← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4387–4426 · переход к 4392.

стр. 4387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4388

من ذلك الزهري وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهوية وقالوا لا يجوز أخذ الأجرة على ذلك لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجر كالصلاة والصيام (١) واحتجوا من الأثر بما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "معلموا صبيانكم شرارهم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين" (٢) واحتجوا بالحديث المتقدم ولأن النبي ﷺ قال "بلغوا عني ولو آية" (٣) فأوجب على

стр. 4389

أمته التبليغ كما أوجب الله عليه التبليغ فكما لم يجز للنبي ﷺ أخذ الأجرة فكذلك لا يجوز لأمته (١) والله أعلم. وأفتى بعض مشايخ الحنفية المتأخرين بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن (٢) وأجازها مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء ﵃ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس حديث الرقية "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " خرجه البخاري (٣) وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه واحتجوا أيضا بحديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهرا "زوجتكها بما معك من القرآن" (٤)، وتأولوا حديث القوس على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعلم أي طلب عوض ونفع فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزا، وقال بعض أهل العلم أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات: فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه وإن كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة وعلى هذا

стр. 4390

يتأول اختلاف اللأخبار فيه (١) اهـ. ولأنه لو لم يجز ذلك في زماننا [لهجر] الكتاب من [معظم] المسلمين، وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه في مقابلة النص، ثم إن بينهما فرقا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالعامل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولة النقل كتعليم كتابة القرآن قال ابن المنذر (٢) وأبو حنيفة: يكره تعليم القرآن بالأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم فيجوز الأجرة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة (٣). فائدة: قال الإمام القرطبي: وإنما استنقص الناس المعلمين لمعنيين أحدهما أنهم يقصرون زمانهم على معاشرة الصبيان الذين لا عقول لهم فيؤثر ذلك على تطاول الأيام في عقولهم كما يزاد عقل من عاشر

стр. 4391

الحكماء والوجه الآخر: ما يجري منهم من الأطماع الكاذبة وأخذ الأشياء من الصبيان فلم يوقروا الوجود الشره منهم والله أعلم ذكر ذلك كله القرطبي في كتاب التذكار (١). ٢١٨٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ بِهِ حَسَنَة والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا لَا أَقُول الم حرف وَلَكِن ألف حرف وَلَام حرف وَمِيم حرف رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صحِيح غَرِيب (٢). قوله: عن عبد الله بن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" الحديث قال الإمام القرطبي: وأنبأنا ابن رواح عن الحافظ السلفي فذكره إلى أن قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: من قرأ القرآن زوجه الله بكل حرف زوجتين من الحور العين وليس الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف (٣)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت" (٤).

стр. 4392

فائدة: أسند أبو بكر محمد الأنباري قال حدثنا فذكره إلى أن قال عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ "من قرأ القرآن فلم يعربه وكل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه وكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه وكل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة" (١)، وخرج ابن شاهين أبو حفص عمر قال حدثنا عبد الله بن عثمان فذكره إلى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ "من قرأ القرآن على أي حال قرأه فله بكل حرف عشر حسنات فإن أعرب بعضه ولحن بعضه كتب له بكل حرف عشرين حسنة فإن أعربه كتب له بكل حرف أربعون حسنة" (٢) ذكره القرطبي في كتابه التذكار في فضائل القرآن. (٣). سؤال: ما الحكمة من إنزال القرآن متفرقا؟ قيل لوجوه:

стр. 4393

أحدها: تفضيلا لنبيه ﷺ أراد أن تكون الرسالة بينه وبين متصلة في كل وقت ويكون الحبيب على علم منه في كل ساعة. والثاني: لو أنزله مرة لم يقدر على حفظه ألم تر إلى قوله ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (١). الثالث: فيه الناسخ والمنسوخ فلو أنزله دفعة واحدة لكان الناسخ والمنسوخ في دفعة واحدة وهو لا يجوز لفوات فائدة النسخ ومراعاة المصالح بحسب الأزمنة المتعاقبة. الرابعة: لو أنزله مرة واحدة لثقل عليه استعمال ما فيه من التكاليف كما ثقل على قوم موسى فأراد أن يكون عليهم يسيرا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢). الخامس: أراد أن يكون معجزة للنبي ﷺ في أخبار الكوائن فكلما أرادوا شيئا نزل جبريل ﵇ ببيانه فأخبر عما يكون فكان كما أخبر. السادس: من قضاء الحوائج وإجابة المسائل فكلما سئلوا منه شيئا نزل جبريل بإجابة سؤالهم ليرتفع مرادهم وأيضا لا يقنطوا من حياة النبي ﷺ ويعلموا أنه باق ما لم يتم القرآن. والسابع: أنزله متفرقا لئلا يستوحش النبي ﷺ وهذا معنى قوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ

