← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4457–4496 · переход к 4462.

стр. 4457

كمذهبنا وأشهرهما إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل، قال: لا سجدة فيه، وعن أحمد روايتان إحداهما كمذهبنا والثانية خمس عشرة بإثبات [ص] وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه وهو قولى ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وأجمعوا على السجدة الأولى من الحج واختلفوا في الثانية (١). فرع: قال الرافعي: لو سجد أمامه في ص لكونه يرى السجود فيها كالحنفي لم يتابعه بل ينتظره قائما ويفارقه، وإذا انتظره هل يسجد للسهو فيه وجهان قال النووي (٢) في الروضة: قلت الأصح لا يسجد وهذا الصحيح مشكل لا يمشي على القواعد، والصواب أنه يسجد لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته شيئا جاهلا والاعتبار بنية المقتدي ثم إن تخصيص السجود بحالة الانتظار لا وجه له بل يجزيء مع نية المفارقة أيضًا (٣). فائدة: وسجود التلاوة عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض وهو سنة للقارئ والمستمع له وهو سنة، ويستحب أيضًا للسامع الذي لم يستمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي كما تقدم، وإذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في صلاة لم يرتبط به بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده وله أن يسجد إن لم يسجد القارئ، وسواء كان

стр. 4458

القارئ متطهرًا أو محدثا امرأة أو صبيا أو غيرهم ولأصحابنا وجه ضعيف أنه لا يسجد لقراءة الصبي والمحدث والكافر والصحيح الأول (١)، أ. هـ. تنبيه: واعلم أنه يشترط لجواز سجود التلاوة وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة وسائر الشروط ولا يجوز السجود حتى تتم قراءة السجدة ويجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لأنها ذات سبب ولا يكره عندنا ذوات الأسباب وفي سجود التلاوة مسائل وتفريعات مشهورة في كتب الفقه لا يحتملها هذا التعليق فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مظانه. ٢٢١٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي رَأَيْت فِي هَذِه اللَّيْلَة فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة فَرَأَيْت كَأَنِّي قَرَأت سَجْدَة فَرَأَيْت الشَّجَرَة كَأَنَّهَا تسْجد لسجودي فسمعتها وَهِي سَاجِدَة وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بهَا عنْدك أجرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك ذخْرا وضع عني بهَا وزرا واقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد قَالَ ابْن عَبَّاس فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَرَأَ السَّجْدَة فَسَمعته وَهُوَ ساجد يَقُول مثل مَا قَالَ الرجل عَن كَلَام الشَّجَرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (٢).

стр. 4459

قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن خُنَيْس عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن جريج عَن عبيد الله بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه انْتهى وَالْحسن قَالَ بَعضهم لم يرو عَنهُ غير مُحَمَّد بن يزِيد وَقَالَ الْعقيلِيّ لَا يُتَابع على حَدِيثه. ٢٢٢٠ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنِّي تَحت شَجَرَة وَكَأن الشَّجَرَة تقْرَأ ص فَلَمَّا أَتَت على السَّجْدَة سجدت فَقَالَت فِي سجودها اللَّهُمَّ اغْفِر لي بهَا اللَّهُمَّ حط عني بهَا وزرا وأحدث لي بهَا شكرا وتقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد سجدته فَغَدَوْت على رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ سجدت يَا أَبَا سعيد قلت لَا قَالَ فَأَنت أَحَق بِالسُّجُود من الشَّجَرَة ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ سُورَة ص ثمَّ أَتَى على السَّجْدَة فَسجدَ وَقَالَ فِي سُجُوده مَا قَالَت الشَّجَرَة فِي سجودها وَفِي إِسْنَاده يمَان بن نصر لَا أعرفهُ (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: عن كلام الشجرة "اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا" إلى آخره يستحب هذا الدعاء في سجود التلاوة، سواء كان السجود في صلاة وغيرها ويستحب أن يقول أيضا: سجد وجهي

стр. 4460

للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" كذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عائشة (١) وزاد الحاكم: "فتبارك الله أحسن الخالقين" (٢) فيستحب أن يدعو الساجد للتلاوة جهذه الدعوات الواردة في هذا الحديث لمناسبتها وحسن حديثها. وفي هذا الحديث المبادرة إلى العمل بما يسمعه الإنسان من العلم فإن سيد المرسلين ﷺ لما سمع هذا المنام [قرأه في سجود التلاوة]، قال الأستاذ إسماعيل الضرير في تفسيره عن الإمام الشافعي أنه اختار أن يقول: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (٣)، قال في شرح المهذب، وظاهر القرآن يقتضي مدح هذا فيكون حسنا ولو قال ما في حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سجد قال: "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي سجد وجهي للذي شق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين" رواه مسلم، ورواه ابن حبان بلفظ: "فتبارك الله" بالفاء (٤) وكذا ذكره الرافعي وغيره، وذكر

стр. 4461

الإمام الغزالي في الإحياء (١) طريقة حسنة في كيفية الدعاء ونحى نحوها الروياني في [البحر (٢)] فقالا: يستحب أن يقول في سجوده ما يليق بالآية التي قرأ بها فيقول في الفرقان سجدت للرحمن وآمنت بالرحمن فاغفر لي يا رحمان (٣)، أ. هـ. قال في التتمة أن الخبر ورد به (٤) هكذا في مختصر الكفاية وعند قوله تعالى ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥) قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو على أوليائك، وإن قرأ قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (٦) الآية، فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك (٧). تنبيه: وينبغي أن لا يزيد على مقدار ثلاث تسبيحات في سجود التلاوة إلا برضى الحضور (٨).

