← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4422–4461 · переход к 4427.

стр. 4422

قَالَ الْخطابِيّ جَاءَ فِي الْأَثر أَن عدد آي الْقُرْآن على قدر درج الْجنَّة فَيُقَال للقارئ ارق فِي الدرج على قدر مَا كنت تقْرَأ من آي الْقُرْآن فَمن استوفى قِرَاءَة جَمِيع الْقُرْآن استولى على أقْصَى درج الْجنَّة فِي الْآخِرَة وَمن قَرَأَ جُزْءا مِنْهُ كَانَ رقِيه فِي الدرج على قدر ذَلِك فَيكون مُنْتَهى الثَّوَاب عِنْد مُنْتَهى الْقِرَاءَة (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها" الحديث، قال الخطابي ﵀ (٢): جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأمن آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة، أ. هـ. وقالت عائشة ﵂: إن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة فليس أحد دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن، ذكره مكي مرفوعا (٣)، وفي المسند عن

стр. 4423

أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ : "إن في الجنة مائة درجة ولو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن وسعتهم". (١) وفي المسند أيضًا عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه" (٢) وهذا صريح في [أن درج الجنة تزيد] على مائة وأما حديث أبي هريرة الذي في البخاري (٣) عن النبي قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله" الحديث، فإما أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدرج وإما أن تكون من نهايتها [هذه المائة] وفي ضمن من كل درجة دونها قاله في حادي الأرواح (٤). وروى الترمذي عن عبادة بن الصامت مرفوعا "في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام"، وقال: حسن غريب [ولا] تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمسمائة لاختلاف السير في السرعة والبطيء والنبي ﷺ هذا تقريبا للإفهام وإعلاء درجات الجنة (٥)، الوسيلة وهي منزلة النبي ﷺ ذكر هذا لأنه أعظم الخلق عبودية

стр. 4424

لربه وأعلمهم به وأشدهم له خشية وأعظمهم له محبة فلذلك كانت هذه منزلة وأمر ﷺ أمته أن يسألوها له لتنال الأمة بهذا الدعاء [زلفى من الله وزيادة الإيمان] (١)، وروي عن ابن عباس [قال: قال رسول الله ﷺ :] قال: "درج الجنة على قدر آي القرآن لكل آية درجة فتلك ستة آلاف ومائتا آية وستة وعشرون آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض" (٢) أ. هـ. وكلمات القرآن [سبع] وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وحروفه ثلاثمائة [ألف] وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا على اختلاف في ذلك بين أهل المدينة وأهل الكوفة (٣). ٢٢٠٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتَاهُ الله هَذَا الْكتاب فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل أعطَاهُ الله مَالا فَتصدق بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٤). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليهما. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" الحديث، الحسد: تمني زوال النعمة عن غيره، والغبطة تمني مثلها من غير زوالها، والحسد حرام والغبطة في الخير

стр. 4425

محبوبة، والمراد بقوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" أي: لا غبطة محبوبة يتأكد الاهتمام بها إلا في اثنتين (١). قوله ﷺ : "رجل آتاه الله هذا الكتاب فقام به آناء الليل وآناء النهار" يحتمل أن يراد بالقيام تلاوته، وعليه يدل قوله في حديث أبي هريرة فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ويحتمل أن يراد بالقيام به تفهمه والاستنباط منه والتفقه فيهن وعليه يدل قوله في حديث ابن مسعود: "ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" قال النووي (٢): والحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (٣)، أ. هـ. وتقدم الكلام على الحكمة مبسوطًا في العلم وغيره. قوله ﷺ : "ورجل أتاه الله مالا فتصدق به آناء الليل وآناء النهار" آناء: بالمد أي ساعاته وواحد الآناء إناء مثل معي، وإناء: بفتح الهمزة وكسرها وانو وأنى بالواو والياء مع كسر الهمزة فيهما أربع لغات (٤). ٢٢٠١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل علمه الله الْقُرْآن فَهُوَ يتلوه آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَسَمعهُ جَار لَهُ فَقَالَ لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ

стр. 4426

يهلكه فِي الْحق فَقَالَ رجل لَيْتَني أُوتيت مثل مَا أُوتِيَ فلَان فَعمِلت مثل مَا يعْمل رَوَاهُ البُخَارِيّ (١). قَالَ المملي وَالْمرَاد بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَة وَهُوَ تمني متل مَا للمحسود لَا تمني زَوَال تِلْكَ النِّعْمَة عَنهُ فَإِن ذَلِك الْحَسَد المذموم. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل" الحديث، وقال النووي (٢): قال العلماء: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها وهو حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة الصحيحة، وأما المجازي: فهو الغبطة وهو أن يتمنى مثل النعمى التي على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت في أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد بالحديث: لا غبطة محمودة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما أ. هـ، فأشار إلى أن إطلاق الحسد في هذا الحديث مجاز وأنها اغتباط ويدل على أنه ليس المراد في هذا تمني زوال نعمة الإنفاق والقراءة على صاحبها، وإنما المراد أن يكون له مثلها (٣).