стр. 4394

فُؤَادَكَ﴾ (١) ويكون أنسا له في كل ساعة. ذكره في كتاب كشف الأسرار (٢). سؤال آخر: فإن قيل لم أنزل القرآن ليلا؟ قيل لوجوه: أحدها: أن أكثر الكرامات تنزل باليل. وأيضا: الأحباء يتناجون ليلا. وأيضا: ليكون أهيب على قلوب سامعه. وأيضا: ليكون أحفظ للقلوب لأن القلب بالليل أفرغ. وأيضا: أهل الليل يتلذذون بالمناجاة ما لا يتلذذون بالنهار. ذكره أيضا في كشف الأسرار (٣). ٢١٨٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا (٤). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه

стр. 4395

فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" الحديث. قوله "إلا نزلت عليهم السكينة" والسكينة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) قيل إنه حيوان له وجه كوجه الإنسان مجتمع وسائرها خلق رقيق كالريح والهواء (٢) وقيل هي صورة كالهرة كانت معهما في جيوشهم فإذا ظهرت انهزم أعدأئهم (٣). وقيل ما كانوا يسكنون إليه من [الآيات] التي أعطيها موسى ﵇ (٤)، وقيل روح من الله تعالى يكلمهم ويبين لهم ما اختلفوا فيه (٥)، وقيل الرحمة (٦) وقيل الوقار والطمأنينة (٧). قوله "وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة" أي أطافوا بهم واستداروا

стр. 4396

حولهم قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (١) الآية (٢) واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لدراسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع على الذكر والقرآن أفضل أنواع الذكر، وقد أخبر النبي ﷺ عن الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء [أحدها: تنزل السكينة عليهم] (٣). قوله: "تتنزل عليهم السكينة" وفيها أحاديث كثيرة وحديث أسيد بن حضير (٤) وفي حديث "فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهم" (٥). والثاني: غشيان

стр. 4397

الملائكة. والثالث: أن الملائكة تحف بهم. والرابع: أن الله تعالى يذكرهم عنده وهذه الخصال الأربع لكل المجتمعين على ذكر الله تعالى كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد كلاهما عن رسول الله ﷺ قال "إن لأهل ذكر الله أربعا تتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الرب فيمن عنده" (١) وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢) وذكر الله تعالى لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين الملائكة لمباهاته بهم وتنويهه بذكره ذكره ابن رجب الحنبلي (٣). ٢١٨٧ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وَنحن فِي الصّفة فَقَالَ أَيّكُم يحب أَن يَغْدُو كل يَوْم إِلَى بطحان أَو إِلَى العقيق فَيَأْتِي مِنْهُ بناقتين كوماوين فِي غير إِثْم وَلَا قطيعة رحم فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كلنا نحب ذَلِك قَالَ أَفلا يَغْدُو أحدكُم إِلَى الْمَسْجِد فيتعلم أَو فَيقْرَأ آيَتَيْنِ من كتاب الله خير لَهُ من ناقتين وَثَلَاث وَأَرْبع خير لَهُ من أَربع وَمن أعدادهن من الْإِبِلِ رَوَاهُ مُسلم. وَأَبُو دَاوُد وَعِنْده كوماوين زهراوين بِغَيْر إِثْم لله وَلَا قطيعة رحم

стр. 4398

قَالُوا كلنا يَا رَسُول الله قَالَ فَلِأَن يَغْدُو أحدكُم كل يَوْم إِلَى الْمَسْجِد فَيعلم آيَتيْنِ من كتاب الله خير لَهُ من ناقتين وَإِن ثَلَاث فَثَلَاث مثل أعدادهن من الإبل (١). بطحان بِضَم الْبَاء وَسُكُون الطَّاء مَوضِع بِالْمَدِينَةِ. والكوماء بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْوَاو وبالمد هِيَ النَّاقة الْعَظِيمَة السنام. قوله: وعن عقبة بن عامر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصفة" قال النووي (٢): أهل الصفة هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء كانوا ﵃ يأوون إلى مسجد النبي ﷺ وكانت لهم في آخره صفة وهي مكان منقطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه وكانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى ففي وقت كانوا سبعين وفي وقت غير ذلك يتزيدون بمن ولد بينهم وينقصون بمن يموت ويسافر ويتزوج وقيل سموا بأصحاب الصفة لأنهم كانوا يصفون على باب المسجد لأنهم غرباء لا مأوى لهم قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ : "أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم" الحديث، قال الحافظ ﵀ (٤): بطحاء بضم الباء وسكون الطاء وبالحاء المهملة هكذا عند أكثر الرواة في

