← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 4597–4636 · переход к 4602.

стр. 4597

قوله: "لأنها صفة الرحمن " ويحتمل أن يريد أنها وصف الرحمن. قوله ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" محبة الله تعالى لعبده إرادة الخير له وإبعاد الشر عنه، وقال [المازرى]: محبة الله تعالى لعباده إرادة ثوابهم وتنعيمهم، وقيل: محبته لهم نفس الإثابة والتنعيم لا الإرادة (١)، وفيه: دليل على أن من أحب قراءة القرآن كانت محبته دليلا على رضى الله تعالى عنه واللّه أعلم. ٢٢٨١ - وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا وَالتِّرْمِذِيّ عَن أنس أطول مِنْهُ وَقَالَ فِي آخِره فَلَمَّا أَتَاهُم النَّبِي ﷺ أَخْبرُوهُ الْخَبَر فَقَالَ يَا فلَان مَا يمنعك أَن تفعل مَا يَأْمُرك بِهِ أَصْحَابك وَمَا يحملك على لُزُوم هَذِه السُّورَة فِي كل رَكْعَة فَقَالَ إِنِّي أحبها فَقَالَ حبك إِيَّاهَا أدْخلك الْجنَّة (٢). قَالَ الْحَافِظ وَفِي بَاب مَا يَقُوله دبر الصَّلَوَات وَغَيره أَحَادِيث من هَذَا الْبَاب وَتقدم أَيْضا أَحَادِيث تَتَضَمَّن فَضلهَا فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة. قوله: ورواه البخاري أيضًا والترمذي عن أنس بن مالك، وذكر منه قطعة وأنا أذكره بتمامه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة يقرأ بها، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة.

стр. 4598

فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر. فقال: "يا فلان، ما يمنعك مما يأمر به أصحابك، وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال: يا رسول الله إني أحبها. فقال رسول الله ﷺ : "إن حبها أدخلك الجنة". وقال: هذا حديث غريب صحيح، قال القاضي أبو بكر بن العربي (١): هذا دليل على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة واللّه أعلم. فائدة يختم بها الباب: روى الدارقطني والبيهقي (٢) عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا، وجعله في كمه، فأتى فقال: ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا لقتلتك، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! دعني فأقوم فأقتله، قال ﷺ : "يا عمر! أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا"، ثم أقبل الأعرابي على رسول الله ﷺ فقال: واللات والعزى لا آمنت

стр. 4599

بك أو يؤمن بك هذا الضب، وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "يا ضب! فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، قال: من تعبد يا ضب؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: فمن أنا يا ضب؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، قال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إلي منك، وإنك اليوم أحب إلي من والدي، ومن عيني، ومني، وإني لأحبك بداخلي وخارجي وسري وعلانيتي:، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد للّه الذي هداك بي، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى، ولا يقبل إلا بصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن. قال: فعلمني فعلمه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال: زدني فما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا. قال: يا أعرابي! إن هذا كلام الله ليس بشعر، [إنك إن قرأت] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [مرة كان لك كأجر من قرأ] ثلث القرآن، وإن قرأت مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله، قال الأعرابي: نعم الإله إلهنا يقبل اليسير ويعطي الجزيل"، فذكر الحديث.

стр. 4600

الترغيب في قراءة المعوذتين ٢٢٨٢ - عَن عقبَة بن عَامر ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ألم ترَ آيَات أنزلت اللَّيْلَة لم ير مِثْلهنَّ قل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (١). وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَ كنت أَقُود برَسُول الله ﷺ فِي السّفر فَقَالَ يَا عقبة أَلا أعلمك خير سورتين قرئتا فعلمني قل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس فَذكر الحَدِيث (٢). قوله: عن عقبة بن عامر ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن" قال النووي (٣): ضبطناه بالنون المفتوحة وبالياء المثناة من تحت المضمومة وكلاهما صحيح. ٢٢٨٣ - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ بَيْنَمَا أَنا أَسِير مَعَ رَسُول الله ﷺ بَين الْجحْفَة والأبواء إِذْ غشيتنا ريح وظلمة شَدِيدَة فَجعل رَسُول الله ﷺ يتَعَوَّذ بأعوذ بِرَبّ الفلق وَأَعُوذ بِرَبّ النَّاس وَيَقُول يَا عقبَة تعوذ بهما فَمَا تعوذ متعوذ بمثلهما قَالَ وسمعته يؤمنا بهما فِي الصَّلَاة (٤).

стр. 4601

٢٢٨٤ - وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه قلت يَا رَسُول الله أقرئني آيا من سُورَة هود وآيا من سُورَة يُوسُف فَقَالَ النَّبِي ﷺ يَا عقبة بن عَامر إِنَّك لن تقْرَأ سُورَة أحب إِلَى الله وَلا أبلغ عِنْده من أَن تقْرَأ قل أعوذ بِرَبّ الفلق فَإِن اسْتَطَعْت أَن لا تفوتك فِي الصَّلَاة فافعل (١). وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِنَحْوِ هَذِه وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَلَيْسَ عِنْدهمَا ذكر قل أعوذ بِرَبّ النَّاس (٢). ٢٢٨٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اقْرَأ يَا جَابر فَقلت وَمَا أَقرَأ بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ قل أعوذ بِرَبّ الفلق وَقل أعوذ بِرَبّ النَّاس فقرأتهما فَقَالَ اقْرَأ بهما وَلنْ تقْرَأ بمثلهما رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣) وَسَيَأْتِي ذكرهمَا فِي غير هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: في رواية أبي داود (٤) "كنت أقود برسول الله ﷺ في السفر فقال يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا فعلمني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس" فذكر الحديث "ويقول يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما" في هذا الحديث بيان عظم فضل هاتين السورتين، قد سبق الخلاف