стр. 4427

٢٢٠٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يهولهم الْفَزع الْأَكبَر وَلَا ينالهم الْحساب هم على كثيب من مسك حَتَّى يفرغ من حِسَاب الْخَلَائق رجل قَرَأَ الْقُرْآن ابْتِغَاء وَجه الله وَأم بِهِ قوما وهم بِهِ راضون وداع يَدْعُو إِلَى الصَّلَوَات ابْتِغَاء وَجه الله وَعبد أحسن فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَفِيمَا بَينه وَبَين موَالِيه رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالصَّغِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (١). وَرَوَاهُ فِي الْكَبير بِنَحْوِهِ وَزَاد فِي أَوله قَالَ ابْن عمر ﵁ لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله ﷺ إِلَّا مرّة وَمرَّة حَتَّى عد سبع مَرَّات لما حدثت بِهِ (٢). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاثة لا يهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب" تقدم الكلام على الفزع الأكبر في الأذان وقريبا في في أواخر كتاب الجهاد أنه إطباق النار على أهلها. ٢٢٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ بعث رَسُول الله ﷺ بعثا وهم ذَوُو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل مِنْهُم يَعْنِي مَا مَعَه من الْقُرْآن فَأتى على رجل من أحدثهم سنا فَقَالَ مَا مَعَك يَا فلَان قَالَ معي كَذَا وَكَذَا وَسورَة الْبَقَرَة فَقَالَ أَمَعَك سُورَة الْبَقَرَة قَالَ نعم قَالَ اذْهَبْ فَأَنت أَمِيرهمْ فَقَالَ رجل من أَشْرَافهم وَالله مَا مَنَعَنِي أَن أتعلم الْبَقَرَة إِلَّا خشيَة أَلا أقوم بهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تعلمُوا

стр. 4428

الْقُرْآن واقرؤوه فَإِن مثل الْقُرْآن لمن تعلمه فقرأه كمثل جراب محشو مسكا يفوح رِيحه فِي كل مَكَان وَمن تعلمه فيرقد وَهُوَ فِي جَوْفه فَمثله كمثل جراب أوكئ على مسك رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: بعث رسول الله ﷺ بعثا وهم ذوو عدد، فذكر الحديث إلى أن قال: فأتى على رجل من أحدثهم سنا فقال ما معك يا فلان قال معي كذا وكذا وسورة البقرة فقال "أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: "اذهب فأنت أميرهم" الحديث. قوله: "كمثل جراب أوكئ على مسك" الجراب، فيه وجهان فتح الكاف وكسرها. وقوله: "أوكئ على مسك" الوكاء الرباط. ٢٢٠٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فقد استدرج النُّبُوَّة بَين جَنْبَيْهِ غير أَنه لَا يُوحى إِلَيْهِ لَا يَنْبَغِي لصَاحب الْقُرْآن أَن يجد مَعَ من وجد وَلَا يجهل مَعَ من جهل وَفِي جَوْفه كَلَام الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢).

стр. 4429

قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله" الحديث، وعن عبد الله بن مسعود قال: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس مقيلون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس [يختالون] وبحزنه إذا الناس [يفرحون] (١)، وفي الحلية في ترجمة الفضيل بن عياض أنه قال: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو ولا يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو، وينبغي لحامل القرآن أن لَا يكون له إلى الناس حاجة وأن تكون حوائج الخلق إليه (٢) أ. هـ. ٢٢٠٥ - وَعنهُ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الصّيام وَالْقُرْآن يشفعان للْعَبد يَقُول الصّيام رب إِنِّي منعته الطَّعَام وَالشرَاب بِالنَّهَارِ فشفعني فِيهِ وَيَقُول الْقُرْآن رب منعته النّوم بِاللَّيْلِ فشفعني فِيهِ فيشفعان رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْجُوع وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٣).

стр. 4430

قوله: وعنه ﵁ أيضًا، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة" الحديث. إن قال قائل: كيف يشفع القرآن والصيام وإنما ذلك عمل العاملين؟ قيل له: يجيء القرآن فيقول أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك الحديث كالرجل الشاحب (١) أي المتغير اللون والجسم بعارض من مرض [أو سفر ونحوهما] والشحوب [الهزال] أي: يجيء ثواب قراءة القرآن. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: "يؤتى بالقرآن وأهله الذين يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما" وسيأتي الحديث قريبا، قال العلماء: قوله "يحاجان عن صاحبهما" أي: يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة كما جاء في بعض الحديث "أن من قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) الآية خلق الله سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة"، قلت: فكذلك يخلق الله من ثواب قراءة القرآن والصيام ملكين كريمين يشفعان له وكذلك سائر الأعمال الصالحة إن شاء الله تعالى كما ذكره ابن المبارك في حديث مطول، ذكره القرطبي في التذكرة (٣).

стр. 4431

٢٢٠٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن أسيد بن حضير بَيْنَمَا هُوَ فِي لَيْلَة يقْرَأ فِي مربده إِذْ جالت فرسه فَقَرَأَ ثمَّ جالت أُخْرَى فَقَرَأَ ثمَّ جالت أُخْرَى أَيْضا قَالَ أسيد فَخَشِيت أَن تطَأ يحيى فَقُمْت إِلَيْهَا فَإِذا مثل الظلة فَوق رَأْسِي فِيهَا أَمْثَال السرج عرجت فِي الجو حَتَّى مَا أَرَاهَا قَالَ فَغَدَوْت على رَسُول الله ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله بَيْنَمَا أَنا البارحة فِي جَوف اللَّيْل أَقرَأ فِي مربدي إِذْ جالت فرسي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اقْرَأ ابْن حضير قَالَ فَقَرَأت ثمَّ جالت أَيْضا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اقْرَأ ابْن حضير قَالَ فَقَرَأت ثمَّ جالت أَيْضا ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْرَأ ابْن حضير قَالَ فَانْصَرَفت وَكَانَ يحيى قَرِيبا مِنْهَا خشيت أَن تطأه فَرَأَيْت مثل الظلة فِيهَا أَمْثَال السرج عرجت فِي الجو حَتَّى مَا أَرَاهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْمَلَائِكَة تستمع لَك وَلَو قَرَأت لأصبحت يَرَاهَا النَّاس مَا تستتر مِنْهُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (١). وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِنَحْوِهِ بِاخْتِصَار وَقَالَ فِيهِ فَالْتَفت فَإِذا أَمْثَال المصابيح قَالَ مدلاة بَين السَّمَاء وَالأرْض فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا اسْتَطَعْت أَن أمضي فَقَالَ تِلْكَ الْمَلائِكَة نزلت لقِرَاءَة الْقُرْآن أما إِنَّك لَو مضيت لرأيت الْعَجَائِب وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢). الظلة بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام هِيَ الغاشية وَقيل السحابة. قوله: وعن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام عليه.