стр. 4462

٢٢٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كتبت عِنْده سُورَة النَّجْم فَلَمَّا بلغ السَّجْدَة سجد وسجدنا مَعَه وسجدت الدواة والقلم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم. قوله: أن النبي ﷺ كتبت عنده سورة النجم فلما بلغ السجدة سجد وسجدنا معه وسجدت الدواة والقلم، تقدم الكلام على السجدات وذكرها في السور. فروع يختم بها الباب: أحدها: إذا سجد في آخر سورة الأعراف ونحوها فيلزمه أن ينتصب بعد السجود ليركع ويستحب أن يقرأ شيئا من سور أخرى وعن العجلي في استحبابه وجهان (٢). الثاني: قال المتولي: جرت عادة بعض الناس بالسجود بعد الصلاة يدعون فيه ولا يعرف لهذا أصل، ولم ينقل عنه ﷺ فالأولى أن يدعو بعد الفراغ كما وردت به الأخبار (٣) والله أعلم، ذكره في مختصر الكفاية. الثالث: لا يقوم الركوع مقام سجدة التلاوة عندنا خلافا لأبي حنيفة والخطابي، ونقل في زيادات الروضة هنا عن البحر وأقره أن الخطيب إذا قرأ آية سجدة يترك السجود لما فيه من الكلفة، وقال في صلاة الجمعة إن أمكنه

стр. 4463

السجود على المنبر سجد وإلا نزل وسجد، والإمام الشافعي له في المسألة نصان فالذي قاله هنا موافق لأحدهما الآخر (١). الرابع: يكره للمأموم قراءة السجدة والإصغاء إلى قراءة غير إمامه ولا يكره للإمام قراءة السجدة في جهرية ولا سرية خلافا لمالك (٢). الخامس: لو سمع في دخوله المسجد قراءة سجدة فهل يسجد أو يصلي التحية فيه احتمال وقال البندنيجي وغيره إذا قرأ أو سمع آية وهو محدث توضأ وسجد وهذا قريب إذا تيسر الوضوء على قرب (٣). فائدة مهمة: قال النووي في زوائد الروضة لم أر نقلا في جمع السجدات لغرض السجود فقط، وفي كراهة ذلك خلاف للسلف، ومقتضى مذهبنا أنه إن كان في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه أو في غير الصلاة لم يكره، وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لفرض سوى التحية والأصح أنه يكره له الصلاة (٤)، أ. هـ والمسألة ذكرها القاضي حسين والشيخ عز الدين، فأما القاضي فمقتضي كلامه جواز ذلك، وعدم استحبابه وأما الشيخ عز الدين منع ذلك وأفتى ببطلان الصلاة مطلقا وقت الكراهة وغيرها والله أعلم ذكره الشيخ كمال الدين الدميري (٥).

стр. 4464

لطيفة: حكي الشيخ كمال الدين الآدمي في كتابه الطالع السعيد (١) في ترجمة محمد بن محمد النصيبي (٢) القوصي الفاضل المحدث الأديب أنه أخبره أنه حضر مرة عند عز الدين بن البطراوي الحاجب بقوص وكان له مجلس يجتمع فيه الرؤساء والقضاة والأدباء فحضر الشيخ علي الحرم وحكي أنه رأى ذرة تقرأ سورة يس فقال النصيبي وكان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء محل السجود سجد ويقول: سجد لم سوادي واطمأن بك فؤادي ذكره الدميري في حياة الحيوان (٣) والله تعالى أعلم.

стр. 4465

الترهيب من نسيان القرآن بعد تعلمه وما جاء فيمن ليس في جوفه منه شيء ٢٢٢٢ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله إِن الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفه شَيْء من الْقُرْآن كلبيت الخرب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا من طَرِيق قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (١). ٢٢٢٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ إِن أَصْغَر الْبيُوت بَيت لَيْسَ فِيهِ شَيْء من كتاب الله رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ رَفعه بَعضهم (٢). قوله: عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : " [إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب، وعن عبد الله بن مسعود ﵁] إن أصغر البيوت بيت ليس فيه شيء من كتاب الله" الأصغر الخالي، وروي الطبراني قال: حدثنا عمران بن موسى الفزاز فذكره إلى أن قال عن عبد الرحمن بن سابق (٣) قال: أكثروا تلاوة القرآن في بيوتكم

стр. 4466

فإن البيت الذي يذكر فيه أو إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن ليتسع على أهله ويكثر خيره وتحضره الملائكة ويدحر عنه الشيطان" (١)، وكان يقول: "اعمروا بيوتكم بذكر الله ولا تتخذوها قبورا كما اتخذت اليهود والنصارى بيوتهم، واجعلوا لها من صلاتكم جزءا فإن البيت الذي يذكر الله فيه يضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض" (٢) قال القرطبي: وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال فهو يستن من وجه صحيح والله أعلم قاله القرطبي في كتابه التذكار. (٣). ٢٢٢٤ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ عرضت عَليّ أجور أمتِي حَتَّى القذاة يُخرجهَا الرجل من الْمَسْجِد وَعرضت عَليّ ذنُوب أمتِي فَلم أر ذَنبا أعظم من سُورَة من الْقُرْآن أَو آيَة أوتيها رجل ثمَّ نَسِيَهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة الْمطلب بن عبد الله بن

стр. 4467

حنْطَب عَن أنس (١)، قَالَ الْحَافِظ وَتقدم الْكَلام عَلَيْهِ فِي تنظيف الْمَسَاجِد. قوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد" الحديث، وفي رواية "حتى القذاة، والبعرة يخرجها الرجل من المسجد" والقذاة واحدة القذى. قوله ﷺ : "وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" الحديث، قد ذكر صاحب العدة وهو الإمام أبو المكارم الروياني من أصاحبنا أي الشافعية: أي نسيان القرآن من الكبائر (٢)، وعن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكبر ذنب توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها" (٣)، وعن الضحاك بن مزاحم قال: "ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه" لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٤) وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (٥).

