ومزينة: اسم قبيلة معروفة.
قوله: فبايعناه، والمبايعة: المعاهدة، مأخوذة من البيع، وسيأتي الكلام على ذلك في مواضع متعددة من هذا التعليق، والله اعلم.
قوله: وإنه لمطلق الإزار، أي: لمفتوح الإزار؛ والأزرار: جمع زر، وهي ما يعلق بالعروة، والعروة: حلق الجيب (١).
قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال الحافظ: جيب القميص هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه، يعني: كان جيب قميص رسول الله ﷺ واسعا ولم يكن مشدودًا، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة فربما يشدونها وربما يتركونها (٢)، وروى الحاكم وابن خزيمة وأبو داود والنسائي عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد، قال: "نعم [وازرره ولو بشوكة] " (٣) أي إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر منه عورته، فعليه أن يزرره (٤).
وأشار النووي - قدس الله روحه - إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك تنعقد الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، هذا هو الأصح، وقيل: لا تنعقد أصلًا (٥).
стр. 503
قال النووي في كتب الفقه (١): فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي لعدم الشرط لتستدام الصحة.
وقد اختلف العلماء في صلاة الرجل محلول الأزرار وليس عليه إزار، فمنعه الإمام أحمد بن حنبل والشافعي لعلة النظر لعورته إلا إذا استتر ذلك بلحيته أو نحوها، وأجازه مالك وأبو حنيفة والثوري وأصحاب الرأي (٢).
واعلم أنه لو اتزر وصلى على علو بحيث ترى عورته من تحته لا يضره بخلاف ما لو رئيت من طوقه ونحو ذلك، وهذا عكس الخف فإنه يجب أن يستر محل الفرض من أسفل لا من أعلى (٣). انتهى. [قاله في شرح (الإلمام)].
قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه. الحديث، جيب القميص: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه (٤)، يعني كان جيب قميص رسول الله ﵁ واسعًا ولم يكن مشدودًا (٥)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي: عن أنس بن مالك ﵁: كان قميص رسول الله ﷺ قطنًا قصير الطول قصير الكمين (٦)]، سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد اللّه الزركشي الشافعي: عن
стр. 504
كيفية قميص النبي ﷺ هل كان مفتوح الصدر أو على هيئة الدلق فأجاب - قدس الله سره -: ظاهر النقل يقتضي أنه كان مفتوحًا لحديث عروة بن عبد الله بن قشير المتقدم وفي آخره (وانه لمطلق الإزار)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان قميص رسول الله ﷺ قطنًا قصير الطول قصير الكمين (١).
مسألة أيضًا في السراويل: سئل الزركشي أيضًا عن السراويل: هل لبسه النبي ﷺ ؟ فأجاب - رحمه الله تعالى - أيضاُ: وأما السراويل فروى الترمذي: أن النبي ﷺ اشتراه لكن لم يذكر أنه لبسه، فاعتمد على ذلك بعضهم وهو الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه (٢) فقال: إنه اشتراه ولم يلبسة، وصار لبسه حسنًا لأجل (الستر)، وقال الزركشي: قلت: لكن البيهقي في شعب الإيمان روى عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار وفي السفر والحضر (٣) [وأول من لبسه إبراهيم ﵊، وجوز في تركه النبي ﷺ ولم يلبسه
стр. 505
عثمان أبدًا إلا يوم قتل] وعن علي ﵁ قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ في البقيع يوم (وجد) مطر فمرت امرأة على حمار ومعها (مكاري) فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه، قال: فقال: يا رسول اللّه إنها متسرولة، قال: "اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي" يقولها ثلاثًا، "أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم وخصوا بها نسائكم إذا خرجن من بيوتهن" (١) انتهى، نقل من تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال للشيخ صلاح الدين العلائي، وفي تاريخ أصبهان عن مالك عن ابن عتاهية أن النبي ﷺ قال: "إن الأرض تستغفر للمصلي بالسراويل" (٢).
فرع: ومما يكره في الصلاة السدل وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه وهو متزر وبطنه مكشوفة وأجازه ابن مالك وأصحابه، وقال أبو الفرج من
стр. 506
المالكية: ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وهو شاذ (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله في حديث عروة: فمسست الخاتم، مسست هو بكسر السين الأولى، هذه هي اللغة المشهورة في لغة قليلة بفتحها حكاه أبو عبيدة والجوهري، وقال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسا، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة ﵀: مسست الشيء بالفتح أمُسه بضم الميم (٢).
والخاتم فيه لغتان كسر التاء وفتحها، وهما قراءتان قرئ بهما في السبع، أي خاتم النبوة أي خاتمه الذي ختمت به النبوة وهو أثر كان بين كتفيه ﷺ نُعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي ﷺ المبشر به في الكتب وصيانة يصون بها نبوته عن تطرق التكذيب والقدح فيها صيانة المستوثق بالختم (٣). وقيل: مكتوب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول الله (٤)، وقيل: مكتوب عليه توجه فإنك منصور (٥).
