← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4527–4566 · переход к 4532.

стр. 4527

قوله: بينما جبرائيل ﵇ قاعد عند النبي ﷺ ، تقدم الكلام على جبريل ﵇ في كتاب الجمعة. قوله: سمع نقيضا من فوقه؛ قال الحافظ: النقيض هو الصوت أ. هـ، وقال غيره: النقيض هو بالقاف والضاد المعجمة أي صوتا كصوت الباب إذا فتح، وقال في النهاية (١): النقيض الصوت ونقيض المحامل صوتها، ونقيض السقف تحريك خشبه. [وقوله] أبشر [بنورين] إلى أن قال "فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" سيأتي الكلام على هذا الحديث في فضل سورة البقرة وآل عمران [سماهما (نورين)؛ لأن كلا منهما يكون لقارئه يوم القيامة نورا يسعى بين يديه، أو لأنه يرشده ويهديه بالتأمل فيه والتفكر في معانيه إلى الطريق القويم]. ٢٢٤٢ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَعْطَيْت مَكَان التَّوْرَاة السَّبع وَأعْطيت مَكَان الزبُور المئين وَأعْطيت مَكَان الْإِنْجِيل المثاني وفضلت بالمفصل رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده عمرَان الْقطَّان (٢). قوله: وعن واثلة بن الأسقع ﵁[هو أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع،

стр. 4528

وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة، بكسر القاف، واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكنانى الليثى، وقيل: إنه واثلة بن عبد الله بن الأسقع، قيل: أسلم والنبى ﷺ يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، روى له عن رسول اللّه ﷺ ستة وخمسون حديثا، روى له البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن دمشق، ثم استوطن بيت جبرين، وهي بلدة بقر بيت المقدس، ودخل البصرة، وكان له بها دار. روى عنه عبد الواحد بن عبد الله البصرى، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد الله بن عامر اليحصبى، وأبو إدريس الخولانى، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن ميسرة، وخلق سواهم، توفى بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفى سنة ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول (١)]. قوله ﷺ : "مكان التوراة السبع" [وهي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة على أن تحسب التوبة والأنفال بسورة واحدة]. قوله: وفي إسناده عمران القطان [هو عمران بن داود القطان: قال عباس عن يحيى ليس بشيء وضعفه أبو داود والنسائي، وقال ابن عدي هو ممن

стр. 4529

يكتب حديثه وحدث عنه عفان ووثقه ومشاه أحمد واحتج به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهما]. خاتمة: اختلف في وقت نزول فاتحة الكتاب فقيل إنها أول ما نزل من القرآن وقرأها ﷺ على ورقة بن نوفل، وقيل: نزلت مرتين، قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل ﵇ لم ينزل بسورة الحمد، لما روى مسلم عن ابن عباس قال: "بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، وفي آخره: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة"، قال ابن عطية: وليس كما ظنه، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل ﵇ تقدم الملك إلى النبي ﷺ معلما به وبما ينزل معه، والصواب أن جبريل نزل بتلاوتها بمكة والملك الآخر نزل بثوابها بالمدينة (١) أ. هـ قاله في شرح الإلمام (٢).

стр. 4530

الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ٢٢٤٣ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر إِن الشَّيْطَان يفر من الْبَيْت الَّذِي تقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" أي: اجعلوا لبيوتكم حصة من ذكركم وتلاوتكم وصلاتكم لئلا تكون كالمقابر التي تورط أهلها في مهاوي الفناء فقصرت مقدرتهم عن العمل. قوله ﷺ : "إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" هكذا رواه بعض رواة مسلم "يفر" وضبطه الجمهور "ينفر" وكلاهما صحيح وإذا كان هذا شان البيت فما ظنك بالقارئ قاله في حدائق الأولياء (٢)، وفي الحديث جواز أن يقال سورة البقرة (٣) وسيأتي الكلام على ذلك في هذا الباب وفيه أيضا دليل على الحث على قراءة سورة البقرة.

стр. 4531

٢٢٤٤ - وَعَن معقل بن يسَار ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْبَقَرَة سَنَام الْقُرْآن وذروته نزل مَعَ كل آيَة مِنْهَا ثَمَانُون ملكا واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) من تَحت الْعَرْش فوصلت بهَا أَو فوصلت بِسُورَة الْبَقَرَة وَيس قلب الْقُرْآن لَا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد عَن رجل عَن معقل (٢) وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مِنْهُ ذكر يس (٣). قوله: وعن معقل بن يسار ﵁[هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو على معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزنى البصرى، ومعبر بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين، وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق، ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان، ونزل البصرة، وبها توفى في آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أيام يزيد. روى له عن رسول الله ﷺ أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري

стр. 4532

بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى، والحسن البصرى، قال أحمد بن عبد الله العجلى: ليس في الصحابة من يكنى أبا على غير معقل بن يسار هذا، وهذا الذي قال مردود، فقد سبق أن طلق بن على كنيته أبو علي. وذكر الحاكم أبو أحمد وغيره أن قيس بن عاصم كنيته أبو علي، وقيل: أبو قبيصة، وكان لمعقل دار بالبصرة، وإليه ينسب نهر معقل الذي في البصرة، وإليه أيضا ينسب التمر المعقلى الذي بالبصرة، وروينا في صحيح مسلم، عن معقل بن يسار هذا، قال: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشر مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر (١)]. قوله ﷺ : "البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا" سنام كل شيء أعلاه مأخوذ من سنام البعير. تتمة: سورة البقرة فسطاط القرآن وسنامه ولبابه تعلمها عمر بفقهها وما تحتوي عليه في اثنى عشر سنة وابنه عبد الله في ثمانين سنة، قال ابن العربي (٢): فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة وهم السحرة لمجيئهم بالباطل إذا قرئت في بيت لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام، أ. هـ.

