← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4492–4531 · переход к 4497.

стр. 4492

الافتقار لا من الغناء، قال الجوهري: تغني القرآن بمعنى استغنى وإلى هذا التأويل ذهب أيضا وكيع بن الجراح، وقد روي عن سفيان أيضا وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه أي: يستغني به عما سواه من الأحاديث والكتب وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لاتباعه الترجمة في كتابه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (١) والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم، قاله أهل التأويل، وقيل: إن معنى يتغنى به يتحزن بأي يظهر في قارئه الحزن الذي هو ضد السرور عند قراءته وتلاوته وليس من الغنية لأنه لو كان من الغنية لقال يتغانى به ولم يقل يتغنى به، وسئل الإمام الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا لو أراد النبي ﷺ الاستغناء لقال من لم يستغن ولكن لما قال: "يتغنى" علمنا أنه أراد التغني قال الطبري المعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيح، قال الشاعر: تغَنَّ بِالشِّعْرِ مَهْمَا كنْتَ قَائِلَهُ ... إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ (٢) وعن حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أبطأت على عهد رسول الله ليلة بعد العشاء ثم جئت فقال، أين كنت؟ قالت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته قط وصوته [من أحد] قالت: فقام رسول الله

стр. 4493

وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليّ فقال: هذا سالم مولى أبي حذيفة: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا، انفرد ابن ماجه (١)، ورجال إسناده ثقات سالم مولى أبي حذيفة هو أبو عبد الله سالم بن عبيد بن ربيعة، كذا نسبه ابن مندة، وقال أبو نعيم: هذا وهم فاحش قال غيره: هو سالم بن معقل وهو مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن قصي القرشي العبشي، كان سالم من أهل فارس من اصطخر وهو من فضلاء الصحابة والمهاجرين وعتقته مولاته بثينة، امرأة أبي حذيفة الأنصاري فتبناه أبو حذيفة فيقال له قرشي وأنصاري وفارسي لما ذكرناه (٢)، قال: وأما ادعاء الزاعم إن تغنيت بمعنى استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ولا يعلم أن أحدا من أهل اللغة قاله في التذكار (٣) والله أعلم. قول الحافظ: وروي ابن جرير الطبري هذا الحديث يترنم بالقرآن، الترنم التطريب والتغني وتحسين الصوت بالتلاوة، ويطلق على الحيوان والجماد يقال: ترنم الحمام والقوس، قول الحافظ: وروي الإمام أحمد وابن ماجه غيره عن فضالة بن عبيد تقدم الكلام على مناقبه ﵁.

стр. 4494

قوله ﷺ : "لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" وأصله أن المستمع يميل بإذنه على جهة المستمع، تقول العرب: أذن بكسر الذال يأذن بفتحها في المستقبل إذنا بفتح الهمزة، والذال في المصدر إذا أصغى واستمع، وهذا المعنى في حق الله مجاز، وإنما هو من باب التوسع على ما جرى من عرف التخاطب وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال [ثوابه ووجه] هذا [التوسع] أن الإصغاء إلى الشيء [قبول] له واعتناء به ويترتب على ذلك إكرام المصغي إليه فعبر عن الإكرام بالإصغاء [إذ هو عنه]، وفائدة هذا الخير حث القارئ على إعطاء القراءة حقها في ترتيلها وتحسينها [وتطيبها بالصوت] الحسن ما أمكن، أ. هـ قاله القرطبي (١). قال الحافظ (٢): القينة هي الأمة المغنية وقال المنذري أيضا في حواشي مختصر سنن أبي داود: والقينة الأمة المغنية أو غير مغنية (٣) وقال أبو عمرو: وكل عبد عند العرب قين، والأمة قينة وبعض الناس يظن القينة المغنية خاصة وليس كذلك (٤)، وقال غيره: سميت قينة لأنها تصلح البيت وتزينه والقينة الماشطة، والقينة المغنية وذلك راجع إلى الإصلاح والتزيين (٥).

стр. 4495

٢٢٣٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيُّ وَابْن مَاجَه (١). قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ هَكَذَا فسره غير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث وَزَعَمُوا أَنه من بَاب المقلوب كَمَا قَالُوا عرضت النَّاقة على الْحَوْض أَي عرضت الْحَوْض على النَّاقة وكقولهم إِذا طلعت الشعرى واستوى الْعود على الحرباء أَي اسْتَوَت الحرباء على الْعود ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن شُعْبَة قَالَ نهاني أَيُّوب أَن أحدث زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ قَالَ وَرَوَاهُ معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة فَقدم الأَصْوَات على الْقُرْآن وَهُوَ الصَّحِيح أخبرناه مُحَمَّد بن هَاشم حَدثنَا الديري عَن عبد الرَّزَّاق أَنبأَنَا معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْسَجَة عَن الْبَراء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ وَالْمعْنَى اشغلوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ والهجوا بِهِ واتخذوه شعارا وزينة انْتهى (٢). قوله: وعن البراء بن عازب ﵁، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا أنه من باب المقلوب إلى آخره.

стр. 4496

تنبيه: قوله كقولهم إذا طلعت الشعرى واستوى العود على الحرباء أي استوى الحرباء على العود، والحرباء: أكبر من العصاة، وهو مستقبل الشمس يدور معها كيف دارات ويتلون، ألوانا بحر الشمس، وذكر الشيخ جمال الدين بن هشام في شرح بانت سعاد: إن للحرباء سناما كسنام البعير وأنه يكون ألوانا وهي تتشكل بشكل الشجرة التي تكون عليها حتى تنكاد تختلط بلونها فإذا قرب منه الذباب ونحو اختطفته بلسانها (١)، أ. هـ. قال الحافظ (٢): قال الخطابي: وراوه البخاري تعليقا في أواخر صحيحه والحاكم في المستدرك في فضائل القرآن وزاد في بعض طرقه فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا كلهم من رواية البراء بن عازب، قول الحافظ ﵀ (٣): ثم يروي بإسناده عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث: "زينوا القرآن بأصواتكم" أ. هـ. قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتناول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في هذه الألحان المبتدعة ولهذا نهاه أن يحدث به (٤)،أ. هـ.