فائدة [جليلة] في صفة الخاتم وقدره: في سائر الأحاديث بين كتفيه، [وقد ذكر في حديث أنه على ظهر رسول الله ﷺ ولم يبين محله من ظهره، وقد
стр. 507
اختلفت الأحاديث في صفته وقدره (١)]، ففي حديث السائب بن يزيد أنه كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة وهو في الصحيحين، والحجلة: بفتح الحاء والجيم كما هو في الصحيح المشهور، وقال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر المعروف، زرها: بيضها، والصواب: أنها حجلة السرير، واحدة: الحجال، والحجلة: بيت العروس كالقبة يزين بالثياب والستور، ولها أزرار كبار وهو [البشخانة]، وزرها: هو الذي يدخل في عروتها، هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور، قال: وروى البيهقي في دلائل النبوة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي ﷺ ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه ﵁، فقالت: توفي رسول الله ﷺ فقد رفع الخاتم من بين كتفيه، وكان هذا الذي عرف به موته، وأفاد الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه أنه قال: لم يبعث اللّه نبيًا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا نبينا ﷺ ، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه (٢).
وفي حديث جابر بن سمرة: فكأنه بيضة حمام، رواه مسلم (٣)، وفي رواية الترمذي: كأنه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة تشبه جسده (٤)، وفي حديث أبي زيد بن أخطب أنه قيل له: وما الخاتم؟ قال: شعيرات مجتمعات، رواه
стр. 508
الترمذي في الشمائل (١)، ورواه الحاكم بلفظ: شعر مجتمع (٢)، وفي حديث عبد الله سرجس قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدًا، ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال التآليل، رواه مسلم وغيره (٣).
قوله: عند ناغض كتفه، قال الجمهور: والنغض أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، والناغض من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ناغضا لتحركه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (٤) أي: يحركونها على سبيل الهزء (٥).
وقوله: "جمعًا"، بضم الجيم وإسكان الميم، والمراد: جمع الكف وهو أن يجمع الأصابع ويضمها، يقال: ضربه بجمع كفه، بضم الجيم (٦).
قوله: وعليه خيلان، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء، جمع خال وهو الشامة في الجسد أي: النقطة، والتي تكون في الجسد سوداء (٧).
стр. 509
وقوله: كأمثال الثآليل، جمع ثؤلول وهو هذه الحبة التي تظهر على الجلد كالحمصة فوقها دونها، وقال أبو الربيع سليمان بن سبع في كتاب شفاء الصدور (١): هو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرالت متواليالت كأنها عرف فرس بمنكبه الأيمن، وفي رواية عن أبي رمثة: مثل التفاحة (٢)، وروي عن ابن عمر: مثل البندقة من لحم عليه مكتوب محمد رسول الله، رواه ابن عساكر (٣). انتهى.
وقال ابن حبان: وكانت ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر، وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع، وعن ابن هشام: تشبيهه بالمحجم، يعني: كأثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئًا، وجاء في صحيح البخاري: كأنه بضعة ناشزة، أي: مرتفعة على جسده، وفي رواية: فراشه مثل السلعة، والسلعة: غدة تظهر بين الجلد واللحم إذا غزت باليد تحركت، قاله القاضي عياض ﵀، وهذه الروايات متقاربه متفقة على أنه شاخص في جسده قدر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الحجلة، وأما رواية الكف فظاهره المخالفة فتتأول على وفق الروايالت الكثيرة، ويكون معناه على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة، ثم إن السهيلي ﵀
стр. 510
قال: لم ندر هل خلق بالنبي ﷺ -أو وضع فيه بعد ما وضع أو حين نبئ، قال السهيلي: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لما ملئ قلبه ﷺ حكمة ويقينا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درًا، ولما روي عن جابر ﵁ قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم عليّ مسكًا، ورأيته في بعض النسخ فكان يشج على مسكًا، أي: أشم منه مسكا وهو من شج الشراب إذا مزجه بالماء، كأنه كان يخلط النسيم الواصل على مشمه بريح المسك. انتهى.
وأما وضعه عند نغص الكتف [أي: أعلاه] فلأنه ﵁ معصوم من وسوسة الشيطان فذلك الموضع يوسولس الشيطان لابن آدم، وروى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع الشيطان منه، فأراه جسدا كالبلور يرى داخله من خارجه، والشيطان في صورة ضفدع عند نغص كتفه يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله إلى قلبه يوسوس إذا ذكر الله العبد خفس أي تأخر (١)، انتهى، قاله العراقي (٢) في شرح الأحكام.
