَالُوا سُبْحَانَ الله يلقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة فَقَامَ أَبُو أَيُّوب فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم لتأولون هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا نزلت هَذِه الآيَة لبَعض سرا دون رَسُول الله ﷺ إِن أَمْوَالنَا قد ضَاعَت وَإِن الله تَعَالَى قد أعز الْإِسْلَام وَكثر ناصروه فَلَو أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا وأصلحنا مَا ضَاعَ مِنْهَا فأنْزل الله تَعَالَى على نبيه ﷺ مَا يرد علينا مَا قُلْنَا وللفقراء فِي سَبِيل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) وَكَانَت التَّهْلُكَة الإِقَامَة على الأمْوَال وإصلاحها فِينَا معشر الْأَنْصَار لما أعز الله الْإِسْلَام وَكثر ناصروه فَقَالَ بَعْضنَا وَتَركنَا الْغَزْو فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب شاخصًا فِي سَبِيل الله حَتَّى دفن بِأَرْض الرّوم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب صَحِيح (٢).

стр. 4326

قوله: عن أبي عمران ﵁[هو أسلم بن يزيد التجيبي المصري: مولى عميرة بن تميم بن جدّ التجيبي، يكنى أبا عمران. يحدث عن أبي أيوب الأنصاري، وعقبة بن عامر، وهبيب بن مغفل، وعبد الله بن عمرو، ومسلمة بن مخلّد، وأم سلمة، وصفية "زوجى النبي ﷺ "، حدث عنه يزيد بن أبي حبيب، وسعيد بن أبي هلال، وعبد الله بن عياض، وكان وجيها بمصر في أيامه، وكانت الأمراء يسألونه في أمورهم وقال النسائي: ثقة وقال العجلي: "مصري تابعي ثقة" وذكره ابن حبان في الثقات (١)]. قوله: كنا بمدينة الروم، المراد بمدينة الروم القسطنطينية، بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم طاء ثانية مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة تحتها ونون مكسورة وبعدها ياء ثانية ثم هاء ساكنة، أعظم مدائن الروم بالقرب من بلاد كسري بناها قسطنطين ملك الروم وهو [أول من تنصر] من ملوك الروم فنسبت المدينة إليه (٢)، وثم أخرى في بلاد من بلاد إفريقية أ. هـ. وتقدم الكلام عليها في أوائل هذا التعليق في دخول الحمام مبسوطًا.

стр. 4327

قوله: فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، والروم هم بنو الأصفر وهو الروم بن عيصو (١) بن إسحاق بن إبراهيم كذا قال بعضهم، وقال أبو إسحاق إبراهيم الحربي: نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﷺ (٢)، وقيل: إنما سموا بني الأصفر لكثرة أموالهم وإنما يقال ذلك لملوكهم، وقيل: لأن أباهم كان أصفر في بياض فسموا به، وقيل: اسم رجل أسود ملكهم فنكح من نسائهم فولد له ولد في غاية الحسن فنسب إليه الروم (٣)، وقال ابن الأنباري: سموا بني الأصفر لأن جيشا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادا أصفر من سواد الحبشة وبياض الروم (٤)، قال القاضي عياض (٥): قول الحربي أشبه. قوله: وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ﵁، تقدم الكلام عليه، وعلى الجماعة. فضالة ﵁[هو أبو محمد فضالة بن عبيد بن نافذ، بالمعجمة، ابن قيس بن صهيب بن الأحرم بن جحجبا، بجيمين مفتوحتين بينهما حاء ساكنة وبباء

стр. 4328

موحدة، ابن لفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسى العمري. أول مشاهده أحد، شهدها وما بعدها من المشاهد، ومنها بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر. وسكن دمشق، وولى قضاءها لمعاوية، وأمره على غزو الروم في البحر، روى له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثا، روى مسلم منها حديثين. روى عنه ثمامة بن سعد، وعلي بن رباح، بضم العين، وقيل: بفتحها، وحنش الصنعاني، وسلمة ابن صالح، وعمرو بن مالك، وعبد الله بن محيرز، وآخرون. توفى بدمشق ودفن بباب الصغير سنة ثلات وخمسين، وقيل: سنة تسع وستين، والصحيح الأول، فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعنى يا بنى، فإنك لا تحمل بعده مثله. وتوفى معاوية سنة ستين، وكان لفضالة عقب بدمشق (١)]. قوله: فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، قال في شرح الإلمام: لم أقف على اسم هذا الرجل، وفيه جواز ذلك لمن علم من نفسه غناء ونكاية في العدو وبخلافه عكسه فإنه مخاطرة بالنفس فلو فعل وظن الهلاك فله الفرار ليقوي بالمسلمين وينحاز إلى فئة (٢)، قال ابن عباس:

стр. 4329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4330

"من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر" (١)، وقال البغوي (٢): يريد إذا فر مسلم من كافرين غير منحرف لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستحق الوعيد من الله تعالى وإن كانوا أكثر من اثنين بإزاء المسلم فلا عيب على من فر، ومن فر من اثنين فليس له أن يصلي بالإيماء لأنه عاص كقاطع الطريق وهو من الكبائر، أ. هـ، وحمل الحس تحريم الفرار على يوم بدر خاصة وخالفه الجمهور (٣)، وفي الحديث الحث على الغزو والمداومة عليه والله أعلم. قاله في شرح الإلمام.

