← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 467–506 · переход к 472.

стр. 467

قوله: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع"، فيه جواز الحكم بالقرائن فهو يدل على أنه كان ﷺ قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع (١) فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها ولربما كان قد وقع منه ﷺ تعريض في تلك الخطبة بالتوديع انتهى قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (٢). قوله: فأوصنا، يعنون وصية جامعة كافية فافهم لما فهوا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة (٣). قوله ﷺ : "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" ففيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلها واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل وفاتهم فجمع في ذلك كل ما يحتاج، فإن التقوى والسمع والطاعة امتثال المأمورات واجتناب المحذورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك قاله الطوفي (٤). فهاتان الكلمتان تجمعان شهادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كلمة كاملة بسعادة الآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما

стр. 468

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) (٢). تنبيه: التقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء، أحدها: الخشية والهيبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤)، والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٥)، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته، قال مجاهد: هو أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، والثالث: في تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (٦)، ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلم أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهي تنزيه القلب عما ذكرنا، ثم قال: حقيقة التقوى هي اجتناب كل ما فيه ضررٌ للدين (٧)، انتهى، قاله في الديباجة. وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم

стр. 469

مصالح العباد في معايشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي بن طالب: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجر عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله (١)، انتهى، قاله ابن رجب (٢). قوله ﷺ : "وإن تأمر عليكم عبدٌ وحشي" وفي رواية: "حبشي ... أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم وإن كان الخليفة عبدًا حبشيًا ... " واعلم أنه لايجوز أن يكون الخليفة عبدًا ولكن المراد بالعبد هنا من جعله الخليفة حاكمًا على قوم في كل بلد يعني اقبلوا أقوال الخليفة ونوابه وأطيعوه وإن كان من جعله الخليفة واليا عليكم عبدًا حبشيًا لأن طاعة نائب الخليفة طاعةٌ للخليفة وطاعة الخليفة طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة الله تعالى فقوله: "وإن أمّر عليكم عبدًا" وفي الراوية الأخرى "حبشي"، هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي ﷺ وهو مما اطلع عليه النبي ﷺ من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان" (٣) وقوله ﷺ "الناس تبع لقريش" (٤) وقوله: "الأئمة من قريش" (٥) لأن ولاية العبيد قد

стр. 470

تكون من جهة إمام قرشي ويشهد لذلك قوله: الأئمة من قريش أبرارها وفجارها أمراء، ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمّرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا ... " (١) إسناده جيد ولكنه روي عن علي ﵁ مَوقوفًا، وقال الدارقطني هو أشبه (٢) وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه المثل وإن لم يصح وقوعه قال أبو سليمان الخطابي (٣): ضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يصح في الموجود وكما قال النبي ﷺ : "من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاء لبيضها بنى الله له مثله في الجنة" (٤)، ومفحص القطاة لا يصلح مسجدًا للناس أو لآدمي ونظائر هذا في الكلام كبيرة. فائدة: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيًا حرًّا؟ فالجواب: من وجهين، أحدهما: أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدًا، والوجه الثاني: أن المراد لو قهر عبدٌ

стр. 471

مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم شق العصا عليه والله أعلم (١). قوله ﷺ : "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ... " الحديث، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه بأنه ﷺ كُشِفَ له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح في حديث أبي سعيد وغيره ويحتمل أنه بنظر واستدلال فإن اختلاف المقاصد والشهوات سبب لإختلاف الآراء والمقامات ويجوز أن يكون بقياس أمته بعده على أمم الأنبياء السابقين بعدهم بدليل قوله ﷺ : "لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف" (٢) أو كما قال، قاله الطوفي (٣). وقال ابن رجب (٤): فهذا إخبارٌ منه ﷺ بما وقع بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه في الأقوال والأفعال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه ﷺ من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان ما هو عليه وأصحابه ﵃ ولذلك أمر

стр. 472

في هذا الحديث عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" فالسنة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان هو عليه وأصحابه ﵃ والخلفاء الراشدين الذين أمر بالإقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كذا قاله المنذري وغيره. وهذا ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله ﷺ واستدل بالحديث على جواز إطلاق السنة على [طريقتهم] كإطلاقها على طريقة النبي ﷺ وعلى الفضيلة التامة لهم خلفاء وصفهم بكونهم راشدين، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا (١). واستدل أيضًا بهذا الحديث على أن الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولي على أن النبي ﷺ عالمًا بأنهم الذين يكون الأمر بعده فيهم (٢). وقد يستدل به على أن قولهم وطريقتهم حجة مأخوذ بها وذلك لأن قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم فسنته وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها فأشعر بأن سنتهم أيضًا كذلك والله أعلم، قاله في الديباجة.