стр. 4533

قوله ﷺ : "واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) من تحت العرش فوصلت بها" سيأتي الكلام على آية الكرسي في باب مفرد إن شاء الله تعالى. ٢٢٤٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ بَيْنَمَا جِبْرَائِيل ﵇ قَاعد عِنْد النَّبِي ﷺ سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح لم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَتقدم (٢). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله: فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: "أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" الحديث، فهذا الحديث يدل على أنها مدنية وأن جبريل لم ينزل بها وليس كذلك بل نزل بها جبريل ﵇ نزل بتلاوتها بمكة ونزل الملك بفضلها وثوابها بالمدينة فتتفق الآثار وقد قيل إنها مكية مدنية نزل بها جبريل ﵇ مرتين حكاه الثعلبي وغيره وما ذكرناه أولى (٣)، وأنزلت بالمدينة قال القرطبي وهو قول مجاهد وأبي هريرة وعطاء بن يسار والزهري، وقيل:

стр. 4534

نزلت بمكة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية وهو أصح لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (١)، والحجر مكية بإجماع ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ أنه كان في الإسلام صلاة قط بغير الحمد لله رب العالمين ذكره في التذكار (٢). ٢٢٤٦ - وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اقرؤوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لاصحابه اقرؤوا الزهراوين الْبَقَرَة وَسورَة آل عمرَان فَإِنَّهُمَا يأتيان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف تحاجان عَن أصحابهما اقرؤوا سُورَة الْبَقَرَة فَإِن أَخذهَا بركَة وَتركهَا حسرة وَلَا تستطيعها البطلة قَالَ مُعَاوِيَة بن سَلام بَلغنِي أَن البطلة السَّحَرَة رَوَاهُ مُسلم (٣). الغيايتان مثنى غياية بغين مُعْجمَة وياءين مثناتين تَحت وَهِي كل شَيْء أظل الْإِنْسَان فَوق رَأسه كالسحابة والغاشية وَنَحْوهمَا. وفرقان أَي قطعتان. قوله: وعن أبي أمامة الباهلي ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران" الحديث، الزهراوين أي المنيرتين كما سمي القرآن نورا وهو كله راجع إلى البيان قاله

стр. 4535

عياض (١)، قالوا: سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما (٢)، والزهراوين واحدتهما زهراء مأخوذ من الزهر والزهرة وهي البياض [النير] وهو أحسن الألوان (٣)، وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما من سور القرآن مكان القمرين من سائر النجوم (٤) ونصب البقرة وآل عمران على البدل من الزهراوين أو عطف البيان لهما. [وفي تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال: الأول أنهما النيرتان مأخوذ من الزهر والزهرة، فأما لهدايتهما قارئهما بما يزهران من أنوارهما أي من معانيهما وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة وهو القول الثاني. الثالث سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (٥) والتي في آل عمران: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ (٦) "، أخرجه ابن ماجه أيضًا في التفسير والغمام: السحاب الملتف، وهو الغياية إذا كانت قريبا من الرأس، وهي الظلة أيضا. والمعنى: إن قارئهما في ظل ثوابهما، كما جاء

стр. 4536

"الرجل في ظل صدقته" (١) وفيه جواز قول سورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة وشبهها ولا كراهة في ذلك وكرهه بعض المتقدمين وقال إنما يقال السورة التي يذكر فيها آل عمران والصواب الأول وبه قال الجمهور لأن المعنى معلوم (٢). قوله ﷺ : فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان الحديث قال أبو عمرو: الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك، والغيايتان مثنى غياية بغين معجمة وياءين مثناتين تحت وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة والغاشية ونحوهما قاله المنذري. قوله ﷺ أو كأنما فرقان من طير صواف الفرقان بكسر الفاء وإسكان الراء وفي الرواية الأخرى كأنهما حزقان من طير صواف والحزقان بكسر الحاء المهملة وإسكان الزاي ومعناهما واحد وهما قطيعان وجماعتان يقال في الواحد فرق وحزق وحزيقة أي جماعة (٣) وقوله: "حزقان" ذكره الحميدي فقال: خرقان بالخاء المعجمة مع الراء المهملة، وقال: إن كان محفوظا فالخرق ما انخرق من الشيء وبان منه، والصواب حزقان بالحاء المهملة والزاي المعجمة. قال ابن قتيبة: الحزق والحزيق والحزيقة والحازقة:

стр. 4537

الجماعة من الطير والناس (١) وقيل للجماعة حزقة، لانضمام بعضهم إلى بعض (٢). وقوله: صواف جمع صافة يقول صففت القوم إذا أقمتهم في الحرب على خط مستو، وصفت الإبل قوائمها فهي صافة وصواف قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٣) أي قائمات. وقد صففن أيديهن وأرجلهن. وطير صواف: يصففن أجنحتهن في الهواء ومنه قوله سبحانه ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ (٤) (٥). وفيه (تحاجان عن صاحبهما) الأصل في المحاجة أن يطلب كل واحد من المتخاصمين أن يرد صاحبه عن حجته ومحجته وأريد ها هنا مدافعة السورتين عن صاحبهما والذب عنه. وذلك داخل في المعنى المراد من المثل المضروب؛ لأنه إنما ضرب مثل السورتين مرة بغمامتين وكرة بغيايتين وتارة بفرقين من طير لينبه على أنهما يظللان صاحبهما عن حر الموقف وكرب يوم القيامة، وإنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع الثلاثة ترتيبا لطبقات أهل الإيمان وتمييزا بين درجاتهم، فإن العباد وإن تباعدت منازلهم