стр. 4399

رواياتهم وتقييدهم ورواه الحافظ أبو موسى بفتح الباء وعن أهل اللغة أنه بفتح الباء وكسر الطاء ولم يجيزوا غير هذا وكذا نقله صاحب البارع وأبو عبيد والبكري وهو اسم واد بالمدينة (١)، سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح وهو البسط (٢) قاله الكرماني (٣). وفيه دليل على أنه لا تكره الصلاة في سائر الأودية سوى الوادي الذي نام فيه رسول الله ﷺ هو والصحابة وهو الأصح في الروضة (٤) أ. هـ. قوله: "أو إلى العقيق" والعقيق بفتح العين المهملة وبقافين الأولى مكسورة وبينهما ياء آخر الحروف والمراد به العقيق الأصغر وهو واد على ثلاثة أميال من المدينة، وقيل: على ميلين عليه أموال أهلها (٥)، وقال في النهاية (٦): هو واد من أودية المدينة مسيل للماء وهو الذي ورد ذكره أنه واد بالمدينة مبارك، أ. هـ. وفيه بئر رومة وإنما خصصها بالذكر لأنها أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة (٧).

стр. 4400

قوله ﷺ : "فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين" والكوماء بفتح الكاف وسكون الواو وبالمد هي الناقة العظيمة السنام المشرفة قاله الحافظ، وقال غيره: والكوماء الناقة العظيمة السنام المشرفة أيقال ناقة كوماء أي طويلة السنام، وإنما ضرب المثل بها لأنها خيار مال العرب وأحبها إليهم (١). وقوله: "في غير إثم ولا قطيعة رحم" معناه: في غير ما يوجب إثما كغصب وسرقة، سمي موجب الإثم إثما مجازا (٢) والله أعلم. قوله ﷺ : "خير له من ناقتين" أي هما خير له من ناقتين. قوله ﷺ : "ومن أعدادهن من الإبل" متعلق بمحذوف أي ثلاث خير من ثلاث وأربع خير من أربع، وأكثر من أربع خير من أعدادهن من الإبل على هذا القياس، ووجه القرآن بين الآية والناقة الكوماء في باب المخايرة وإن كانت الآية الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها هو أن هذا القول صدر منه ﷺ على وفق ما كان المخاطب يغتنمه ويبتغيه حيازته من المال فبين أن اشتغالهم بأمر الدين خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، أو المراد أنها خير لهم في أمر المعاش الذي يتوخونه من ناقة كوماء وأما في أمر المعاد فإنها خير من الدنيا وما فيها، كذا في الميسر وشرح القاضي البيضاوي على المصابيح (٣).

стр. 4401

٢١٨٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من اسْتمع إِلَى آيَة من كتاب الله كتبت لَهُ حَسَنَة مضاعفة وَمن تَلَاهَا كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَحْمد عَن عباد بن ميسرَة وَاخْتلف فِي توثيقه عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة وَالْجُمْهُور على أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة (١) قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة" قال الليث بن سعد ﵀: يقال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن لقول الله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (٢) (٣) قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (٤): وإذا كان هذا الثواب لمستمع القرآن فكيف بتاليه، وفي الخبر أنه يدفع عن مستمعه بلوى الدنيا وعن تاليه بلوى الآخرة، وقال النخعي: أوحى الله إلى القبر أن لا يأكل لحم حامل القرآن فقال يا رب كيف آكله وقد قرأ كتابك؟ (٥) وقال الفضيل يعني ابن عياض: لو كان هذا القرآن آية

стр. 4402

بالمشرق وآية بالمغرب لكان للرجل حكم أن يذهب فيستمع كلام ربه ، وقال ثابت البناني: دخلت على مطرف عند النزع فأغمي عليه فسطع منه ثلاثة أنوار نور من رأسه ونور من صدره ونور من رجله، فلما أفاق سألته عن ذلك قال: هو نور السجدة ويس وتبارك (١) والله أعلم، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له ألف حسنة مضاعفة ومن تلا آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة" خرجه الوائلي أبو نصر (٢). قوله: في حديث الباب: رواه أحمد عن عباد بن ميسرة [هو عباد بن ميسرة المنقري التميمي البصري المعلم، ذكره ابن حبان في جملة الثقات قال: وكان من العباد وقال أبو داود: ثنا [أحمد بن وكيع] عنه ونحن نكتب حديثه، وقال الساجي: ليس حديثه بالقوي لكنه يكتب، وقال ابن عدي: وهو ممن