стр. 473

تنبيه: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء ويجمع على اللفظ "خلائف" كظريفة وظرائف انتهى، قاله في النهاية (١). وفي تاريخ كنز الدرر وقال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره خلف عمن يقدمه وقال الجوهري: ويقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته فقال خلفه في قومه خلافة فإن الخليفة هو السلطان الأعظم وقيل إن الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة .. آدم وداود وهارون وصالح .. أما آدم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، وصالحًا في قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (٣)، وفي معنى خلافة آدم قولان أنه خليفة عن الله تعالى في أرضه في إقامة شرعه روي عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ والثاني أنه خلف عمن تقدمه في الأرض قبله وهو مروي عن ابن عباس أيضًا والأول أصح وأظهر لأن آدم ﵇ كان بهذه المتابة وقال أبو اسحاق الثعلبي سأل عمر بن الخطاب طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار أخليفة أنا أم ملك؟ فقال طلحة والزبير ما ندري وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بينهم بكتاب الله عز

стр. 474

وجل وفي رواية إن جبيت من أرض المسلمين درها ووضعته في غير حقه فأنت ملك ولست خليفة كأبي بكر ﵁، فقال كعب: ما كنت أحسب في المجلس من يعرف الخليفة من الملك غيري؟ ولكن الله ألهم سلمان حكمًا وعلمًا (١)، انتهى. فائدة: جميع خلفاء بني مروان أربعة عشر رجلًا أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد بن مروان ومدة خلافتهم من خلص لهم الأمر هالى حين قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر، خمسة أيام منها فتنة ابن الزبير، وأيامه تسع سنين واثنان وعشرون يومًا، فخلص لهم اثنان وثمانون سنةً وشهورًا فكان من مدة ملكهم ألف شهر وقد تأولوا قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ (٢)، أنها أيام بني أمية، روى الترمذي وغيره أن رجلًا قام إلى الحسن بن علي بعد تنازله لمعاوية فقال له: يا مُسوِّد وجوه المؤمنين! فقال لا تؤنبني أى لا توبخنى رحمك الله فإن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (٣) وأنزلت ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٤) تملكها بعدك بنو أمية قال القاسم راوي الحديث: فعددناها فإذا

стр. 475

هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا (١) انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (٢). وفي حديث سفينة ﵁ عن النبي ﵁ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة وفي رواية أخرى ثم تكون ملكًا أو قال ملوكًا ثم يقول سفينة: أمسك أبو بكر سنتين وخلافة عمر عشرةً و عثمان اثنتي عشر وعلي ستة". وفي رواية أخرى عن سفينة: "فكان خلافة الحسن تمام ثلاثين سنة وثلاثة عشر يومًا من أول خلافة أبي بكر" (٣).

стр. 476

تنبيه: واختلف في اسم سفينة فقيل رومان وقيل مهران وقيل طهمان وقيل عمير وهو مولى رسول الله ﷺ وكان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ ما عاش فأعتقته بالشرط المذكور سمي سفينة لأنه كان مع النبي ﷺ في السفر فكلما أُعيِيَ إنسان ألقى عليه سيفه وترسه فحمل شيئًا كثيرًا فقال له النبي ﷺ : "أنت سفينة" (١). تتمة: ذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه لطائف المعارف (٢): أن مروان بن محمد كان يقول نجد في المدخر في علومنا أن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم، وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فأنا مروان بن محمد بن مروان فبلغ ذلك عبد الله بن علي فقال غلط أبو عبد الملك: أنا أكثر عينات منه لأني عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباسر بن عبد المطلب بن عمرو بن عبد مناف، وكان هو الذي قتله، وذلك أن العساكر تجهزت من خراسان وغيرها من قبل السفاح لحرب مروان ومقدمها عبد الله بن علي بن عبد الله عم السفاح فتقدم مروان إلى الزاب وكانت الواقعة على كاف، فانكسر مروان وهرب إلى الشام فتبعه عبد الله بالجيوش إلى فلسطين فهرب مروان إلى مصر فتبعه عبد الله بن علي وجرّد خلفه عامر بن إسماعيل فلحقه بقرية من قرى

стр. 477

مصر تسمى بوصير غربي النيل بصعيد مصر فقتله هناك وكانت قتلته ليلة الأربعاء وقيل ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو الصحيح ثم تفرق بنو أمية في البلاد وقتل أكثرهم ولحق بعضهم بالمغرب فكانت مدة ولايته إلى أن بويع السفاح خمس سنين وشهرًا إلى أن قُتل خمس سنين وعشرة أشهر وكان عمره يوم قتل خمسة وخمسين سنة وقيل ستًا وخمسين، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (١). قوله ﷺ : "الراشدين" الراشد اسم فاعل والراشد الذي أتى بالرشد واتصف به والرشد خلاف الغي فالراشد ضد الغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وهم يريدون بالراشدين الخلفاء الأربعة الذين تقدم ذكرهم وليس المراد أنه لا يكون من غير هؤلاء الأربعة، الذين تقدم ذكرهم، وليس المراد أن لا يكون الخليفة غير الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وأيضًا أراد ﷺ بهذا تفضيل هذه الأربعة على غيرهم وحسن قيامهم على الدين ومنه قوله ﷺ : "اقتدوا بالذي من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي" (٢). وقوله "المهديين" يعني: أن الله يهديهم إلى الحق ولا يضلهم عنه والمهدي من هداه الله إلى الحق وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي ﷺ أنه يجيء في آخر