стр. 4432

قوله: أن أُسَيد بن حُضير، أسيد بضم الهمزة وفتح السين وبالياء المثناة تحت آخر الحروي وبالدالى، وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة والياء آخر الحروف ثم بالراء المهملة وفي الحديث (١) أن عيينة بن حصن الفزاري مد رجله بين يدي رسول الله ﷺ فقال أسيد بن حضير: يا عين الهجرس أتمد رجلك بين يدي رسول الله ﷺ [ولد الثعلب والجمع هجارس] قيل [للأصمعي]: ما الهجرس؟ قال: الثعلب، وقيل: ولد الثعلب، وقيل: هو ولد الدب، وقال [أبو زيد:] هو القرد وفي الاستيعاب (٢) في ترجمة أسيد بن حضير قال: جاء عامر بن الطفيل وأربد إلى رسول الله ﷺ فسألاه أن يجعل له نصيبا من [تمر المدينة] فأبى رسول الله ﷺ فقال عامر بن الطفيل أملأنها عليك خيلا جردا ورجلا مردا فقال ﷺ : "اللهم اكفني عامر بن الطفيل" فأخذ أسيد بن حضير الرمح وجعل [يقرع رؤوسهما] ويقول اخرجا أيها الهجرسان قال عامر: من أنت قال: أسيد بن حضير قال أبوك خير منك، قال: بل أنا خير منك ومن أبي مات أبي وهو كافر فلما رجع عامر وأربد من عند رسول الله ﷺ وكانوا ببعض الطريق أرسل الله تعالى على أربد صاعقة أحرقته وأحرقت بعيره وبعث الله على عامر الطاعون في عنقه فقتله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول: يا بني عامر أغدة كغدة [وموتا في سلولية] هنا فلما [كان زمن معاوية أراد] أن ينقصه الخمس مائة فقال له

стр. 4433

كلاما مشهورا في موضعه لم أذكره فرق له معاوية وتركها له فمات لبيد بعد ذلك بأيام قليلة [وقد قيل: إنه قال] في الإسلام واحدا وهو: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي ... حَتَّى لَبِسْتُ مِنَ الْإِسْلَامِ سِرْبَالَا وقيل قال: وَلَقَدْ سَئِمتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيفَ لَبيدُ أ. هـ، قاله في حياة الحيوان (١). كغدة البعير وموتا في بيت سلولية، وقيل: عامر بن الطفيل أسلم [والصواب أن عامر بن الطفيل] لم يؤمن بالله طرفة عين لم يختلف أحد من أهل النقل في ذلك، وأما أربد المذكور فهو أخو لبيد الشاعر الذي عاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها شعرًا، سأله عمر عن تركه الشعر، فقال: ما كنت لأقول شهرا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه خمسمائة درهم من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة (٢). قوله: بينما هو في ليلة يقرأ في مربده، المربد بكسر الميم وإسكان الراء وفتح الباء الموحدة المهملة وهو الموضع الذي تحبس فيه الإبل وهو مثال الحظيرة للغنم، ومربد البصرة سوق الإبل التي تحبس فيه للبيع وأهل المدينة يسمون الموضع الذي ييبس فيه التمر إذا طرح كالبيدر للحنطة ونحوها مربدا (٣).

стр. 4434

قوله: إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضًا، الحديث؛ قوله: جالت: أي نفرت عن مكانها بمعنى دارت ووثبت يقال: جال واجتال إذا ذهب وجاء ومنه الجولان في الحرب، والجائل [الزائل عن] مكانه ويقال جال يجول [جولة] إذا دار قاله في النهاية (١) وقال: هنا جالت فأنث الفرس، وفي بعض الروايات: وعنده فرسه [مربوط] فذكره، وهما صحيحان والفرس يقع على الذكر والأنثى (٢). قوله: فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، الحديث، الظلة هي الغاشية، وقيل: السحابة قاله المنذري. تنبيه: وقد عذب الله تعالى قوم شعيب بالظلة، يروى أنه حبس عليهم الريح وسلط عليهم الحر فأخذ بأنفاسهم فاضطروا إلى أن خرجوا من البيوت إلى الصحراء فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردا [ونسيما] فاجتمعوا تحتها كلهم فأمطرت عليهم نارا فأحرقوا كلهم وكان شعيب مبعوثا إلى أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، قاله الكرماني (٣) وكل هذه عقوبات بسبب المعاصي ذكره ابن رجب (٤).