стр. 4497

قول الحافظ: حدثنا الدبري عن عبد الرزاق، الدبري: اسمه إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري منسوب إلى دبرة، ودبرة قرية من اليمن من قرى صنعاء وهو ثقة حافظ، أدخله الإمام أبو جعفر العقيلي في كتابه صحيح الحديث الذي ألفه، وقد رحل إليه للقراءة عليه جماعة من أهل المشرق وأهل الأندلس من أهل المشرق أبو سعيد بن الأعرابي، ومن أهل الأندلس الإمام أبو عمر أحمد بن خالد بن يزيد يعرف بابن الجباب، أ. هـ. قوله: وعن البراء بن عازب ﵁، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "زينوا أصواتكم بالقرآن"، قال الحافظ المنذري: والمعنى: اشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجو ابه واتخذوه شعارا وزينة، أ. هـ، وقيل: معناه الحض على قراءة القرآن والدءوب عليه، وروي عن عمر أنه قال: حسنوا أصواتكم بالقرآن، وقيل: المعنى: زينوا القراءة بأصواتكم فيكون القرآن بمعنى القراءة، [كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١) أي قراءة الفجر. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ (٢). أي قراءته. وكما ثبت] في صحيح مسلم عن عبد الله وقال: إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان ﵇ يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا، وقال الشاعر في عثمان في بيت وفي آخره يقطع الليل تسبيحا

стр. 4498

وقرآنا أي قراءة فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدها فيكون خبرا لها (١) والله أعلم قاله في الديباجة (٢). ٢٢٣٤ - وَرُوِيَ عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن هَذَا الْقُرْآن نزل بحزن فَإِذا قرأتموه فابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا وَتَغَنوا بِهِ فَمن لم تتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ منا رَوَاهُ ابْن مَاجَه (٣). قوله: وروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : " [إن هذا القرآن] نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" الحديث، رواه ابن ماجه بإسناد جيد، ورواه أبو يعلى الموصلي: التباكي تكلف البكاء والبكاء يمد ويقصر إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع [وخروجها] (٤) قال النووي (٥) في الأذكار: ينبغي لقارئ القرآن أن يكون شأنه الخضوع والتدبر والخضوع فهذا هو المقصود والمطلوب وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب وقد كان جماعة من السلف يكررون الآية الليل كله، وصعق جماعة منهم عند القراءة

стр. 4499

وماتوا، ويستحب البكاء والتباكي لمن لم يقدر على البكاء فإن ذلك صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ (١) قال السيد الجليل إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وفضاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين، وقال الغزالي بعد ذكر الحديث (٢): يستحب البكاء مع القراءة، قال صالح المري: قرأت على النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟، وقال ابن عباس: إذا قرأ سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وطريق تكلف البكاء أن يحضر قلبه الحزن. وفي سند هذا الحديث عبد الرحمن بن السائب، وكان حسن الصوت بالقرآن، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص وقد كف بصره فسلمت عليه فقال: من أنت؟ فأخبرته فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا القرآن نزل بحزن" (٣) فذكر الحديث، أ. هـ.

стр. 4500

قوله ﷺ : "وتغنوا به فمن لم يتغن بالقرآن فليس منا" الحديث، معنى يتغن: يحسن صوته بالقرآن، أي ليس منا من لم يحسن صوته بالقرآن وقال أبو عبيد ومحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت محمولة على التحزين والتخويف والتشويق (١). لطيفة: استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا يذم بل يحمد، وقد وقف النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري واستمع قراءته فروي ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فسمع قراءة رجل، فقال: من هذا؟ فقيل: عبد الله بن قيس، قال: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه مسلم (٢) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ إن عبد الله بن قيس الأشعري أعطى مزمارا من مزامير آل داود، وفي رواية أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله لأبي موسى: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وخرجه البخاري (٣) أيضًا، وفي رواية أن النبي ﷺ سمع قراءة أبي موسى فأخبر بذلك فقال: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا (٤)، وكان عمر ﵁ يأمره إذا

стр. 4501

حضر عنده من الصحابة أن يسمعهم قراءته فيقرأ وهم يسمعون (١)، قال العلماء: المراد هنا الصوت الحسن وأصل الزمر الغناء (٢). وقوله: "من مزامير آل داود" أراد من مزامير داود نفسه والآل صلة (٣)، وآل فلان يطلق على نفسه (٤)، وقال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن وبه سميت الزمر مزمار وكان داود ﷺ حسن الصوت جدا شبه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار وداود النبي ﷺ إليه المنتهي في حسن الصوت بالقراءة (٥)، وفي الحديث أن النبي ﷺ قرأ ورجع قراءته (٦). وقوله: "لحبرته لك تحبيرا" التحبير التزيين والتحسين (٧)، يقال: حبرت الشيء تحبيرا إذا حسنته (٨) وهذا محمول من أبي موسى على أنه كان يزيد في رفع صوته وتحسين ترتيله حتى يسمع النبي ﷺ ويعرفه أنه قبل عنه كيفية أداء القراءة وأنه متمكن منها فيحمده النبي ﷺ ويدعو له فيحصل له فضيلة