стр. 4538

في العبودية واختلفت أحوالهم في علوم المعارف لا يتعدون عن الأقسام الثلاثة التي وقع عليها التنصيص في كتاب الله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (١) وهم المفتونون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا والأبرار والمقربون وإدخال (أو) في (غيايتان) و (فرقان) إنما كان] [الوجه الأيمن في هذه اللوحة ممسوح]. [الوجه الأيسر] للتقسيم لا للتردد عن الرواة لاتساق الروايات فيه على منوال واحد (٢)، وعلى هذا يحتمل أنه ضرب الأول لأدناهم منزلة وهو أدناهم منزلة وهو أن يقرأهما ولا يعرف معناهما، والثاني: لمن وفق للجمع بين تلاوة اللفظ ودراية المعنى والثالث لمن ضم إليهما تعليم المستفيدين وإرشاد الطالبين وبيان حقائقهما ولطائفهما حتى صاروا من حضيض الجهالة إلى درج العرفان واليقين ولا جرم يمثل له يوم القيامة مساعيه طيورا صواف يحرسونه ويحاجون عنه بالدلالة على سعيه في الدين (٣)، ثم إن الضرب الثاني أرفع وأنفع من الأول والثالث أفضل وأكمل من الثاني لأن قوله فرقان من طير يدل على أن أصحابهما قد بلغ منزلة لم يبلغها غيره، ثم تظليل الطير إياه من عجائب الأمور لأن تظليل الغمام قد كان لكثير من عباد الله تعالى فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما تظليل الطير بتصفيف أجنحتها فإنه

стр. 4539

مما أكرم الله تعالى به نبيه ﵊ الذي أتاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده (١) والله تعالى أعلم قاله شارح الأنوار. قوله ﷺ : "اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة السحرة، أ. هـ. وعبر عن السحرة بالبطلة لأن ما يأتون له باطل سماهم باسم فعلهم وإنما لم يقدروا على حفظهما ولم يستطيعوا قراءتهما لزيغهم عن الحق واتباعهم للوساوس وانهماكهم ولجاجهم في الباطل (٢) والله أعلم. ٢٢٤٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لكل شَيْء سَنَام وَإِن سَنَام الْقُرْآن سُورَة الْبَقَرَة وفيهَا آيَة هِيَ سيدة آي الْقُرْآن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن حَكِيم بن جُبَير عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (٣). وَرَوَاهُ الْحَاكِم من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا وَلَفظه سُورَة الْبَقَرَة فِيهَا آيَة سيدة آي الْقُرْآن لَا تقْرَأ فِي بَيت وَفِيه شَيْطَان إِلَّا خرج مِنْهُ آيَة الْكُرْسِيّ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٤). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي

стр. 4540

سيدة آي القرآن" وفي الرواية الأخرى: "لا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه آية الكرسي" تقدم الكلام على السنام وسيأتي الكلام على آية الكرسي. لطيفة: روى اليافعي [الغافقي]، في كتاب نفحات الأزهار ولمحات الأنوار، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: "هبط عليّ جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن لكل شيء سيدا، فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سليمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة" ذكره في حياة الحيوان (١). ٢٢٤٨ - وَعَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لكل شَيْء سناما وَإِن سَنَام الْقُرْآن سُورَة الْبَقَرَة من قَرَأَهَا فِي بَيته لَيْلًا لم يدْخل الشَّيْطَان بَيته ثَلَاث لَيَال وَمن قَرَأَهَا نَهَارا لم يدْخل الشَّيْطَان بَيته ثَلَاثَة أَيَّام رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). ٢٢٤٩ - وَعَن عبد الله ﵁ قَالَ اقرؤوا سُورَة الْبَقَرَة فِي بُيُوتكُمْ فَإِن الشَّيْطَان لَا يدْخل بَيْتا يقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا هَكَذَا وَقَالَ

стр. 4541

صَحِيح على شَرطهمَا (١) وَرَوَاهُ عَن زَائِدَة عَن عَاصِم بن أبي النجُود عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله فرفعه (٢). قَالَ الْحَافِظ وَهَذَا إِسْنَاد حسن بِمَا تقدم وَالله أعلم. قوله: وعن سهل بن سعد ﵁[هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه: حزنا، فسماه النبي ﷺ سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين. قال الزهرى: سمع من النبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهرى، وأبو حاتم، وغيرهما (٣)]. قوله ﷺ : "إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة من قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام" الحديث، قال أبو حاتم: قوله ﵇ "لم يدخل الشيطان بيته

стр. 4542

ثلاثة أيام" أراد مردة الشياطين، وخرج الوائلي أبو نصر بإسناده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة البقرة وآل عمران إيمانا واحتسابا جعل الله له يوم القيامة جناحين مضرجين بالدر والياقوت يطير بهما على الصراط أسرع من البرق" وقال الوائلي: وهذا حديث غريب الإسناد والمتن (١)، قول الحافظ: رواه ابن حبان في صحيحه عن زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي الأحوص. ٢٢٥٠ - وَعَن أسيد بن حضير ﵁ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله بَيْنَمَا أَنا أَقرَأ اللَّيْلَة سُورَة الْبَقَرَة إِذْ سَمِعت وجبة من خَلْفي فَظَنَنْت أَن فرسي انْطلق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اقْرَأ أَبَا عتِيك فَالْتَفت فَإِذا مثل الْمِصْبَاح مدلى بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَرَسُول الله ﷺ يَقُول اقْرَأ أَبَا عتِيك فَقَالَ يَا رَسُول الله فَمَا اسْتَطَعْت أَن أمضي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْمَلَائِكَة تنزلت لقِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة أما إِنَّك لَو مضيت لرأيت الْعَجَائِب رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي سعيد بِنَحْوِهِ وَتقدم.