стр. 4435

قوله: "تلك الملائكة نزلت لقراءة القرآن" قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها بني آدم والملائكة لم يعطوا هذه الفضيلة وهي حريصة على استماعه من الإنس كذا أفتى ابن الصلاح وقد يتوقف فيه من جهة أن جبريل ﵇ هو النازل بالقرآن على النبي ﷺ ، وقال الله تعالى في وصف الملائكة ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ (١) أي: يتلوا القرآن ذكره ابن الأثير في النهاية (٢). قوله: عرجت في الجو، وعرجت بعين وراء مهملتين وجيم مفتوحات أي: ارتفعت والجو بفتح الجيم وتشديد الواو ما بين السماء والأرض. قوله ﷺ : اقرأ ابن حضير قال: فقرأت ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ : "اقرأ ابن حضير" وفي الرواية الأخرى: اقرأ ثلاث مرات واقرأ يا بلال معناه: كان ينبغي أن تستمر على القراءة وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة، وتستكثر من القراءة التي هي سبب بقائها (٣) وكان أسيد بن حضير من أحسن الناس صوتا بالقرآن (٤). قوله: "تلك الملائكة تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم" وفي الرواية الأخرى: "تلك السكينة نزلت لقراءة القرآن"، قد قيل في معنى السكينة هنا أشياء المختار منها أنها شيء من

стр. 4436

مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة يستمعون القرآن وفي هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة الملائكة، وفيه فضيلة قراءة القرآن وانها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة، وفيه فضيلة استماع القرآن (١). ٢٢٠٧ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم لَا ترجعون إِلَى الله بِشَيْء أفضل مِمَّا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن جُبَير بن نفير (٢). قوله: وعن أبي ذر، تقدم الكلام عليه. قوله: "إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه" [يعني القرآن، لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم]. ٢٢٠٨ - وَعَن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته مَا اسْتَطَعْتُم إِن هَذَا الْقُرْآن حَبل الله والنور الْمُبين والشفاء النافع عصمَة لمن تمسك بِهِ وَنَجَاة لمن اتبعهُ لَا يزِيغ فيستعتب وَلَا يعوج فَيقوم وَلَا تَنْقَضِي عجائبه وَلَا يخلق من كثْرَة الرَّد اُتْلُوهُ فَإِن الله يَأْجُركُمْ على تِلَاوَته كل حرف عشر حَسَنَات أما إِنِّي لَا أَقُول الم حرف وَلَكِن ألف حرف وَلام حرف وَمِيم حرف رَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة

стр. 4437

صَالح بن عمر عَن إِبْرَاهِيم الهجري عَن أبي الأحْوَص عَنهُ وَقَالَ تفرد بِهِ صَالح بن عمر عَنهُ وَهُوَ صَحِيح (١). قوله: وعن عبد الله يعني ابن مسعود ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن هذا القرآن مأدبة الله" والمأدبة لفتح الدال وضمها والمشهور الضم هو الطعام الذي يدعى إليه فكل طعام عمل لدعوة فهو مأدبة. قوله: "فاقبلوا مأدبته ما استطعتم" وفي رواية: "مأدبة الله في الأرض" يعني مدعاته وهو صنيع يصنعه الرجل يدعو إليه الناس شبه القرآن بصنيع يصنعه الله للناس لهم فيه خير ومنافع وسمي الأدب أدبا لأنه يدعو إلى المحامد (٢). قوله ﷺ : "إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين" وفي حديث: "هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" [أي نور ممدود، يعني نور هداه] والعرب تشبه النور الممتد بالحبل والخيط ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) يعني نور الصبح من ظلمة الليل، وفي رواية: "حبل الله المبين" يعني: نور هداه وفي حديث الدعاء ["يا ذا الحبل الشديد"] والمراد به القرآن [، أو الدين]، أو السبب

стр. 4438

ومنه قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) ووصفه بالشدة لأنها من صفات الحبال والشدة في الدين الثبات والاستقامة، وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى: "انقطعت بي الحبال في سفر" أي: انقطعت بي الأسباب (٢)، أ. هـ. والحبل العهد والميثاق، ومنه حديث ابن مسعود "عليكم بحبل الله" أي: كتابه ويجمع الحبل على حبال قاله في النهاية (٣). قوله: "والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه" الحديث، الاعتصام بحبل الله هو اتباع القرآن وترك الفرقة (٤) فالاعتصام بالحبل تمثيل الوثوق المعتصم بحماية المعتصم به بإمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه أو استعارة بعهده (٥). قوله: "لا يزيغ" يقال: زاغ إذا مال وعدل (٦). قوله: "فيستعتب" أي: يدخل عليه العتب والضرر والمشقة وأصل العتب الشدة ذكره البوصيري.

стр. 4439

قوله: "ولا يخلق من كثرة الرد" بضم اللام ويجوز فتحها والياء فيهما مفتوحة ويجوز ضم الياء مع كسر اللام يقال: خلق الشيء يخلق إذا بلى والمراد هنا لا تذهب جلالته، وحلاوته استظهره حفظه ظاهرًا (١). قوله: "رواه الحاكم من رواية صالح بن عمر عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص" [إبراهيم الهجرى هو ابن مسلم الهجري: ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم ليس بقوي ووثقه ابن حبان وابن خزيمة وأخرجا له في صحيحيهما غير ما حديث عن أبي الأحوص، وقال ابن عدي إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله وعامتها مستقيمة، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، روى عن ابن مسعود وعلى وغيرهما ثقة مشهور قتلته الخوارج في أيام الحجاج بن يوسف]. ٢٢٠٩ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله أهلين من النَّاس قَالُوا من هم يَا رَسُول الله قَالَ أهل الْقُرْآن هم أهل الله وخاصته رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم كلهم عَن ابْن مهْدي حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن بديل عَن أَبِيه عَن أنس وَقَالَ الْحَاكِم يرْوى من ثَلَاثَة أوجه عَن أنس هَذَا أَجودهَا (٢).