стр. 4502

[ومنقبة] كما فعل بأُبيّ حيث سأله فأجابه بقوله ﷺ : "ليهنك العلم أبا المنذر" ويحتمل أن يكون ذلك ليبالغ في حالة يطيب بها القرآن له فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره ويعتني بها عند مشاركة غيره فيها وإن كان مخلصا في أصل عمله (١). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود السجستاني: لأبي موسى مع حسن صوته فضيلة ليست لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، هاجر ثلاث هجرات هجرة من اليمن إلى رسول الله ﷺ بمكة، وهجرة من مكة إلى الحبشة، وهجرة من [الحبشة إلى المدينة]، واستعمله النبي ﷺ على زبيد وعدن وساحل اليمن، واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة، روى له عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة وستون حديثا، توفي سنة خمس، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة (٢). ومعناه: لو علم أن النبي ﷺ كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها كما كان يقرأ على النبي ﷺ فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقرآن (٣)، هذا كان سماع القوم فمن حرم هذا السماع أو من كرهه وهل هذا إلا سماع خواص الأولياء فلابد للروح من سماع طيب تتغذى به قاله القرطبي في التذكار، فأين هذا من سماع المكاء والتصدية وقرآة الشيطان وآلات الملاهي أ. هـ.

стр. 4503

تنبيه: اختلف العلماء في التطريب في القراءة والترجيح فيها فمنع من ذلك، وأنكره مالك بن أنس وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه الإمام أحمد بن حنبل كما كرهه مالك وأجاز ذلك طائفة منهم الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك والنضر بن شميل واختاره الطبرى وابن العربي وغيرهما، واحتجوا بقوله ﷺ : "زينوا أصواتكم بالقرآن" وبقوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أخرجه مسلم وبقول أبي موسى للنبي ﷺ : لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا، وبما رواه عبد الله بن المغفل قال: قرأ النبي ﷺ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته فرجع في قراءته، قال الإمام القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله، وبيان ما روي عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل له: اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه خرقة سوداء فقال: ما هذا ما هكذا يفعلون وكان ﵁ إذا رأى شيئا ينكره كشف الخرقة عن وجهه (١)، أ. هـ، وتقدم الكلام على ذلك أيضا واختلاف العلماء في ذاك مبسوطا. ٢٢٣٥ - وَرُوِيَ عَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن من أحسن النَّاس صَوتا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذا سمعتموه يقْرَأ حسبتموه يخْشَى الله رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا (٢).

стр. 4504

قوله: وروي عن جابر تقدم الكلام على جابر. قوله ﷺ : "إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله" خشية الله تعالى عبارة [عن خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي ﷺ "إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية" فالخوف حركة، والخشية انجماع، وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركة للهرب منه، هي حالة الخوف، والثانية: سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه، وهي الخشية، ومنه: انخشى الشيء، والمضاعف والمعتل أخوان، كتقضي البازي وتقضض (١)]. قوله: وروي عن ابن أبي مليكة، ابن أبي مليكة اسمه [عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مره القرشي التيمي، أبو بكر، ويقال: أبو محمد، المكي الأحول. كان قاضيا لعبد الله بن الزبير، ومؤذنا له، قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومئة (٢)]. ٢٢٣٦ - وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ قَال عبيد الله بن أبي يزِيد ﵁ مر بِنَا أَبُو لبَابَة فاتبعناه حَتَّى دخل بَيته فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذا رجل رث الْهَيْئَة يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ قَالَ فَقلت لابْنِ أبي مليكَة يَا أَبَا مُحَمَّد أَرَأَيْت إِن لم يكن حسن الصَّوْت قَالَ يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ وَرَوَاهُ أَبُو

стр. 4505

دَاوُد (١)، وَالْمَرْفوع مِنْهُ فِي الصَّحِيحيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (٢). قوله: قال عبيد الله بن أبي يزيد [المكي، مولى آل قارظ بن شيبة الكناني، حلفاء بني زهرة، وقال البخاري: مولى أهل مكلة، ويقال: مولى رهم من بني كنانة قال يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال علي بن المديني، وأحمد بن عبد الله العجلي، وأبو زرعة، والنسائي، ومحمد بن سعد، زادة كثير الحديث، وقال سفيان بن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومئة، وله ست وثمانون سنة (٣)]. قوله: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حت دخل بيته فدخلنا عليه فإذا رجل رث الهيئة، رث بالثاء المثلثة وأبو لبابة اأسمه [بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الأنصاري الأوسي ثم من بني عمرو بن عوف، ثم من بني أمية بن زيد، وهو بشير بن عبد المنذر بن زنبر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وقيل: اسمه رفاعة، وهو بكنيته أشهر، قال الحاكم أبو أحمد: يقال: شهد بدرًا مع النبي ﷺ ، ويقال: رده رسول الله ﷺ حين خرج إلى بدر من الروحاء، واستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره، فكان كمن شهدها وأمه نسيبة بنت زيد بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف وقال أبو عمر بن عبد البر: شهد مع رسول الله ﷺ أحدا وما

стр. 4506

بعدها من المشاهد، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح، مات في خلافة علي، وقال غيره: مات بعد الخمسين]. قوله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أي يلهج بتلاوته كما يلهج سائر الناس بالغناء والطرب، كذا قال الهروي والخطابي (١) ومن تقدمهما والصحيح أنه من تحسين الصوت ويؤيده الرواية الأخرى، يتغنى بالقرآن أي يجهر به ويحسن به صوته وقيل معناه تحسين القراءة وترجيع الصوت به يقال تغنى بمعنى جهر أي رفع صوته يقال جهر وأجهر والجهر والإجهار لغتان فمعنى اجهر أي أرفع صوته فالمراد بقوله يجهر به هو إخراج القرآن في التلاوة عن مساق المحادثة بالأخبار [بإلذاذ] أسماعهم بحسن الصوت وترجيعه [لا الجهر المنهى] عنه الجافي على المسامع كما قال الله في النبي ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (٢) (٣) قاله في الحواشي، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.