стр. 4468

وعن الحسن قال: مات عمر ولم يجمع القرآن، قال أموت وأنا في زيادة أحب إلي من أن أموت وأنا في نقصان، قال الأنصاري: يعني نسيان القرآن (١)، وكان ابن عيينة يذهب في أن النسيان الذي يستحق اللوم ويضاف إليه الإثم هو الترك للعمل به وأن النسيان في كلام العرب الترك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢) أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، قال سفيان: وليس من اشتهى حفظ شيء من القرآن وتفلت بناس له إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه، قال القرطبي: وهذا تأويل حسن جدا، وفيه: توجيه إلى أن الله تعالى أثنى على من كان دأبه قراءة القرآن فقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (٣) أي: بالقرآن، وسمي القرآن ذكرا وتواعد من أعرض عنه ومن تعلمه فنسبه فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿حِمْلًا﴾ (٤) وقال [بعد] ذلك ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ (٥) فهذا ظاهر تلاوة القرآن وكذلك ظاهر الحديث فإذا كان نسيان القرآن من الذنوب بهذا المحل فلا احتراز منه إلا بإدمان القرآن وقال ﷺ : "يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن

стр. 4469

واتلوه حق تلاوته آناء الليل وآناء النهار وتغنوه وتغنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون" (١)، قال أبو عبيد: قوله "وتغنوه" أي اجعلوه غناكم من الفقر ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا، قوله: "وتغنوه أي اقتنوه كما تقتنون الأموال" أ. هـ، ذكره القرطبي (٢). قوله: في حديث الباب: رواه الحاكم أو غيره من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب. ٢٢٢٥ - وَعَن سعد بن عبَادَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من امرئ يقْرَأ الْقُرْآن ثمَّ ينساه إِلَّا لَقِي الله أَجْذم رَوَاهُ أَبُّو دَاوُد عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عِيسَى بن فائد عَن سعد (٣). قَالَ الْحَافِظ وَيزِيد بن أبي زِيَاد هُوَ الْهَاشِمِي مَوْلاهُم كنيته أَبُو عبد الله يَأتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فعيسى بن فائد إِنَّمَا روى عَمَّن سمع سَعْدا قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم وَغَيره (٤). قَالَ الْخطابِيّ قَالَ أَبُو عبيد الأجذم الْمَقْطُوع الْيَد وَقَالَ ابْن قُتَيْبة الأجذم هَاهُنَا المجذوم وَقَالَ ابْن الأَعرَابِي مَعْنَاهُ أَنه يلقى الله تَعَالَى خَالِي الْيَدَيْنِ من

стр. 4470

الْخَيْر كنى بِالْيَدِ عَمَّا تحويه الْيَد وَقَالَ آخر مَعْنَاهُ لا حجَّة لَهُ وَقد روينَاهُ عَن سُوَيْد بن غَفلَة. قوله: وعن سعد بن عبادة ﵁، تقدم الكلام على سعد بن عبادة في فضل الشهداء في حديث النضر. قوله ﷺ : "ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله أجذم" انتهى هو بالذال المعجمة، قال الحافظ (١): قال الخطابي: قال أبو عبيد: الأجذم المقطوع اليد أ. هـ. وهو من الجذم وهو القطع قال القتيبى: الأجذم هاهنا الذي ذهبت أعضاؤه كلها وليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء (٢) يقال: رجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام وهو الداء المعروف (٣)، قال الجوهري (٤): لا يقال للمجذوم أجذم، وقال ابن الأنباري ردا على ابن قتيبة: لو كان العتاب لا يقع إلا بالجارحة التي باشرت المعصية لما عوقب الزاني بالجلد والرجم في الدنيا وبالنار في الآخرة، وقال ابن الأنباري: معنى الحديث أنه لقي الله وهو أجذم الحجة لا لسان له يتكلم ولا حجة في يده (٥)

стр. 4471

وقال الخطابي (١): معنى الحديث ما ذهب إليه ابن الأعرابي وقال ابن الأعرابي: معناه أنه يلقى الله تعالى خالي اليدين من الثواب كنى باليد عما تحويه من الخير وقال آخر معناه لا حجة له اهـ. ومعنى لا حجة له أي يأتي يوم القيامة ولا حجة له في فعله ولا عذر له ينفعه عند ربه (٢).