стр. 4331

قوله: فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، الحديث، سبحان الله للتعجب، وقد جاء ذكر ذلك كثيرًا وتقدم ذلك في قوله "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس" (١) فيجوز أن يراد الذكر والتعجب ولا يضر ذلك وإن وردت على سبب خاص كما ذكره أبو أيوب، ولا يمنع أن يشار بها إلى ما في معناه فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح لكن لعل أبا أيوب يقصره على سببه كما يقوله آخرون أ. هـ. قوله: يلقي بيده إلى التهلكة، التهلكة: الهلكة والخصلة التي تؤدي إلى الهلاك، وأصل الهلاك السقوط والبطلان بأي شيء كان (٢)، والتهلكة أيضًا لمن ترك الجهاد (٣)، وقال غيره: التقحم فيه بلا نكاية للعدو (٤)، وقيل: العقوبة على ترك الجهاد (٥)، وقيل: ترك التوبة من الناس (٦)، والصحيح الأول (٧).

стр. 4332

قوله: فقام أبو أيوب فقال أيها الناس، فذكر الحديث إلى أن قال: فقال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله ﷺ إن أموالنا قد ضاعت، أراد بالأموال الزرع [والصرف] ضاعت أي بقلة المتعهد. قوله: فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، يقال للرجل إذا أتاه ما يقلقه قد شخص بصره كأنه رفع من الأرض لقلقه وانزعاجه، ومنه شخوص المسافر خروجه عن منزله، ومنه حديث عثمان "إنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو بحضرة عدو أو مسافر" قاله في النهاية (١)، وأبو أيوب: هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي الجليل، شهد العقبة وبدرًا وأحد والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرًا وأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده، روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وخمسون حديثًا اتفق البخاري ومسلم على سبعة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بخمسة، توفي ﵁ بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: غير ذلك، وقبره ﵁ بالقسطنطينية (٢). ٢١٥٤ - وَعَن ابْن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أَذْنَاب الْبَقر ورضيتم بالزرع وتركتم الْجِهَاد سلط الله عَلَيْكُم ذلا لَا

стр. 4333

يَنْزعهُ حَتَّى ترجعوا إِلَى دينكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من طَرِيق إِسْحَاق بن أسيد نزيل مصر (١). قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" الحديث، العينة: بكسر العين المهملة وبالياء المثناة آخر الحروف وبالنون قال البيهقي في الشعب: التبايع بالعينة أن يقول الرجل اشتر كذا وكذا وأنا أشتريه منك بربح كذا وكذا (٢)، أ. هـ. وقال الهروي في الغريبين: العينة أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل أيضا من الثمن فهذا أيضا عينة وهي أهون من الأولى (٣). قال في المفهم (٤): احتج أصحابنا وموافقوهم لأن مسألة العينة ليست بحرام وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلى مقصود الربا بأن

стр. 4334

يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين ثم يشتريه منه بمائة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد: إنه من قبلك عن العينة فإنها أخت الربا (١)، وبيع العينة لها تفاصيل وأمثلة منها الشديد الكراهة فهو مكروه عند الشافعي ومنها المحرم فلم يجزه مالك وأحمد بن حنبل سدا للذريعة، وقال أقضى القضاة الماوردي في الحاوي (٢): سميت عينة لأنها أخذ عين بربح والعين الدراهم والدنانير (٣)، أ. هـ. قوله ﷺ : "وأخذتم أذناب البقر" الحديث، وفي الحديث أيضًا وهو لفظ الحاكم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر" (٤) وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس" (٥) الحديث، وهذا الحديث من معجزات الثبوة فقد وقع ما أخبر به ﷺ فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرط ونحوه (٦) والله أعلم. قوله ﷺ : "ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا" الحديث،