стр. 478

الزمان والمهدي يظهر بالمغرب والمشهور ظهوره بمكة أو المدينة أو العراق والله أعلم، فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال فالراشد من عرف الحق واتبعه، والغاوي من عرف الحق ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية (١) ومنه الحديث "وإرشاد الضال" أي هدايته الطريق وتعريفه قاله في النهاية (٢)، فكل راشدٍ مهتدٍ وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بعد معرفة الحق والعمل به، أيضًا (٣). قوله ﷺ : "عضوا عليها بالنواجذ" أي اجتهدوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كَمَا يَلْزَمُ الْعَاضُّ عَلَى الشَّيءِ بِنَوَاجِذ خَوْفًا مِنْ ذهابه وتفلُّته. (٤). وقال الخطابي (٥): وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب الإنسان من وجع المصيبة عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسول الله ﷺ كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع واعلم أن إتباع سنة رسول الله ﷺ جالبٌ لمحبة الله تعالى لقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٦)، وبالسمع والطاعة تحصل السلامة من الفتن والتحرز عن

стр. 479

الآفات وبتقوى الله تحصل النجاة في الدارين من المهلكات فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات انتهى. قاله في الديباجة. والنواجذ: بالنون والجيم والذال المعجمة هي الأنياب وقيل الأضراس، انتهى. قاله المنذري. وقال بعض العلماء هذا مثلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين لأن العض بالنواجذ عض بجميع الفم والأسنان وهي أواخر الأسنان وقيل التي بعد الأنياب وهي أربعة أضراس في أقصى الناب وهو السن الذي بين الناب والضرس نبت بعد أن شيب الإنسان وتسمى أضراس العقل والحلم، قيل: هي الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك وفي الحديث "أن النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه" (١)، والمراد بها هاهنا الضواحك لأنه ﷺ كان معظم ضحكه تبسمًا (٢) (٣). تنبيه: جملة الأسنان اثنتان وثلاثون سنة فالثنايا أربع اثنتان من فوق واثنتان من أسفل فإذن الثنايا هي أوائل ما يبدو للناظر في مُقدم الفم ثم الرباعيات على جانب ثم الرباعيات على جانب الرباعيات اثنتان من جانب

стр. 480

واثنتان من جانب واحدة من فوق واحدة من تحت فم الأضراس وهي عشرون ضرسًا من كل جانب عشر ومنها الضواحك وهي أربعة من الجانبين ثم الطواحن وهم اثنا عشر طاحنًا من الجانبين ثم النواجذ وهي الأواخر من كل جانب اثنتان، واحدة من أعلى الفم وأخرى من أسفله ويقال له ضرس الحلم وضرس العقل وقيل النواجذ الأضراس كلها والله أعلم، قاله في شرح المصابيح (١). قوله ﷺ : "وإياكم ومحدثات الأمور" أي اتقوها واحذروا الأخذ بها "فإنها بدعة" والمراد ما أحدث من الأمور غير راجع إلى أصل أو دليل شرعي وإلا فسنة الخلفاء الراشدين من محدثات الأمور وقد أُمِرنَا باتباعها وسواها بسنته في وجوب الاقتداء بها وما ذاك إلا لرجوعها إلى أصل شرعي واعتمادها على دليل مرعي فإذن قوله: "إياكم ومحدثات الأمور" عالم مراد به الخاص وبذلك قوله: "بسنة الخلفاء الراشدين" عام مراد به الخاص إذ لو فرض خليفة راشد في عامة أموره سن سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز اتباعها فيجب تحذير الأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة (٢). قوله: "فإن كل بدعة ضلالة" أي كل بدعة لا يساعدها دليل الشرع ضلالة، لأن من فيها جاء به الشرع فيما لا يرجع إليه بوجه يكون ضلالة إذ ليس بعد

стр. 481

الحق إلا الضلال، وفي بعض روايات هذا الحديث: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (١) انتهى. فقوله ﷺ : "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" فالمراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة وملخص ذلك أن البدعة بدعتان، بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح ومن هذا قول عمر ﵁ عن التراويح: (نعمت البدعة هذه)، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة لأن النبي ﷺ لم يسنها وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت زمن أبي بكر وإنما جمع الناس عليها عمر وندبهم إليها فيها فبهذا إنما هي بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي" وعلى هذا يحمل قوله ﷺ : "كل محدثة بدعة" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما تستعمل البدع عرفًا في الذم (٢) والله أعلم، قاله في الديباجة. انتهى. ٦٢ - وَعَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأنِّي رَسُول الله قَالُوا بلَى قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد

стр. 482

الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيدَ (١). قوله: عن أبي شريح الخزاعي، أبو شريح بضم السين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة اسمه خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي الكعبي وقيل اسمه: عبد الرحمن بن عمرو وقيل: هانئ بن عمرو وقيل: كعب بن عمر وقيل: عمرو بن خويلد والمشهور خويلد بن عمرو وله صحبة، أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب الثلاثة يوم الفتح وكان من عقلاء الرجال، رُوي له عن رسول الله ﷺ عشرون حديثا ذكر البخاري منها ثمان

стр. 483

وستين، مات بالمدينة سنة ثمان وستين والله أعلم (١). قوله ﷺ : "إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به" الحديث وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني تارك فيكم ثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض طرفه في يد الله وطرفه الآخر في أيديكم فاستمسكوا به ألا وعترتي" (٢) وعن أبي هريرة قال النبي ﷺ : "إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما، كتاب الله وسنتي" (٣) خرجهما الوائلي في الإبانة من طرق، قاله القرطبي في كتاب التذكار (٤) فأوجب علينا التمسك بكتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه وسنة نبيه ﷺ والرجوع إليهما عند الاختلاف. ٦٣ - وَرُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَنِّي رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن جَاءَ

стр. 484

من عِنْد الله قُلْنَا بلَى قَالَ فأبشروا فَإِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تهلكوا وَلنْ تضلوا بعده أبدا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير (١). قوله: عن جبير بن مطعم، كنيته: أبو محمد ويقال: أبو عدي هو جبير بن مطعم بكسر العين بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، أسلم عام خيبر، وقيل: أسلم يوم فتح مكة روي له رسول ﷺ ستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع بن جبير وسعيد بن المسيب وآخرون، قال الزبير بن بكار: كان من حكماء قريش وسادتهم توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وقال ابن سنة تسع وخمسين، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢).

стр. 485

قوله ﵁: بايع النبي ﷺ بالجحفة، فقال: "أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله"، الجحفة: بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة وقيل سبع مراحل ونحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة وسميت بذلك لأن السيل اجتحفها في وقت وحمل أهلها وهي مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكر مسلم في رواية وحكى القاضي كسر الهاء والصحيح الأول وهي الآن خربة لا يصل إليها أحد لوخمها وإنما يحرم الناس من رابغ وهي على محاذيها وهي ميقات أهل مصر والشام وذكر بعضهم أن مهيعة قريب من الجحفة والمعتمد ما قدمنا أنها هي الجحفة نفسها وأما في ذلك الوقت فكانت مسكن اليهود (١). قوله ﷺ : "فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا أو لن يضلوا بعده أبدًا"، تضلوا: هو بكسر الضاد، قاله الجوهري الضلالة: هي من ضد الرشاد (٢). ٦٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك الْيَوْم كثير قَالَ وسيكون فِي قوم بعدِي رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت

стр. 486

وَغَيره وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: عن أبي سعيد الخدري. أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي الخدري واسم امه أنيسة بنت أبي حارث، استُصِغَرَ أبوسعيد يوم أحد فرد وغزا بعد ذلك مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا استشهد يوم أحد، روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث ومائة حديث وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ست وأربعين وانفرد البخاري بست عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، توفي ﵁ بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة

стр. 487

والله أعلم (١). قوله ﷺ : "من أكل طيبًا وعمل في سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّة" الحديث المرادَ بالطيب الحلال والسنة سيرة النبي ﷺ وطريقته في الدين وتطلق السنة أيضًا على الأحاديث المروية عن النبي ﷺ وعلى المندوب والتطوع والنفل والمرغب فيه والمستحب وكلما كان فعله راجحًا على تركه ولا إثم في تركه وقال سن رسول الله ﷺ كذا أي جعله شرعًا عامًا (٢) انتهى قاله في الديباجة. قوله: "وأمن الناس بوائقه" والبوائق: قال الهروي الدواهي وهي الشر وغائلته (٣). ٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من تمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي فَلهُ أجر مائَة شَهِيد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن بن قُتَيْبَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فَلهُ أجر شَهِيد (٤).