стр. 4472

الترغيب في دعاء يدعى به لحفظ القرآن ٢٢٢٦ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قالَ بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ جَاءَهُ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقَالَ بِأبي أنت تفلت هَذَا الْقُرْآن من صَدْرِي فَمَا أجدني أقدر عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا الْحسن أَفلا أعلمك كلِمَات ينفعك الله بِهن وينفع بِهن من عَلمته وَيثبت مَا تعلمت فِي صدرك قَالَ أجل يَا رَسُول الله فعلمني قَالَ إِذا كانَ لَيْلَة الْجُمُعَة فَإِن اسْتَطَعْت أَن تقوم فِي ثلث اللَّيْل الآخر فَإِنَّهَا سَاعَة مَشْهُودَة وَالدُّعَاء فِيهَا مستجاب فقد قَالَ أخي يَعْقُوب لِبَنِيهِ ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (١) يَقُول حَتَّى تَأتي لَيْلَة الْجُمُعَة فَإِن لم تستطع فَقُمْ فِي وَسطهَا فَإِن لم تستطع فَقُمْ فِي أَولهَا فصل أَربع رَكْعَات تقْرَأ فِي الرَّكعَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة يس وَفِي الرَّكعَة الثَّانِيَة بِفَاتِحَة الْكتاب وحم الدُّخان وَفِي الرَّكعَة الثَّالِثَة بِفَاتِحَة الْكتاب والم تَنْزِيل السَّجْدَة وَفِي الرَّكعَة الرَّابِعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وتبارك الْمفصل. فَإِذا فرغت من التَّشَهُّد فاحمد الله وَأحسن الثَّنَاء على الله وصل عَليّ وَأحسن وعَلى سَائِر النَّبِيين واستغفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات ولإخوانك الَّذين سبقوك بِالإِيمَان ثمَّ قل فِي آخر ذَلِك اللَّهُمَّ ارْحَمْني بترك الْمعاصِي أبدا مَا أبقيتني وارحمني أَن أتكلف مَا لا يعنيني وارزقني حسن النّظر فِيمَا يرضيك

стр. 4473

عني اللَّهُمَّ بديع السَّمَوَات وَالأرْض ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام والعزة الَّتِي لا ترام أَسأَلك يَا الله يَا رَحْمَن بجلالك وَنور وَجهك أَن تلْزم قلبِي حفظ كتابك كمَا علمتني وارزقني أَن أتلوه على النَّحْو الَّذِي يرضيك عني اللَّهُمَّ بديع السَّمَوَات وَالأرْض ذَا الْجلَال وَالإِكْرَام والعزة الَّتِي لا ترام أَسأَلك يَا الله يَا رَحْمَن بجلالك وَنور وَجهك أَن تنور بكتابك بَصرِي وَأَن تطلق بِهِ لساني وَأَن تفرج بِهِ عَن قلبِي وَأَن تشرح بِهِ صَدْرِي وَأَن تسْتَعْمل بِهِ بدني فَإِنَّهُ لا يُعِينيي على الْحق غَيْرك وَلا تؤتينيه إِلَّا أَنت وَلا حول وَلا قُوَّة إِلَّا بِالله الْعلي الْعَظِيم يَا أبا الْحسن تفعل ذَلِك ثَلَاث جمع أَو خمْسا أَو سبعا تجاب بِإِذن الله وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخطَأ مُؤمنا قطّ. قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فوَالله مَا لبث عَليّ إِلَّا خمْسا أَو سبعا حَتَّى جَاءَ رَسُول الله ﷺ فِي مثل ذَلِك المجلس فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي كنت فِيمَا خلا لا آخذ إِلَّا أَربع آيَات وَنَحْوهَا فَإِذا قرأتهن على نَفسِي تفلتن وَأَنا أتعلم الْيَوْم أَرْبَعِينَ آيَة ونحوهن فَإِذا قرأتهن على نَفسِي فكَأنَّمَا كتاب الله بَين عَيْني وَلَقَد كنت أسمع الحَدِيث فَإِذا رَددته تفلت وَأَنا الْيَوْم أسمع الأحَادِيث فَإِذا تحدثت بهَا لم أخرم مِنْهَا حرفا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك مُؤمن وَرب الْكَعْبَة يَا أبا الْحسن رَوَاهُ الترمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب لا نعرفه إِلَّا من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم (١). وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا إِلَّا أَنه قَالَ يقْرَأ فِي الثَّانِيَة بِالْفَاتِحَةِ والم السَّجْدَة وَفِي الثَّالِثَة بِالْفَاتِحَةِ وَالدُّخَان عكس مَا فِي التِّرْمِذِيّ

стр. 4474

وَقَالَ فِي الدُّعَاء وَأَن تشغل بِهِ بدني مَكَان وَأَن تسْتَعْمل وَهُوَ كَذَلِك فِي بعض نسخ التِّرْمِذِيّ ومعناهما وَاحِد وَفِي بَعْضهَا وَأَن تغسل (١). قَالَ المملي ﵁ طَرِيق أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث جَيِّدَة وَمَتنه غَرِيب جدا وَالله أعلم. قوله: عن ابن عباس ﵄ تقدم الكلام عليه (٢). قوله "بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ فقال بأبي أنت تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه فقال له رسول الله ﷺ يا أبا الحسن أفلا أعلمك كللمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك قال أجل يا رسول الله فعلمني قال إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب" الحديث مطول وصفتها يعني صلاة حفظ القرآن ودعاءه وذلك مما ثبت من رسول الله ﷺ تعليمه لعلي بن أبي طالب ﵁ وذلك مما يعين على حفظ القرآن وغيره فيحسن حفظه ويذهب بلادته إذا كان مؤمنا حقا تقيا مجتنبا للمعاصي وهي مخصوصة بليلة الجمعة أي ساعة شاء منها لكن آخر الليل أفضل، فإذا كانت

стр. 4475

ليلة الجمعة فقم فصل أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وآلم تنزيل السجدة فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل علي وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات وذلك كله بعد التسليم ثم قل اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني الدعاء مذكور في الأصل فراجعه منه تفعل ذلك سبع جمع أي في كل جمعة تصل أربع ركعات وتدعو بهذا الدعاء تجلب بإذن الله تعالى ورب الكعبة ما أخطأ مؤمن قط والله أعلم. قوله: وتبارك المفصل، والمفصل من الحجرات وقيل من الدخان وقيل غير ذلك واحترز بالمفصل عن تبارك الفرقان. قوله: واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، قال ابن عطية: وواجب على كل مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنها صدقة (١). قال بعض العلماء: إن أراد بالوجوب الاستحباب المؤكد فصحيح ذلك وإن أراد الوجوب فغريب لم أر من صرح به ولا بخلافه (٢) والله تعالى أعلم.