стр. 4440

قَالَ المملي الْحَافِظ عبد الْعَظِيم: وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح. قوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن لله أهلين من الناس" قالوا: من هم يا رسول الله؟ الحديث، أي: حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله والمختصون به اختصاص أهل الإنسان به وكانوا يسمون أهل مكة أهل الله تعظيما لهم كما يقال بيت الله، ويجوز أن يكون المراد أهل بيت الله لأنهم كانوا سكان بيت الله قاله في النهاية (١)، وسئل أبو بكر الوراق عنه فقال: أهل القرآن من يحوطه القرآن ولا يسلمه الشيطان ولا يسلك به غير طريق الرحمن هل رأيتم أحدا أسلم أهله إلى أعدائه فانظر أسلمك القرآن إلى عمل الشيطان أم إلى عبادة الرحمن؟ فإن أسلمك إلى عبادة الشيطان فلست من أهل القرآن وإن أسلمك إلى عبادة الرحمن فأنت من أهل القرآن ذكره صاحب المغيث (٢). قوله: حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس [عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة العقيلي البصري قال يحيى بن معين وأبو داود والنسائي: ليس به بأس، وقال الطيالسي: حدثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي، وكان ثقة، صدوقا، وأبوه ثقة وثقه يحيى بن معين والنسائي وابن سعد].

стр. 4441

٢٢١٠ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ﵄ أنه مر على قارئ يقْرَأ ثمَّ سَأَلَ فَاسْتَرْجع ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من قَرَأَ الْقُرْآن فليسأل الله بِهِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقوام يقرؤون الْقُرْآن يسْأَلُون بِهِ النَّاس رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (١). قوله: وعن عمران بن حصين ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل فاسترجع، يعني: قال عمران بن حصين إنا لله وإنا إليه راجعون، يقال: منه رجع واسترجع. قوله: ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس" الحديث، وروي عنه ﷺ أنه قال: "تعلموا القرآن واسألوا الله به الجنة قبل أن يجيء أقوام يسألون به الدنيا وإن القرآن يتعلمه ثلاثة رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرؤه لله" (٢) وقال عبد الله بن مسعود: سيجيء على الناس زمان يسأل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم (٣)، وقال ميمون بن مهران: لا تتخذوا القرآن

стр. 4442

بضاعة تلتمسوا به الشف في الدنيا، يعني الربح واطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة بالآخرة (١)، وروي عن عبد الله بن عمرو أنه جاء من المسجد الجامع حتى إذا بلغ أصحاب الدر إذا رجل والناس مجتمعون عليه، نظر فإذا رجل يقرأ ويسأل الناس فالتمس سوطا فوجده ثم أتى الناس فقال: افرجوا فعلا رأسه ضربا حتى سبقه عدوا فقال: يا لعباد الله ما كنت أرى أن أبقى حتى أرى أحدا يسأل بكتاب الله (٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: فلا ينبغي لمن حفظ القرآن أن يسأل به غير الله تعالى وكان بعض السلف إذا ختم القرآن يقول: اللهم اغفر لي بالقرآن اللهم ارحمني بالقرآن اللهم اهدني بالقرآن اللهم عافني بالقرآن وإنما كان هذا لأن القرآن كلامه فلا ينبغي أن ينال به غيره ذكره القرطبي في كتابه التذكار (٣) .. ٢٢١١ - وَعَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ الْقُرْآن وَتعلم وَعمل بِهِ ألبس والداه يَوْم الْقِيَامَة تاجا من نور ضوؤه مثل ضوء الشَّمْس ويكسى والداه حلتين لَا يقوم لَهما الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ بِمَ كسينا هَذَا فَيُقَال بِأخذ ولدكما الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٤). قوله: وعن بريدة ﵁[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن

стр. 4443

عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمي. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (١)]. قوله ﷺ : "من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور" الحديث، وذكر أبو بكر الأنباري فذكر الحديث إلى أن بلغ إلى العوام بن حوشب أن أبا عبد الرحمن السلمي كان إذا ختم عليه الخاتم القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله فما أعرف. أحدا خيرا منك إن عملت بالذي علمت (٢)، وروي سفيان عن حبيب بن أبي عمرة قال: إذا ختم الرجل القرآن قبل الملك بين عينيه، حدث به أحمد بن حنبل فاستحسنه وقال هذا من مخبئات سفيان (٣) ذكره القرطبي في كتابه التذكار (٤).

стр. 4444

٢٢١٢ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ الْقُرْآن فاستظهره فأحل حَلَاله وَحرم حرَامه أدخلهُ الله بِهِ الْجنَّة وشفعه فِي عشرَة من أهل بَيته كلهم قد وَجَبت لَهُم النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (١). قوله: وعن علي بن أبي طالب ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من قرأ القرآن فاستظهره" أي: حفظه يقول: قرأت القرآن عن ظهر قلبي أي قرأته من حفظي وفيه [ما نزل من] القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، قيل: ظهرها لفظها، وبظنها معناها، قيل: أراد بالظهر ما ظهر تأويله وعرف معناه وبالبطن ما بطن تفسيره، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار وفي الباطن عبرة وتنبيه وتحذير وغيره ذلك، قيل: أراد بالظهر التلاوة وبالبطن [التفهيم] (٢) والتعظيم قاله في النهاية (٣). قوله: "فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله به الجنة" الحديث، وعن أبي نضرة أن رجلا من التابعين كان إذا جلس إليه أصحاب رسول الله ﷺ أعجبهم مجلسه وحديثه، فقالوا يوما إن مثل القرآن مثل المطر حلو طيب

стр. 4445

طهور مبارك أنزله الله تعالى فأصاب به الشجر حلوه ومره فزاد الحلاوة حلاوة إلى حلاوتها والمرارة مرارة إلى مرارتها وكذلك القرآن هدى وشفاء للذين آمنوا (١). ٢٢١٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن لم يرد إِلَى أرذل الْعُمر وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) قَالَ الَّذين قرؤوا الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٣). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) قال: الذين قرأوا القرآن. ٢٢١٤ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا ذَر لِأَن تَغْدُو فتعلم آيَة من كتاب الله خير لَك من أَن تصلي مائَة رَكْعَة وَلِأَن تَغْدُو فتعلم بَابا من الْعلم عمل بِهِ أَو لم يعْمل بِهِ خير من أَن تصلي ألف رَكعَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (٥).