стр. 4602

في تفضيل بعض القرآن على بعض وفيه دليل واضح على كونهما من القرآن ورد على ما نسب إلى ابن مسعود خلاف هذا وفيه أن لفظة قل من القرآن ثابتة من أول السورتين بعد البسملة الشريفة وقد أجمعت الأمة على هذا كله (١). قوله: في رواية أبي داود قال "بينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء" الجحفة بضم الميم وسكون الحاء المهملة كانت قرية كبيرة على نحو سبع مراحل من المدينة وثلاث من مكة (٢)، قال صاحب المطالع وغيره: سميت الجحفة لأن السيل جحفها وحمل أهلها ويقال لها مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء (٣) وقد تقدم ذكر ذلك. قوله والأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة والمد هو جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد تنسب إليه (٤) والله أعلم. قوله: "إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول يا عقبة تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما قال وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة".

стр. 4603

فائدة: عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها". متفق عليه (١) وعنها ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات (٢). وذكر أبو عمر في كتاب الاستذكار (٣): رقي رسول الله ﷺ من العقرب بالمعوذتين وكان يمسح الموضع بماء فيه ملح (٤).

стр. 4604

قال الإمام أبو عبد الله القرطبي وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه رقى سيد الحي من العقرب بفاتحة الكتاب فبرأ (١) واللّه أعلم ذكره القرطبي (٢). * * *

стр. 4605

كتاب الذكر والدعاء الترغيب في الإكثار من ذكر الله سرا وجهرا والمداومة عليه وما جاء فيمن لم يكثر ذكر الله تعالى. ٢٢٨٦ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَإِن ذَكرنِي فِي ملإ ذكرته فِي ملإ خير مِنْهُم وَإِن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَإِن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١). وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ، بِإِسْنَاد صَحِيح وَزَاد فِي آخِره قَالَ قَتَادَة وَالله أسْرع بالمغفرة (٢). قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ "يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" الحديث، والظن هو الاعتقاد الراجح والظن في الحديث يصح إجراءه على ظاهره ولكون المعنى أنا عند ظن عبدي بي أعامله على حسب ظنه وأفعل به

стр. 4606

ما يتوقع مني والمراد هو الحث على تغلب الرجاء على الخوف وحسن الظن باللّه كما قال ﷺ "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه تعالى" والمعنى أن عند يقينه بي في الاعتماد عليه والاستيثاق بوعده والرهبة من وعيدة والرغبة فيمتا عنده وعلمه بأن مصيره إلى وحسابه علي وأن ما قضيته له من خير وشر فلا مرد له لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت أي إذا تمكن العبد في مقام التوحيد ورسخ في الإيمان والوثوق بالله تعالى قرب منه ورفع دونه الحجاب بحيث إذا دعاه أجاب وإذا سأله استجاب اهـ. ذكره البيضاوي في شرح المصابيح (١). وقال القاضي عياض ﵀ (٢): قوله "أنا عند ظن عبدي بي" الحديث قيل معناه بالغفران إذا استغفر والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلب الكفاية وقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وهذا أصح. انتهى. فائدة: سئل نصير عن معنى هذا الحديث قال إذا أحسن الظن بالله تعالى أنه غفور رحيم فإن الله لا يخلف ظنه قال الفقيه السمرقندي هذا إذا كانت أفعاله موافقة لظنه وأما إذا كان مصرا على الذنوب ولا يتوب فهو متمني وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ (٣) (٤) اهـ.

стр. 4607

قوله ﷺ : قال الله تعالى وأنا معه إذا ذكرني، قال القاضي عياض (١) وأنا معه إذا ذكرني أي معه بالرحمة والتوفيق والرعاية والهداية والإعانة وأما قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) فمعناه بالعلم والإحاطة. قوله ﷺ : قال الله تعالى: فإن ذكرني في نفسه" أي سرا وخفية إخلاصا وتجنبا من الرياء (٣). "ذكرته في نفسي" أسر قبوله على منوال عمله وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلق كذا قاله البيضاوي (٤). قوله ﷺ قال الله تعالى: وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا" هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره قال في النهاية (٥): المراد بقرب العبد من الله تعالى القرب بالذكر والعمل الصالح، لا قرب الذات والمكان؛ لأن ذلك من صفات الأجسام. والله يتعالى عن ذلك ويتقدس والمراد بقرب الله من العبد قرب نعمه وألطافه منه، وبره وإحسانه إليه، وترادف مننه عنده، وفيض مواهبه عليه. وقال الخطابي ﵀ (٦): هذا مثل ومعناه حسن القبول ومضاعفة