فائدة أخرى تتعلق بخاتم النبوة: ذكره السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما كان في بني سعد نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه ومج الآخر بمنقاره في فيه ثلجا أو بردا أو نحو هذا، وهي رواية غريبة، ذكرها
стр. 511
يونس عنه؛ وفي أوائل المجالسة للدينوري أنه أقبل عليه أبيضان لأنهما نسران إلى آخره؛ وفي المستدرك: فأقبل عليه طيران أبيضان كأنهما نسران، وذكر الحديث بطوله، وروى ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي وكيف علمت حنى استيقنت؟ قال: "يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني فرجحنهم، ثم قال: زنه بألف وزنني فرجحتهم، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه معد الشيطان" الحديث، وفيه: "ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي ووليا عني، فكأني أعاين الأمر معاينة" وفي هذا الحديث من الفوائد أن خاتم النبوة لم تكن قبل ذلك، واختلف الناس في صفته على عشرين قولًا، حكاها الحافظ قطب الدين؛ وتقدم بعض ذاك في الفائدة قبل هذه، وروى الحاكم والترمذي في المناقب عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ وقال: هذا سيد الخلق أجمعين هذا رسول رب العالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بهذا، فقال: أنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا لله تعالى وسلم على رسول الله ﷺ ، ولا يفعل ذلك إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم
стр. 512
النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة حتى رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به وكانوا في رعية الإبل فأرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من النوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة فلما أجلس، قال: فيء الشجرة عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الرومان، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. (١)
سؤال: فلم جعل خاتم النبوة بين كتفيه؟ قيل: فهو خاتم الأنبياء بالرحمة، وأيضًا الختم على الشيء يقتضي ثباته وعدم تغيره، كما ختم له ﷺ بالنبوة والسعادة، كذلك ختم على قلوب الكافرين بالشقاوة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢) الآية، انتهى، قاله في كشف الأسرار (٣).
لطيفة: سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي (٤)، قدس الله روحه، عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي ﷺ حين شق فؤاده، وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك، فقال: تلك علقة خلقها اللّه تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فإن نكت من قلبه ﷺ شق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه وشيًا، هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان منه ﷺ حظ، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلالت البشرية فأزيل القابل الذي
стр. 513
لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب، قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه فيها، فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني فلابد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، والله أعلم.
تنبيه: قد شق صدره ﷺ مرتين، مرة في حال صباه عند مرضعته أم حليمة السعدية ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، ومرة أخرى ليلة المعراج في حال كهولته ليصير قلبه مثل قلوب الملائكة (١)، وقال قوم: هو في أول شق صدره ابن ثلات سنين، قاله في شرح الإلمام.
٧٣ - وَعَن زيد بن أسلم قَالَ رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي محلولا أزراره فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَفْعَله رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن الْوَليد بن مُسلم عَن زيد وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن زيد (٢).
قوله: عن زيد بن أسلم (هو أبو أسامة زيد بن أسلم القريشى العدوى
стр. 514
المدنى، مولى عمر بن الخطاب، ﵁، التابعى الصالح الفقيه، ﵀. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين، رضى الله عنهم. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزهري، ويحيى الأنصاري، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون، ومالك، والثوري، ومعمر، وخلائق من الأئمة.
قال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما في أيدينا، وما رأيت فيه متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا يرينى الله يوم زيد، وقدمنى بين يدى زيد أنه لم يبق أحد أرضى لنفسى ودينى غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة. توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين. وحكى البخارى في تاريخه أن علي بن الحسين، رضى الله عنهما، كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطا مجالس قومه، فقيل له: تتخطا مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه (١).
стр. 515
قوله: رأيت ابن عمر يصلي محلول أزراره، الحديث، وتقدم الكلام على الأزرار في الحديث قبله قوله: رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الوليد بن مسلم؛ الوليد بن مسلم كنيته: أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، وقيل: مولى العباس بن محمد أخي المنصور، كان عالم أهل الشام في زمانه، قال ابن المديني: ما رأيت في الشاميين مثل الوليد، وقد أغرب أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد، قاله ابن جوصا: لم نزل. نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي القضاء، ومصنفاته سبعون كتابا، قال الذهبي: وكان الوليد واسع العلو ثقة لكنه يدلس، وكان إمامًا في المغازي، وقرأ القرآن على يحيى النهاري، وحدث عنه من شيوخه الليث بن سعد وغيره، ولد سنة تسع عشرة ومائة وحج سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بعد الحج قبل أن يصل إلى دمشق سنة خمس (١).
قوله: ورواه البيهقي وغيره عن زهير بن محمد، هو زهير بن محمد بن (قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن عبد الرزاق وروح وعنه ابن ماجه والمحاملي وابن عياش القطان قالى البغوي: ما رأيت أحدا بعد أحمد أفضل منه حدثني ابنه محمد أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة قال الخطيب ثقة ورع زاهد تحول فرابط بطرسوس توفي سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢).
стр. 516
٧٤ - وَعَن مُجَاهِد قَالَ كنَّا مَعَ ابْن عمر ﵀ فِي سفر فَمر بمَكَان فحاد عَنهُ فَسئلَ لم فعلت ذَلِك قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل هَذَا فَفعلت رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد قَوْله حاد بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي تنحى عَنهُ وَأخذ يَمِينا أَو شمالا (١).
قوله: عن مجاهد، هو مجاهد (بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، رضى الله عنهم. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.
روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمر و بن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.
стр. 517
قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة (١).
قوله: كنا مع ابن عمر في سفر بمكان فحاد عنه، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن عمر في أول هذا التعليق مبسوطًا.
قوله: فحاد عنه، بالحاء المهملة والدال المهملة أيضًا، أي: تنحي عنه وأخذ يمينا أو شمالًا، انتهى، قاله المنذري.
٧٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يَأْتِي شَجَرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فيقيل تحتهَا ويخبر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يفعل ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّار بإسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٢).
قوله: وعن ابن عمر، تقدم.