стр. 4446

قوله: وعن أبي ذر ﵁ تقدم الكلام عليه، وعلى تفسير الحديث في كتاب العلم وكذلك تقدم الكلام على الحديث الذي بعده في قيام الليل. فائدة: روى أبو محمد عبد الغني الحافظ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ القرآن أو جمع القرآن كانت له عند الله دعوة مستجابة إن شاء عجلها له في الدنيا وإن شاء ادخرها له يوم القيامة" (١)، وهذا عام في كل مسلم قرأ القرآن إذ الكافر والمنافق ليست لهما عند الله دعوة مستجابة تدخر والله أعلم، روى ابن لهيعة فذكر الحديث إلى أن قال: سمعت عقبة بن عامر يقول قال رسول الله ﷺ : "لو كا القرآن في إهاب لم

стр. 4447

تأكله النار" قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وجه هذا عندنا أن يكون أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعي القرآن (١)، أ. هـ قاله القرطبي في التذكار (٢)، وفي رواية أخرى: "لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق" (٣) قيل: كان هذا معجزة القرآن في زمن النبي ﷺ كما تكون الآيات في عصور الأنبياء وقيل: المعنى من علمه الله القرآن لم تحرقه نار الآخرة فجعل جسم حافظ القرآن كالإهاب له والله أعلم قاله في النهاية (٤). ٢٢١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من قَرَأَ عشر آيَات فِي لَيْلَة لم يكْتب من الغافلين رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٥).

стр. 4448

٢٢١٦ - وَعنهُ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من حَافظ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَات المكتوبات لم يكْتب من الغافلين وَمن قَرَأَ فِي لَيْلَة مائَة آيَة كتب من القانتين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١). قَالَ الْحَافِظ وَقد تقدم فِي صَلَاة اللَّيْل أَحَادِيث نَحْو هَذَا. ٢٢١٧ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَرَأَ ابْن آدم السَّجْدَة فَسجدَ اعتزل الشَّيْطَان يبكي يَقُول يَا ويله. وَفِي رِوَايَة يَا ويلي أَمر ابْن آدم بِالسُّجُود فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة وَأمرت بِالسُّجُود فأبيت فلي النَّار رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه (٢). وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس (٣). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا قَالَ إِذا رأى الشَّيْطَان ابْن آدم سَاجِدا صَاح وَقَالَ يَا ويله يَا ويل الشَّيْطَان أَمر الله ابْن آدم أَن يسْجد وَله الْجنَّة فأطاع وَأَمرَنِي أَن أَسجد فعصيت فلي النَّار (٤).

стр. 4449

قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله" وفي الرواية الأخرى "يا ويلي" يجوز فيه فتح اللام وكسرها، فقوله: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد" فمعناه آبة السجدة، فقوله "اعتزل الشيطان يبكي" فقوله "يا ويله" وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على المعنى وعدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، وقد يرد الويل بمعنى التعجب، أ. هـ كلامه في النهاية (١). وقال غيره في قوله: "يا ويله" هو من آداب الكلام وهو أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكي الضممير عن نفسه تصاونا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه (٢)، أ. هـ. فقوله "ويله" الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي أحضر فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادي الويل أدن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع وهو الندم على تركه السجود لآدم ﵇، أ. هـ كلام النهاية (٣).

стр. 4450

واعلم أن مقصود الإمام مسلم بذكر هذا الحديث هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر إما حقيقة وإما تسمية فأما كفر إبليس بسبب السجود فمأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ (١) قال الجمهور: معناه وكان في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم وصار من الكافرين (٢). فائدة: اعلم أن أول معصية عصى الله بها الحسد، قال الكرابيسي صاحب الشافعي: الحسد أول معصية عصى الله تعالى بها في السماء وهو سابق على الكفر وذلك أن إبليس لعنه الله حسد آدم ﵇ يسجد له فكفر (٣)، قال العلماء ﵃: وكفر إبليس من ثلاثة أوجه: الأول: أنه استنقص نبيا وهو آدم ﵇ ومن استنقص نبيا كفر (٤)، قال صاحب اللمع: عبد إبليس ربه ثمانين ألف سنة ثم كفر نعوذ بالله من ذلك (٥). الثاني: أنه خالف إجماع الملائكة في السجود ومن خالف الإجماع كفر (٦). الثالث: أنه نسب البارئ ﷻ وتعالى إلى التجوير وعدم الحكمة في