стр. 4608

الثواب على قدر العمل الذي يتقرب به العبد إلى ربه حتى يكون ذلك ممثلا بفعل من أقبل نحو صاحبه قدر شبر فاستقبله صاحبه ذراعا وكمن مشى إليه فهرول إليه صاحبه له وزيادة في الكرامة اهـ. وقال العراقي في شرح الأحكام (١): من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود. وقال القاضي عياض (٢): قيل يجوز أن يكون معنى من تقرب إلي شبرا أي بالقصد والنية قربته توفيقا وتيسيرا ذراعا، وإن تقرب إلي بالعزم والاجتهاد ذراعا قربته بالهداية والرعاية باعا، وإن أتاني معرضا عمن سواي مقبلا إلي أدنيته وحلت بينه وبين كل قاطع وسبقت به كل صانع، وهو معنى الهرولة والهرولة الإسراع في الشيء وهو التوسط بين العدو والمشي هذا حقيقة اللفظ والباع والبوع بفتح العين وضمها بمعنى، وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره قال البازي وهو قد أربعة والمراد، بها في هذا الحديث المجاز. قوله: رواه البخاري (٣): البخاري ﵀ هو الإمام المحدث الكبير

стр. 4609

وصاحب الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة ثم بموحدة كذا قيده الأمير أبو نصر بن ماكولا وقال: هو بالبخارية ومعناه بالعربية الزراع واتفقوا على أن البخاري ولد بعد صلاة الجمة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وأنه توفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين ومائتين ودفن بخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند (١)، قال النووي (٢): روينا عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري قال رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل - يعني في المنام - خلف النبي ﷺ والنبي ﷺ يمشي، فكلما رفع النبي ﷺ قدمه وضع أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قدمه في ذلك الموضع. قال النووي (٣): وروينا عن الفربري يقول: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: أين تريد؟ فقلت أريد: محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: أقرئه مني السلام. وعن محمذ بن حمدويه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح (٤)، قال

стр. 4610

النووي (١): وروينا عن الفربري قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري، وقد روى عنه خلائق غير ذلك أما اسمه فسماه مؤلفه البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ سننه وأيامه، وأما محله فقال العلماء: هو أول مصنف صنف في الصحيح المجرد واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم واتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا وأكثرهما فوائد. وقال الحافظ النيسابوري وبعض علماء المغرب: صحيح مسلم أصح وأنكر العلماء عليهم ذلك والصحيح ترجيح صحيح البخاري وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين وجواز العمل بأحاديثهما، وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه فروينا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: قال البخاري: قال: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب (٢). وروينا من جهات عن البخاري ﵀ قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة خرجته من ستمائه ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله (٣).

стр. 4611

وروينا عنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقالوا أنت تذب عنه الكذب، فهذا الذي حملني على إخراج الصحيح (١). وروينا عن الفربري: قال: قال البخاري: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (٢). ويبلغني عن الشيخ أبي زيد المروزي من أصحابنا وهو أجل من روى صحيح البخاري عن الفربري قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال: إلى متى تدرس الفقه ولا تدرس كتابي؟ قلت وما كتابك يا رسول الله قال جامع محمد بن إسماعيل البخاري أو كما قال (٣) اهـ. ذكر أبو الحسين الفراء في الطبقات أن البخاري ذهبت عينه صبيا فرأى في منامه إبراهيم الخليل فبرك له عليها أو دعا له فعادت فأرى أن قراءة الناس البخاري لتفريج الكرب مأخوذ من هذا لأن مصنفه فرجت كربته ذكره الطوفي (٤). تنبيه: قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في كتاب المدخل إلى معرفة المستدرك (٥): عدد من أخرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم

стр. 4612

يحتج بهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في جامعه ستمائة وعشرون شيخا ذكره في التنقيح (١). ٢٢٨٧ - وَعَن معَاذ بن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قَالَ الله جلّ ذكره لا يذكرنِي عبد فِي نَفسه إِلَا ذكرته فِي ملإ من ملائكتي وَلا يذكروني فِي ملإ إِلَّا ذكرته فِي الملا الْأَعْلَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن معاذ بن أنس ﵁، تقدم ذكره. قوله ﷺ : "قال الله جل ذكره لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملإ من ملائكتي" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله والملأ الجماعة. وقوله "ولا يذكروني في ملإ إلا ذكرته في الملأ الأعلى" الحديث الملأ الأعلى الملائكة المقربون. ٢٢٨٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ قَالَ الله ﵎ يَا ابْن آدم إِذا ذَكرتني خَالِيا ذكرتك خَالِيا وَإِذا ذَكرتني فِي ملإ ذكرتك فِي ملإ خير من الَّذين تذكرني فيهم رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح (٣).

стр. 4613

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم ذكره ومعنى الحديث أيضًا. ٢٢٨٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله يَقُول أَنا مَعَ عَبدِي إِذا هُوَ ذَكرنِي وتحركت بِي شفتاه رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁، والكلام على الحديث أيضًا. ٢٢٩٠ - وَعَن عبد الله بن بسر ﵁ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن شرائع الإِسْلَام قد كثرت فَأَخْبرنِي بِشَيْء أتشبث بِهِ قَالَ لا يزَال لسَانك رطبا من ذكر الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). أتشبث بِهِ أَي أتعلق. قوله: وعن عبد الله بن بسر ﵁ تقدم ذكره. قوله: أن رجلا قال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت فأخبرني بشيء أتشبث به، أي: أتعلق به، قال المنذري، وقال غيره: أتشبث بتاء مثناة فوق ثم شين معجمة ثم باء موحدة مفتوحات ثم ثاء مثلثة ومعانه أتعلق به واستمسك.