стр. 4507

الترغيب في قراءة سورة الفاتحة وما جاء في فضلها ٢٢٣٧ - عَن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى ﵁: قَالَ كنت أُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ فدعاني رَسُول الله ﷺ فَلم أجبه ثمَّ أَتَيْته فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي كنت أُصَلِّي فَقَالَ ألم يقل الله تَعَالَى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) ثمَّ قَالَ لأعلمنك سُورَة هِيَ أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن قبل أَن تخرج من الْمَسْجِد فَأخذ بيَدي فَلَمَّا أردنَا أَن نخرج قلت يَا رَسُول الله إِنَّك قلت لأعلمنك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن قَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين هِيَ السَّبع المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيتهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائيِّ وَابْن مَاجَه (٢). قَالَ الْحَافِظ أَبُو سعيد: هَذَا لَا يعرف اسْمه وَقيل اسْمه رَافع بن أَوْس وَقيل الْحَارِث بن نفيع بن الْمُعَلَّى وَرجحه أَبُو عمر النمري وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم (٣). قوله: عن أبي سعيد بن المعلى ﵁، قال الحافظ: أبو سعيد هذا قيل لا يعرف اسمه، وقيل: اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث بن نفيع، ورجحه أبو عمر النمري وقيل: غير ذلك والله أعلم أ. هـ.

стр. 4508

أبو سعيد هذا: أنصاري واسمه رافع بن أوس بن المعلى، وقيل: الحارث بن أوس المعلى ورجحه ابن عبد البر وكان من جلة الأنصار وساداتهم، توفي سنة أربع وتسعين وهو أول من صلى إلى القباء حين حولت وليس له في الصحيح سوى هذا الحديث وروى له النسائي حديثا آخر من حديث رواية عبيد بن حنين عنه، وقال أبو عمر بن عبد البر: لا يعرف في الصحابة إلا بحديثين فذكرهما قاله صاحب سلاح المؤمن (١). قوله: كنت أصلي بالمسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه ثم أتيته فقلت يا رسول الله: إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢) " الحديث، أجمعت الأمة على بطلان الصلاة بالكلام العمد الذي يصلح لخطاب الآدميين من غير عذر إذا لم يكن من مصلحة الصلاة لما روى مسلم عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (٤)، ثم الكلام المبطل هو المسموع [المهجى] وهو حرفان أو حرف مفهم فإذا نطق بحرفين بطلت صلاته سواء أفهما معنى أم لا، والحرف

стр. 4509

الواحد إذا أفهم أبطل مثل: (ق) و (ع) و (ش) فإن لم يفهم لم تبطل وإن كان [قبل] الحرف [همزة] مثل آه بطلت سواء كان من خوف النار أو من غيره، وقال المحاملي: إن كان من خوف النار لم تبطل والمشهور الأول (١). فروع: الفرع الأول: لو دعا النبي ﷺ مصليا في عصره لزمه إجابته على الأصح ولا تبطل صلاته به وما ذكرناه من وجوب الإجابة وعدم البطلان هو مذهب الشافعي وبه جزم الرافعي أنها تبطل بخطاب الملائكة وبقية الأنبياء، وحكى ابن الرفعة وجها إن إجابته لا تجب وتبطل به الصلاة والأول أصح (٢) واللّه أعلم. فرع في إجابة الأبوين: ثلاثة أوجه، أصحهما أن الإجابة لا تجب، وثانيهما: تجب وتبطل الصلاة، وثالثهما: تجب ولا تبطل الصلاة وأختار الشيخ أن الصلاة إن كانت نفلا قطعها وأجاب، وإن كانت فرضا لا يقطعها ولا يجيب والأصح البطلان ولا يجيب، وروينا في معجم ابن قانع من حديث حوشب الفهري أنه سمع النبي ﷺ يقول: لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه لأن الكلام الذي يحتاج إليه كان مباحا في ذلك، وكذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ وإشارة الأخرس المفهمة لا تبطل صلاته على الأصل قاله الكمال الدميري (٣).

стр. 4510

الفرع الثاني: لو رأى صغيرا أو أعمى أو نحوهما مشرفا على الهلاك وأمكن إنذاره بغير الكلام كفعل أو فعلين فتكلم بطلت صلاته وإن لم يمكن إلا بالكلام فقيل: لا يجب إنذاره فإن فعل بطلت صلاته، والمذهب الوجوب فإن فعل بطلت صلاته والمذهب الوجوب فعلى هذا لا تبطل صلاته على الأصح لأنه قد لا يقع فيما يخاف منه، لكنه في الروضة تبع الرافعي فصحح البطلان لأنه قد لا يقع فيما يخاف منه (١). الفرع الثالث: قراءة الآية المنسوخة في الصلاة تبطلها، وفيه درجه أنها لا تبطل بآية الرجم والقراءة بالشواذ لا تبطل لكن تكره، قاله القاضي حسين، واشترط الرافعي أنه لا يكون فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه فتجوز (٢)، ولا تبطل الصلاة كاللحن الذي لا يغير المعنى وإن كان فيها زيادة حروف أو تغيير معنى امتنع وتبطل الصلاة به إذا تعمده كقوله ثلاثة أيام [متتابعات] وقوله [فاقطعوا] أيمانهم وقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) برفع الله ونصب العلماء (٥) وجزم النووي (٦) في كتبه بتحريم القراءة بالشواذ من غير تفصيل، وحكى