стр. 4476

الترغيب في تعاهد القرآنه وتحسين الصوت به ٢٢٢٧ - عَن ابن عمر ﵄ أَن رسُول الله ﷺ قالَ إِنَّمَا مثل صاحب الْقُرْآن كمثل الابِل المعقلة إِن عَاهَدَ عَلَيْهَا أمْسكهَا وَإِن أطلقها ذهبت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة وَإِذا قَامَ صَاحب الْقُرْآن فقرأه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار ذكره وَإِذا لم يقم بِهِ نَسيَه (١). قوله: عن ابن عمر ﵄ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" قال القاضي عياض ﵀ (٢): معنى صاحب القرآن أي الذي ألفه والمؤالفة المصاحبة ومنه فلان صاحب فلان وأصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحديث وأصحاب الرأى وأصحاب الصفة وأصحاب إبل وغنم وصاحب غنم وصاحب كنز وصاحب عبارة. وقوله الذي ألفه يصدق بأن يألف تلاوته في المصحف مع كونه غير حافظ له لكن الظاهر أن المراد بصاحب القرآن حافظه وقد صرح أبو العباس القرطبي باعتبار الحفظ في ذلك فقال: وصاحب القرآن هو الحافظ له المشتغل به الملازم لتلاوته (٣).

стр. 4477

قوله ﷺ "كمثل الإبل" الإبل لا واحد لها من لفظها وهي مؤنثة وتصغيرها أبيلة وربما قالوا أبل بسكون بالباء بالتخفيف حكاه الجوهري (١) اهـ من خط المؤلف ﵀. قوله "المعقلة" والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة والقاف المشددة هي المشدودة بالعقل بضم العين والقاف وهو جمع عقال بكسر العين والمراد به الحبل الذي يشد به ركبة البعير شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بالعقال الذي يمنع البعير من الشراب ما دام الدرس موجودا فالحفظ مستمر وما دام العقال موثقا فالبعير محفوظ وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوانات الإنسية شردا أو نفورا وتحصيلها بعد نفورها أشد وأصعب وتحصيل غيرها بعد نفور ولهذا قال النبي ﷺ "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" الحديث (٢)، وقال فيما روي عنه "إن على ذروة كل بعير شيطان" (٣).

стр. 4478

قوله ﷺ "إن عاهد عليها أمسكها" المعاهدة على الشيء والتعاهد عليه الاحتفاظ به والملازمة له وفي رواية البخاري "إن تعاهد عليها أمسكها" ومنه الحديث "أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر" (١) ففي هذا الحديث الحث على تعاهد القرآن وتلاوته ودراسته والتحذير من تعرضه للنسيان بإهمال تلاوته وفيه استحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد (٢). ٢٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بئْسَمَا لأحدهم يَقُول نسيت آيَة كيْت وَكيْت بل هُوَ نسي استذكروا الْقُرْآن فَلَهو أَشد تفصيا من صُدُور الرِّجَال من النعم بعقلها رَوَاهُ البُخَارِيّ هَكَذَا وَمُسلم مَوْقُوفا (٣). قوله: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت" الحديث. فائدة: الإبل من الحيوان العجيب وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم له وهو أنه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به ويأخذ زمامه فأرة تذهب به إلى حيث شاءت، قال ابن عطيه (٤) في تفسير

стр. 4479

قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (١) قال الثعلبي في بعض التفاسير (٢): إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الجحر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه، مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده، كأنه في بيته ويتخذ للبيت سقف وهو يمشي بكل هذه. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ وقد جعلها الله تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال، وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن الإبل وعن بديع خلقها وكان قد نشأ بأرض لا إبل فيها، ففكر ساعة ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحيث أراد الله تعالى بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر. وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما يرعاه سائر البهائم. وقال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ (٣) قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة: سفينة بر تحت خدي زمامها وإنما جعل الله تعالى أعناقها طوالا، لتستعين بها على النهوض، بالحمل الثقيل، وفي الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع الله تعالى به على الناس حكاه ابن سيده (٤)، ذكره في حياة

стр. 4480

الحيوان (١) والله أعلم. فائدة أيضا: تكره الصلاة في أعطان الإبل وهي الأمكنة التي يأوي إليها الإبل للشرب روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضأوا منها". وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: "لا تتوضؤا منها". وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين" وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلوا فيها فإنها مباركة" (٢). وروى النسائي وابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل ﵁: أن النبي ﷺ قال: "إن الإبل خلقت من الشياطين" (٣). قوله عن عبد الله بن مسعود: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "بئسما لأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت" أي آية كذا وكذا وهو بفتح التاء على المشهور حكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي عبيدة (٤).