стр. 4614

قوله ﷺ : "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله" قال العلماء (١): والذكر في القرآن على عشرة أوجه أحدها الأمر به نحو ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) و ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ (٣) الآية. الثاني: النهي عن ضده من الغفلة والنسيان كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٤) و ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ (٥) الآية. الثالث: تعليق الفلاح بالإكثار منه نحو ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦). الرابع: الثناء على أهله وحسن جزائهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٨) الآية. الخامس: خسران من لهى عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٩) الآية.

стр. 4615

السادس: أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له نحو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (١). تنبيه: قال بعض العلماء خاطب الله هذه الأمة بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فأمرهم أن يذكروه بغير واسطة وخاطب بني إسرائيل بقوله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) لأنهم لم يعرفوا الله إلا باية فأمرهم أن يتصوروا النعم ليصلوا بها إلى ذكر المنعم (٣). السابع: الإخبار بأنه أكبر من كل شيء نحو ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٤) وفيها أربعة أقوال أحدها: أن الله أكبر من كل شيء فهو أفضل الطاعات لأن المقصود بالطاعات كلها إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها، الثاني: أن المعنى أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له فعلى هذا المقصود مضاف إلى الفاعل وعلى الأول مضاف مضاف إلى المذكور. الثالث: أن المعنى ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه فاحشة ومنكر بل إذ تم الذكر محق كل معصية وكل خطيئة هذا ما كذره المفسرون وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية معنى الآية فائدتين عظيمتين أحدهما نهيها عن الفحشاء

стр. 4616

والمنكر، والثاني: اشتمالها على ذكر الله وتضمنها له ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر (١). الثامن: ختم الأعمال الصالحة به كما ختم به عمل الصائم نحو ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٢) وختم به الحج نحو ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (٣) الآية، وختم به الصلاة نحوها ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٤) وختم به الجمعة نحو ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) الآية، ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا وآخر كلام العبد إذا أدخل الجنة (٦). التاسع: اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآية وهم أولوا الألباب والعقول لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٨) الآية (٩).

стр. 4617

العاشر: أنه تعالى قرنه بجميع الأعمال وجعله روحها (١). تنبيه: أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد، والتكبير والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء وغير ذلك ولكن قراءة القرآن حرام على الجنب والحائض والنفساء سواء قرأ قليلا أو كثيرًا حتى بعض آية، ويجوز لهم إجراء القرآن على القلب من غير تلفظ وكذا النظر في المصحف وإمراره على القلب، قال أصحابنا: ويجوز للجنب والحائض أن يقولا عند المصيبة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢)، وعند ركوب الدابة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (٣) الآية، وعند الدعاء ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (٤) الآية، ولهما أن يقولا باسم الله والحمد للّه إذا لم يقصد بذلك القرآن وإذا لم يجد الماء تيمما وجاز لهما القراية فإن أحدث بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابا فإنه يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله وتحرم عليه القراءة خارج الصلاة ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة، وهل تحرم الفاتحة فيه وجهان أصحهما أنها لا تحرم بل تجب فإن الصلاة لا

стр. 4618

تصح إلا بها وكما جازت الصلاة للضرورة تجوز القراءة والثاني تحرم بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها من لا يحسن شيئا من القرآن واللّه تعالى اعلم ذكره النووي (١). ومن خصائص الذكر انه غير مؤقت فما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور فيه بذكر الله إما فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٢) (٣) وروي ابن السني عن عائشة قال: قال رسول الله ﷺ "أذيبوا طعامكم بذكر الله تعالى والصلاة ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم" (٤) أ. هـ. تنبيه: في أحوال تعرض للذاكر يستحب له قطع الذكر بسببها ثم يعود إليه بعد زوالها منها إذا سلم عليه رد السلام ثم عاد إلى الذكر، ومنها: إذا عطس عنده عاطس شمته ثم عاد إلى الذكر، ومنها: إذا سمع الخطيب، ومنها: إذا سمع المؤذن أجابه في كلمات الأذان وإقامة ثم عاد إلى الذكر، ومنها: إذا رأى منكرا أزاله أو معروفا أرشد إليه أو مسترشدا أجابه ثم عاد إلى الذكر

стр. 4619

ومنها إذا غلبه النعاس أو نحوه وما أشبه هذا كله (١). ٢٢٩١ - وَعَن مَالك بن يخَامر أَن معَاذ بن جبل ﵁: قَالَ لَهُم إِن آخر كَلام فَارَقت عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَن قلت أَي الأعْمَال أحب إِلَى الله قَالَ أَن تَمُوت وَلسَانك رطب من ذكر الله رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانيُّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ أَخْبرنِي بِأَفْضَل الأعْمَال وأقربها إِلَى الله وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن مالك بن يخامر [هو مالك بن يخامر بضم الياء تحتها نقطتان، وتخفيف الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالراء، ذكره ابن مندة في الصحابة وقال: إنه لا يثبت له صحبة، له ذكر في فضل الأمة في حديث معاوية بن أبي سفيان. وقال ابن عبد البر: يقال مالك ابن أخامر. ويقال: أخيمر، وهو الصحيح، روى عنه أبو رزين الباهلي مرفوعا قال: ويقال: إن حديثه مرسل لأنه لم يسمع من النبي ﷺ ، توفي أيام عبد الملك بن مروان]. قوله: أن معاذ بن جبل ﵁: قال لهم إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله ﷺ أن قلت أي الأعمال أحب إلى الله قال: "أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله" تقدم الكلام على معاذ بن جبل أو على معنى الحديث.