قوله: أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، الحديث، كان ابن عمر شديد الاتباع لآثار رسول الله ﷺ حتى أنه كان ينزل منازله ويصلي في كل مكان صلى فيه رسول الله ﷺ ، ويترك ناقته في مبرك ناقة رسول اللّه ﷺ ، ونقلوا أن النبي ﷺ نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء كيلا تيبس (٣).
стр. 518
قال ابن بطال (١): وإنما كان ابن عمر يصلي في تلك المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ على وجه التبرك بها ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين (٢). وأما ما روي أن ابن عمر ﵁ كره ذلك فلأنه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدًا أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله، وذلك أنها غير واجب كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية (٣).
قال النوويُّ: روينا عن الزهري قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة فلم يخف عليه شيء من أمره ﷺ ولا من أمر أصحابه؛ وعن مالك قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدم عليه وفود الناس،
стр. 519
وروينا عن البخاري الإمام قال: قال جابر بن عبد الله: لم يكن أحد منهم ألزم لطريق النبي ﷺ ولا اتبع من ابن عمر (١).
تنبيه: قوله (روينا) أكثر الناس يقولون (روينا) بفتح الواو مخففة من روى يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي، والأجود: (رُوِّينَا) بضم الراء وكسر الواو ومشددًا، أي: روانا مشايخنا أي: نقلوا لنا فسمعنا، كذا حرر هذه اللفظة بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (٢)، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه فقصصته على حفصة فقصت على رسول اللّه ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إن عبد اللّه رجل صالح"، وفي رواية الصحيح: "إن أخاك رجل صالح" أو "إن عبد الله رجل صالح" (٣)، قال نافع: كان ابن عمر ﵁. إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به إلى الله تعالى فكان رفيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، وكان ﵁ كثير الحج، وكان كثير الصدقة فربما تصدق في اليوم الواحد بثلاثين ألفًا، ومناقبه كثيرة مشهورة ﵁ (٤).
стр. 520
٧٦ - وَعَن [أَنَسِ] ابْن سِيرِين قَالَ كنت مَعَ ابْن عمر ﵀ بِعَرَفَات فَلَمَّا كَانَ حِين رَاح رحت مَعَه حَتَّى أَتَى الإِمَام فصلى مَعَه الأولى وَالْعصر ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفاضَ الامام فأفضنا مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى الْمضيق دون المأزمين فَأَنَاخَ وأنخنا وَنحن نحسب أَنه يُرِيد أَن يُصَلَّي فَقَالَ غُلَامه الَّذِي يمسك رَاحِلَته إِنَّه لَيْسَ يُرِيد الصَّلاة وَلكنه ذكر أَن النَّبِي ﷺ لما انْتهى إِلَى هَذَا الْمَكَان قضى حَاجته فَهُوَ يحب أَن يقْضِي حَاجته رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (١).
قَالَ الْحَافِظ ﵀ والآثَار عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي اتباعهم لَهُ واقتفائهم سنته كَثِيرَة جدا. وَالله الْمُوفق لَا رب غَيره.
قوله: عن ابن سيرين، ابن سيرين، اسمه: محمد، ومحمد يكنى بأبي بكر، وسيرين يكنى بأبي عمرو، مولى أنس بن مالك، من كبار التابعين بالبصرة، كان عالمًا فاضلًا متقنًا زاهدًا، من أورع أهل زمانه، وسمع جماعة من الصحابة: عبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وأبا بكرة، ومولاه أنس بن مالك وهو الذي تولى غسله وتكفينه وأم عطية الأنصارية وجماعة من أعلام التابعين، وقال أبو عوانة: رأيت محمد بن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر اللّه ، وكان ابن سيرين أعلم أهل زمانه بالرؤيا، وقد أثنى اللّه على يوسف ﵇
стр. 521
فعلمها، فرأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن وأموت بعده، هو أشرف مني، فمات رحمه الله تعالى في شوال سنة عشر ومائة بعد الحسن بن أبي الحسن بمائة يوم (١)، انتهى.
قوله: كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام فصلى معه الأولى والعصر، الحديث، والمراد بالإمام: الإمام الأعظم وهو الخليفة أو نائبة في إقامة الحج، والمراد بالأولى قال النووي: يعني صلاة الظهر وبدأ الشافعي في الجديد بها، وإن كان في القديم بدأ بالصبح لأن جبريل ﵊ بدأ بها، ولأنها أول صلاة وجبت بطلوع الشمس، ولذلك سميت الأولى، وسميت الظهر ظهرًا، قيل: لأنها أول صلاة ظهرت حين صلاها جبريل ﵇ بالنبي ﷺ (٢).
قوله: ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفَاضَ الإمام فأفضنا مَعَه، الإفاضة: الدفع، يقال: أفاض الناس من عرفات أي: دفعوا منها، فالمراد: أفاض من وقوف عرفة أي: رجع، انتهى، قاله الكرماني (٣).
قوله: حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، والسنة: أن يسلك في طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم
стр. 522
من تلك الناحية، والمأزمين: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك الهمزة كما في رأس ونظائره، والزاي مكسورة، والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين وهما جبلان بين عرفات ومزدلفة، قاله النووي (١).