стр. 4451

أمره، بالسجود لآدم ﵇ وهو خير منه بدعواه لأن الأشرف لا يسجد للأدنى (١) [سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته سبحان الحكيم العليم سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا سبحان من لا يسلم قدره غيره ولا يبلغ الواصفون صفته الحمد لله رب العالمين، ينبغي أن تذكر هذه الكلمات في هذا المحل مع حضور قلب والله الموفق] قالوا: وأخطأ إبليس لعنه الله تعالى في دعواه الخيرية بقوله إنه خلق من نار وآدم ﵇ خلق من طين والنار تأكل الطين فهو خير منه وأخطأ لعنه الله في قياسه من وجهين، الأول: أنه قاس في معرض النص والقياس في معرض النص لا يجوز إلا عند إبليس ومن قاس في معرض النص كان كقياس إبليس؛ الثاني: أن الأصل ممنوع فإن الطين خير من النار لأنه يثبت وينتفع به في غالب الأشياء ومن طبعه الرزانة والسكون، والنار من شأنها الخفة والإحراق والطيش وكذلك إبليس لعنه الله لما خلق منها طاش فقاس (٢)، قال الكرابيسي: والحسد أيضًا أول معصية عصى الله بها في الأرض وذلك أن قابيل حسد هابيل أخاه حين قربا القربان ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ (٣) الآية (٤)، فهو أول من سن

стр. 4452

القتل في الأرض كما ورد في الحديث المشهور (١)، قاله ابن العماد في شرح العمدة. مسألة: قال القرافي: واتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم ﵇، وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد آدم ﵇ على منزلته من الله وإلا لكان كل حاسد كافرا، ولا كان كفره لعصيانه. وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافر، قد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبته الحق إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرض، وأظهر ذلك من فحوى كلامه ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٢) ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير بالسجود للحقير من الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله، وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك كافر، واختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا وأنه أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض، واختلفوا أيضًا: هل كفر إبلي جهلا أو عنادًا، على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره، ومن قال: كفر عنادًا ومعه علمه. قال ابن عطية المفسر: والكفر مع بقاء العلم مستبعد (٣)، إلا أنه عندي جائز لا

стр. 4453

يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن شاء (١) [كما خذل بعدله أحبار اليهود والنصارى عن اتباع رسوله ﷺ مع رسوخ قدمهم في معرفته وانكشاف أوصافه الشريفة لديهم انكشاف الشمس لذوي الأبصار، قال جل من قائل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ (٢) فسبحان مقلب القلوب، والله أعلم، قاله كاتبه؛] واختلفوا هل بعث الله تعالى من الجن إليهم رسولا قبل بعثة نبينا ﷺ ، فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٣) الآية (٤). وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا هو الصحيح المشهور (٥). وقد احتج أبو حنيفة وأصحابه بقوله: "أمر ابن آدم بالسجود فسجد" الحديث على أن سجود التلاوة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض، ومذهب مالك والشافعي والأكثرين أنه سنة، وأجابوا

стр. 4454

عن هذا بأجوبة أحدها: أن تسمية هذا أمرا أنه من كلام إبليس فلا حجة فيها. فإن قالوا: قد حكاها النبي ﷺ فلم ينكرها. قلنا: قد حكى غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية وهي باطلة، الثاني: أن المراد أمر ندب لا إيجاب، والوجه الثالث: أن المراد المشاركة في السجود لا في الوجوب (١). ومستند الشافعي والجمهور ما ثبت عن عمر ﵁ أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء إلى السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء إلى السجدة قال: "إنما أمرنا بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه" ولم يسجد عمر ﵁، وروي أنه قال: إن الله لم يفرض السجود إلا لمن شاء. روى البخاري الروايتين في صحيحه (٢) ولم ينقل أنهم أنكروا عليه، وهذا من عمر ﵁ في هذا الموطن العظيم دليل على إجماعهم على أنه ليس بواجب (٣)، فإن قيل: ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ (٤)؟ فالجواب: أن الآية في الكافرين بدليل ما قبلها وما بعدها (٥) والله أعلم.

стр. 4455

٢٢١٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَنه رأى رُؤْيا أَنه يكْتب ص فَلَمَّا بلغ إِلَى سجدتها قَالَ رأى الدواة والقلم وكل شَيء بِحَضرَتِهِ انْقَلب سَاجِدا قَالَ فقصصتها على النَّبِي ﷺ فَلم يزل يسْجد بهَا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم. قوله: أنه رأى رؤيا أنه يكتب ص - يعني سورة ص - فلما بلغ إلى سجدتها قال رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا، فقال فقصصتها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها، اعلم أن سجود التلاوة مشروع عند قراءة آيات السجدات مطلوب بالإجماع، ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله ﷺ : "يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه لا يرى بعضنا موضعًا لمكان جبهته"، وفي رواية لمسلم "في غير صلاة" (٢) وهو سنة للقارئ والمستمع له، ويستحب أيضا للسامع الذي لا يستمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي، والسجدات في القرآن أربع عشرة سجدة على مذهب الشافعي: سجدة في آخر سورة الأعراف وسجدة في الرعد وسجدة في النحل وسجدة في سبحان وسجدة في مريم وسجدتان في

стр. 4456

الحج وسجدة في الفرقان وسجدة في النمل وسجدة في ألم تنزيل وسجدة في حم السجدة وسجدة في النجم وسجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ وسجدة في اقرأ باسم ربك الذي خلق، وموضعها معروف مذكور في كتب الفقه وموضع السجدة في حم السجدة عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (١)، وفي سورة النمل عند قوله ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ (٢) على الأصح فيهما (٣)، وأما سجدة سورة ص فسجدة شكر أي لله تعالى على قبول توبة داود ﵊ ليست من عزائم السجود أي من متأكداته لحديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ سجد في ص وقال: "سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا" رواه النسائي (٤)، فإن قرأها الإنسان في الصلاة لم يسجد كما لا يسجد في غيرها من سجود الشكر وهذا هو الأصح، فإن سجد عامدا عالما بالتحريم بطلت صلاته فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا (٥). تنبيه: وأما عدد السجدات فمذهب الشافعي الصحيح أن عددها أربع عشرة منها: سجدتا الحج لا ص، وتقدم ذلك، وعن مالك روايتان إحداهما