стр. 4620

٢٢٩٢ - وَعَن أبي الْمخَارِق ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ مَرَرت لَيْلَة أسرِي بِي بِرَجُل مغيب فِي نور الْعَرْش قلت من هَذَا أَهَذا ملك قيل لا قلت نَبِي قيل لا قلت من هُوَ قَالَ هَذَا رجل كَانَ فِي الدُّنْيَا لِسَانه رطب من ذكر الله وَقَلبه مُعَلّق بالمساجد وَلم يستسب لوَالِديهِ رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا هَكَذَا مُرْسلا (١). ٢٢٩٣ - وَعَن سَالم بن أبي الْجَعْد ﵁ قَالَ قيل لأبي الدَّرْدَاء ﵁ إِن رجلا أعتق مائَة نسمَة قَالَ إِن مائَة نسمَة من مَال رجل لكثير وَأفضل من ذَلِك إِيمَان ملزوم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَأَن لا يزَال لِسَان أحدكُم رطبا من ذكر الله رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن (٢). قوله: وعن سالم بن أبي الجعد ﵁، تقدم الكلام عليه. قوله: قيل لأبي الدرداء ﵁ إن رجلا أعتق مائة نسمة قال إن مائة نسمة من مال رجل لكثير، فذكره، تقدم الكلام أيضا على أبي الدرداء وعلى معنى الحديث. قوله: "ولم يستسب لوالديه" معناه ولم يسب أحدا فيسب والديه. ٢٢٩٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئكم بخَير أَعمالكُم وأزكاها عِنْد مليككم وأرفعها فِي درجاتكم وَخير من إِنْفَاق الذَّهَب وَالْوَرق وَخير لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ فتضربوا أَعْنَاقهم ويضربوا أَعْنَاقكُم قَالُوا بلَى قَالَ ذكر الله قَالَ معَاذ بن جبل مَا شَيْء أنجى من عَذَاب الله من ذكر

стр. 4621

الله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد (١). وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيت معَاذ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا (٢). قوله: وعن أبي الدرداء ﵁، تقدم ذكره ومعنى الحديث. قوله ﷺ : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير من إنفاق الذهب والورق" الحديث، قال أبو عيسى: وقد روي بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الاسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله ورواه مالك واحمد والحاكم وصححه، ومثل هذا لا يقوله أبو الدرداء من رأيه فإنه لا يتوصل إليه بالرأى ولا يقوله إلا عن رسول الله ﷺ غيره أنه سكت عن رفعه للعلم بذلك عند من حدثه به (٣) والله أعلم قاله في الديباجة (٤). ٢٢٩٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول إِن لكل شَيْء صقالة وَإِن صقالة الْقُلُوب ذكر الله وَمَا من شَيْء أنجى من عَذَاب الله من ذكر الله قَالُوا وَلا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَو أَن يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِع

стр. 4622

رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعيد بن سِنَان وَاللَّفْظ لَهُ (١). ٢٢٩٦ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ أَي الْعباد أفضل دَرَجَة عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الذاكرون الله كثيرا قَالَ قلت يَا رَسُول الله وَمن الْغَازِي فِي سَبِيل الله قَالَ لَو ضرب بِسَيْفِهِ فِي الْكفَّار وَالْمُشْرِكين حَتَّى ينكسر ويختصب دَمًا لَكَانَ الذاكرون الله كثيرا أفضل مِنْهُ دَرَجَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (٢). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم ذكره. قوله ﷺ : "إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله" الصقالة بالصاد هي الإنجلاء. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُخْتَصرا قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي النَّاس أعظم دَرَجَة قَالَ الذاكرون الله (٣). قوله: رواه البيهقي من رواية سعيد بن سنان [سعيد بن سنان الشامي، أبو مهدي الحنفي، ويقال: الكندي، الحمصي روى عن: ثعلبة بن مسلم الخثعمي، وأبي الزاهرية حدير بن كريب، وغيرهما، روى عنه: بشر بن بكر التنيسي، وبقية بن الوليد، وأبو اليمان وغيرهم، وقال إبراهيم بن يعقوب

стр. 4623

الجوزجاني: أخاف أن تكون أحاديثه موضوعة، لا تشبه أحاديث الناس، وكان أبو اليمان يثني عليه في فضله وعبادته، وقال: كنا نستمطر به، فنظرت في أحاديثه، فإذا أحاديثه معضلة، فأخبرت أبا اليمان بذلك، فقال: أما إن يحيى بن معين لم يكتب منها شيئا. فلما رجعنا إلى العراق ذكرت ليحيى بن معين وقلت: ما منعك أن تكتبها؟ قال: من يكتب تلك الأحاديث؟ لعلك كتبتها يا أبا إسحاق؟ قال: قلت: كتبت منها شيئا يسيرا لأعتبر به. قال: تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل، وأجمعوا على ضعفه (١)]. ٢٢٩٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عجز مِنْكُم عَن اللَّيْل أَن يكابده وبخل بِالْمَالِ أَن يُنْفِقهُ وَجبن عَن الْعَدو أَن يجاهده فليكثر ذكر الله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَزَّار وَاللَّفْظ لَهُ وَفِي سَنَده أَبُو يحيى القَتَّات وبقيته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه أَيْضا (٢). ٢٢٩٨ - وَعَن جَابر ﵁ رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ مَا عمل آدَمِيّ عملا أنجى لَهُ من الْعَذَاب من ذكر الله تَعَالَى قيل وَلا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا أَن يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِع رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الصَّغِير