стр. 4403

يكتب حديثه، وذكره العقيلي وأبو العرب في جملة الضعفاء، وابن شاهين وابن خلفون في الثقات زاد: وهو عندي في الطبقة الرابعة من المحدثين وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه]. ٢١٨٩ - وَعَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الرب ﵎ من شغله الْقُرْآن عَن مَسْألتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين وَفضل كَلَام الله على سَائِر الْكَلَام كفضل الله على خلقه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يقول الرب ﵎: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" الحديث، وهذا الحديث نص في الباب لا يحتمل التأويل وهو يفسر قوله ﷺ في الحديث الآخر: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (٢) فأخبر ﷺ أنه من قرأ القرآن

стр. 4404

واشتغل به عن الدعاء أعطاه الله أفضل سؤال سأله أحد من خلقه، وروي: "من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين" خرجه ابن شاهين أبو حفص عمر بن أحمد (١)، وذكر الوابلي عن عطية بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله تعالى من كلامه، وما ورد إلى الله أحب إليه من كلامه" (٢) ذكره القرطبي في كتابه التذكار (٣). ٢١٩٠ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لهَا وطعمها حُلْو وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كمثل الحنظلة لَيْسَ لهَا ريح وطعمها مر.

стр. 4405

وَفِي رِوَايَة مثل الْفَاجِر بدل الْمُنَافِق رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). ٢١٩١ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لَهَا وطعمها طيب وَمثل الْفَاجِر الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كمثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْفَاجِر الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا وَمثل الجليس الصَّالح كَمثل صَاحب الْمسك إِن لم يصبك مِنْهُ شَيْء أَصَابَك من رِيحه وَمثل الجليس السوء كَمثل صَاحب الْكِير إِن لم يصبك من سوَاده أَصَابَك من دخانه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢). قوله: وعن أبي موسى الأشعري ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب" الأترجة: بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وضم الراء المهملة وتشديد الجيم، واحدة الأترج، وحكى أبو زيد: ترنجة بغير همزة مع ضم التاء وزيادة نون، في هذا الحديث فضيلة حافظ القرآن واستحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد وإنما يضرب المثل لكشف الغطاء وكان ﷺ يخاطب العرب بما يفهمونه.

стр. 4406

قوله: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن" إلى آخره، ضرب النبي ﷺ المثل للمؤمن بالأترجة لطيب طعمها وريحها عبارة عن طيب الظاهر [بالذكر والباطن] بالاعتقاد وضرب [للمنافق مثلا] بالريحان لأن ظاهره طيب [الريح] وإذا اختبرت باطنه وجدته [مرا] وضرب المثل للكافر بالحنظلة لخبث ظاهره وباطنه والله أعلم قاله في الديباجة (١). تنبيه: لم يوجد من الثمار الشجرية التي أنشأتها العرب في بلادهم أبلغ من هذا المعنى من الأترجة لكونها أفضل الثمار وأجدى لأسباب كثيرة منها كبر الجرم وحسن المنظر ومنها أنها طيبة الطعم لين الملمس ذكي الأرج ناقع لونها تسر الناظرين تتوق إليها النفس قبل التناول يفيد أكلها بعد الالتذاذ طيب نكهة وقوة هضم وأجزاؤها تنقسم طبائع، فإن قشرها حار يابس ولحمها حار رطب أو بارد رطب وحماضها بارد يابس وبزرها حار فتخفف ويدخل بهذه الأجزاء في الأدوية للأدواء المزمنة والأوجاع المقلقة مائة ثمرة تبلغ هذا المبلغ في كمال الخلقة وشمول المنفعة ثم إنه ﷺ أشار في ضرب هذا المثل إلى معان منها: أنه ضربه بما يخرجه من الشجر للمشابهة التي بينه وبين الأعمال فإنها من ثمرات النفوس وإن ضرب المؤمن نفسه فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه لأنه الكاشف عن حقيقة الحال ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بما تخرجه الشجر وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض تنبيها على علو شأن المؤمن وارتفاع عمله و دوام ذلك ما لم تيبس الشجرة وتوفيقا