стр. 4543

قوله: وعن أسيد بن حضير ﵁، تقدم الكلام عليه وعلى تفسير الحديث قريبا. ٢٢٥١ - وَعَن النواس بن سمْعَان ﷺ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول يُؤْتى بِالْقُرْآنِ يَوْم الْقِيَامَة وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا تقدمه سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَضرب لَهما رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة أَمْثَال مَا نسيتهن بعد قَالَ كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو ظلتان سودوان بَينهمَا شَرق أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف يحاجان عَن صَاحبهمَا رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١). وَمعنى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم أَنه يَجِيء ثَوَاب قِرَاءَته كَذَا فسر بعض أهل الْعلم هَذَا الحَدِيث وَمَا يشبه من الْأَحَادِيث أَنه يَجِيء ثَوَاب قِرَاءَة الْقُرْآن وَفِي حَدِيث نواس يَعْنِي هَذَا مَا يدل على مَا فسروا إِذْ قَالَ وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَفِي هَذَا دلَالَة على أَنه يَجِيء ثَوَاب الْعَمَل انْتهى. قَوْله: بَينهمَا شَرق هُوَ بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَقد تكسر وبسكون الرَّاء بعدهمَا قَاف أَي بَينهمَا فرق يضيء. قوله: وعن النواس بن سمعان ﵁، بفتح السين وكسرها [وهو النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن أبي كلاب كذا نسبه العلائي عن يحيى بن معين معدود في الشاميين، يقال: إن أباه سمعان بن خالد وفد على النبي ﷺ فدعا له، وأهدى إلى النبي ﷺ نعلين،

стр. 4544

فقبلهما، وزوج أخته من النبي ﷺ فلما دخلت على النبي ﷺ تعوذت منه، فتركها وهي الكلابية، وقد اختلفوا في المتعوذة كثيرا روى النواس عن النبي ﷺ وعنه: جبير بن نفير، وبسر بن عبيد الله، وغيرهما]. قوله ﷺ "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران" الحديث، قال الحافظ: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم [أنه يجيئ] ثواب القراة القرآن، كذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث وما يشبهه من الأحاديث انه يجيء ثواب قراءة القرآن، وفي حديث نواس يعني هذا ما يدل على ما فسروه إذ قال وأهله الذين يعملون به في الدنيا ففي هذا دلالة على أنه يجيء ثواب العمل أ. هـ. قوله ﷺ : "تقدمه سورة البقرة وآل عمران" وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سودوان، والظلتان مثنى ظلة والظلة كل ما أظلك ومنه عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فلجئوا إلى ظلها من شدة الحر فأطبقت عليهم وأهلكتهم (١) وتقدم ذلك. وقوله: "بينهما شرق" وهو بفتح المعجمة وقد تكسر وبسكون الراء بعدها قاف أي بينهما برق يضيء قاله الحافظ المنذري، وقال غيره: شرق هو بفتح الراء وإسكانها أي ضياء ونور والشرق ها هنا الشمس والشق أيضا، وممن حكى فتح الراء وإسكانها القاضي وآخرون والأشهر في الرواية واللغة

стр. 4545

والإسكان (١). قوله ﷺ : "أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما" تقدم الكلام على تفسير ذلك في أحاديث الباب. ٢٢٥٢ - وَعَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه ﵁ مَرْفُوعا تعلمُوا الْبَقَرَة وَآل عمرَان فَإِنَّهُمَا الزهراوان يظلان صَاحبهمَا يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو فرقان من طير صواف رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢). قوله: وعن [ابن] بريدة عن أبيه ﵁[ابن بريدة هو عبد الله بن بريدة هو أبو سهل، عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، قاضي مرو. تابعي من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع أباه، وسمرة بن جندب، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مغفل، روى عنه ابنه سهل، وحسين المكتب، وعبد الله بن مسلم المروزي الأسلمي، مات بمرو، وله عند المراورة حديث كثير، وأبوه هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. روى له

стр. 4546

عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (١)]. قوله ﷺ : "تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة" الحديث تقدم الكلام على ذلك أيضا في أحاديث تقدمت. ٢٢٥٣ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله كتب كتابا قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بألفي عَام أنزل مِنْهُ آيَتَيْنِ ختم بهما سُورَة الْبَقَرَة لَا يقرآن فِي دَار ثَلَاث لَيَال فيقربها شَيْطَان رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم إِلَّا أَن عِنْده وَلَا يقرآن فِي بَيت فيقربه شَيْطَان ثَلَاث لَيَال وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢). قوله: وعن النعمان بن بشير ﵄[هو أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس، بضم الجيم وتخفيف اللام، كذا قيده الحافظ عبد الغنى المقدسى وغيره. وقال ابن ماكولا: هو خلاس، بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، ابن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصارى،

стр. 4547

وهو وأبوه وأمه صحابيون، اسم أمه عمرة بنت رواحة، شهد بشير العقبة الثانية، وبدرا، وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وهو أول أنصارى بايع أبا بكر الصديق، رضى الله تعالى عنهما، واستشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر سنة اثنتى عشرة من الهجرة بعد انصرافه من اليمامة، روى عنه أبنه النعمان، وجابر بن عبد الله، وروى عنه أيضا عروة، والشعبى مرسلا، فإنهما لم يدركاه، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة، وهو أول مولود من الأنصار بعد الهجرة، وقيل في مولده غير ما ذكرنا، لكن ما ذكرناه هو الأصح الأشهر، روى له عن رسول الله ﷺ مائة وأربعة عشر حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بأربعة. روى عنه ابناه بشير ومحمد، وعروة بن الزبير، والشعبى، وآخرون. قتل بالشام بقرية من قرى حمص في ذي الحجة سنة أربع وستين. وقال ابن أبي خيثمة: سنة ستين، استعمله معاوية على حمص، ثم على الكوفة، واستعمله عليها بعده يزيد بن معاوية، وكان كريما، جوادا، شاعرا، رضى الله تعالى عنه (١)]. قوله ﷺ : "إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان" الحديث، وروي الدارمي في مسنده عن الشعبي قال عبد الله: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل البيت شيطان تلك الليلة حتى