стр. 488

٦٦ - وَعنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله ﷺ خطب النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع فَقَالَ إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد بأرضكم وَلَكِن رَضِي أَن يطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا تحاقرون من أَعمالكُم فاحذروا إِنِّي قد تركت فِيكُم مَا إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تضلوا أبدا كتاب الله وَسنة نبيه الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتج مُسلم بِأبي أويس وَله أصل فِي الصَّحِيح. قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "من تمسك بسنتي بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" تقدم الكلام على السنة في الحديث قبله وسيأتي الكلام على الشهيد في بابه مبسوطًا والله أعلم وتقدم الكلام في ابن عباس ومناقبه. وقوله: في حديث ابن عباس الذي بعده "إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه" الحديث، العصمة: المنعة، العاصم المانع الحامي. والاعتصام: الإمتساك بالشيء، افتعال منه، ومنه شعر أبي طالب: وأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمالَ اليَتامى عِصْمَةٌ للأرامِلِ

стр. 489

أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، ومنه الحديث: "فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" وحديث الإفك فعصمها الله بالورع (١). فالاعتصام تمثيل لوثوق المعتصِم بحماية المعتصَم به. وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : "إن هذا القرآن هو حبل الله ... " الحديث، قيل: المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهتدى به، فالحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم ويصلون بها المفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور (٢)، وتقدم الكلام عليه. ٦٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ الاقتصاد فِي السّنة أحسن من الاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا (٣). قوله: الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدعة، الاقتصاد الاعتدال والتوسط في المعيشة وغيرها، وفي الحديث: "ما عال من اقتصد" أي: ما افتقر

стр. 490

من اعتدل في معيشته، قاله الأصبهاني شارح الأربعين حديثا الودعانية (١)؛ وقوله: أحسن من الاجتهاد في البدعة سيأتي الكلام على البدع وتنوعها قريبًا إن شاء الله. قوله: رواه الحاكم موقوفًا تقدم الكلام على الحاكم وعلى الحديث الموقوف. ٦٨ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ [عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ] (٢)، قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مرعوب فَقَالَ وأطيعوني مَا كنت بَين أظْهركُم وَعَلَيْكُم بِكِتَاب الله أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (٣). قوله: عن أبي أيوب الأنصاري، اسمه: خالد بن زيد بن كليب الخزرجي الأنصاري الصحابي الجليل المدني ثم الشامي، وأمه: هند بنت سعد بن

стр. 491

امرئ القيس، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ونزل ﷺ في داره حين قدم المدينة مهاجرًا فأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده فانتقل إليها، وكان أبو أيوب قد سأل رسول الله ﷺ أن يكون هو في العلو وأبو أيوب في أسفل الدار فأجابه رسول الله ﷺ إلى ذلك، وقدم على ابن عباس البصرة، قال: إني أخرج من مسكني كما خرجت لرسول الله ﷺ عن مسكنك فأعطاه ما أغلق عليه الدار وعشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وهو ممن غلبت عليه كنيته، روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثًا، أخرج البخاري منها ثمانية، وكان مع علي في حروبه، مات بالقسطنطينية سنة إحدى وخمسين، وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ففعلوا، فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظم يستسقون به فيسقون، وعلى قبره قبة عظيمة ويزار ويتبرك به إلى يومنا هذا، وهذا من أعجب (١) الأشياء وأغربها، وهو أن مسلما يقاتل الإفرنج فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل من أكابرهم ثم إنه لما قتل عندهم ودفن يفعلون بقبره ما ذكرناه، وهذا من بعض كرامات أصحاب رسول الله ﷺ ، وقيل: لما بنى رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي، وذلك بعد فتح خيبر في بعض الطريق فبات بها رسول الله ﷺ في قبة وبات أبو أيوب متوشحًا بسيفه يحرس رسول الله ﷺ ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله ﷺ ، فلما رأى مكانه قال: "ما لك

стр. 492

يا أبا أيوب؟ " قال: يا رسول الله لقد خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قَتَلْتَ أباها وزوجها وقومَها، وكانت حديثه عهد بكفر فخفت عليك منها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني" (١)، قاله في مختصر الأحباب، وآخي رسول الله بينه وبين مصعب بن عمير (٢) ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله ﷺ : "وعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه"، أي الزموا العمل بالقرآن (أحلوا حلاله وحرموا حرامه) يعني ما أحله افعلوه وما حرمه لا تقربوه ومحصوله ما دمت بينكم حيا فعليكم اتباع ما أقول وأفعل فإن الكتاب علي نزل وأنا أعلم الخلق به وأما بعدي فالزموا القرآن فما أذن في فعله افعلوه وما نهى عنه فانتهوا. ٦٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مُشَفع من اتبعهُ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة وَمن تَركه أَو أعرض عَنهُ أَو كلمة نَحْوهَا زج فِي قَفاهُ إِلَى النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار هَكَذَا مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ مَرْفُوعا من حَدِيت جَابر وَإسْنَاد الْمَرْفُوع جيد (٣).