стр. 4407

على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله وقلة جدواه وسقوط منزلته ومنها أن الأشجار المثمرة لا تخلوا عمن يغرسها ويسقيها ويربيها وكذلك المؤمن يقيض الله له من يؤدبه ويعلمه ويهذبه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء كذا في الميسر (١) ذكره شارح مشارق الأنوار (٢). لطيفة: الخواص لا تدخل الجن بيتا فيه الأترج، روينا عن الإمام أبي الحسن علي بن الحسن بن الحسين الخلعي نسبة إلى بيع الخلع وهو من أصحاب الشافعي وقبره معروف بالقرافة بإجابة الدعاء وكان يقال قاضي الجن أنه أخبر أنهم كانوا يأتون إليه ويقرؤون عليه وأنهم أبطأوا عنه جمعة ثم أتوه فسألهم عن ذلك فقالوا: كان في بيتك شيء من هذا الأترج وإنا لا ندخل بيتا هو فيه، قال الحافظ أبو الطاهر السلفي: وكان الخلعي إذا سمع عليهم الحديث يختم مجالسه بهذا الدعاء وهو اللهم ما مننت به فتممه وما أنعمت به فلا تسلبه وما سترته فلا تهتكه وما علمته فاغفره، توفي في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (٣). قلت: ولهذا ضرب النبي ﷺ المثل للمؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة لأن الشيطان يهرب من قلب المؤمن القارئ للقرآن فناسب ضرب المثل به بخلاف سائر الفواكه، وفي المستدرك في تراجم الصحابة من حديث أحمد بن

стр. 4408

حنبل عن عبد القدوس عن بكير بن حبيش بإسناده إلى مسلم بن صبيح (١) قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف وهي تقطع له الأترج وتطعمه له بالعسل فقالت: هذا ابن أم مكتوم الأعمى عاتب الله فيه نبيه ﷺ ما زال هذا له من آل محمد ﷺ (٢)، وفي تخصيصه بالأترج والعسل ما لا يخفى على متأمل (٣) والله أعلم. وفي معجم الطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ "يعجبه النظر إلى الأترج وكان يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر" (٤) والله أعلم ذكره الشيخ كمال الدين الدميري في

стр. 4409

حياة الحيوان (١). قوله ﷺ "ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر" فأخبر أن الفاجر يقرؤه وقال الإمام مالك قد يقرأ القرآن من لا خير فيه (٢) وأخبر الحق سبحانه بأن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من اليهود والنصارى يقرؤونه قال الإمام القرطبي ومن دخل النار من القراء الموحدين فإنه يخرج بالشفاعة ثم يدخل الجنة (٣). قوله ﷺ "ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها" والحنظلة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة معروفة. قوله ﷺ "ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه

стр. 4410

شيء أصابك من ريحه" الحديث وسيأتي الكلام على ذلك في بابه. ٢١٩٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ الماهر بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَالَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن ويتتعتع فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شاق لَهُ أَجْرَانِ. وَفِي رِوَايَة وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يشْتَد عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). قوله: وعن عائشة ﵂ تقدم الكلام على عائشة. قوله ﷺ "الماهر بالقرآن" الحديث، الماهر بالقرآن الحاذق بالقراءة الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة لجوده حفظه وإتقانه والماهر مأخوذ من المهارة قال أبو العباس القرطبي: المهارة في القراءة جودة التلاوة كجودة الحفظ فلا يتردد فيه لأنه يسره الله عليه كما يسره على الملائكة فهو على مثلها في الحفظ والدرجة اهـ والمهارة الحذق في الشيء وقد مهر يمهر مهارة قاله في النهاية. قوله: "السفرة الكرام البررة" والسفرة جمع سافر وهم ملائكة الوحي ككاتب والسافر السول والسفارة الرسل لأنه يسفرون إلى الناس برسالات الله تعالى وقيل السفرة الكتبة جمع سافر أيضا من السفر وأصله الكشف فإن الكاتب يبين ما يكتب ويوضحه ومنه قيل للكتاب سفر بالكشف لأنه يكشف

стр. 4411

عن الحقائق ومنه أسفار الكتب (١) وعلى هذا فيكون [وجه] كونهم مع الملائكة أن حملة [القرآن يبلغون] كلام الله إلى خلقه فهم سفراء بين رسل الله وبين خلقه فهم معهم أي في مرتبتهم في هذه العبادة و [يستفيد] من هذا حملة القرآن التحرز في التبليغ [والتعليم والاجتهاد في] في تحصيل [الصدق] والإخلاص في النية لله تعالى حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة (٢) اهـ. "الكرام البررة" والبررة جمع بار وهو المطيع مأخوذ من البر وهو الطاعة وقيل الإحسان، قال القاضي عياض (٣) يحتمل أن يكون ممعن كونه مع السفرة الكرام البررة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله قال ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم وسالك مسلكهم والمراد بهؤلاء الملائكة الذين هم حملة اللوح المحفوظ كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (٤) سموا بذلك لأنهم ينقلون الكتب الإلهية المنزلة إلى الأنيباء فإنهم يستنسخونها والماهر بالقرآن من حيث أنه حامل للقرآن حافظ له أمين عليه يؤديه إلى المؤمنين ويكشف لهم ما يلتبس عليهم مع السفرة ومعدود من أعدادهم فإنهم الحاملون لأصله الحافظون له ينزلون به على رسل الله تعالى ويؤدون