стр. 4335

وفي حديث عمر ﵁: "اتقوا الله في الفلاحين" (١) يعني الزارعين الذين يفلحون الأرض أي يشقونها، والفلح الشق والقطع قاله في النهاية (٢)، وفي نهاية الغريب في باب السين المهملة في الحديث "ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا" (٣) السكة هي الحديدة التي يحرث بها الأرض أي إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن الغزو فيأخذهم السلطان بالمطالبات والجبايات (٤) فالذل هاهنا بما يلزمهم من الحقوق التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين، قال الشاعر: هِيَ العَيْشُ إلَّا أَنَّ فيها مَذلَة ... فمَنْ ذَلَّ قَاسَاهَا ومَنْ عَزَّ بَاعَهَا (٥) قريب من هذا الحديث. قوله جم ﷺ : "العز في نواصي الخيل، والذل في أذناب البقر"، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (٦). وقال ابن النحاس عفا الله عنه: معنى الحديث أن الناس إذا تركوا الجهاد وأقبلوا على الزرع ونحوه تسلط عليهم العدو، ولعدم تأهبهم له واعتدادهم

стр. 4336

لنزوله ورضاهم بما هم فيه من الأسباب فأولاهم ذلا وهوانا لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار والإغلاظ عليهم وإقامة الدين ونصرة الإسلام وأهله وإعلاء كلمة الله وإذلال الكفر وأهله، واستدل بقوله ﷺ "حتى ترجعوا إلى دينكم" (١) على أن ترك الجهاد والإعراض عنه والسكون إلى الدنيا خروج من الدين وكفى به ذنبا وإثما مبينا (٢) والله أعلم. قوله: رواه أبو داود وغيره من طريق إسحاق بن أسيد نزيل مصر، وفي حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره إلى أن قال إذا الناس تبايعوا بالعين واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يرجعوا دينهم (٣)، صححه أبو الحسن القطان، وذكر أنه نقله من كتاب الزهد يعني للإمام أحمد بن حنبل (٤) أشار بذلك إلى

стр. 4337

تغير الأحوال وانقباض النفوس عن ذلك ثم ذكر أمورا تكون في آخر الزمان منها بيع العين وهو بكسر العين المهملة وبالباء المثناة تحت وتقدم ذلك، ومنها: اتباع أذناب البقر والمراد به الحراثة، ويبينه أن في الحديث قبله وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وقال: "سلط الله عليكم ذلا" بدل قوله "بلاء"، ويقويه أن في الصحيح "أن آلة الحرث ما دخلت بيت قوم إلا دخله الذل" فأما العينة والحراثة فإنهما يوجبان الذل والرياء، والحديث يدل على الكراهة الشديدة فيهما للتوعد على ذلك بالبلاء والمراد به الشقاء في الدنيا والذل ومنه الإقبال على الدنيا والإعراض عن الاشتغال بالآخرة، وأما ترك الجهاد فحرام على الكافة لأنه فرض كفاية. قوله: "حتى ترجعوا إلى دينكم" أي: بالتوبة، واعلم أن العقوبة في الدنيا ليرجع المذنب والمسيء بذلك من الرحمة والفضل على المسلم بخلاف الكافر فإنه [ ....... ] وفيه تعظيم التحذير عن الحيل عن أكل الربا فكيف بمن يأكله بالصريح وهو إشارة على حرمة المسلم والنهى عن إيثار الدنيا والبقاء فيها سالما على الآخرة والشهادة ومنه أن ترك الجهاد يلزم منه فساد كثير بترك إعلاء كلمة الله والذب عن الإسلام والمسلمين ولذلك عاجلهم على ذلك العقوبة في الدنيا فمن أصر جمع له بين عقوبة الدنيا والآخرة، ومن رجع سلم وفاز بالجنة والله أعلم قاله في شرح الإلمام. ٢١٥٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث بِهِ نَفسه مَاتَ على شُعْبَة من النِّفَاق رَوَاهُ

стр. 4338

مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" الحديث، الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه، كذا في النهاية (٢)، ومعنى مات على شعبة من نفاق، أي: على قطعة وبعض منه، قال مسلم: قال عبد الله بن المبارك: كنا نرى أي نظن أن ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ ، وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل وقد قال غيره إنه عام، وقيل: الشعبة الخصلة وهي في هذا الحديث فريضة الجهاد للتوعد الشديد على ذلك ولهذا حمله بعضهم على النفاق الحقيقي، وقد يحتمل أن يكون على العموم ويكون معنى هذا أنه تشبه بأخلاق المنافقين التي منها التخلف عن الجهاد، وهذا أحد شعب أخلاق المنافقين (٣)، قال المنذري: ويمكن حمله على الزجر والمبالغة في التحذير من التواني فيه كما في قوله في ترك الصلاة "فقد حبط عمله" "ومن ترك الصلاة فقد كفر" [والناس فيه] على قسمين [قادر] وعاجز، فالقادر مطالب بالفعل، والعاجز مطالب بأنه متى قدر فعل، وأما الذي لا يعمل المأمور به ولا ينويه وخصوصا الجهاد الذي به أعز الفه الإسلام [و] أظهر به الدين حتى علا على الأديار ولو كره الكافرون (٤)، وفيه