стр. 493

قوله: عن عبد الله بن مسعود، وروي له عن رسول الله ﷺ ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا (١)، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن هذا القرآن شافع مشفع" فذكر إلى أن قال: "ومن تركه أو أعرض عنه" يعني: القرآن "زخ في قفاه إلى النار" الحديث، زخه بالزاي والخاء المعجمة: دفعه في وهدة، وفي حديث أبي موسى: "من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة ومن يتتبع القرآن يزخ في قفاه ويقذف به في نار جهنم" (٢)، والزج بالزاي والجيم الحديدة التي في أسفل الرمح، يقال:

стр. 494

أزججت الرجل أزجه زجا إذا طعنته بالزج وهي الحديدة التي في أسفل الرمح، والزج أيضًا: طرف المرفق، والزج بضم الزاي، قاله الجوهري في صحاحه (١). قوله: رواه البزار هكذا موقوفًا على ابن مسعود، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين. ٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خطب رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن اللّه قد أعْطى كل ذِي حق حَقه إِلَا أَن اللّه قد فرض فَرَائض وَسن سننا وحد حدودا وَأحل حَلالا وَحرم حَرَامًا وَشرع الدّين فَجعله سهلا سَمحا وَاسِعًا وَلم يَجعله ضيقا أَلا إِنَّه لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلا دين لمن لَا عهد لَهُ وَمن نكث ذمَّة الله طلبه وَمن نكث ذِمَّتِي خاصمته وَمن خاصمته فلجت عَلَيْهِ وَمن نكث ذمَّتِي لم ينل شَفَاعَتِي وَلم يرد على الْحَوْض الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير. (٢)

стр. 495

قَوْله: فلجت عَلَيْهِ بِالْجِيم أَي ظَهرت عَلَيْهِ بِالْحجَّةِ والبرهان وظفرت بِهِ. قوله: عن ابن عباس، تقدم. قوله ﷺ : "وشرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم ضيقًا" الحديث، قد تكرر في الحديث ذكر الشرع والشريعة وهو: ما شرع اللّه تعالى لعباده من الدين أي سنه لهم وافترضه عليهم، يقال: شرع لهم يشرع شرعا فهو شارع، وقد شرع الدين شرعا إذا أظهره وبينه والشارع الطريق الأعظم والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري (١). انتهى. قوله ﷺ : "ومن نكث ذمة الله طلبه، ومن نكث ذمتي خاصمته، ومن خاصمته، فلجت عليه" الحديث، والمراد بقوله: "ومن "نكث ذمة اللّه" النكث: نقض العهد، يقال: نكث الحبل والعهد فانتكث أي نقضه فانتقض (٢)، والله أعلم، والمراد بذمة الله تعالى أي ضمان الله وعهده وأهل الذمة أهل العهد وهو ما أعطوا من الأمان على دمائهم وقيل للمعاهد ذمي من ذلك (٣). وقوله: "ومن خماصمته" المخاصمة المحاججة والمجادلة. وقوله: "فلجت عليه" بالجيم أي ظهرت عليه بالحجة والبرهان، وظفرت به، والبرهان هو الحجة القاطعة (٤).

стр. 496

٧١ - وَعَن عَابس بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب ﵁ يقبل الْحجر يَعْني الأسود وَيَقُول إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تَنْفَع وَلَا تضر وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبلك مَا قبلتك. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتّرمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). قوله: وعن عابس بن ربيعة، وعابس بفتح العين المهملة وبعد الألف باء موحدة مكسورة وسين مهملة، ابن ربيعة النخعي، روى عن عمر وعلي وحذيفة وعائشة، قال أبو داود: جاهلي، سمع من عمر ﵁ (٢). قوله: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود، تقدم الكلام على مناقب عمر ﵁، وهذا الحديث أصل عظيم في الإتباع واقتفاء الآثار النبوية وترك ما كانت الجاهلية عليه من تعظيم الأصنام والأحجار. والإعلام بأن النفع والضر بيد الله وأن الأحجار لا تنفع من حيث هي بل لما أودع فيها (٣)، ففي هذا الحديث متابعة السنن وإن لم نعقل معناها (٤)؛ قال الطبري (٥): إنما قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم، لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر ﵁ أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر ﵁ أن

стр. 497

يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف على أمر نبيه ﵊، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر ﵁ على مجانبة هذا الاعتقاد وأنه لا ينبغي أن يُعبد إلا من يملك الضر والنفع وهو الله تعالى، قاله الحافظ المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود (١). وقال شيخ الإسلام النووي قدس الله سره (٢): هذا الحديث فيه فوائد منها: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه أى من غير صوت يظهر من التقبيل، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاووس والشافعي وأحمد قال، وبه أقول، وانفرد الإمام مالك عن العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترض عليه القاضي عياض المالكي لشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء، وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵃، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك والإمام أحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده، وعن مالك رواية أنه يقبله، وعن الإمام

стр. 498

أحمد رواية أنه يقبله، والله أعلم. وأما قول عمر ﵁: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحديث على الإقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله، ونبه على أنه لولا الإقتداء لما فعلته (١). تتمة: قال أبو سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب في أولى حجة حجها في إمارته، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر فقبله واستلمه وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، الحديث، فقال له علي ﵁: بلى يا أمير المؤمنين إنه ليضر وينفع، ولو علمت ذلك في كتاب الله لعلمت الذي أقول لك إن صح كما أقول، قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٢) الآية، فلما أقروا أنه الرب وأنهم العبيد وكتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه من الحجج وأنه يبعث وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين الله في هذا المكان، ألا ترى أنه يقول إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك هو هذا العهد (٣)، قاله في مختصر مجمع الأحباب (٤).