خاتمة: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم" (٢)، قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، فإذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب (٣)، وقال ابن مهدي (٤): إذا روينا أحاديث الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات تساهلنا في الأسانيد.
стр. 523
الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء
٧٧ - عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه من صنع أمرا على غير أمرنَا فَهُوَ رد وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة لمُسلم من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد (١).
قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها، ومن مناقبها: أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، تزوجها رسول الله ﷺ قبل الهجرة بسنتين، وذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه أن عائشة أسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر أسنانا فيمن أسلم، وروي أنها كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم يعطها امرأة غيرها، منها: أن جبريل ﵇ أتي بصورتها في سرقة من حرير، وقال: هذه زوجتك، وروى أنه أتي بصورتها في راحته، وقيل: إنه قبض ﷺ ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافها، ونزلت براءتها من السماء، توفيت ﵂ سنة ست وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا فدفنت من ليلتها بعد الوتر، واجتمع على جنازتها أهل المدينة وأهل العوالي، وقالوا: لم
стр. 524
ير ليلة أكثر ناسا منها، ومناقبها كثيرة مشهورة (١).
قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" الحديث.
قال النووي (٢): هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلامه ﷺ ، وهو على اختصاره وإيجازه من أعظم قواعد الشرع وأعمها وأنفعها إذ يندرج في منطوقه ومفهومه ما لا يحصى من الفوائد (٣)، وقد قال العلماء: إنه ربع الإسلام أو ثلث الإسلام أو نصف الإسلام بسبب ما يترتب عليه من القضايا والأحكام، وهذا الحديث مما ينبغي أن يعتني بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإبطاله للاستدلال به، والله أعلم، ففيه الحث على الإتباع والتحذير من الابتداع، وقد ألفت الناس كتبا في البدع كالطرطوسي (٤) وأبي شامة الدمشقي (٥): وهو أحد شيوخ الشيخ محيي الدين
стр. 525
النووي، كذا قاله الحافظ العسقلاني ابن حجر وآخرهم وأبو عبد الله بن الحاج صاحب المدخل فاستقصى في بيان المحدثات والبدع والضلالات وشدد، وفي بعض ما ذكره نظر بسبب أحاديث لم يطلع عليها وقواعد وأصول لم يلتفت إليها، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" الأمر هنا معناه الشرع الذي شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ ، واستمر العمل به، واسم الإشارة قد استعمل للتعظيم.
قوله: "ما ليس منه"، قال العلماء: ما ليس منه، أي: ما ليس له في الدين أصل ثابت بوجه، فهذا هو المحدث الضلالة، وأما ما صورته محدثه ولمعناه أصل شرعي يلتحق به، فليس بضلالة، بل بعضه مندوب وبعضه واجب كما هو معروف مشهور، ولا يظن خفاؤه، فقوله: "في أمرنا" المراد بع دين الإسلام، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ تنبيها على أن الدين هو أمرنا الذي نهتم به ونشتغل به بحيث لا يخلوا عنه شيء من أقوالنا وأفعالنا، وهذا الحديث كالميزان للأعمال في ظاهرها، فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء (١)، فهذا الحديث منطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، والمراد بأمر هنا دينه وشرعه كما تقدم، فالمعنى إذًا:
стр. 526
أن كل من كان عمله خارجا عن الشرع، ليس مقيد بالشرع، فهو مردود على فاعله غير مقبول منه بل معذب عليه ومسؤول عنه؛ وعن أبي عبيدة قال: جمع النبي ﷺ جميع أمر الآخرة في كلمة: "من أحدث في أمرنا"، وجمع أمر الدنيا في كلمة: "إنما الأعمال بالنيات" (١).
وقوله: في رواية مسلم: "ليس عليه أمرنا": إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، وتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول، ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود؛ والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات؛ فأما العبادات: فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله كما تقدم، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه؛ وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوها: فما كان منها بغير أوضاع الشريعة كجعل حد الزان عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله ولا ينتقل به الملك لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، انتهى، قاله ابن رجب (٢).
وفي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ أُعطِي الولاية والسيادة على سائر ملوك الأرض، والكل تحت أمره ونهيه بقوله: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" أي: مردود غير مقبول منه، وفيه: دليل على أن الحاكم إذا
стр. 527
حكم بحكم يخالف نص الكتاب أو السنة أو القياس الجلي نقض حكمه (١)، والله أعلم.
٧٨ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خطب احْمَرَّتْ عَيناهُ وَعلا صَوته وَاشْتَدَّ غَضَبه كَأنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول صبحكم ومساكم وَيَقُول بعثت أَنا والساعة كهاتين ويقرن بَين أصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى وَيَقُول أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة ثمَّ يَقُول أَنا أولى بِكُل مُؤمن من نَفسه من ترك مَالا فلاهله وَمن ترك دينا أَو ضيَاعًا فَإِلَيَّ وَعلي رَوَاه مسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا (٢).
قوله: عن جابر بن عبد الله، هو: جابر بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، وهو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالراء ابن عمرو بن سواد بن سلمة بكسر اللام الأنصاري السلمي المدني، وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله ﷺ ، روي له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثًا، وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا، توفي جابر بالمدينة سنة ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان
стр. 528
قد ذهب بصره في آخر عمره، فحيث أطلق جابر في الحديث فالمراد به جابر بن عبد الله، وإذا أرادوا جابر بن سمرة قيدوه بسمرة (١).