стр. 4339

أن من منعه مانع من أداء فرض أو مسارعة إلى ركن من أركان الشريعة أو إلى سنة من السنن المشهورة فتركه عجزا أنه لا يؤاخذ بل يؤجر على نيته وأن العزم على الشيء يدل على فعله إذا لم يتمكن منه (١)، قال النووي (٢): وفي هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله هل يأثم أم لا؟ والصحيح عندهم أنه يأثم في الحج دون الصلاة لأن مدة الصلاة قريبة فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحج، وقيل: يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب، وفيه الحث على الجهاد إن قدر عليه بشرطه. واعلم أنه يخرج عن العهدة بمدة إن لم يحتج إلى غيرها وفيه تمني الشهادة والعزم على الجهاد وإن أدى إلى الفوت، وقد صح في مسلم: "من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه" (٣) فيكتب له أجر شهيد بالنية ويدخل في ذلك من خرج للغزو فمات كما قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤) والحمد لله، أ. هـ.

стр. 4340

٢١٥٦ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من لم يغز أَو يُجهز غازيا أَو يخلف غازيا فِي أَهله بِخَير أَصَابَهُ الله تَعَالَى بقارعة قبل يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة (١). قوله: وعن أبي أمامة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله تعالى بقارعة قبل يوم القيامة" أي: بداهية تهلكه، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية أعاذنا الله منها بفضله وكرمه، ويقال: أقرعه أمر إذا أتاه فجأة، و [معنى] تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج في غزوه ومنه تجهيز العروس وتجهيز الميت قاله في النهاية (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ (٣) أي داهية تقرعهم بما يحل بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في أنفسهم وأموالهم وأولادهم (٤) وسمى الله تعالى القيامة القارعة لأنه تقرع القلوب بهولها (٥) وجمع القارعة قوارع والله أعلم.

стр. 4341

٢١٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من لَقِي الله بِغَيْر أثر من جِهَاد لَقِي الله وَفِيه ثلمة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن رَافع عَن سمي عَن أبي صَالح عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (١). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الله الكلام عليه. قوله ﷺ : "من لقي الله بغير أثر من جهاد" أي: بغير علامة كالجراحة والتعب أو بذل المال. قوله: "لقي الله وفيه ثلمة" الثلمة الموضع المنهدم (٢) أي لقي الله وفي شأنه نقصان، وتقدم ذكرها في كتاب العلم. ٢١٥٨ - (٣) وَعَن أبي بكر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا ترك قوم الْجِهَاد إِلَّا عمهم الله بِالْعَذَابِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٤). قوله: وعن أبي بكر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب" تقدم معناه في أحاديث الباب المتقدمة.

стр. 4342

فصل ٢١٥٩ - عَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا تَعدونَ الشُّهَدَاء فِيكُم قَالُوا يَا رَسُول الله من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد قَالَ إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل قَالُوا فَمن يَا رَسُول الله قَالَ من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ فِي الطَّاعُون فَهُوَ شَهِيد وَمن مَاتَ من الْبَطن فَهُوَ شَهِيد قَالَ ابْن مقسم أشهد على أَبِيك يَعْني أَبَا صَالح أَنه قَالَ والغريق شَهِيد رَوَاهُ مُسلم (١). عن أبي هريرة ﷺ ، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ما تعدون الشهداء فيكم؟ " قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: "إن شهداء أمتي إذا لقليل" قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات من البطن فهو شهيد" وفي رواية مالك وغيره: "وصاحب الهدم شهيد". اعلم أن الشهادة رتبة عظيمة ومنزلة جسيمة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم ولا ينالها إلا من سبق له القدر بالفوز العظيم وهي الرتبة الثالثة من مقام النبوة كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ

стр. 4343

النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) وقد صح من حديث عتبة بن عبد الله أن الشهيد لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة (٢) ولعل ذلك في خواص من الشهداء والآية في عامتهم (٣) والله أعلم. قوله ﷺ "من قتل في سبيل الله فهو شهيد" الشهيد في الأصل من قتل مجاهدا في سبيل الله تعالى ويجمع على شهداء ثم اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي ﷺ من المبطون والمطعون وإخوانهما لأنهم شهداء في أحكام الآخرة لا في أحكام الدنيا والأول شهيد في الدنيا والآخرة (٤)، واختلفوا لما سمي الشهيد شهيدًا فقيل لأن جرحه شاهد له بالقتل في سبيل الله، وقال النضر بن شميل لأنه حي شهدت روحه دار السلام وروح غيره لم تشهدها إلا يوم القيامة وقيل لأن ملائكة الرحمة تشهده وقيل لأنه يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف ولهم خصوصية بالشهادة، قال ابن فارس (٥): والشهيد هو القتيل في سبيل الله قالوا لأن ملائكة الله تشهده وقيل سمي بذلك لشهادته على نفسه لله حين لزمه الوفاء بالبيعة التي بايعه كما في قوله تعالى