стр. 4511

البغوي (١) في أول تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بما يقرأ يعقوب وأبو جعفر لاستفاضها وصوبه الشيخ واختاره في فتاوي قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري: أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقا إلا في الفاتحة للمصلي، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ ولا الصلاة خلف من يقرأ بها وقال العجلي: تكره الصلاة بها وتجزئ الصلاة أ. هـ، قاله الكمال الدميري (٢). الفرع الرابع: التلفظ بالنذر عامدا لا يبطل الصلاة على الأصح في شرح المهذب (٣) لأنه مناجاة لله تعالى (٤)، ويجب أن يكون محل هذا الخلاف فيما إذا قال لله على كذا فلو علق كإن شفى الله زيدًا [ونحوها] من صيغ التعليق [فلا وجه إلا] البطلان (٥). قوله ﷺ : "ثم قال لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" الحديث، ومعنى قوله "أعظم سورة في القرآن" أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض كما سيأتي بيانه (٦) إنما قال أعظم سورة في

стр. 4512

القرآن اعتبارا بعظم قدرها وتفردها بالخاصية التي لا يشاركها فيها سورة ولاشتمالها على فوائد ومعاني كثيرة مع قصرها ووجازة ألفاظها، ولذلك سميت أم القرآن (١)، وسميت فاتحة الكتاب لافتتاح القرآن بها، وسميت أم الكتاب لأنها أوله وأصله ولذلك شما مكة أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها ومنها دحيت وحكي في التحرير لها عشرة أسماء: الحمد وفاتحة الكتاب وأم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني لأنه سبع آيات وتثني في الصلاة والوافية والكافية والشفاء والأساس وزاد الكاشغرى في غريبه الكنز، قال في الإكمال وكره قوم منهم ابن سيرين تسميتها بأم القرآن ولا وجه له لصحة الأحاديث به (٢). قوله: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" الحديث، وسميت بذلك لأنها سبع آيات بالاتفاق (٣) غير أن منهم من عد أنعمت عليهم دون التسمية ومنهم من عكس (٤)، وقال عمرو بن عبيد ثمان آيات وجعل إياك نعبد آية (٥)، وأجمعت الأمة على أنها قرآن ولم يكتبها ابن مسعود في مصحفه كما لم يكتب المعوذتين اكتفاء بحفظ الناس لذلك

стр. 4513

واختلفوا هل مكية أو مدنية، فقيل: مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني، حكاه أبو الليث السمرقندي في تفسيره (١)، والصواب الأول لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٢) وسورة الحجر مكية بالإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ عنه ﷺ أنه صلى صلاة بغير فاتحة (٣) أ. هـ. وهي مثنى في الصلاة أو الإنزال فإنها نزلت بمكة حينما فرضت الصلاة وبالمدينة لما حولت القبلة (٤)، أ. هـ. وقال بعض العلماء: السبع المثاني من أسماء سورة الفاتحة لأنها تثنى في كل ركعة أو لأنها مثنى نصفها ثناء العبد للرب ونصفها إعطاء الرب للعبد (٥)، وليس عطف القرآن على السبع المثاني من باب عطف الشيء على نفسه وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين أحدهما معطوف على الأخرى أي هي الجامع لهذين الوصفين (٦). ٢٢٣٨ - وَعَن أبي هُرَيرَة ﵁ أَن رَسُول الله خرج على أبي بن كَعْب فَقَالَ يَا أبي وَهُوَ يُصلِّي فَالْتَفت أبي فَلم يجبهُ وَصلى أبي فَخفف ثمَّ انْصَرف

стр. 4514

إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ السَّلام عَلَيْك يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَعَلَيْك السَّلام مَا مَنعك يَا أبي أَن تُجِيبنِي إِذْ دعوتك فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي كنت فِي الصَّلَاة قَالَ فَلم تَجِد فِيمَا أوحى الله إِلَيّ أَن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) قَالَ بلَى وَلا أعُود إِن شَاءَ الله قَالَ أَتُحِبُّ أن أعلمك سُورَة لم ينزل فِي التَّوْرَاة وَلا فِي الإِنْجِيل وَلا فِي الزبُور وَلا فِي الْفرْقَان مثلهَا قَالَ نعم يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كيفَ تقْرَأ فِي الصَّلَاة قَالَ فَقَرَأَ أم الْقُرْآن فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أنزل الله فِي التَّوْرَاة وَلا فِي الإِنْجِيل وَلا فِي الزبُور وَلا فِي الْفرْقَان مثلهَا وَإِنَّهَا سبع من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أَعْطيته رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (٢). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم بِاخْتِصَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن أبي وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم (٣). قوله: وعن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رسول الله ﷺ خرج على أبي بن كعب، تقدم الكلام على أبي بن كعب، وتقدم الكلام أيضا على إجابته ﷺ في الصلاة في الحديث أول الباب. قوله ﷺ لأبي بن كعب: "أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها" الحديث، ومعنى قوله ﵇: "ما في التوراة ولا في الإنجيل

стр. 4515

مثلها" أن الله تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل في يعطي لقارئ أم القرآن لأن الله تعالى بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه وهو فضل منه لهذه الأمة، وقال ابن العربي (١): قوله ﷺ "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزيور ولا في الفرقان مثلها" الفرقان من أسماء سور القرآن أي أنه فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام يقال: فرقت بين الشيئين أفرق فرقا وفرقانا ومنه الحديث محمد فرق بين الناس، أي: يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه قاله في النهاية (٢). قوله: "وأنها سبع من المثاني والقرآن الذي أعطيته" الحديث، قيل: هي الفاتحة لكونها سبع آيات وقيل: السبع الطول بالضم جمع الطولي مثل الكبر في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة، والسبع الطوال هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة (٣) على أن تحسب التوبة والأنفال بسورة واحدة ولهذا لم يفصل بينهما في المصحف بالبسملة ومن في قوله من المثاني لتبيين الجنس ويجوز أن تكون للتبعيض أي سبع آيات أو سبع سورة من جملة ما يثنى به على الله من الآيات (٤)، أ. هـ.