стр. 4412

إليهم ألفاظه ويكشفون عليهم معانيه (١) ذكره في شرح مشارق الأنوار (٢). فائدة: قال الإمام القرطبي في كتابه التذكار: ولا يكون ماهرا بالقرآن إلا حتى يكون عالما بالقرآن وذلك بأن يتعلم أحكامه فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه ويعرف المكي من المدني ليفرق بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام وما ندبهم إليه في آخر الإسلام وما افترض في أول الإسلام وما زاد عليهم من الفرائض في آخره ويعرف الإعراب والغريب كذلك يسهل عليه معرفة ما يقرأ ويزيل عنه الشك فيما يملو ثم ينظر في السور المأثورة الثابتة عن رسول الله ﷺ فيها يصل الطالب إلى مراد الله في كتابه وهي تفتح له أحكام قد قال الضحاك في قول الله : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ (٣) حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيها فإذا حصلت هذه المراتب لقارئ القرآن كان ماهرا وهو الكمال والماهر الحاذق بالشيء والعالم به (٤) اهـ. قوله ﷺ "والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه" الحديث، التعتعة في الكلام التردد في تلاوته لضعف حفظه (٥) ومعناه يقف في قراءته (٦).

стр. 4413

قوله ﷺ "له أجران" أي أجر القرأءة وأجر ما يعتريه من المشقة في قراءته ودرجة الماهر فوق ذلك كله لأنه قد كان قرأ القرآن متتعتعا عليه ثم ترقى عن ذلك إلى أن شبه بالملائكة (١). قال القاضي عياض (٢) وغيره من العلماء: وليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجرًا لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، ولم يذكر هذه المنزلة لغيره وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله تعالى وحفظه وإتقانه وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه حتى مهر فيه قاله في الديباجة (٣). ٢١٩٣ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإِنَّهُ رَأس الأمر كُله قلت يَا رَسُول الله زِدْنِي قَالَ عَلَيْك بِتِلَاوَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ نور لَك فِي الأَرْض وَذخر لَك فِي السَّمَاء رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث طَوِيل (٤).

стр. 4414

قوله: وعن أبي ذر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله "قلت يا رسول الله زدني قال عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء" الذخر بالذال المعجمة. ٢١٩٤ - وَعَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْقُرْآن شَافِع مُشَفع وَمَاحِل مُصدق من جعله أَمَامه قَادَهُ إِلَى الْجنَّة وَمن جعله خلف ظَهره سَاقه إِلَى النَّار رَوَاه ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). ماحل بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة أَي ساع وَقيل خصم مجادل. قوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "القرآن شافع مشفع وماحل مصدق" المشفع بفتح الحاء المقبول الشفاعة والمراد بذلك أنه يشفع يوم القيامة في كل من آمن به واتبعه. قوله "وماحل مصدق" الماحل بكسر الهاء المهملة أي ساع وقيل خصم مجادل اهـ. قاله المنذري وقال في النهاية (٢): وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان، إذا سعى به إلى السلطان يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه فإنه شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به. ومنه حديث الدعاء "لا تجعله ماحلا مصدقا". اهـ قوله "مصدق" يروى بفتح الدال وكسرها ومعنى الفتح أنه سبب إعجازه

стр. 4415

شاهد للنبي ﷺ بصحة نبوءته وصحة رسالته والمؤمنون في هذه الشهادة ومعنى الكسر أنه شاهد على جميع الأمم الماضية مصدق لسائر الكتب المنزلة قبله كما قال تعالى مصدقا لما بين يديه. قوله ﷺ "من جعله أمامه قاده إلى الجنة" بفتح الهمزة أي قدامه والمراد بجعله أمامه اتباعه والاقتداء به. قوله "ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار" والمراد بجعله خلف ظهره الإعراض عنه وترك العمل به قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ (١) الآية قاله الأصبهاني في شرح الأربعين الودعانية (٢). وقال في النهاية (٣): وفي حديث الأشعري "اتبعوا القرآن ولا يتبعنكم" أي اجعلوه أمامكم ثم اتلوه، وأراد: لا تدعوا تلاوته والعمل به فتكونوا قد جعلتموه وراءكم. وقيل معناه لا يطلبنكم لتضييعكم إياه كما يطلب الرجل صاحبه بالتبعة. اهـ ٢١٩٥ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اقرؤوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لأصحابه الحَدِيث رَوَاه مسلم وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله (٤).