стр. 4548

يصبح أربعا من أولها وآية الكرسي وآية بعدها وثلاث خواتيمها أولها ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (١) (٢) وعن الشعبي عنه "من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتان بعد آية الكرسي، وثلاثًا من آخر سورة البقرة، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق" (٣). ٢٢٥٤ - وَعَن أبي ذَر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله ختم سُورَة الْبَقَرَة بآيتين أعطانيهما من كنزه الَّذِي تَحت الْعَرْش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فَإِنَّهُمَا صَلَاة وَقُرْآن وَدُعَاء رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ (٤). قَالَ الْحَافِظ مُعَاوِيَة بن صَالح لم يحْتَج بِهِ البُخَارِيّ إِنَّمَا احْتج بِهِ مُسلم وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن جُبَير بن نفير (٥). قوله: وعن أبي ذر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش" الحديث، أما إعطاء خواتيم سورة البقرة من كنزه الذي تحت عرشه

стр. 4549

فمعناه أنها ذخرت له وكنزت له فلم يؤتها أحد من قبله. فإن قلت: الكلمة كيف كانت من الكنز؟ قلت: إنها كالكنز في كونها ذخيرة يتوقع الانتفاعات منها (١) وذلك أن كثيرا من آي القرآن منزل في الكتب السابقة منه ما هو باللفظ ومنها ما هو بالمعنى وهذه الآيات لم يؤتها أحد وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤته غيره إلا أن في هذه الآيات خصوصية لهذه الأمة وهو وضع الإصرار الذي كان على الأمم المتقدمة فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٢) فناسب ذكرها من الخصائص (٣) والله أعلم. ٢٢٥٥ - وَعَن عبيد بن عُمَيْر ﵁ أَنه قَالَ لعَائِشَة ﵂ أخْبِرِينَا بِأَعْجَب شَيْء رَأَيْته من رَسُول الله ﷺ قَالَ فَسَكَتَتْ ثمَّ قَالَت لما كَانَ لَيْلَة من اللَّيَالِي قَالَ يَا عَائِشَة ذَرِينِي أَتَعبد اللَّيْلَة لرَبي قلت وَالله إِنِّي أحب قربك وَأحب مَا يَسُرك قَالَت فَقَامَ فَتطهر ثمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَت فَلم يزل يبكي حَتَّى بل حجره قَالَت وَكَانَ جَالِسا فَلم يزل يبكي ﷺ حَتَّى بل لحيته قَالَت ثمَّ بَكَى حَتَّى بل الأَرْض فجَاء بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا رَآهُ يبكي قَالَ يَا رَسُول الله تبْكي وَقد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا لقد نزلت عَليّ اللَّيْلَة آيَة ويل لمن قَرَأَهَا وَلم يتفكر فِيهَا ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

стр. 4550

وَالْأَرْضِ﴾ (١) الْآيَة كلهَا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره (٢). ٢٢٥٦ - وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن سُفْيَان يرفعهُ قَالَ من قَرَأَ آخر آل عمرَان وَلم يتفكر فِيهَا ويله فعد بأصابعه عشرا (٣). قوله: وعن عبيد بن عمير [هو أبو عاصم، عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة، قال مسلم: ولد في زمن رسول الله ﷺ ، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة. ولم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره، روى عنه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، ومجاهد، مات قبل ابن عمر وقال شهاب بن خراش، قال العوام بن حوشب: رأى ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي حتى بل الحصى بدموعه، وقال غيلان بن جرير عن عبيد بن عمير أنه كان إذا آخى في الله استقبل به القبلة وقال: اللهم اجعلنا سعداء بما جاء به نبيك محمد ﷺ ، واجعل محمدا شهيدا علينا بالإيمان وقد سبقت لنا منك الحسنى غير متطاول علينا الأمد ولا قاسية قلوبنا ولا قائلين ما ليس لنا بحق ولا سائليك ما ليس لنا به علم (٤)].

стр. 4551

قوله: في حديث عمير قالت عائشة ﵂: فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل رسول الله ﷺ يبكي حتى بلَّ حجره؛ الحجر: يجوز فيه الفتح والكسر. قوله: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، أي: يعلمه بها. قوله ﷺ : "لقد نزلت عليّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) الآية كلها"، ويل: اسم واد في جهنم، وقيل: اسم حجر فيها يصعد عليه العرفاء وينزلون وتقدم الكلام على كلمة ويل في تخليل الأصابع في الوضوء مبسوطا وكذا في سجود التلاوة. فائدة يختم بها الباب: تستحب قراءة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر إذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه، يستحب تكريره قراءة الآيات لحديث ورد في ذلك (٢) والله أعلم.