стр. 4344

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) قال ابن الأنباري إن الله وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة وقيل لأنه يخرج عند خروج روحه بما أعده الله له من الثواب والكرامة قيل لأنه ملائكة الرحمن يشهدونه فيأخذون روحه وقيل لأن عليه شاهدا يشهد بكونه شهيدا وهو الدم فإنه يبعث يوم القيامة وأوداجه تثغب دما (٢) والأوداج هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج بالتحريك وقيل الودجان عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر (٣). قوله ﷺ "من قتل في سبيل الله فهو شهيد" معناه الشهيد من مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب (٤). قوله "من قتل في سبيل الله فهو شهيد" أي بأي شيء كان كما جرى لأم حرام وغيرها لأنها لم تقاتل ولكنها وقعت عن دابتها فهلكت أي ماتت فهي شهيدة (٥). فائدة: يختم بها الباب في الميت في الجهاد: ذهب بعض العلماء إلى أن

стр. 4345

الميت في سبيل الله والمقتول سواء واستدلوا بحديث أم حرام وقول النبي ﷺ "أنت من الأولين" مع أنها صرعت عن دابتها ولم تقتل وبالأحاديث المتقدمة بقوله ﷺ "من مات في سبيل الله فهو شهيد" وذهب آخرون إلى أن للمقتول في سبيل الله مزية عن الميت بما أصابه في سبيل الله فهو أفضل وهذا أرجح لقول النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة لما سئل أي الجهاد أفضل قال "قال أن يعقر جوادك ويهراق دمك" مع أن المستقر في بديهة العقل عند عامة الناس قديما وحديثا أن المقتول أفضل من الميت وأن من نوى عملا فعمله أفضل ممن نواه ومات ولم يعمله وإن كان له مثل أجره مع أن الميت في سبيل الله وإن كان له أجر الشهداء فإنه يسمى ميتا والمقتول لا يسمى ميتا بل قد نهى الله عن ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (١) وأيضا للمقتول في سبيل الله ثواب ما أصابه من الجراح الذي يأتي يوم القيامة يتفجر دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك والميت لم ينل ذلك وأيضا المقتول في سبيل الله يتمنى الرجعة في الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة ثانية وليس كذلك الميت لقوله ﷺ "ما من نفس تموت لها خير عند الله يسرها أن ترجع إلى الدنيا وإن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد يتمنى أن يرجع فيقتل في الدنيا لما يرى من فضل الشهادة" فإن قيل لفظ الشهيد يشملها قلنا الشهيد حيث أطلق لا يراد به إلا المقتول في سبيل الله، ولو قلنا أن الميت في سبيل الله يتمنى الرجعة أيضا فإنه إنما يتمناها للقتل لا للموت كما جاء

стр. 4346

مصرحا به في جميع ألفاظ هذا الحديث وطرقه وهو يدل على فضل القتل على الموت وأيضا القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب ولم يرد ذلك في الموت وأيضا الميت في سبيل الله يصلى عليه والمقتول لا يغسل ولا يصلى عليه فإن الصلاة عليه شفاعة عند الله تعالى في غفران ذنوبه وقد غفرت [قلت ينتقض هذا بغسل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخصوصا سيد المرسلين ﷺ وإنما ذلك لما يزيله الغسل من غبار الطاعة الكبرى وأتر الشهادة الذي يتميز به الشهيد يوم القيامة بشهادته له وحرارة طيب ريحه إلى غير ذلك قاله كاتبه] فلا يصلى عليه، وأيضا المقتول روحه في جوف طير أخضر في الجنة وليس كذلك الميت، وأيضا الشهيد القتول يشفع ولم يرد ذلك في الميت، وأيضا الشهيد يرى الحور العين قبل أن يجف دمه وليس كذلك الميت فهذه الفضائل كلها يتميز بها المقتول على الميت، والله أعلم ذكره ابن النحاس عفا الله عنه (١)، وإن اشتركا في مطلق الشهادة كما أن الميت في سبيل الله يتميز عن المطعون والمبطون والحريق والغريق وغير ذلك وإن كانوا كلهم شهداء هذا ما يظهر لي من غير تردد (٢). قوله ﷺ : "ومن مات في الطاعون فهو شهيد" وفي الرواية الأخرى "الطاعون شهادة لكل مسلم" والطاعون هو المرض العام وسيأتي الكلام عليه.