стр. 499

فائدة: اعلم أن التقبيل لا يشرع إلا للحجر الأسود والمصحف ولأيدي الصالحين والعلماء، ومما يسن له التقبيل بين عيني الموتى وشفاههم وكذا شفة من نطق بحكمة أو علم ينتفع به وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة وفعل السلف؛ فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلامها فلا يجوز حتى حجارة الكعبة والقبر النبوي أو الحجرة أو ستورها أو صخرة بيت المقدس فإن ذلك تعظيم وهو خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه، قاله ابن العطار في شرح العمدة (١)، واللّه أعلم. فائدة لها مناسبة بحديث تقبيل الحجر الأسود: مِنَ الْبِدَع تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا تَجُوزُ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ دَوْسُهُ وَلَا يَجُوزُ بَوْسُهُ، لَكِنَّ دَوْسَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُبَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا بَوْسُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَارْتكَابُ الْبِدَعِ لَا يَجُوزُ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ عمر ﵁: فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، هَذَا وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي هُوَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ؟ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِكْرَامُهُ وَرَفْعُهُ مِنْ تَحْتِ الْأَقْدَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي إِكْرَامِ الْخُبْزِ أَحَادِيثُ لَا أَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا. انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه (٢).

стр. 500

٧٢ - وَعَن عُرْوَة بن عبد الله بن قُشَيْر قَالَ حَدثني مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه قَالَ أتيت رَسُول اللّه ﷺ فِي رَهْط من مزينة فَبَايَعْنَاهُ وَإنَّهُ لمُطلق الأزرار فأدخلت يَدي فِي جنب قَمِيصه فمسست الْخَاتم قَالَ عُرْوَة فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَة وَلا ابْنه قطّ فِي شتاء وَلا صيف إِلَا مطلقي الأزرار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ ابْن مَاجَه إِلَا مُطلقَة أزرارهما (١). قوله: عن عروة بن عبد الله بن قشير، وهو الجعفي، عن ابن سيرين وطائفة، وعنه سفيان وزهير بن معاوية، وثق (٢). قوله: قال حدثني معاوية بن قرة عن أبيه، ووالد معاوية هو قرة بن إياس المزني، له صحبة وهو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة (٣). وذكر الدارقطني: أن هذا الحديث تفرد به عروة بن قشير بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو إياس البصري، روى عن أنس بن مالك وعائذ بن عمرو وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مغفل المزني وغيرهم، روى عنه: ابن إياس بن معاوية وشعبة وشهر بن حوشب وعروة بن عبد الله بن قشير وغيرهم، وثقه الجماعة، وذكره ابن حبان فيهم، كان معاوية بن قرة يقول:

стр. 501

لقيت من أصحاب النبي ﷺ كثيرًا منهم خمسة وعشرين رجلا من مزينة، وكان يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، قيل: إنه ولد يوم الجمل ومات سنة عشرة ومائة وهو ابن ست وسبعين سنة، روى له الجماعة (١). وأما ولده إياس بن معاوية بن قرة بن إياس فروى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وابن المسيب وابنه وغيرهم، كان يقول: أذكر الليلة التي ولدت فيها قذفت أمي على رأسي جفنة، وقال عبد الله بن شوذب: كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم، وكان إياس على قضاء البصرة، وكان فقيهًا عفيفا، دخل عليه ثلاث نسوة فقال: أما واحدة فمرضع والأخرى بكر والأخرى ثيب، فقيل له: بما علمت ذلك؟ قال: أما المرضع فلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما دخلت فلم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب. فلما دخلت نظرت ورمت بعينها (٢)، انتهى، قاله في الديباجة. قوله: أتيت رسول اللّه ﷺ في رهط من مزينة، الحديث؛ الرهط: ما دون العشرة من الرجال خاصة، لا يكون لهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط (٣)، وتقدم الكلام على النفر والرهط في حديث الصخرة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، واللّه أعلم؛

стр. 502

ومزينة: اسم قبيلة معروفة. قوله: فبايعناه، والمبايعة: المعاهدة، مأخوذة من البيع، وسيأتي الكلام على ذلك في مواضع متعددة من هذا التعليق، والله اعلم. قوله: وإنه لمطلق الإزار، أي: لمفتوح الإزار؛ والأزرار: جمع زر، وهي ما يعلق بالعروة، والعروة: حلق الجيب (١). قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال الحافظ: جيب القميص هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه، يعني: كان جيب قميص رسول الله ﷺ واسعا ولم يكن مشدودًا، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة فربما يشدونها وربما يتركونها (٢)، وروى الحاكم وابن خزيمة وأبو داود والنسائي عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد، قال: "نعم [وازرره ولو بشوكة] " (٣) أي إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر منه عورته، فعليه أن يزرره (٤). وأشار النووي - قدس الله روحه - إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك تنعقد الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، هذا هو الأصح، وقيل: لا تنعقد أصلًا (٥).