стр. 4552

الترغيب في قراءة آية الكرسي وما جاء في فضلها ٢٢٥٧ - عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ أَنه كَانَت لَهُ سهوة فِيهَا تمر وَكَانَت تَجِيء الغول فتأخذ مِنْهُ قَالَ فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ اذْهَبْ فَإِذا رَأَيْتهَا فَقل باسم الله أجيبي رَسُول الله قَالَ فَأَخذهَا فَحَلَفت أَن لَا تعود فأرسلها فجَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا فعل أسيرك قَالَ حَلَفت أَن لَا تعود قَالَ كذبت وَهِي معاودة للكذب قَالَ فَأَخذهَا مرّة أُخْرَى فَحَلَفت أَن لَا تعود فأرسلها فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ مَا فعل أسيرك قَالَ حَلَفت أَن لَا تعود فَقَالَ كذبت وَهِي معاودة للكذب فَأَخذهَا فَقَالَ مَا أَنا بتاركك حَتَّى أذهب بك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت إِنِّي ذاكرة لَك شَيْئا آيَة الْكُرْسِيّ اقرأها فِي بَيْتك فَلَا يقربك شَيْطَان وَلا غَيره فجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ مَا فعل أسيرك قَالَ فَأخْبرهُ بمَا قَالَت قَالَ صدقت وَهِي كذوب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (١). وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيمَا يَقُوله إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه وَسَتَأْتِي أَحَادِيث فِي فَضلهَا فِيمَا يَقُوله دبر الصَّلَوَات إِن شَاءَ الله. السهوة بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة هِيَ الطاق فِي الْحَائِط يوضع فِيهَا الشَّيْء وَقيل هِيَ الصّفة وَقيل المخدع بَين الْبَيْتَيْنِ وَقيل هُوَ شَيْء شَبيه بالرف وَقيل بَيت

стр. 4553

صَغِير كالخزانة الصَّغِيرَة. قَالَ المملي كل وَاحِد من هَؤُلاءِ يُسمى السهوة وَلَفظ الحَدِيث يحْتَمل الْكل وَلَكِن ورد فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث مَا يرجح الأول. والغول بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ شَيْطَان يَأْكُل النَّاس وَقيل هُوَ من يَتلون من الْجِنّ. قوله: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: أنه كانت له سهوة فيها تمر؛ السهوة هي الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء، وقيل: هي الصفة، وقيل: المخدع بين البيتين، وقيل: هو شيء شبيه بالرف، وقيل: بتي صغير كالخزانة الصغيرة، قال المملي ﵀: كل واحد من هؤلاء يسمى السهوة ولفظ الحديث يحتمل الكل ولكن ورد في بعض طرق الحديث ما يرجح الأول. قوله: "وكانت تجيء الغول فتأخذ منه" الحديث، الغول بضم الغين المعجمة هو شيطان يأكل الناس، وقيل: هو من يتلون من الجن، أ. هـ قاله المنذري. وقال في حياة الحيوان: الغول: واحدة الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين، وجمعهم أغوال وغيلان، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول، والتغول التلون. وقال قدم الغول ساحرة الجن وهي تتصور في صور شتى وأخذوا ذلك من قول كعب بن زهير بن أبي سلمى ﵁: فما تكوم على حال تدوم بها ... كما تلوّن في أثوابها الغول

стр. 4554

وقال الجوهري: قال العلماء: السعالي بالسين المهملة المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن، وفي الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس إذا انفرد رجل في الصحراء ظهرت له الغول في حلقه إنسان فلا يزال يتبعها حتى يضل عن الطريق فتدنوا منه وتتمثل له في صور مختلفة فتهلكه رواع وإذا أرادت أن تضل إنسانا أيضا أوقدت له نارا فيقصدها فتفعل ذلك قالوا: وخلقتها خلقة إنسان ورجلاها رجلا حمار (١). فائدة: وروي الطبراني والبزار برجال ثقات من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا تغولت لكم الغول فنادوا بالأذان فإن الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص" (٢) قال في الأذكار إنه حديث صحيح، أرشد ﷺ إلى دفع ضررها بذكر الله والذي ذهب إليه المحققون أن الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر: الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم تؤخذ ولم تكن ولذلك سموا الغول خيتعور وهو كل شيء لا يدوم على حالة واحدة، ويضحل كالسراب وكالذي ينزل من الهواء في شدة الحر كنسج العنكبوت،

стр. 4555

قال الشاعر: كل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الخب حبها خيتعور (١) فائدة أخرى: روى ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: خلق الله الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء وصنف عليهم الحساب والعقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف صنف كالبهائم لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف كالملائكة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله (٢). فائدة أخرى: روى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما وتزوجت امرأته ثم أتى المدينة فسأله عمر عن ذلك، فقال: اختطفتني الجن فلبث فيهم زمانا طويلا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم فسبوا منهم سبايا وسبوني معهم فقالوا نراك رجلا

стр. 4556

مسلما ولا يحل لنا سباؤك فخيروني بين المقام عندهم والقفول إلى أهلي فاخترت أهل فأتوا بي إلى المدينة، الحديث (١)، ونقل ابن عطية وغيره الإجماع على اتفاق العلماء على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص وأن نبينا ﷺ مبعوث إلى الثقلين يعني الجن والإنس، ويدل العموم بعثته من السنة أحاديث منها ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أعطيت جوامع الكلم وأرسلت إلى الناس كافة (٢)، ومن المستغربات ما روي أحمد بن مروان المالكي الدينوري في أوائل الجزء التاسع من المجالسة عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة؟ فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون ويلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب، وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الإنس بل يكونون في ربضها (٣). فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي ﷺ حتى يتعلموها ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة؛ قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم إجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه من غير أن يراهم المؤمنون ويكون هو ﷺ يراهم