стр. 4347

قوله ﷺ : "ومن مات من البطن فهو شهيد" والمبطون هو الذي يموت بمرض بطنه وهو الإسهال، وقيل: هو الذي به استسقاء وانتفاخ البطن وقيل هو الذي يشتكي بطنه، وقيل هو الذي يموت بداء بطنه مطلقا (١) وسيأتي الكلام عليه. قوله: قال ابن مقسم، ابن مقسم اسمه عبد الله. قوله: اشهد على أبيك يعني أبا صالح. فرع: ينزع عن الشهيد الحديد والجلود والجبة المحشوة وما لبس من لباس العادة ويدفن في باقي ثيابه، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينزع عنه شيء من ذلك، لما روى أبو داود أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم (٢) أ. هـ. "أنه قال: والغريق شهيد" أبيك بالباء والياء المثناة في أكثر نسخ بلادنا على أخيك بالخاء وفي بعضها "على أبيك" وهو الصواب كما تقدم، وفي رواية الجلودي "على أخيك" وهو خطأ أيضًا، والصواب "على أبيك" وإنما قاله ابن صقسم لسهيل بن أبي صالح (٣)، وأما الغريق فهو الذي يموت غريقا بالماء (٤)؛ وقوله في رواية مالك وغيره: قال "الشهداء خمسة، ومنهم صاحب

стр. 4348

الهدم شهيد" وهو الذي ينهدم عليه البناء فيموت به، وفي حديث عقبة بن عامر: "خمس من قبض في شيء منهن فهو شهيد" فذكرهم كما سيأتي، وفي حديث جابر بن عتيك: "الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله" (١) قد جاء في حديث آخر في الصحيح: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أجله فهو شهيد" (٢) وغير ذلك، فالجواب عنه: أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد والله أعلم، قاله الكرماني (٣). واعلم أن الشهداء على ثلاثة أقسام، أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا وهو أنه لا يغسل ولا يصلي عليه؛ والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتله بطنه [هو تكرار مع المبطون] والغريق والحريق واللديغ والميت بذات الجنب أو محموما ومن قتله مسلم أو ذمي أو باغ وكذا الميت غريبا وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة ومن عشق فعف فكتم فمات

стр. 4349

فهو شهيد ومن قتل دون ماله أو أهله ممن جاءت الأحاديث بتسميته شهيدًا فهذا يغسل ويصلي عليه [وله في الآخرة ثواب، الشهداء] ولا يلزم أن يكون مثل الأول؛ والثالث: من غل في الغنيمة ومن قاتل رياء وسمعة وقتل والمقتول مدبرا أو شبهة ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدا إذا قتل في حرب الكفار فهذا له حكم الشهيد في الدنيا فلا يغسل ولا يصلي عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة (١)، أ. هـ. فائدة: فإن قيل: فما الحكمة في عدم تغسيل الشهداء والصلاة عليهم؟ قلنا: أما عدم التغسيل فلبقاء أثر الشهادة كما جاء في "دمه لونه لون الدم وريحه ريح المسك" فوجب أن لا تغير أحوالهم تمييزا لهم وشهادة بما نالوا وامتثالا للأمر، وأما عدم الصلاة فلأنها مرتبة على الغسل فلا تصح على من لم يغسل، وتزال عنه النجاسة من الدماء (٢) وغيرها دليله السقط الذي لم يستهل وإذا سقطت الطهارة سقطت الصلاة (٣) وأيضًا فالصلاة على الميت شفاعة له أن يغفر له والشهيد مغفور له أمن من فتنة القبر. تنبيه: [ ....... ] رفع الدرجات ونحوها [ ....... ] أ. قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها، وقد جاء في حديث آخر في الصحيح: "من قتل دون ماله

стр. 4350

فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد" قال العلماء: والمراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلي عليهم (١) كما تقدم. ٢١٦١ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ دَخَلنَا على عبد الله بن رَوَاحَة نعوده فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقُلْنَا رَحِمك الله إِن كُنَّا لنحب أَن تَمُوت على غير هَذَا وَإِن كُنَّا لنَرْجُو لَك الشَّهَادَة فَدخل النَّبِي ﷺ وَنحن نذْكر هَذَا فَقَالَ وفيم تَعدونَ الشَّهَادَة فأرم الْقَوْم وتحرك عبد الله فَقَالَ أَلا تجيبون رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَجَابَهُ هُوَ فَقَالَ نعد الشَّهَادَة فِي الْقَتْل فَقَالَ إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل إِن فِي الْقَتْل شَهَادَة وَفِي الطَّاعُون شَهَادَة وَفِي الْبَطن شَهَادَة وَفِي الْغَرق شَهَادَة وَفِي النُّفَسَاء يَقْتُلهَا وَلَدهَا جمعا شَهَادَة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظ لَهُ ورواتهما ثِقَات (٢). أرم الْقَوْم بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم سكتوا وَقيل سكتوا من خوف وَنَحْوه وَقَوله يَقْتُلهَا وَلَدهَا جمعا مُثَلّثَة الْجِيم سَاكنة الْمِيم أَي مَاتَت وَوَلدهَا فِي بَطنهَا يُقَال مَاتَت الْمَرْأَة بِجمع مُثَلّثَة الْجِيم إِذا مَاتَت وَوَلدهَا فِي بَطنهَا وَقيل إِذا مَاتَت عذراء أَيْضا. قوله: وعن عبادة بن الصامت، تقدم الكلام عليه.