стр. 4416

قوله: وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" الحديث، وفيه إظهار العناية لحامله وتكريمه بنصبه شافعا له بعد تحقق خوفه قاله صاحب حدائق الأولياء (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: يجيء القرآن يوم القيامة، فيشفع لصاحبه، فيكون قائدا إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقا إلى النار (٢). قال بعض السلف: ما جالس أحد القرآن، فقام عنه سالما؛ بل إما أن يربح أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) (٤) ذكره ابن رجب الحنبلي (٥). ٢١٩٦ - وَعَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن وَعمل بِهِ ألبس والداه تاجا يَوْم الْقِيَامَة ضوؤه أحسن من ضوء الشَّمْس فِي بيُوت الدُّنْيَا فَمَا ظنكم بِالَّذِي عمل بِهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَكِلَاهُمَا عَن زبان عَن سهل وَقَالَ الْحَاكِم صحِيح الْإِسْنَاد (٦).

стр. 4417

قوله: وعن سهل بن معاذ عن أبيه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة" أي تاج التوقير والكرامة فالعلماء مجمعون على القول به وأن المطلوب العمل بما يقرأ ويتلو وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال "إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شيء منه" وفي حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال "شر الناس: رجل يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه" أي لا ينكف ولا ينزجر [من رعا يرعو] إذا كف عن الأمور وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواء والاسم الرعياء بالفتح والضم وقيل الارعواء الندم على الشيء والانصراف عنه والترك (١) اهـ. وفي حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع معناه أن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب اهـ. والتراقي جمع ترقوة وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجنبين والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها فكأنها لم تجاوز حلوقهم وقيل المعنى إنهم لا يعملون بالقرآن فلا [يثابون] على قراءته فلا يحصل لهم غير القراءة قاله في النهاية (٢).

стр. 4418

فبين ﷺ أن المقصود العمل كما بينا وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن بإقامة حدوده (١)، وروى شريك عن ابن إسحاق عن شداد بن أوس قال قال رسول الله ﷺ "ثلاثة كرباء: قرآن في قلب رجل فاجر، ومصحف في بيت لا يقرأ فيه، وصالح مع الظالمين" (٢)، وروي أبو داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فقال: "أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟ " قلنا: الملائكة، قال: وحق لهم بل غيرهم، قلنا: الأنبياء، قال: "وحق لهم، بل غيرهم"، ثم قال رسول الله ﷺ : "أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانًا" (٣)، قال القرطبي: قال العلماء رحمة الله عليهم: حملة

стр. 4419

القرآن وقراؤه هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه (١). قوله ﷺ : "فما ظنكم بالذي عمل بهذا" أي: بالقرآن. ٢١٩٧ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ مَا أذن الله لعبد فِي شَيْء أفضل من رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهمَا وَإِن الْبر ليذر على رَأس العَبْد مَا دَامَ فِي صلَاته وَمَا تقرب الْعباد إِلَى الله بِمثل مَا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٢). قوله: وروي عن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "وما تقرب العباد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه" الحديث، قال أبو النضر (٣): يعني القرآن، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت يا رب: ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؛ فقال: بكلامي يا أحمد. فقلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم. نقل هذه الرؤيا عنه كبار العلماء. واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بشيء أفضل من كلامه لا شيء عند المحبين أحلى من كلام الله محبوبهم فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم (٤)، قال

стр. 4420

عثمان ﵁: لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم (١)، وقال ابن مسعود: من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله (٢)، وقال بعض العارفين لمريد: أتحفظ القرآن، قال: لا، فقال: واغوثاه بالله، مريد لا يحفظ القرآن فبما يتنغم فيما يترنم فبما يناجي ربه (٣)، كان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم اشتغل عنه بغيره فرأى في المنام: إن كنت تزعم حبي ... فلم جفوت كتابي أما تأملت ما فيه ... من لطيف عتابي ذكره ابن رجب الحنبلي (٤). ٢١٩٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَجِيء صَاحب الْقُرْآن يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول الْقُرْآن يَا رب حلّه فيلبس تَاج الْكَرَامَة ثمَّ يَقُول يَا رب زده فيلبس حلَّة الْكَرَامَة ثمَّ يَقُول يَا رب ارْض عَنهُ فيرضى عَنهُ فَيُقَال لَهُ اقْرَأ وارق ويزداد بِكُل آيَة حَسَنَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٥).

стр. 4421

قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة" الحديث، وفي حديث آخر: "يعطي صاحب القرآن الملك بيمينه والخلد بشماله" الحديث (١)، قال ابن الأثير في النهاية (٢) معناه: لم يرد أن شيئا يوضع في يديه، وإنما أراد أن الخلد والملك يجعلان له في مملكته، فلما كانت اليد على الشيء سبب الملك له والاستيلاء عليه، فاستعير اليمين والشمال لأن الأخذ والقبض بهما. ٢١٩٩ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُقَال لصَاحب الْقُرْآن اقْرَأ وارق ورتل كمَا كنت ترتل فِي الدُّنْيَا فَإِن مَنْزِلك عِنْد آخر آيَة تقرؤها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح (٣).