стр. 503

قال النووي في كتب الفقه (١): فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي لعدم الشرط لتستدام الصحة. وقد اختلف العلماء في صلاة الرجل محلول الأزرار وليس عليه إزار، فمنعه الإمام أحمد بن حنبل والشافعي لعلة النظر لعورته إلا إذا استتر ذلك بلحيته أو نحوها، وأجازه مالك وأبو حنيفة والثوري وأصحاب الرأي (٢). واعلم أنه لو اتزر وصلى على علو بحيث ترى عورته من تحته لا يضره بخلاف ما لو رئيت من طوقه ونحو ذلك، وهذا عكس الخف فإنه يجب أن يستر محل الفرض من أسفل لا من أعلى (٣). انتهى. [قاله في شرح (الإلمام)]. قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه. الحديث، جيب القميص: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه (٤)، يعني كان جيب قميص رسول الله ﵁ واسعًا ولم يكن مشدودًا (٥)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي: عن أنس بن مالك ﵁: كان قميص رسول الله ﷺ قطنًا قصير الطول قصير الكمين (٦)]، سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد اللّه الزركشي الشافعي: عن

стр. 504

كيفية قميص النبي ﷺ هل كان مفتوح الصدر أو على هيئة الدلق فأجاب - قدس الله سره -: ظاهر النقل يقتضي أنه كان مفتوحًا لحديث عروة بن عبد الله بن قشير المتقدم وفي آخره (وانه لمطلق الإزار)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان قميص رسول الله ﷺ قطنًا قصير الطول قصير الكمين (١). مسألة أيضًا في السراويل: سئل الزركشي أيضًا عن السراويل: هل لبسه النبي ﷺ ؟ فأجاب - رحمه الله تعالى - أيضاُ: وأما السراويل فروى الترمذي: أن النبي ﷺ اشتراه لكن لم يذكر أنه لبسه، فاعتمد على ذلك بعضهم وهو الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه (٢) فقال: إنه اشتراه ولم يلبسة، وصار لبسه حسنًا لأجل (الستر)، وقال الزركشي: قلت: لكن البيهقي في شعب الإيمان روى عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار وفي السفر والحضر (٣) [وأول من لبسه إبراهيم ﵊، وجوز في تركه النبي ﷺ ولم يلبسه

стр. 505

عثمان أبدًا إلا يوم قتل] وعن علي ﵁ قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ في البقيع يوم (وجد) مطر فمرت امرأة على حمار ومعها (مكاري) فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه، قال: فقال: يا رسول اللّه إنها متسرولة، قال: "اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي" يقولها ثلاثًا، "أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم وخصوا بها نسائكم إذا خرجن من بيوتهن" (١) انتهى، نقل من تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال للشيخ صلاح الدين العلائي، وفي تاريخ أصبهان عن مالك عن ابن عتاهية أن النبي ﷺ قال: "إن الأرض تستغفر للمصلي بالسراويل" (٢). فرع: ومما يكره في الصلاة السدل وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه وهو متزر وبطنه مكشوفة وأجازه ابن مالك وأصحابه، وقال أبو الفرج من

стр. 506

المالكية: ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وهو شاذ (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام. قوله في حديث عروة: فمسست الخاتم، مسست هو بكسر السين الأولى، هذه هي اللغة المشهورة في لغة قليلة بفتحها حكاه أبو عبيدة والجوهري، وقال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسا، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة ﵀: مسست الشيء بالفتح أمُسه بضم الميم (٢). والخاتم فيه لغتان كسر التاء وفتحها، وهما قراءتان قرئ بهما في السبع، أي خاتم النبوة أي خاتمه الذي ختمت به النبوة وهو أثر كان بين كتفيه ﷺ نُعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي ﷺ المبشر به في الكتب وصيانة يصون بها نبوته عن تطرق التكذيب والقدح فيها صيانة المستوثق بالختم (٣). وقيل: مكتوب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول الله (٤)، وقيل: مكتوب عليه توجه فإنك منصور (٥). فائدة [جليلة] في صفة الخاتم وقدره: في سائر الأحاديث بين كتفيه، [وقد ذكر في حديث أنه على ظهر رسول الله ﷺ ولم يبين محله من ظهره، وقد
следующие страницы →