стр. 4481

في هذا الحديث كراهة قول نسيت آية كذا وكذا وهي كراهة تنزيه وإنه لا يكره قول أنسيتها وإنما نهى عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها وقد قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١) (٢) وقال القاضي عياض (٣): أولى ما يتأول هذا الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول أي بئست الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه (٤) ا هـ. وقال صاحب المغيث في حل مشكل القرآن والحديث (٥): النسيان هو ذهاب الحفظ كره نسبته إلى نفسه لمعنيين: أحدهما: أن الله تعالى الذي أنساه إياه لأنه المقدر للأشياء كلها. والثاني: أن أصل النسيان الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه لما في ذلك من الكراهة ولأن ذلك لم يكن باختياره قد أنساه الله تعالى ونساه إياه ومنه قوله ﷺ "بل هو نسي". قوله بل هو نسي قال القاضي عياض (٦): ضبطناه بالتخفيف والتشديد قال صاحب المغيث ولو روي نسي بالتخفيف يكون معناه أنه ترك من الخير

стр. 4482

وحرم منه ومنه قوله ﷺ "بل هو نسي" حديث إنما أنسى لأبين أي لأذكر لكم ما سيلزم الناس لشيء من عبادته وأفعل ذلك فتقتدوا بي (١) فقوله أنسي هو بتشديد السين لا غير. تنبيه: قال الخطابي ﵀: أحدهما: أن الله تعالى الذي أنساه إياه لأنه المقدر للأشياء كلها. والثاني: أن أصل النسيان الترك فكره له أن يقول تركت القرآن أو قصدت إلى نسيانه لما في ذلك من الكراهة ولأن ذلك لم يكن باختياره قد أنساه الله تعالى ونساه إياه ومنه قوله ﷺ "بل هو نسي" قوله بل هو نسي (٢) قال القاضي عياض (٣): ضبطناه بالتخفيف والتشديد قال صاحب المغيث ولو روي نسي بالتخفيف يكون معناه أنه ترك من الخير وحرم (٤). تنبيه: قوله "بل هو نسي" قال الخطابي ﵀: يحتمل أن يكون خاصا في زمان رسول الله ﷺ ويكون معنى نسي نسخت تلاوته نهاهم عن هذا القول لئلا يتوهم الضياع على محكم القرآن وأراهم أن ذلك من قبل الله تعالى لما رأى في نسخ التلاوة من الحكمة (٥) والله أعلم.

стр. 4483

فائدة فيها فوائد: في الحديث سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ من الليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطها من سورة كذا وكذا، وفي رواية كان النبي ﷺ يستمع قراءة رجل في المسجد فقال "﵀ لقد أذكرني آية كنت نسيتها" (١) في هذه الألفاظ فوائد منها جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد ولا كراهة فيها إذا لم يؤذ أحدأ ولا تعرض للرياء والإعجاب ونحو ذلك وفيه الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيرا وإن لم يقصده ذلك، وفيه أن الاستماع للقراءة سنة وفيه جواز قول سورة كذا كسورة البقرة، ونحوها ولا التفات إلى من خالف في ذلك فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على استعماله، وقوله كنت أنسيتها فيه دليل على جواز النسيان عليه ﷺ فيما قد بلغه إلى الأمة (٢) قال القاضي عياض ﵀ (٣): جمهور المحققين على جواز النسيان عليه ﷺ ابتداء فيما ليس طريقه الإبلاغ واختلفوا فيما طريقه الإبلاغ والتعليم ولكن من جوزه قال لا يقر عليه بل لابد أن يتذكره أو يذكره واختلفوا هل من شرط ذلك الهوانم يصح على التراضي قبل وفاته ﷺ قال وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث وفي باب السهو من صحيح مسلم تقدم الكلام فيما يجوز من السهو وما لا يجوز (٤) والله أعلم.

стр. 4484

قوله ﷺ : "استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها" الحديث، وفي رواية "من قلوب الرجال"، تفصيا بالتاء ثالثة الحروف وبالفاء والصاد المهملة والتفصي معناه التخلص والانفصال أي أشد خروجا وهو بمعنى الرواية الأخرى أشد تفلتا أي أسرع تخلصا وذهابا من النعم المعقلة إذا أطلقها صاحبها ولا يعقل من النعم غير الإبل (١) يقال تفصى اللحم عن العظم وتفصى من البلية أي تخلص (٢) ويقال تفصيت من الأمر تفصيا إذا خرجت منه وتخلصت قاله في النهاية (٣)، والاسم الفصية (٤). قوله: "من النعم بعقلها" والنعم أصلها الإبل والبقر والغنم والمراد هنا الإبل خاصة لأنها التي تعقل والعقل بضم العين والقاف ويجوز إسكان القاف كنظائره وهو جمع عقال ككتاب وكتب وهو الحبل الذي يعقل به البعير ووقع في هذه الرواية بعقلها وفي رواية "من عقله" وفي رواية "في عقلها" وكله صحيح والمراد برواية الهاء من كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه﴾ (٥) على أحد القولين في معناه، وقوله في رواية "عقله" بتذكير النعم وهو صحيح كما ذكرنا وجمع النعم أنعام (٦).

стр. 4485

٢٢٢٩ - وَعَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ تَعَاهَدُوا الْقُرْآن فوالذي نفس مُحَمَّد بيَدِهِ لَهو أَشد تفلتا من الإبل فِي عقلها رَواهُ مُسلم (١). قوله: وعن أبي موسى الأشعري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله "تعاهدوا القرآن" الحديث، تعاهد الشيء محافظته وتجديد العهد به والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه لكي لا ينسى. قوله ﷺ "فوالذي نفس محمد بيده" تقدم الكلام على ذلك. قوله ﷺ "لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها" التفلت والإفلات والانفلات التخلص من الشيء فجأة في غير تمكث ومنه الحديث أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أي تعرض لي في صلاتي فجأة قاله في النهاية (٢)، ومعنى الحديث أي أسرع تخلصا وذهابا من الإبل المعقلة إذا أطلقها صاحبها (٣) فإنها تتفلت حتى لا تكاد تلحق (٤). العقال هو الحبل الذي يشد به البعير وسط الذراع (٥) وتقدم تفسير ذلك أيضًا.