стр. 4624

والأوسط ورجالهما رجال الصَّحِيح (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم ذكره. قوله ﷺ : "من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه" الحديث، يقال: عجز بفتح الجيم يعجز بكسرها هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وبها جاء القرآن العزيز في قوله تعالى قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ (٢) ويقال: عجز يعجز بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع حكاه الأصمعي وغيره والعجز في كلام العرب أن لا يقدر على ما يريد وأنا عاجز وعجز. قوله: "وجبن عن العدو أن يجاهده" الجبن هو الخوف وعد الإقدام على الشيء. قوله: وفي سنده أبو يحيى القتات [مختلف في اسمه فقيل زاذان وقيل دينار، وقيل يزيد، وقيل عبد الرحمن بن دينار قال أحمد كان شريك يضعف أبا يحيى القتات، وقال النسائي: ليس بالقوي واختلف فيه قول ابن معين فروي عنه تضعيفه، وروي عنه توثيقه]. ٢٢٩٩ - وَعَن الْحَارِث الأشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله أوحى إِلَى يحيى بن زَكَرِيَّا بخمْس كَلِمَات أَن يعْمل بِهن وَيَأْمُر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهن فَأَتَاهُ عِيسَى فَقَالَ إِن الله أَمرك بِخمْس كَلِمَات أَن

стр. 4625

تعْمل بِهن وتأمر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن فإمَّا أَن تخبرهم وَإِمَّا أَن أخْبرهُم فَقَالَ يَا أخي لا تفعل فَإِنِّي أَخَاف إِن سبقتني بِهن أَن يخسف بِي أَو أعذب قَالَ فَجمع بني إِسْرَائِيل بِبَيْت الْمُقَدّس حَتَّى امْتَلأ الْمَسْجِد وقعدوا على الشرفات ثمَّ خطبهم فَقَالَ إِن الله أوحى إِلَيّ بِخمْس كلِمَات أَن أعمل بِهن وآمر بني إِسْرَائِيل أَن يعملوا بِهن أولاهُنَّ لا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئا فَإِن مثل من أشرك بِالله كَمثل رجل اشْترى عبدا من خَالص مَاله بِذَهَب أَو ورق ثمَّ أسْكنهُ دَارا فَقَالَ اعْمَلْ وارفع إِلَيّ فَجعل يعْمل وَيرْفَع إِلَى غير سَيّده فَأَيكُمْ يرضى أَن يكون عَبده كَذَلِك فَإِن الله خَلقكُم ورزقكم فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَإِذا قُمْتُم إِلَى الصلَاة فَلَا تلتفتوا فَإِن الله يقبل بِوَجْهِهِ إِلَى وَجه عَبده مَا لم يلْتَفت وأمركم بالصيام وَمثل ذَلِك كمثل رجل فِي عِصَابَة مَعَه صرة مسك كلهم يحب أَن يجد رِيحهَا وَإِن الصّيام أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك وأمركم بِالصَّدَقَةِ وَمثل ذَلِك كمثل رجل أسره الْعَدو فَأوثقُوا يَده إِلَى عُنُقه وقربوه ليضربوا عُنُقه فَجعل يَقُول هَل لكم أَن أفدي نَفسِي مِنْكُم وَجعل يُعْطي الْقَلِيل وَالْكثير حَتَّى فدى نَفسه وأمركم بِذكر الله كثيرا وَمثل ذَلِك كَمثل رجل طلبه الْعَدو سرَاعًا فِي أثره حَتَّى اَتى حصنا حصينا فأحرز نَفسه فِيهِ وَكَذَلِكَ العَبْد لا ينجو من الشَّيْطَان إِلَّا بذكر الله الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ وَالنَّسَائيُّ بِبَعْضِه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (١).

стр. 4626

٢٣٠٠ - وَعَن ثَوْبَان ﵁ قَالَ لما نزلت وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة التَّوبَة ٤٣ قَالَ كنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره فَقَالَ بعض أَصْحَابه أنزلت فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو علمنَا أَي المَال خير فَنَتَّخِذهُ فَقَالَ أفضله لِسَان ذَاكر وقلب شَاكر وَزَوْجَة مُؤمنَة تعينه على إيمَانه رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (١). قوله: وعن الحارث الأشعري ﵁ تقدم الكلام عليه في باب الترهيب من الالتفات في الصلاة. قوله: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات" تقدم الكلام على يحيى وزكريا في الالتفات في الصلاة. قوله: "ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها" بنو إسرائيل أولاد يعقوب ﵇. قوله: فأتاه عيسى ﵇ فقال إن الله أمرك بخمس كلمات. قوله "فجمع الناس في بيت المقدس" المقدس فيه لغتان مشهورتان إحداهما فتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة والثانية بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة فبالتخفيف إما مصدر كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (٢)