стр. 4516

وسكت عن سائر الكتب كالصحف المنزلة وغيرها لأن هذه المذكورة أفضلها وإذا كان الشيء أفضل الأفضل كان أفضل الكل كقولك زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن قاله القرطبي في كتابه التذكار (١) .. قوله ﷺ : "كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: تقرأ أم القرآن" سميت الفاتحة أم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله والتعبد بالأحكام والترغيب والترهيب بالوعد والوعيد وقصة الغابرين من العصاة والمطيعين (٢)، قال ابن عرفة: سميت أم القرآن لأن السور تضاف إليها ولا تضاف إلى شيء من السور (٣)، أ. هـ. لطيفة: ذكر بعض العلماء أن في سورة الفاتحة اثنى عشر اسما من أسماء الله تعالى ولم يشرحها، قال الإقليش (٤) فتأملت ما قال فوجدت فيها ثلاثة عشر اسما من أسماء الله تعالى طريقة من يجيز أن يشتق من الأفعال أسماء وأن يسمي الله تعالى بكل ما كان كمالا في حقه فمنها حميد من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ومنها الله وهو الاسم الأعظم الخاص لله ، ومنها

стр. 4517

الرب، ومنها الرحمن، ومنها الرحيم، ومنها مالك، ومنها الديان من قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ومنها المعبود من قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومنها: المستعان من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وفي القرآن ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ﴾ (١)، ومنها: الهادي من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ وقد ورد الهادي في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) الآية، ومنها: المنعم من قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يرد المنعم في القرآن ولا عند الترمذي في الأسماء المعدودة ووري في حديث لم يخرجه الترمذي وخرجه غيره في الأسماء المعدودة فعد منها المنعم ومنها المضل ولم يرد هذا الاسم في القرآن العزيز ولكن إجماع أهل الحق قد انعقد على أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء فهو الهادي والمضل لا إله إلا هو. ومن شرف الفاتحة أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده ولا تصح الصلاة إلا بها ولا يلحق عمل بثوابها وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن إذ القرآن تعدل ثلث القرآن إذ القرآن توحيد وأحكام ومواعظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد كله، وبهذا المعنى وقع البيان في قوله ﵇ لأبيّ: "أي آية في القرآن أعظم؟ " قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله عليه الصلام "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا

стр. 4518

إله إلا الله وحده لا شريك له" أفضل الذكر لأنها كلمات حولت جميع العلوم في التوحيد والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والتذكير ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى ذكره القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار (١). ٢٢٣٩ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ في مسير فَنزل وَنزل رجل إِلَى جَانِبه قَالَ فَالْتَفت النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَلا أخْبرك بِأَفْضَل الْقُرْآن قَالَ بلَى فَتلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢). قوله: وعن أنس ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ألا أخبرك بأفضل القرآن". تتمة: اختلف العلماء في تفضيل بعض سور القرآن على بعض والآي على بعض وتفضيل بعض أسماء الله الحسنى على بعض فقال قوم: لا تفضيل لبعض على بعض لأن الجميع كلام الله تعالى وكذلك أسماء الله تعالى لا مفاضلة بينها وإلى هذا ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الطيب وأبو حاتم البستى وجماعة من الفقهاء، وروي جماعة معناه عن مالك واحتج هؤلاء بأن الأفضل يؤذن بنقص المفضول والذاتية في الكل واحدة وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣) الآية، وآية الكرسي وآخر

стр. 4519

سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانية الله وصفاته ليس موجودًا في [تبت يدا أبي لهب] [وما كان] مثلها وهذا هو الحق، وقال بذلك إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين [وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وابن الحصار لحديث أبي سعيد بن المعلى خرجه البخاري. قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي فقال: "ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم" ثم قال: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن؟ قال: "الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" وحديث أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل" (١)، والله أعلم. قوله: قال بلى، فتلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، في معنى الرب أربعة أقوال حكاها الماوردي وغيره، المالك والسيد والمدبر والمربي الأولان من صفات الذات والأخيران من صفات الأفعال، فإن وصف الله تعالى برب لأنه مالك أو سيد فهو من صفات الذات، وإن وصف به لأنه مدبر خلقه ومربيهم فهو من صفات فعله، ومتى دخلت الألف واللام فقيل الرب اختص بالله تعالى، وان حذفتا جاز إطلاقه على غيره فقيل: رب المال ورب الدار ونحو ذلك والعالمين

стр. 4520

جمع عالم وليس للعالم واحد من لفظه، وقد اختلف العلماء من أهل اللغة والمتكلمين والمفسرين في حقيقته، قال الأكثرون: على أنه جميع المخلوقات وإنما جمع باعتبار أنواعه، وقال جماعة هم الملائكة والجن والإنس، قيل: والشياطين أيضًا، وقيل: بنو آدم خاصة قاله الحسين بن الفضل و [أبو] معاذ النحوي، وقيل: العالم الدنيا وما فيها [والصحيح] الأول، ثم قيل: هو مشتق من العلامة لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه، وقيل: من العلم فيختص بالعقلاء (١) قاله في شرح الإلمام (٢) أ. هـ، وتقدم الكلام على أفضل. ٢٢٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله تَعَالَى قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ. وَفِي رِوَايَة فنصفها لي وَنِصْفهَا لعبدي فَإِذا قَالَ العَبْد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قَالَ الله حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قَالَ أثنى عَليّ عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قَالَ مجدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قَالَ هَذَا بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ قَالَ هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ رَوَاهُ مُسلم (٣).