قوله: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، الحديث؛ قال النووي (٢): في الحديث جمل من الفوائد ومهمات من القواعد فيستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ويرفع صوته لأنه هو المقصود من الخطبة ويجزل كلامه، ويكون مطابقا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب.
وفي هذا الحديث دليل على وجوب الخطبة لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣)، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا وتحذيره خطبا جسيمًا (٤)، لأن المقصود بالخطبة الوعظ والتحذير، وقد كان النبي ﷺ يواظب على الوصية بالتقوى في خطبته، كما رواه مسلم (٥)، وروي أنه ﷺ قال في خطبته: "الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد
стр. 529
صادق يحكم فيها ملك قادر، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا" (١)؛ وهذا الغرض هو مقصود الخطبة، ولا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، بل لابد من الحث على الطاعة والمنع من المعاصي (٢)، وهذا هو المراد بقول الفقهاء في كتب الفقه: والوصية بالتقوى؛ والتقوي: امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه، ولهذا قال إمام الحرمين في الوصية في بالتقوى في الخطبة لا يكفى أن يقول: اتقوا الله، بل لابد من فصل [يهز السامع كما جرى عليه الأولون] (٣).
قوله: الدنيا عرض، العرض بفتحتين: حطام الدنيا ومالها قل أو كثر، وإنما سمي عرضا لأن المال لا يبقى على أحد بل هو سريع الانتقال من مالك إلى مالك كالأعراض القائمة بالجواهر (٤).
стр. 530
وقال القرطبي (١): قوله: "كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته"، كان هذا من غالب أحواله ﵇، وهذا أوقع في النفس وادعى لتأثير الوعظ في القلب، فينبغي للواعظ أن يتاعطاه، وأما اشتداد غضبه فيحتمل أن يكون عند أمر خولف فيه أو أن صفته صفة للغضب.
وقوله: "كأنه منذر جيش"، ومنذر الجيش: هو المخبر بجيش العدو الذي يخوف به (٢)، أي: هو مخبرهم بما يحذرون منه من مجيء عدوهم صباحا أو مساءًا، وأصل الإنذار: الإعلام، يقال: أنذرته أنذره إنذارًا إذا أعلمته فأنا منذر ونذير أي: معلم ومخوف ومحذر، ومن هذا قوله ﷺ : "إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أنذر جيشًا فقال: أنا النذير العريان" لأنه أبين للعين وأغرب وأشنع عن المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم تكون على مكان عالٍ، فإذا رأى العدو وقد أقبل نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانا (٣).
قوله: "صبحكم ومساكم"، أي: أتاكم الجيش وقت الصباح وأتاكم وقت المساء، أو سيصبحكم العدو، ومعناه: الإغارة وكذلك مساكم أي: سيمسيكم (٤).
قوله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين"، أي: بعثني اللّه قريبا من الساعة فتنبهوا من نوم الغفلة (٥)، ويجوز في الساعة النصب والضم؛ قال النووي:
стр. 531
والمشهور النصب لأن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما إشارة إلى ما بينه وبين الساعة كقرب السبابة من الوسطى؛ ولهذا ذكر السهيلي أن ذلك نصف سبع أصبع فيكون تأخير القيامة بمقدار ذلك (١)، والله أعلم؛ واختلف في المراد به، فقيل: المراد بينهما شيء يسير كما بين الإصبعين في الطول؛ وقال القاضي عياض: يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما وأنه ليس بينهما أصبع أخرى كما أنه لا نبي بينه وبين الساعة، وقال بعضهم: المراد به أنه ﷺ ليس بينه وبين الساعة نبي كما أنه ليس بين السبابة والوسطى أصبع، قال القاضي: ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما بالمدة وأن التقارب بينهما كنسبة التقارب بين الإصبعين تقريبا لا تحديدًا (٢)، انتهى، وقيل: هو إشارة إلى قربه من الساعة، ثم اختلفوا في معنى القرب: هل هو بالنسبة إلى طول ما بين الإصبعين طولا أو عرضا ورجحوا الطول، والله أعلم.
قوله: "ويقرن بين إصبعيه" بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكي كسرها أيضا، وسميت السبابة بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب (٣)، والسبابة أيضًا تسمى بالمسبحة بكسر الموحدة المشددة، وهي التي تلي الإبهام، وسميت أيضا بالسبابة لأن الناس يشيرون بها، وسميت بالمسبحة
стр. 532
لأن المصلي يشير بها إلى التوحيد والتنزيه لله عن الشريك (١).