стр. 4627

وإمام مكانا فمعناه بيت مكان الطهارة أو الذي جعل فيه الطهارة أي من الذنوب وبالتشديد المطهر وتقدم الكلمات على الكلمات الأربع في بابها والكلام الآن على الكلمة الخامسة وهي قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) إلى قوله فإن الإنسان لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله وأن لا يزال لسانه لهجا بذكر الله فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوضع والذباب ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله خنس أي كف وانقبض، قال ابن عباس ﵄: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سهل وغفل وسوس فإذا ذكر الله خنس ذكره ابن القيم (٢). قلت: الذكر يكون بالقلب ولكون باللسان والأفضل أن يكون بالقلب واللسان معا فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب معًا خوفا أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا ويقصد به وجه الله (٣) قال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضجعا وقال عطاء: من صلى

стр. 4628

الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (١) (٢) وجميع ذكر الله تعالى التي تصل إليه الطاقة البشرية والتي وصلت إليه الأفهام ثلاثة أنواع تسبيح وتحميد وتكبير، فالتسبيح نفي النقائص وأنه موجود قديم باق صمد واحد أحد وهو معنى سبحان الله والتحميد ذكر أوصاف الكمال فاللّه حي عليم قدير مدبر سميع بصير متكلم وهو معنى الحمد لله والتكبير إثبات الجلال وأنه أجل أن يحيط به العقل وأعظم من أن يدركه الوصف وهو معنى الله أكبر أي أكبر مما وصفنا وإنما علمنا من حسن ثنائه أما تطيقه، عقولنا وجعل اعترافنا بالعجز عن الإدراك أما يقوم مقام، مقام الإدراك ولذلك سميت هذه الكلمات الباقيات الصالحات وهن سبحان الله والحمد لله الحديث (٣)، أ. هـ. ٢٣٠١ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَربع من أعطيهن فقد أعطي خيري الدُّنْيَا وَالآخِرَة قلبا شاكرا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وبدنًا على الْبلَاء صَابِرًا وَزَوْجَة لا تبغيه حوبا فِي نَفسهَا وَمَاله رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ بِإِسْنَاد جيد (٤).

стр. 4629

قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم ذكره. قوله ﷺ : "أربع من أعطيهن فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا على البلاء صابرا وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها وماله" الحوب بضم الحاء هو الإثم. ٢٣٠٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ليذكرن الله أَقوام فِي الدُّنْيَا على الْفرش الممهدة يدخلهم الدَّرَجَات العلى رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (١). قوله: "وعن أبي سعيد الخدري ﵁"، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ليذكرن الله أقوام في الدنيا على الفرش الممهدة يدخلهم الدرجات العلى". قوله: من طريق دراج [هو دراج بن سمعان يقال: اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، أبو السمح القرشي السهمي المصري القاص، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، رأى مولاه عبد الله بن عمرو بن العاص: ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم].

стр. 4630

٢٣٠٣ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ مثل الَّذِي يذكر ربه وَالَّذِي لا يذكر الله مثل الْحَيّ وَالْمَيِّت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم إِلَّا أَنه قَالَ مثل الْبَيْت الَّذِي يذكر الله فِيهِ (١). قوله: وعن أبي موسى ﵁، تقدم ذكره. قوله ﷺ : "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت" ورواه مسلم ولفظه: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه" الحديث، فجعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت وهو القبر فتضمن اللفظان أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء والغافل كالميت في بيوت الموتى ولا ريب أن أبدان الغافلين في قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور كما قيل: فَنِسْيَانُ ذِكْرِ اللهِ مَوْتُ قُلُوبِهِمْ ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ ... وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ وكما قيل: فَنِسْيَانُ ذِكْرِ اللهِ مَوْتُ قُلُوبِهِمْ ... وَأَجْسَامُهُمْ فَهْيَ الْقُبُورُ الدَّوَارِسُ وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ حَبِيبِهِمْ ... وَلَكِنَّهَا عِنْدَ الْخَبِيثِ أَوَانِسُ (٢) في هذا الحديث الندب إلى ذكر الله تعالى في البيت وأنه لا يخلو منه الذكر وفيه جواز التمثيل وفيه أن طول العمر في الطاعة وإن كان الميت ينتقل إلى خير لأن الحي يستلحق به ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات (٣)، وقال

стр. 4631

بعضهم: البيت الذي يذكر الله فيه يصير حيا بالذكر والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الجاهل بالله تعالى، فإن قلبه ميت خال عن نور الإيمان، وقال القرطبي في كتابه التذكار قال: حدثني أبو سفيان الغنوي يزيد بن عمر فذكره إلى أن قال عن طلحة بن عبد الرحمن بن سابق عن النبي ﷺ قال: "نوروا بيوتكم بذكر الله تعالى واجعلوا لبيوتكم من صلاتكم جزءا ولا تتخذوها قبورا كما اتخذها اليهود والنصارى فإن البيت الذي يذكر الله فيه لينير لأهل السماء كما تنير النجوم لأهل الأرض" (١)، قال القرطبي: هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال فهو يستند من وجه صحيح (٢). ٢٣٠٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَكثرُوا ذكر الله حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُون رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٣). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁، تقدم ذكره. قوله: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون".