стр. 4521

قَوْله قسمت الصَّلَاة يَعْنِي الْقِرَاءَة بِدَلِيل تَفْسِيره بهَا وَقد تسمى الْقِرَاءَة صَلَاة لكَونهَا جُزْءا من أَجْزَائِهَا وَالله أعلم. قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل" وفي رواية "فنصفها لي ونصفها لعبدي" الحديث، قال الحافظ: قوله "قسمت الصلاة" يعني القراءة بدليل تفسيره بها، وقد تسمى القراءة صلاة لكونها جزء من أجزائها، أ. هـ، وقال غيره: أراد بالصلاة القراءة لكونها جزءا من أجزائها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (١) أي: بقراءتك والمراد بالصلاة قراءة الفاتحة، ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، قال العلماء: والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن الأول تحميد الله تعالى وتمجيده وثناء عليه وتفويض إليه والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة فالعبادة حق الرب والمسألة حق العبد، وليس المراد كلماتها على السواء، وقال الخطابي ﵀ (٢): حقيقة التقسيم في قوله: "نصفين" راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتأثرة لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة ونصفها سفر يريد به أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل

стр. 4522

والتسوية بينهما حتى لا يزيد أحدهما على الآخر، ثم التنصيف لا يلزم منه التساوي كما سمي الوضوء شطر الإيمان والفرائض نصف العلم، ويؤيده أن النصف باعتبار الحروف والكلمات غير معتبرة، وقال الإمام شهاب الدين التوربشتي (١): الأظهر أن التنصيف ينصرف إلى آيات السورة لأن الفاتحة سبع آيات فثلاث منها ثناء وثلاث منها مسألة والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة نصفها ثناء ونصفها دعاء، وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة وهو بين واضح والحديث يحكم على من خالفه، وروي أبو عبد الله الحاكم في صحيحه هذا الحديث بإسناده عن أبي هريرة وذكر فيه: "فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: ذكرني عبدي" وهذا يؤيد مذهب من جعل التسمية من الفاتحة، وأجاب من جعل البسملة آية من الفاتحة بأجوبة: أحدها: أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ، والثاني: أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث: معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين، والله أعلم. قوله ﷺ : "فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، قال: أثنى عليّ عبدي" لم يذكر البسملة فاحتج بهذا الحديث من لا يرى البسملة منها، فقال: لو كانت

стр. 4523

منها لذكرها (١). قوله ﷺ : "فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، قال: مجدني عبدي"؛ اعلم أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ أن الله تعالى منفرد بالملك ذلك اليوم [وبجزاء] العباد وبحاسبهم، والدين الحساب، وقيل: الجزاء ولا دعوى لأحد ذلك اليوم ولا حقيقة ولا مجازا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ذلك مجازي، ويدعى بعضهم دعوى باطلة وكل هذا منقطع في ذلك اليوم هذا معناه وإلا فالله هو المالك، والمالك على الحقيقة في الدارين وما فيهما ومن فيهما وكل من سواه مربوب له عبد مسخر، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى (٢). قوله: "مجدني عبدي"، ومعنى "مجدني" شرفني وعظمني ونزهني عما لا ينبغي (٣). قوله: "وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل" معناه أن عبدي توجه إليّ بالعبادة وسألني العون

стр. 4524

عليها فعبادته متقبلة، والعون مني له عليها حتى يوقعها على وجهها، فالعبادة وصف العبد والعون من الله تعالى للعبد، فلذلك قال: "هذا بيني وبين عبدي" (١). قوله: "فإذا قال: ﴿اهْدِنَا﴾ " هو سؤال رغبة من العبد لربه تعالى في الهداية، وقد أمر الله تعالى كل مكلف أن يسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهذا السؤال ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون السؤال واقعا لمن ليس بمهتد بعد فيأمرهم بسؤال الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإيمان كما أمرهم بالتوحيد فإنه لا خلاف أن الكفار مخاطبون بالإيمان؛ والسؤال الثاني: أن يكون هذا السؤال واقعا من المؤمنين الذين هم مهتدون ولكون معنى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ أي: ثبتنا عليه فإن الله تعالى قد يهب الهداية العبد ما شاء من عمره ثم يسلبها منه إذا شاء [ينبغي أن يدعى هنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٢)]؛ والسؤال الثالث: أن يكون هذا السؤال أيضًا من الأنبياء المهتدين المعصومين من وقوع الضلال بهم أبدًا، ويكون معنى ﴿اهْدِنَا﴾ أي: زدنا هدى فإن هدى الله تعالى لا نهاية له، فالسؤال الأول الهداية ممن ليس بمهتد هو سؤال دخول فيها كما يقول القائل للواقف امش أي تلبس بالمشي، والسؤال الثاني الذي هو