стр. 4351

قوله ﷺ : "وفيم تعدون الشهادة؟ فأرم القوم"، أي: اسكتوا، وقيل: سكتوا من خوف ونحوه، أ. هـ. قال القاضي عياض (١): ورواه بعضهم في غير صحيح مسلم "فأزم" بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم وهو الإمساك وهو صحيح المعنى. قوله ﷺ : "إن في القتل شهادة وفي الطاعون شهادة وفي البطن شهادة" وتقدم تفسير ذلك. قوله ﷺ : "وفي الغرق شهادة" والغرق بكسر الراء هو الذي ينغمس في الماء فيموت، والغرق بفتحهما هو الرسوب في الماء ذكر في شرح مشارق الأنوار، ووقع في البخاري "الغريق" بالياء وكلاهما صحيح يقال لمن غرق غرق فإذا مات غرقا فهو غريق، وقيل: هو الذي غلبه الماء ولم يغرق فإذا غرق غريق منه لحديث "اللهم إني أعوذ بك من الغرق والحرق" والغرق بفتح الراء المصدر قاله في النهاية (٢) ومنه قوله [في الدعاء] "أدعوك دعاء الغريق" الذي يخشى الغرق ويتوقعه (٣). قوله ﷺ : "وفي النفساء يقتلها ولدها جمعا شهادة" قال المنذري جمعا مثلث الجيم ساكنة الميم وكله صحيح ولم يرجح شيئًا، وقال غيره: ضم الجيم أشهر أي إذا ماتت وولدها في بطنها، وقيل: إذا ماتت عذراء أيضًا أ. هـ قاله المنذري، وقال غيره: قيل هي التي تموت حاملا جامعة ولدها في بطنها،

стр. 4352

وقيل: بل من نفاس، وقيل: صغيرة لم تحض، وقيل: هي البكر التي لم تفتض والصحيح الأول، والمعنى أنها ماتت [مع] شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل وبكارة (١). ٢١٦٢ - وَعَن ربيع الْأنْصَارِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ عَاد ابْن أخي جبر الْأنْصَارِيّ فَجعل أَهله يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم جبر لَا تُؤْذُوا رَسُول الله ﷺ بِأَصْوَاتِكُمْ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ دَعْهُنَّ يبْكين مَا دَامَ حَيا فَإِذا وَجب فليسكتن فَقَالَ بَعضهم مَا كُنَّا نرى أَن يكون موتك على فراشك حَتَّى تقتل فِي سَبِيل الله مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أوما الْقَتْل إِلَّا فِي سَبِيل الله إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل إِن الطعْن شَهَادَة والبطن شَهَادَة والطاعون شَهَادَة وَالنُّفَسَاء بِجمع شَهَادَة والحرق شَهَادَة وَالْغَرق شَهَادَة وَذَات الْجنب شَهَادَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٢). قَوْله بِجمع تقدم قبله. إِذا وَجب أَي إِذا مَاتَ. قوله: وعن ربيع الأنصاري ﵁[هو الزرقى قال ابن عبد البر: لَا أقف على نسبه، روى عبد الملك بن عمير (٣)].

стр. 4353

قوله: أن رسول الله ﷺ عاد ابن أخي جبر الأنصاري. جبر بفتح الجيم وبالموحدة الساكنة، وقيل: جابر بن عتيك الأنصاري المدني فقال لهم جبر: لا تؤذوا رسول الله ﷺ بأصواتكم، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يبكين ما دام حيا فإذا وجب فليسكتن" الحديث، سيأتي الكلام على البكاء في حديث جابر بن عتيك قريبا، وأما الوجوب فهو الموت كذا فسره الحافظ (١). قوله ﷺ : "إن الطعن شهادة والبطن شهادة والطاعون شهادة والنفساء بجمع شهادة والحرق شهادة والغرق شهادة وذات الجنب شهادة" تقدم الكلام على تفسير بعض الألفاظ والكلام الآن على الحرق، والحرق هو الذي يموت بحريق النار، والغرق والحرق والشرق ومنه الحديث الآخر: "شهيد" بكسر الراء، وفي رواية "الحريق" أي: الذي يقع في حرق الناس فيلتهب. قوله: "وصاحب ذات الجنب شهيد" وهي قرحة تكون في الجنب باطنا، وقال في النهاية (٢): وذات الجنب هي الديبلة والدمل الكبيرة التي [تظهر] في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسلم صاحبها وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الديبلة إلا أن ذو للمذكر وذات للمؤنث، وصار ذات الجنب علما وإن كانت في الأصل صفة مضافة، أ. هـ.