فائدة: قوله ﷺ : "بعثت أنا الساعة كهاتين"، وقد قيل: ثبت أن النبي ﷺ سئل عن الساعة؟ فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" الحديث، هذا يدل على أنه لم يكن عنده ﷺ علم بالساعة، ورويتم عنه ﷺ في هذا الحديث أنه قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وهذا يدل على أنه ﷺ كان عالما بهذا، فكيف يأتلف الخبران؟ فيقال له: قد نطق القرآن العظيم بقوله الحق: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾ (٢) الآية، فلم يكن يعلمها هو ولا غيره؛ وأما قوله: "بعثت أنا والساعة كهاتين" فمعناه: أنا النبي الآخر فلا يليني نبي آخر وإنما يليني القيامة كما تلي السبابة الوسطى وليس بينهما أصبع أخرى، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، وهي مع ذلك دانية لأن شروحها متتابعة، وقد ذكر الله تعالى الأشراط في القرآن فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٣) أي: دنت، وأولها: النبي ﷺ لا نبي آخر الزمان، وقد بعث ﷺ وليس بينه وبين القيامة نبي، ثم بين ﷺ ما يليه من الأشراط فقال: "أن تلد الأمة ربتها" إلى غير ذلك، قاله في التذكرة (٤).
стр. 533
قوله ﷺ : "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله"، تقدم الكلام على كتاب الله وهو القرآن في الأحاديث المتقدمة، وتقدم الكلام أيضًا على قوله: "أما بعد" في الخطبة مبسوطًا، وأول من تكلم بها.
قوله: "وخير الهدي هدي محمد ﷺ "، قال النووي (١): ضبطناه بالوجهين بضم الهاء وفتح الدال وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا، كذا جاءت الرواية بالوجهين، وقال القاضي عياض: رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهروي، وفسره على رواية الفتح بالطريق والسيرة، أي: أحسن الطرق طريق محمد ﷺ وسيرته، يقال: فلان حسن الهدي أي الطريقة والمذهب، ومنه: "اهتدوا بهدي عمار"، وأما رواية علي الضم فمعناه: الدلالة والإرشاد، والهدي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣) وهدي للمتقين، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٤)، أي: بينا لهم الطريق، منه قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (٥)، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ (٦) والهدي: بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد هو الذي تفرد الله
стр. 534
تعالى به في الكتاب والسنة، جمعها: دلائل، والدلالة بكسر الدال وفتحها.
قوله ﷺ : "وشر الأمور محدثاتها" أي: الأمور المنكرة التي ليست تعرف في الكتاب والسنة.
قوله: "وكل بدعة ضلالة" هذا الحديث من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال الظاهرة والباطنة؛ وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدعة اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون: كذلك نعمت البدعة هذه (١).
قوله: نعمت البدعة هذه، هو ثناء عليها، من النعمة، ومن نعم الشيء بكسر العين وفتحها أي: حسن والنعمة هو ما يتنعم به، قال الخليل: وأصل النعمة: الخفض والدعة، نعم الرجل وأنعم صار في نعمة (٢)، وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال: المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما: من الخير الذي لا خلاف فيه، فهذه بدعة محدثة غير مذمومة، وقد
стр. 535
قال عمر ﵁ في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني: أنها محدثة لم تكن، هذا آخر كلام الشافعي (١).
وقال النووي (٢): البدعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول اللّه ﷺ ، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة؛ وقال الشيخ الإمام المجتمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع الكلام وبراعته أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد، البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول اللّه ﷺ ، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، قال: والطريق في معرفة ذلك: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو المندوب فهي مندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة، وللبدع الواجبة أمثلة، منها: الاشتغال لعلم النحو الذي يفهم به كلام اللّه تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتي حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ الثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة؛ الثالث: تدوين دواوين أصول الفقه؛ الرابع: الكلام في الجرح والتعدي وتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين، ولا يتأتي ذلك إلا بما ذكرناه؛ وللبدعة المحرمة أمثلة، منها: مذاهب القدرية والجبرية
стр. 536
والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة؛ وللبدعة المندوبة أمثلة، منها: أحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها: التراويح والكلام في دقائق التصوف والجدل، ومنها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله؛ وللبدع المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وأما تلحين القرآن بحيث يغير ألفاظه عن الوضع العربي فالأصح أنه من البدع المحرمة؛ وللبدع المباحة أمثلة، منها: المصافحة في عقيب الصبح والعصر، ومنها: التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك. فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله ﷺ فما بعده، وكذلك الاستعاذة والبسملة، هذا آخر كلامه.
قوله ﷺ : "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"، أي: أحق، قال الأصحاب: فكان النبي ﷺ إذا احتاج إلى طعام أو غيره وجب على صاحبه بذله له ﷺ ، ولكن هذا وإن كان جائزًا لم يقع (١).
قوله: "من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ"، الضياع والضيعة: بفتح الضاد العيال المحتاجون الضائعون، والمراد: من ترك أطفالًا وعيالًا وذا حاجة يضيعون بعده، أي: لا شيء لهم (٢)، قيل: إنه كان ﷺ
стр. 537
يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان هذا القضاء واجبًا عليه ﷺ ، وقيل: تبرع منه، والخلاف فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم، والصحيح: أنه كان واجبا عليه، واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين، قيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب، وهذا الذي قاله النبي ﷺ بعد ما فتح الله عليه الفتوح واتسعت أموال بيت المال، وقد كان النبي ﷺ في ابتداء الإسلام لا يصلي على من ترك دينا لا وفاء له لئلا تساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح الله عليه عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء، واختلف أصحابنا: هل هو من الخصائص أو لا؟ فقال بعضهم: كان من خصائصه ﷺ ولا يلزم الإمام أن يقضيه من بيت المال، وقال بعضهم: ليس من خصائصه بل يلزم كل إمام أن يقضي من بيت المال دين من مات وعليه دين إذا لم يخلف وفاء وكان في بيت المال سعة ولم يكن هناك أهم منه، والله أعلم، قاله النووي (١)، ومعنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: "أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالًا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلى نفقتهم ومؤونتهم" والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم (٢).