стр. 4632

تنبيه: الذكر ثلاثة أنواع ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله تعالى بها وتوحيد الله بها وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام وذكر الألاء والنعماء والإحسان وأنه يتنوع بتنويع آخر ثلاثة ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية وذكر باللسان المجرد وهو في الدرجة الثالثة (١). ٢٣٠٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اذْكروا الله ذكرا يَقُول المُنَافِقُونَ إِنَّكُم مراؤون رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (٢). وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الجوزاء مُرْسلا (٣). قوله: وروي عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام على ابن عباس. قوله ﷺ : "اذكروا الله ذكرا يقول المنافقون إنكم مراؤون" الحديث. فائدة جليلة: الذكر منزلة القوم الكبرى فالذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل فالذكر زين الله به السنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته، قال الحسن البصري: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء في الصلاة

стр. 4633

والذكر وقرءاة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أعل الغفلة والنسيان قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب فإن دنا منه الشيطان صرع كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فتجمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا فيقال قد مسه الإنسي وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه (١). قوله: في الحديث: ورواه البيهقي عن أبي الجوزاء [اسمه أوس بن عبد الله الربعي، أبو الجوزاء البصري، من ربعة الأزد، وهو الربعة بن الغطريف الأصغر بن عبد الله بن الغطريف الأكبر وهو عامر بن بكير بن يشكر بن بكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من قراء أهل البصرة، حكى البخاري، عن يحيى بن سعيد: أنه قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين (٢)]. ٢٣٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يسير فِي طَرِيق مَكَّة فَمر على جبل يُقَال لَهُ جمدان فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جمدان سبق المفردون قَالُوا وَمَا المفردون يَا رَسُول الله قَالَ الذاكرون الله كثيرا رَوَاه مسلم وَاللَّفْظ لَهُ (٣). وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه يَا رَسُول الله وَمَا المفردون قَالَ المستهترون بِذكر الله

стр. 4634

يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم فَيَأَتُونَ الله يَوْم الْقِيَامَة خفافا (١). المفردون بِفَتْح الْفَاء وَكسر الرَّاء. والمستهترون بِفَتْح التَّاءَيْنِ المثناتين فَوق هم المولعون بِالذكر المداومون عَلَيْهِ لايبالون مَا قيل فيهم وَلا مَا فعل بهم. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله "كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان" الحديث، بضم الجيم وسكون الميم جبل على ليلة من المدينة مر عليه رسول الله ﷺ (٢) وقال في سلاح المؤمن هو جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم (٣) وقيل بين قديد والجحفة وقديد قال البكري بضم القاف على لفظ التصغير قرية جامعة كثيرة المياه والبساتين وهو موضع بين مكة والمدينة روي أن النبي ﷺ صام حتى أتى قديد ثم أفطر، وعسفان بضم المهملة قرية على أربعة برد من مكة (٤). قوله ﷺ "سبق المفردون" قال الحافظ: المفردون بفتح الفاء وكسر الراء اهـ. وقال غيره المفردون يروى بتشديد الراء وكسرها وبالفتح والتخفيف فيهما والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد (٥) واللفظان وإن اختلفا في

стр. 4635

الصيغة فإن كل واحد منهما قريب من الآخر في المعنى (١) يقال فرد الرجل وفرد الرجل بالتشديد والتخفيف، وأفرد (٢) قال ابن قتيبة وغيره وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى (٣) والذي سمعناه من أهل العلم قديما أن المفردين هم القليل من الناس والأفراد النادرة كما قال ﷺ "الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة" أشار ﷺ إلى قلة الذاكرين وأنهم يسير بالنسبة إلى غيرهم فالمفردون هم الذين استولى عليهم الذكر فأفردوهم عن كل شيء إلا عن ذكر الله فهم يفردونه بالذكر ولا يضمون إليه سواه وقال ابن الأعرابي يقال فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهي (٤) وقال في شرح مشارق الأنوار (٥): إن المراد منه المستخلصون لعبادة الله تعالى المتخلون بذكره عن الناس المتبتلون إليه الذين وضع الذكر عنهم أوزارهم فهجروا الخلان فأفردوا أنفسهم لله عن العلائق والأقران إذ لا يصح للعبد أن يهتدي إلى معالم التوحيد إلا بصحة الانقطاع إلى الله تعالى الملك الديان، قال القرطبي: وإنما ذكر النبي ﷺ هذا القول عقب قوله "هذا جمدان" لأن جمدان جبل منفرد هنالك ليس بحذائه جبل مثله فذكره بهؤلاء المفردين (٦).

стр. 4636

قوله "قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا" اعلم أن العلماء اختلفوا في قول الله : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (١) إلى آخر الآية، وأن هذه الآية الكريمة مما ينبغي أن يهتم بمعرفتها فقال الإمام أبو الحسن الواحدي (٢): قال ابن عباس المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدوا وعشيا وفي المضاجع وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى وقال مجاهد لا يكون من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا وقال عطاء من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٣) نقله الواحدي (٤) وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتب من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وسئل الإمام الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيرًا فقال إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساء وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهارا وهي مبينة في كتاب عمل اليوم والليلة كان من الذاكرين الله كثيرا (٥) والله أعلم انتهى.
следующие страницы →