стр. 4354

٢١٦٣ - وَعَن رَاشد بن حُبَيْش ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ دخل على عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ يعودهُ فِي مَرضه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أتعلمون من الشَّهِيد من أمتِي فأرم الْقَوْم فَقَالَ عبَادَة ساندوني فَأَسْنَدُوهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله الصابر الْمُحْتَسب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل الْقَتْل فِي سَبِيل الله شَهَادَة والطاعون شَهَادَة وَالْغَرق شَهَادَة والبطن شَهَادَة وَالنُّفَسَاء يجرها وَلَدهَا بسرره إِلَى الْجنَّة قَالَ وَزَاد أَبُو الْعَوام سَادِن بَيت الْمُقَدّس والحرق والسل رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (١). وَرَاشِد بن حُبَيْش صَحَابِيّ مَعْرُوف. أرم الْقَوْم تقدم. والسادن بِالسِّين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْخَادِم. والسل بِكَسْر السِّين وَضمّهَا وَتَشْديد اللَّام هُوَ دَاء يحدث فِي الرئة يؤول إِلَى ذَات الْجنب وَقيل زكام أَو سعال طَوِيل مَعَ حمى عَادِية وَقيل غير ذَلِك. ٢١٦٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ خمس من قبض فِي شَيْء مِنْهُنَّ فَهُوَ شَهِيد الْمَقْتُول فِي سَبِيل الله شَهِيد والغريق فِي سَبِيل الله شهِيد والمبطون فِي سَبِيل الله شهِيد والمطعون في سَبِيل الله شهِيد وَالنُّفَسَاء فِي سَبِيل الله شَهِيد رَوَاهُ النَّسَائِيّ (٢).

стр. 4355

قوله: وعن راشد بن حبيش ﵁، قال الحافظ (١): راشد بن حبيش صحابي معروف. قوله ﷺ : "القتل في سبيل الله شهادة والطاعون شهادة" وتقدم تفسير هذه الألفاظ، والطاعون الموت الكثير، وقيل: هو بتر مؤلم جدًّا يخرج غالبًا في الإباط مع لهيب واسوداد حواليه يخضر ويحصل معه خفقان القلب وورم والقيء في المراق، قال الجوهري: هو الموت من الوباء، والوباء بالمد والقصر قال الخليل هو الطاعون وقال: هو المرض العام فكل طاعون وباء بدون العكس، والوباء الذي وقع بالشام في زمن عمر كان طاعونا وهو طاعون عمواس بفتح المهملة وسيأتي الكلام عليه قاله الكرماني (٢). قوله: "وسادن بيت المقدس شهيد" السادن هو الخادم، قاله المنذري. قوله ﷺ : "والسل شهادة" بضم السين وفتحها، قال المنذري: هو داء يحدث في الرئة يؤل إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمي هادئة، وقيل: غير ذلك، أ. هـ، وقال غيره: هو مرض يفني البدن ويذيب المريض حتى يجعله نحيفا من غير وجع، أ. هـ. ٢١٦٥ - وَعَن جَابر بن عتِيك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَ يعود عبد الله بن ثَابت ﵁ فَوَجَدَهُ قد غلب عَلَيْهِ فصاح بِهِ فَلم يجبهُ فَاسْتَرْجع رَسُول الله ﷺ وَقَالَ غلبنا عَلَيْك يَا أَبَا الرّبيع فصاحت النسْوَة وبكين وَجعل ابْن عتِيك

стр. 4356

يسكتهن فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ دَعْهُنَّ فَإِذا وَجب فَلَا تبكين باكية قَالُوا وَمَا الْوُجُوب يَا رَسُول الله قَالَ إِذا مَاتَ قَالَت ابْنَته وَالله إِنِّي لأرجو أَن تكون شَهِيدا فَإنَّك كنت قد قضيت جهازك فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله قد أوقع أجره على قدر نِيَّته وَمَا تَعدونَ الشَّهَادَة قَالُوا الْقَتْل فِي سَبِيل الله فَقَالَ النَّبِي ﷺ الشَّهَادَة سبع سوى الْقَتْل فِي سَبِيل الله المبطون شَهِيد والغريق شَهِيد وَصَاحب ذَات الْجنب شَهِيد والمطعون شَهِيد وَصَاحب الْحَرِيق شَهِيد وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم شَهِيد وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع شَهِيد رَوَاهُ أبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). ٢١٦٦ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الطَّاعُون شَهَادَة لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢). قوله: وعن جابر بن عتيك ﵁[هو جابر بن عتيك بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري السلمي، أخو جبر بن عتيك، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ يكنى أبا عبد الله، وقال ابن منده: كنيته أبو الربيع، قال أبو نعيم: وهو وهم، فإنها كنية عبد الله بن ثابت الظفري، وكانت معه راية بني معاوية عام الفتح، روى عنه ابناه: عبد الله وأبو سفيان،
следующие страницы →