стр. 4422

قَالَ الْخطابِيّ جَاءَ فِي الْأَثر أَن عدد آي الْقُرْآن على قدر درج الْجنَّة فَيُقَال للقارئ ارق فِي الدرج على قدر مَا كنت تقْرَأ من آي الْقُرْآن فَمن استوفى قِرَاءَة جَمِيع الْقُرْآن استولى على أقْصَى درج الْجنَّة فِي الْآخِرَة وَمن قَرَأَ جُزْءا مِنْهُ كَانَ رقِيه فِي الدرج على قدر ذَلِك فَيكون مُنْتَهى الثَّوَاب عِنْد مُنْتَهى الْقِرَاءَة (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها" الحديث، قال الخطابي ﵀ (٢): جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأمن آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة، أ. هـ. وقالت عائشة ﵂: إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن، ذكره مكي مرفوعا (٣)، وفي المسند عن

стр. 4423

أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "إن في الجنة مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم". (١) وفي المسند أيضًا عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه" (٢) وهذا صريح في [أن درج الجنة تزيد] على مائة وأما حديث أبي هريرة الذي في البخاري (٣) عن النبي قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله" الحديث، فإما أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج وإما أن تكون من نهايتها [هذه المائة] وفي ضمن من كل درجة دونها قاله في حادي الأرواح (٤). وروى الترمذي عن عبادة بن الصامت مرفوعا "في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام"، وقال: حسن غريب [ولا] تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطيء والنبي ﷺ هذا تقريبا للإفهام وإعلاء درجات الجنة (٥)، الوسيلة وهي منزلة النبي ﷺ ذكر هذا لأنه أعظم الخلق عبودية

стр. 4424

لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة فلذلك كانت هذه منزلة وأمر ﷺ أمته أن يسألوها له لتنال الأمة بهذا الدعاء [زلفى من الله وزيادة الإيمان] (١)، وروي عن ابن عباس [قال: قال رسول الله ﷺ :] قال: "درج الجنة على قدر آي القرآن لكل آية درجة فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة وعشرون آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض" (٢) أ. هـ. وكلمات القرآن [سبع] وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وحروفه ثلاثمائة [ألف] وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا على اختلاف في ذلك بين أهل المدينة وأهل الكوفة (٣). ٢٢٠٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل أعطَاهُ الله مَالا فَتصدق بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٤). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليهما. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" الحديث، الحسد: تمني زوال النعمة عن غيره، والغبطة تمني مثلها من غير زوالها، والحسد حرام والغبطة في الخير

стр. 4425

محبوبة، والمراد بقوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" أي: لا غبطة محبوبة يتأكد الاهتمام بها إلا في اثنتين (١). قوله ﷺ : "رجل آتاه الله هذا الكتاب فقام به آناء الليل وآناء النهار" يحتمل أن يراد بالقيام تلاوته، وعليه يدل قوله في حديث أبي هريرة فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ويحتمل أن يراد بالقيام به تفهمه والاستنباط منه والتفقه فيهن وعليه يدل قوله في حديث ابن مسعود: "ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" قال النووي (٢): والحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (٣)، أ. هـ. وتقدم الكلام على الحكمة مبسوطًا في العلم وغيره. قوله ﷺ : "ورجل أتاه الله مالا فتصدق به آناء الليل وآناء النهار" آناء: بالمد أي ساعاته وواحد الآناء إناء مثل معي، وإناء: بفتح الهمزة وكسرها وانو وأنى بالواو والياء مع كسر الهمزة فيهما أربع لغات (٤). ٢٢٠١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل علمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَسَمعهُ جَار لَهُ فَقَالَ لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ

стр. 4426

يهلكه فِي الْحق فَقَالَ رجل لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قَالَ المملي وَالْمرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني متل مَا للمحسود لَا تمني زَوَال تِلْكَ النِّعْمَة عَنهُ فَإِن ذَلِك الْحَسَد المذموم. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل" الحديث، وقال النووي (٢): قال العلماء: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها وهو حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة الصحيحة، وأما المجازي: فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمى التي على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت في أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد بالحديث: لا غبطة محمودة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما أ. هـ، فأشار إلى أن إطلاق الحسد في هذا الحديث مجاز وأنها اغتباط ويدل على أنه ليس المراد في هذا تمني زوال نعمة الإنفاق والقراءة على صاحبها، وإنما المراد أن يكون له مثلها (٣).
следующие страницы →