стр. 4525

طلب الاستدامة هو كقولك للماشي امش أي تماد على مشيك، والسؤال الثالث الذي طلب استزادة هو كقولنا للماشي امش أي زد في المشي وحث سيرك وهدايته تعالى لا نهاية لها ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (١) ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٢). قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ والصراط هو الطريق وأما الصراط المستقيم فقد ذكر الزجاج بسنده عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصراط المستقيم كتاب الله تعالى"، وعن ابن مسعود مثله؛ وعن النبي ﷺ هو الإسلام، وقاله جماعة من الصحابة، واختار الطبري القول والعمل الموافق للحق وهذا شامل لأن الصراط المستقيم هو صراط الله الذي دعا إليه عباده وهو امتثال أوامره واجتناب نواهيه والله أعلم. فائدة تتعلق بالفاتحة: قال صاحب الهدى: وكانت قراءته ﷺ مدًا يقف عند كل آية ويمد بها صوته، روينا في كتاب الشمائل للترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقرأ الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم يمد بها صوته (٣) ثم يقرأ قراءة مفسرة يقف عند كل آية ويمد بها

стр. 4526

صوته، قال صاحب الهدى: فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال آمين (١) والله اعلم. تنبيه: قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، افترض الله على عباده أن من يسألوه في كل صلاة الهداية إلى صراط الذين أنعمت عليهم وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢) (٣) انتهى. ٢٢٤١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ بَيْنَمَا جِبْرَائِيل ﵇ قَاعد عِنْد النَّبِي ﷺ سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح لم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٤). النقيض بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ الصَّوْت. قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه.

стр. 4527

قوله: بينما جبرائيل ﵇ قاعد عند النبي ﷺ ، تقدم الكلام على جبريل ﵇ في كتاب الجمعة. قوله: سمع نقيضا من فوقه؛ قال الحافظ: النقيض هو الصوت أ. هـ، وقال غيره: النقيض هو بالقاف والضاد المعجمة أي صوتا كصوت الباب إذا فتح، وقال في النهاية (١): النقيض الصوت ونقيض المحامل صوتها، ونقيض السقف تحريك خشبه. [وقوله] أبشر [بنورين] إلى أن قال "فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" سيأتي الكلام على هذا الحديث في فضل سورة البقرة وآل عمران [سماهما (نورين)؛ لأن كلا منهما يكون لقارئه يوم القيامة نورا يسعى بين يديه، أو لأنه يرشده ويهديه بالتأمل فيه والتفكر في معانيه إلى الطريق القويم]. ٢٢٤٢ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَعْطَيْت مَكَان التَّوْرَاة السَّبع وَأعْطيت مَكَان الزبُور المئين وَأعْطيت مَكَان الْإِنْجِيل المثاني وفضلت بالمفصل رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده عمرَان الْقطَّان (٢). قوله: وعن واثلة بن الأسقع ﵁[هو أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع،

стр. 4528

وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة، بكسر القاف، واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكنانى الليثى، وقيل: إنه واثلة بن عبد الله بن الأسقع، قيل: أسلم والنبى ﷺ يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، روى له عن رسول اللّه ﷺ ستة وخمسون حديثا، روى له البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن دمشق، ثم استوطن بيت جبرين، وهي بلدة بقر بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار. روى عنه عبد الواحد بن عبد الله البصرى، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد الله بن عامر اليحصبى، وأبو إدريس الخولانى، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة، وخلق سواهم، توفى بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفى سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول (١)]. قوله ﷺ : "مكان التوراة السبع" [وهي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة على أن تحسب التوبة والأنفال بسورة واحدة]. قوله: وفي إسناده عمران القطان [هو عمران بن داود القطان: قال عباس عن يحيى ليس بشيء وضعفه أبو داود والنسائي، وقال ابن عدي هو ممن

стр. 4529

يكتب حديثه وحدث عنه عفان ووثقه ومشاه أحمد واحتج به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهما]. خاتمة: اختلف في وقت نزول فاتحة الكتاب فقيل إنها أول ما نزل من القرآن وقرأها ﷺ على ورقة بن نوفل، وقيل: نزلت مرتين، قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل ﵇ لم ينزل بسورة الحمد، لما روى مسلم عن ابن عباس قال: "بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، وفي آخره: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة"، قال ابن عطية: وليس كما ظنه، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل ﵇ تقدم الملك إلى النبي ﷺ معلما به وبما ينزل معه، والصواب أن جبريل نزل بتلاوتها بمكة والملك الآخر نزل بثوابها بالمدينة (١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام (٢).

стр. 4530

الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ٢٢٤٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر إِن الشَّيْطَان يفر من الْبَيْت الَّذِي تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" أي: اجعلوا لبيوتكم حصة من ذكركم وتلاوتكم وصلاتكم لئلا تكون كالمقابر التي تورط أهلها في مهاوي الفناء فقصرت مقدرتهم عن العمل. قوله ﷺ : "إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" هكذا رواه بعض رواة مسلم "يفر" وضبطه الجمهور "ينفر" وكلاهما صحيح وإذا كان هذا شان البيت فما ظنك بالقارئ قاله في حدائق الأولياء (٢)، وفي الحديث جواز أن يقال سورة البقرة (٣) وسيأتي الكلام على ذلك في هذا الباب وفيه أيضا دليل على الحث على قراءة سورة البقرة.

стр. 4531

٢٢٤٤ - وَعَن معقل بن يسَار ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْبَقَرَة سَنَام الْقُرْآن وذروته نزل مَعَ كل آيَة مِنْهَا ثَمَانُون ملكا واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) من تَحت الْعَرْش فوصلت بهَا أَو فوصلت بِسُورَة الْبَقَرَة وَيس قلب الْقُرْآن لَا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد عَن رجل عَن معقل (٢) وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مِنْهُ ذكر يس (٣). قوله: وعن معقل بن يسار ﵁[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزنى البصرى، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله ﷺ أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري
следующие страницы →