стр. 4457

كمذهبنا وأشهرهما إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل، قال: لا سجدة فيه، وعن أحمد روايتان إحداهما كمذهبنا والثانية خمس عشرة بإثبات [ص] وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه وهو قولى ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وأجمعوا على السجدة الأولى من الحج واختلفوا في الثانية (١). فرع: قال الرافعي: لو سجد أمامه في ص لكونه يرى السجود فيها كالحنفي لم يتابعه بل ينتظره قائما ويفارقه، وإذا انتظره هل يسجد للسهو فيه وجهان قال النووي (٢) في الروضة: قلت الأصح لا يسجد وهذا الصحيح مشكل لا يمشي على القواعد، والصواب أنه يسجد لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته شيئا جاهلا والاعتبار بنية المقتدي ثم إن تخصيص السجود بحالة الانتظار لا وجه له بل يجزيء مع نية المفارقة أيضًا (٣). فائدة: وسجود التلاوة عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض وهو سنة للقارئ والمستمع له وهو سنة، ويستحب أيضًا للسامع الذي لم يستمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي كما تقدم، وإذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في صلاة لم يرتبط به بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده وله أن يسجد إن لم يسجد القارئ، وسواء كان

стр. 4458

القارئ متطهرًا أو محدثا امرأة أو صبيا أو غيرهم ولأصحابنا وجه ضعيف أنه لا يسجد لقراءة الصبي والمحدث والكافر والصحيح الأول (١)، أ. هـ. تنبيه: واعلم أنه يشترط لجواز سجود التلاوة وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة وسائر الشروط ولا يجوز السجود حتى تتم قراءة السجدة ويجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لأنها ذات سبب ولا يكره عندنا ذوات الأسباب وفي سجود التلاوة مسائل وتفريعات مشهورة في كتب الفقه لا يحتملها هذا التعليق فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مظانه. ٢٢١٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي رَأَيْت فِي هَذِه اللَّيْلَة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة فَرَأَيْت كَأَنِّي قَرَأت سَجْدَة فَرَأَيْت الشَّجَرَة كَأَنَّهَا تسْجد لسجودي فسمعتها وَهِي سَاجِدَة وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا وضع عني بهَا وزرا واقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد قَالَ ابْن عَبَّاس فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَرَأَ السَّجْدَة فَسَمعته وَهُوَ ساجد يَقُول مثل مَا قَالَ الرجل عَن كَلَام الشَّجَرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (٢).

стр. 4459

قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن خُنَيْس عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن جريج عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه انْتهى وَالْحسن قَالَ بَعضهم لم يرو عَنهُ غير مُحَمَّد بن يزِيد وَقَالَ الْعقيلِيّ لَا يُتَابع على حَدِيثه. ٢٢٢٠ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي تَحت شَجَرَة وَكَأن الشَّجَرَة تقْرَأ ص فَلَمَّا أَتَت على السَّجْدَة سجدت فَقَالَت فِي سجودها اللَّهُمَّ اغْفِر لي بهَا اللَّهُمَّ حط عني بهَا وزرا وأحدث لي بهَا شكرا وتقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد سجدته فَغَدَوْت على رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ سجدت يَا أَبَا سعيد قلت لَا قَالَ فَأَنت أَحَق بِالسُّجُود من الشَّجَرَة ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ سُورَة ص ثمَّ أَتَى على السَّجْدَة فَسجدَ وَقَالَ فِي سُجُوده مَا قَالَت الشَّجَرَة فِي سجودها وَفِي إِسْنَاده يمَان بن نصر لَا أعرفهُ (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: عن كلام الشجرة "اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا" إلى آخره يستحب هذا الدعاء في سجود التلاوة، سواء كان السجود في صلاة وغيرها ويستحب أن يقول أيضا: سجد وجهي

стр. 4460

للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" كذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عائشة (١) وزاد الحاكم: "فتبارك الله أحسن الخالقين" (٢) فيستحب أن يدعو الساجد للتلاوة جهذه الدعوات الواردة في هذا الحديث لمناسبتها وحسن حديثها. وفي هذا الحديث المبادرة إلى العمل بما يسمعه الإنسان من العلم فإن سيد المرسلين ﷺ لما سمع هذا المنام [قرأه في سجود التلاوة]، قال الأستاذ إسماعيل الضرير في تفسيره عن الإمام الشافعي أنه اختار أن يقول: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (٣)، قال في شرح المهذب، وظاهر القرآن يقتضي مدح هذا فيكون حسنا ولو قال ما في حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سجد قال: "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي سجد وجهي للذي شق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين" رواه مسلم، ورواه ابن حبان بلفظ: "فتبارك الله" بالفاء (٤) وكذا ذكره الرافعي وغيره، وذكر

стр. 4461

الإمام الغزالي في الإحياء (١) طريقة حسنة في كيفية الدعاء ونحى نحوها الروياني في [البحر (٢)] فقالا: يستحب أن يقول في سجوده ما يليق بالآية التي قرأ بها فيقول في الفرقان سجدت للرحمن وآمنت بالرحمن فاغفر لي يا رحمان (٣)، أ. هـ. قال في التتمة أن الخبر ورد به (٤) هكذا في مختصر الكفاية وعند قوله تعالى ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥) قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو على أوليائك، وإن قرأ قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (٦) الآية، فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك (٧). تنبيه: وينبغي أن لا يزيد على مقدار ثلاث تسبيحات في سجود التلاوة إلا برضى الحضور (٨).
следующие страницы →