стр. 4557

ولا يراهم المؤمنون فإن الله تعالى يقول عن رأس الجن ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) فقد يراهم هو ﷺ بقوة يعطيها الله تعالى له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة الشيطان الذي أتاه يسرق من زكاة رمضان كما رواه البخاري، وقال القزويني: ورأى الغول جماعة من الصحابة منهم عمر حين سافر إلى الشام قبل الإسلام فضربه بالسيف والأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى وكذلك أشعار العرب وأخبارها فالنزاع في ذلك مكابرة فيها هو معلوم بالتواتر ثم إنه أمر لا يحيله العقل ولا يكذبه الحس، والله أعلم، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (٢). قوله: في حديث أبي أيوب أول الباب في ذكر الغول فقالت: إني ذاكرة لك شيئا آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربها شيطان ولا غيره، الحديث، كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع وأن ينفي عنه الشيطان من زوايا بيته، ويروي عن نوف البكالي أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله، ويدعى قارئها في ملكوت السموات عزيزا، ذكر أبو نصر الوابلي عن أبي أمامة الباهلي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ما أرى رجلا ولد في الإسلام أو أدرك عقله الإسلام يبيت ليلة حتى يقرأ هذه الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣) ولو يعلمون ما

стр. 4558

هي، إنما أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش ولم يعطها أحد قبل نبيكم ﷺ ، ما بت ليلة قط حتى أقرأها ثلاث مرات، أقرأها ثلاث مرات أرأها في الركعتين بعد العشاء الآخرة وفي وتري حين آخذ مضجعي من فراشي (١)؛ وعن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من خرج من منزله ودخل بيته فقرأ آية الكرسي نزع الله الفقر من بين عينيه" نقل من بعض التفاسير (٢). فائدة: قال الإمام أبو محمد بن عطية في تفسيره، وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات [العلى] وهي خمسون كلمة وفي كل كلمة خمسون بركة وهي تعدل ثلث القرآن ورد بذلك الحديث، وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي سمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر أحمد بن محمد القيسي ﵀ يقول: إنما كانت أشرف آية لأنه تكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة مرة وليس يوجد ذلك في غيرها (٣). فائدة أخرى: قال أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري له، وفي كتاب وهب بن منبه أن تأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فتدقه بين حجرين ثم تضربه بالماء وتقرأ فيه آية الكرسي ثم تحسوا فيه ثلاث حسيات وتغتسل به

стр. 4559

فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله (١) والله أعلم. ٢٢٥٨ - وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ أَن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه كَانَ لَهُم جرين فِيهِ تمر وَكَانَ مِمَّا يتَعَاهَد فيجده ينقص فحرسه ذَات لَيْلَة فَإِذا هُوَ بِدَابَّة كَهَيئَةِ الْغُلَام المحتلم قَالَ فَسلم فَرد ﵇ فَقلت مَا أَنْت جن أم إنس قَالَ جن فَقلت ناولني يدك فَإِذا يَد كلب وَشعر كلب فَقلت هَذَا خلق الْجِنّ فَقَالَ لقد علمت الْجِنّ أَن مَا فيهم من هُوَ أَشد مني فَقلت مَا يحملك على مَا صنعت قَالَ بَلغنِي أَنَّك تحب الصَّدَقَة فَأَحْبَبْت أَن أُصِيب من طَعَامك فَقلت مَا الَّذِي يحرزنا مِنْكُم قَالَ هَذِه الْآيَة آيَة الْكُرْسِيّ قَالَ فتركته وَغدا أبي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ صدق الْخَبيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَغَيره (٢). الجرين بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء هُوَ البيدر. قوله: وعن أبي بن كعب ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أن أباه أخبره أنه كان لهم جرين فيه تمر وكان مما يتعاهد فيجده ينقص" الحديث، الجرين: هو موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة، تجمع على جرن بضمتين (٣)، والبيدر بالدال المهملة هو الموضع

стр. 4560

الذي يداس فيه الطعام والطعام في اللغة كل ما يؤكل، وربما خص بالطعام البر والطعام في عرف الحجاز اسم للحنطة خاصة، قاله الجوهري (١)، أ. هـ. قال الهروي: والمربد كالجرين وهو الموضع الذي يلقى فيه التمر بعد الجذاذ قبل أن يوضع في [فيه الأو] عية [وينقل] إلى البيوت (٢) وقا [ل في المغيث] الجرن: جمع جرين وهو البيدر وهو [للبر] كالمسطح للتمر (٣)، قال بعض العلماء: قد وقع في حديث جابر بن عبد الله في دين أبيه في صحيح البخاري إطلاق البيدر على موضع التمر [الذي يجفف]. قوله: في الحديث "فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة كهيئة الغلام المحتلم، قال: فسلم فرد ﵇، فقلت: ما أنت جن أم إنس قال جن، فقلت: ناولني يدك فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هذا خلق الجن، فقال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني" الحديث، روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه صارع جنيا فصرعه عمر فقال له الجني: خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به فخلى عنه وسأله قال: "فإنكم تمتنعون منا بآية الكرسي" (٤)

стр. 4561

وروى الحاكم عن أبي الأسود الديلي، قال: قلت لمعاذ بن جبل ﵁: حدثني عن قصة الشيطان حين أخذته، فقال: جعلني رسول الله ﷺ على صدقة المسلمين فجعلت الثمر في غرفة، فوجدت فيه نقصانا، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: "هذا الشيطان يأخذه" قال: فدخلت الغرفة فأغلقت الباب علي فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب، ثم تصور في صورة فيل، ثم تصور في صورة أخرى، فدخل من شق الباب فشددت إزاري علي فجعل يأكل من التمر، قال: فوثبت إليه فضبطته فالتقت يداي عليه فقلت: يا عدو الله، فقال: خل عني فإني كبير ذو عيال كثير وأنا فقير وأنا من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم، فلما بعث أخرجنا عنها فخل عني، فلن أعود إليك فخليت عنه، وجاء جبريل ﵇ فأخبر رسول الله ﷺ بما كان، فصلى رسول الله ﷺ الصبح فنادى مناديه أين معاذ بن جبل، فقمت إليه، فقال رسول الله ﷺ : "ما فعل أسيرك يا معاذ؟ " فأخبرته فقال: "أما إنه سيعود" فعاد، قال: فدخلت الغرفة، وأغلقت علي الباب فدخل من شق الباب، فجعل يأكل من التمر فصنعت به كما صنعت في المرة [اللوحة الأولى، فقال: خل عني فإني لن أعود إليك، فقلت: يا عدو الله ألم تقل: لا أعود؟ قال: فإني لن أعود وآية ذلك علي أن لا يقرأ أحد منكم خاتمة