стр. 4486

٢٢٣٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا أذن الله لشَيْء كمَا أذن لنَبِيّ حسن الصَّوْت يتَغَنَّى بالْقُرْآنِ يجْهر بهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (١). قَالَ الْحَافِظ أذن بِكَسْر الذَّال أَي مَا اسْتمع لشَيْء من كَلَام النَّاس كمَا اسْتمع الله إِلَى من يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَي يحسن بِهِ صَوته وَذهب سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيره إِلَى أَنه من الاسْتِغْنَاء وَهُوَ مَرْدُود ٢٢٣١ - وروى ابْن جرير الطَّبَرِيّ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ فِيهِ مَا أذن الله لشَيْء مَا أذن لنَبِيّ حسن الترنم بِالْقُرْآنِ. ٢٢٣٢ - وروى الإِمَام أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن فضَالة بن عبيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لله أَشد أذنا للرجل الْحسن الصَّوْت بِالْقُرْآنِ من فيحب الْقَيْنَة إِلَى قَيْنَته وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرطهمَا (٢). الْقَيْنه بِفَتْح الْقَاف وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت بعدهمَا نون هِيَ الأمة الْمُغنيَة قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به " الحديث، قال الحافظ ﵀ (٣): أذن بكسر الذال أي ما استمع

стр. 4487

الله لشيء من كلام الناس كما استمع إلى من يتغنى بالقرآن أي يحسن به صوته اهـ. قال غيره: أذن هو بكسر الذال المعجمة وهو مشتق من الإذن وهو الاستماع ومنه قوله تعالى ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ (١) ولا يجوز أن يحمل على الاستماع بمعنى الإصغاء فإنه مستحيل في حق الله تعالى بل هو مجاز ومعناه الكناية عن تقريبه القاري وإجزال ثوابه لأن سماع الله تعالى لا يختلف فوجب تأويله وهو إشارة إلى الرضا والقبول (٢). قوله ﷺ "كما أذن لنبي حسن الصوت" وإنما خص بذلك صوت النبي ﷺ لأن صوت النبوة ألذ وأحلى لصفاء معدنه وقرب متناوله. قوله "يتغنى بالقرآن" يجهر به وقال في النهاية (٣): أي يتلوه يجهر به. يقال منه أذن يأذن أذنا بالتحريك. وقيل: إن قوله يجهر به تفسير لقوله يتغنى (٤) قال النووي (٥) وغيره التغني بالقرآن معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون تحسين الصوت به، ونقل بعض العلماء الاتفاق على استحباب

стр. 4488

تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها، ونقل بعض العلماء الاتفاق على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها (١) وقال الإمام الشافعي وموافقوه معناه: تحزين القراءة وترقيقها، ويشهد له الحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم" (٢) وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء، وقال الهروي: معنى يتغني به يجهر به (٣)، وقال أبو عبيد: والأحاديث الواردة في ذلك فمحمولة على التحزين والتشويق (٤)، قال الحليمي (٥): والذي يظهر بدلالة الأخبار أنه أرادبالتغني أن يحسن القارئ صوته مكان ما يحسن المغني صوته بغنائه إلا أنه يميل به نحو التحزن دون التطريب أي قد عوض الله تعالى من غناء الجاهلية خيرا منه وهو القرآن فمن لم يحسن صوته بالقرآن ولم يرض به بدلا من ذلك الغناء فليس منا، إلا أن قراءة القرآن لا يدخلها من التغني وفضول الألحان وترديد الصوت ما يلبس المعني ويقطع أوصال الكلام كما قد يدخل ذلك كله الغناء وإنما يليق

стр. 4489

بالقرآن حسن الصوت والتحرير دون ما عداهما، وسئل رسول الله ﷺ من أحسن الناس صوتا بالقرآن ققال: "من إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه أنه يخشى الله تعالى" (١) ذكره القرطبي في التذكار (٢). تنبيه: واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم وأباحها أبو حنيفة وجماعات من

стр. 4490

السلف للأحاديث ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استعماله، قال الشافعي في مواضع أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال النووي (١): قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين فحيث كرهها أراد إذا هو مطط القارئ وإخراج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مد غير ممدود أو أدغم ما لا يجوز إدغامه ونحو ذلك وحيث أباحها إذا لم يكن فيها تغير لوضع الكلام أ. هـ. فائدة: ذكر الحافظ أبو الحسن زين العبدري وأبو عبد الله الترمذي الحكيم من حديث حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم" الحديث (٢)،

стр. 4491

اللحون: جمع لحن وهو التطريب وترجيح الصوت وتحسينه بالقراءة والشعر والغناء، قال القرطبي: قال علماؤنا: ويشبه هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ وفي المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرءون بها ما نهى عنه رسول الله ﷺ والترجيع في القراءة ترديد الحرف كقراءة النصارى (١). قول الحافظ: وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء وهو مردود أ. هـ. قال أبو عبيد: قوله "من لم يتغن" التغني هو الاستغناء والتعفف عن مسألة الناس واستئكالهم بالقرآن وأن يكون في نفسه بحمله القرآن غنيا وإن كان من المال معدما، قال أبو عبيد: ليس للحديث عندي وجه غيره هذا ويدل عليه ما روى عن عبد الله: من قرأ سورة آل عمرأن فقد غنى ويؤكد هذا أيضا ما روى عنه ﷺ : "أنه من لم يستغن بالقرآن فلا أغناه الله" (٢) وقيل: فيه غير ذلك (٣)، قال القرطبي (٤): هذا الذي اختاره أبو عبيد هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وقد قيل: إن معنى يتغنى بالقرآن يستغني به من الاستغناء الذي هو ضد