стр. 538
٧٩ - وَعَن مُعَاوِيَة ﵁: قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا إِن من كَانَ قبلكُمْ من أهل الْكتاب افْترقُوا على ثِنْتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَإِن هَذِه الأمة ستفرق على ثَلاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي الْجَمَاعَة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَزَاد فِي رِوَايَة وَإنَّهُ ليخرج فِي أمتِي أَقوام تتجارى بهم الأهْوَاء كمَا يتجارى الْكَلْب بِصَاحِبِهِ لا يبْقى مِنْهُ عرق وَلا مفصل إِلَّا دخله (١) قَوْله الْكَلْب بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام قَالَ الْخطابِيّ هُوَ دَاء يعرض للإنْسَان من عضة الْكَلْب الْكَلْب قَالَ وعلامة ذَلِك فِي الْكَلْب أَن تحمر عَيناهُ وَلا يزَال يدْخل ذَنبه بَين رجلَيْهِ فَإِذا رأى إنْسَانا ساوره.
قوله: عن معاوية، كنيته: أبو عبد الرحمن، معاوية بن أبي سفيان، صحابي بن الصحابي بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبد شمس، أسلم هو وأبوه أبو سفيان وأخوه يزيد بن أبي سفيان وأمه هند في فتح مكة، وقيل: إنه أسلم في عمرة القضاء وكتم إسلامه، شهد مع رسول الله ﷺ
стр. 539
حنينًا، وأعطاه من غنائم هوزان مائة بعير وأربعين أوقية، كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامهما، ولما بحث أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام وهو بدمشق فأقره عمر ﵁ مكانه، ولما ولاه عمر بن الخطاب الشام مكان أخيه يزيد بقي أميرًا خلافة عمر ثم أقره عثمان، وولي الخلافة بعد ذلك عشرين سنة تقريبا، ولي دمشق أربع سنين في خلافة عمر، واثنتا عشرة سنة من خلافة عثمان مع ما أضاف إليه من باقي الشام، وأربع سنين تقريبًا أيام خلافة علي وستة أشهر خلافة الحسن، وسلم إليه الحسن الخلافة سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربعين، والأول أصح، واتفقوا على أنه توفي بدمشق، والمشهور أنه توفي يوم الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل: لنصف رجب سنة ستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: غير ذلك، وروي عنه أنه قال: ما زلت أطمع بالخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ : "إن وليت فأحسن"، ومناقبه كثيرة مشهورة، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري أربعة، ومسلم بخمسة، والله أعلم (١).
قوله ﷺ : "إلا أن من كان قبلكم افترقوا على ثنتين وسبعين ملة" الحديت، اختلف في أهل الكتاب من هم؟ هم اليهود والنصارى دون غيرهم كمن
стр. 540
يؤمن بزبور داود وصحف إبراهيم وشيث، فلا يسمون أهل الكتاب؛ لأن الزبور فيه مواعظ فقط، فلذلك لا يسمون بخلاف التوراة والإنجيل، وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١) اليهود والنصارى، وعلى هذا القول: اختلف العلماء في طائفتين من هم، وهم: السامرة ضرب من اليهود، والصابئة ضرب من النصارى، هل يقاتلون مقاتلة اليهود والنصارى أم لا، فالذي أفتى به أبو سعيد الاصطخري لما استفتاه القاهر من خلفاء بني العباس في الصابئين أنهم يقتلون، وعلل ذلك بأنهم يعتقدون أن الفلك حي ناطق وأن الكواكب السبعة آلهة مدبرة، والمذهب المشهور أنهم إن وافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم كانوا منهم وإن خالفوهم لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عبدة الأوثان (٢)، والله أعلم، قاله في الديباجة.
قوله: "افترقوا على ثنتين وسبعين ملة"، والملة: ما شرع الله لعباده على لسان النبي ﷺ ليتوصلوا به إلى النجاة، ثم توسع فيها بعد ذلك فاستعملت في الملل الباطلة (٣).
قوله: "وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين" قال بعض العلماء: الفرقة التي زادت في هذه الأمة هي التي تبغض العلماء وتعادي الفقهاء،
стр. 541
ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الأمم (١)، بل كانوا منقادين لعلمائهم محبين لهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه، بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢)، والأمة: يجوز أن يراد بهم أمة الدعوة فتندرج سائر أرباب الملل الذين ليسوا على قبلتنا أو أمة الإجابة، فالمراد: نحل أهل القبلة، وقال بعض العلماء: الأمة عبارة عن أهل ذلك الزمان على أي ملة كانوا، وقد تطلق الأمة على الزمن مجازًا (٣)، والله أعلم، وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى علي بني إسرائيل" فذكر الحديث، إلى أن قال: "وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" قال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".
قوله ﷺ : "ثنتان وسبعون في النار"، أي: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو موجب دخول النار فإن كان كفرًا وماتوا عليه دخلوها ولا يخرجون، وإلا