стр. 4562

البقرة فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة (١). قاله في حياة الحيوان (٢). ٢٢٥٩ - وَعَن أبي بن كعْب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا الْمُنْذر أَتَدْرِي أَي آيَة من كتاب الله مَعَك أعظم قَالَ قلت الله وَرَسُوله أعلم قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذر أَي آيَة من كتاب الله مَعَك أعظم قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣) قَالَ فَضرب فِي صَدْرِي وَقَالَ لِيَهنك الْعلم أَبَا الْمُنْذر رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد (٤). وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي شيبَة فِي كتَابه بِإِسْنَاد مُسلم وَزَاد وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن لهَذِهِ الْآيَة لِسَانا وشفتين تقدس الْملك عِنْد سَاق الْعَرْش (٥). وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة لكل شَيْء سَنَام وَإِن سَنَام الْقُرْآن سُورَة الْبَقَرَة

стр. 4563

وفيهَا آيَة هِيَ سيدة آي الْقُرْآن وَلَفظ الْحَاكِم سُورَة الْبَقَرَة فِيهَا آيَة سيدة آي الْقُرْآن لَا تقْرَأ فِي بَيت وَفِيه شَيْطَان إِلَّا خرج مِنْهُ آيَة الْكُرْسِيّ. قوله: وعن أبي بن كعب ﵁ تقدم الكلام عليه أيضا. قوله ﷺ "يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم قال قلت الله ورسوله أعلم" قال الإمام السهيلي (١): ومحال أن يريد بقوله أعظم معنى عظيم لأن القرآن كله عظيم فكيف يقول له أي آية في القرآن عظيمة وكل آية فيها عظيمة كذلك وإنما سأله عن الأعظم منه والأفضل في ثواب التلاوة وقرب الإجابة وفي هذا الحديث دليل أيضا على ثبوت الاسم الأعظم وأن لله تعالى اسم هو أعظم أسمائه ومحال أن يخلو القرآن عن ذلك الاسم والله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) فهو في القرآن لا محالة، قال الفقيه أبو القاسم في قول النبي ﷺ لأبي ﵁: "معك من كتاب الله أعظم" ولم يقل "أفضل" إشارة إلى الاسم الأعظم أنه فيها إذ لا يتصور أن تكون هي أعظم آية ولكون الاسم الأعظم في أخرى دونها بل إنما صارت أعظم الآيات لأن الاسم الأعظم فيها ألا ترى كيف هنأه رسول الله ﷺ بما أعطاه الله من العلم وما هنأه إلا بعظيم بأن عرف الاسم الاعظم والآية العظمى التي كانت الأمم قبلنا لا يعلمه منهم إلا الأفراد والله أعلم اهـ. قوله ﷺ : "يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله معك أعظم قلت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ

стр. 4564

إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) " الحديث، قال القاضي عياض (٢): فيه حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وتفضيله على سائر كتب الله تعالى قال: وفيه خلاف للعلماء فمنع منه أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وجماعة من الفقهاء والعلماء لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول وليس في كتاب الله نقص وتأول هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في الآيات والسور بمعنى عظيم وفاضل وأجاز ذلك إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين قالوا وهو راجع إلى عظم أجر قارئ ذلك وجزيل ثوابه والمختار جواز قول هذه الآية أو السورة أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلق بها أكثر وهو معنى الحديث والله أعلم وتقدم ذلك. قال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات والله أعلم (٣). قوله ﷺ : "ليهنك العلم أبا المنذر" أي ليكن العلم هنيئا لك أو أن العلم أتاك من غير تعب كذا في شرح القاضي البيضاوي وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لأبي ﵁ ودليل على كثرة علمه وفيه تبجيل العالم فضلاء أصحابه وتكنيتهم وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان فيه مصلحة ولم يخف

стр. 4565

عليه إعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى (١) ذكره في مشارق الأنوار. قوله "والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" قال أبو عبد الله الترمذي: فهذه آية أنزلها الله جل ذكره وجعل ثوابها لقارئها عاجلا أو آجلا فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من جميع الآفات (٢) والله أعلم.

стр. 4566

الترغيب في قراءة سورة الكهف أو عشر من أولها أو عشر من آخرها ٢٢٦٠ - عَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن نَبِي الله ﷺ قَالَ من حفظ عشر آيَات من سُورَة الْكَهْف عصم من الدَّجَّال رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَعِنْدَهُمَا عصم من فتْنَة الدَّجَّال وَهُوَ كَذَا فِي بعض نسخ مُسلم (١). وَفِي رِوَايَة لمُسلم وَأبي دَاوُد من آخر سُورَة الْكَهْف (٢). وَفِي رِوَايَة للنسائي من قَرَأَ الْعشْر الْأَوَاخِر من سُورَة الْكَهْف (٣). وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلَفظه من قَرَأَ ثَلَاث آيَات من أول الْكَهْف عصم من فتْنَة الدَّجَّال (٤). قوله: عن أبي الدرداء ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال" قيل سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا ... ﴾ (٥) الآية. ويحتمل أن يكون التخصيص بعشر آيات من أول
следующие страницы →