стр. 4492

الافتقار لا من الغناء، قال الجوهري: تغني القرآن بمعنى استغنى وإلى هذا التأويل ذهب أيضا وكيع بن الجراح، وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه أي: يستغني به عما سواه من الأحاديث والكتب وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لاتباعه الترجمة في كتابه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (١) والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل، وقيل: إن معنى يتغنى به يتحزن بأي يظهر في قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته وليس من الغنية لأنه لو كان من الغنية لقال يتغانى به ولم يقل يتغنى به، وسئل الإمام الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد النبي ﷺ الاستغناء لقال من لم يستغن ولكن لما قال: "يتغنى" علمنا أنه أراد التغني قال الطبري المعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيح، قال الشاعر: تغَنَّ بِالشِّعْرِ مَهْمَا كنْتَ قَائِلَهُ ... إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ (٢) وعن حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أبطأت على عهد رسول الله ليلة بعد العشاء ثم جئت فقال، أين كنت؟ قالت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته قط وصوته [من أحد] قالت: فقام رسول الله

стр. 4493

وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليّ فقال: هذا سالم مولى أبي حذيفة: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا، انفرد ابن ماجه (١)، ورجال إسناده ثقات سالم مولى أبي حذيفة هو أبو عبد الله سالم بن عبيد بن ربيعة، كذا نسبه ابن مندة، وقال أبو نعيم: هذا وهم فاحش قال غيره: هو سالم بن معقل وهو مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن قصي القرشي العبشي، كان سالم من أهل فارس من اصطخر وهو من فضلاء الصحابة والمهاجرين وعتقته مولاته بثينة، امرأة أبي حذيفة الأنصاري فتبناه أبو حذيفة فيقال له قرشي وأنصاري وفارسي لما ذكرناه (٢)، قال: وأما ادعاء الزاعم إن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ولا يعلم أن أحدا من أهل اللغة قاله في التذكار (٣) والله أعلم. قول الحافظ: وروي ابن جرير الطبري هذا الحديث يترنم بالقرآن، الترنم التطريب والتغني وتحسين الصوت بالتلاوة، ويطلق على الحيوان والجماد يقال: ترنم الحمام والقوس، قول الحافظ: وروي الإمام أحمد وابن ماجه غيره عن فضالة بن عبيد تقدم الكلام على مناقبه ﵁.

стр. 4494

قوله ﷺ : "لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" وأصله أن المستمع يميل بإذنه على جهة المستمع، تقول العرب: أذن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل إذنا بفتح الهمزة، والذال في المصدر إذا أصغى واستمع، وهذا المعنى في حق الله مجاز، وإنما هو من باب التوسع على ما جرى من عرف التخاطب وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال [ثوابه ووجه] هذا [التوسع] أن الإصغاء إلى الشيء [قبول] له واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المصغي إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء [إذ هو عنه]، وفائدة هذا الخير حث القارئ على إعطاء القراءة حقها في ترتيلها وتحسينها [وتطيبها بالصوت] الحسن ما أمكن، أ. هـ قاله القرطبي (١). قال الحافظ (٢): القينة هي الأمة المغنية وقال المنذري أيضا في حواشي مختصر سنن أبي داود: والقينة الأمة المغنية أو غير مغنية (٣) وقال أبو عمرو: وكل عبد عند العرب قين، والأمة قينة وبعض الناس يظن القينة المغنية خاصة وليس كذلك (٤)، وقال غيره: سميت قينة لأنها تصلح البيت وتزينه والقينة الماشطة، والقينة المغنية وذلك راجع إلى الإصلاح والتزيين (٥).

стр. 4495

٢٢٣٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه (١). قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ هَكَذَا فسره غير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث وَزَعَمُوا أَنه من بَاب المقلوب كَمَا قَالُوا عرضت النَّاقة على الْحَوْض أَي عرضت الْحَوْض على النَّاقة وكقولهم إِذا طلعت الشعرى واستوى الْعود على الحرباء أَي اسْتَوَت الحرباء على الْعود ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن شُعْبَة قَالَ نهاني أَيُّوب أَن أحدث زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ وَرَوَاهُ معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة فَقدم الأَصْوَات على الْقُرْآن وَهُوَ الصَّحِيح أخبرناه مُحَمَّد بن هَاشم حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق أَنبأَنَا معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن الْبَراء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ وَالْمعْنَى اشغلوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ والهجوا بِهِ واتخذوه شعارا وزينة انْتهى (٢). قوله: وعن البراء بن عازب ﵁، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا أنه من باب المقلوب إلى آخره.

стр. 4496

تنبيه: قوله كقولهم إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء أي استوى الحرباء على العود، والحرباء: أكبر من العصاة، وهو مستقبل الشمس يدور معها كيف دارات ويتلون، ألوانا بحر الشمس، وذكر الشيخ جمال الدين بن هشام في شرح بانت سعاد: إن للحرباء سناما كسنام البعير وأنه يكون ألوانا وهي تتشكل بشكل الشجرة التي تكون عليها حتى تنكاد تختلط بلونها فإذا قرب منه الذباب ونحو اختطفته بلسانها (١)، أ. هـ. قال الحافظ (٢): قال الخطابي: وراوه البخاري تعليقا في أواخر صحيحه والحاكم في المستدرك في فضائل القرآن وزاد في بعض طرقه فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا كلهم من رواية البراء بن عازب، قول الحافظ ﵀ (٣): ثم يروي بإسناده عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث: "زينوا القرآن بأصواتكم" أ. هـ. قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتناول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في هذه الألحان المبتدعة ولهذا نهاه أن يحدث به (٤)،أ. هـ.
следующие страницы →