← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 537–576 · переход к 542.

стр. 537

يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان هذا القضاء واجبًا عليه ﷺ ، وقيل: تبرع منه، والخلاف فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم، والصحيح: أنه كان واجبا عليه، واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين، قيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب، وهذا الذي قاله النبي ﷺ بعد ما فتح الله عليه الفتوح واتسعت أموال بيت المال، وقد كان النبي ﷺ في ابتداء الإسلام لا يصلي على من ترك دينا لا وفاء له لئلا تساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح الله عليه عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء، واختلف أصحابنا: هل هو من الخصائص أو لا؟ فقال بعضهم: كان من خصائصه ﷺ ولا يلزم الإمام أن يقضيه من بيت المال، وقال بعضهم: ليس من خصائصه بل يلزم كل إمام أن يقضي من بيت المال دين من مات وعليه دين إذا لم يخلف وفاء وكان في بيت المال سعة ولم يكن هناك أهم منه، والله أعلم، قاله النووي (١)، ومعنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: "أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالًا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلى نفقتهم ومؤونتهم" والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم (٢).

стр. 538

٧٩ - وَعَن مُعَاوِيَة ﵁: قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا إِن من كَانَ قبلكُمْ من أهل الْكتاب افْترقُوا على ثِنْتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَإِن هَذِه الأمة ستفرق على ثَلاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي الْجَمَاعَة رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَزَاد فِي رِوَايَة وَإنَّهُ ليخرج فِي أمتِي أَقوام تتجارى بهم الأهْوَاء كمَا يتجارى الْكَلْب بِصَاحِبِهِ لا يبْقى مِنْهُ عرق وَلا مفصل إِلَّا دخله (١) قَوْله الْكَلْب بِفَتْح الْكَاف وَاللَّام قَالَ الْخطابِيّ هُوَ دَاء يعرض للإنْسَان من عضة الْكَلْب الْكَلْب قَالَ وعلامة ذَلِك فِي الْكَلْب أَن تحمر عَيناهُ وَلا يزَال يدْخل ذَنبه بَين رجلَيْهِ فَإِذا رأى إنْسَانا ساوره. قوله: عن معاوية، كنيته: أبو عبد الرحمن، معاوية بن أبي سفيان، صحابي بن الصحابي بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبد شمس، أسلم هو وأبوه أبو سفيان وأخوه يزيد بن أبي سفيان وأمه هند في فتح مكة، وقيل: إنه أسلم في عمرة القضاء وكتم إسلامه، شهد مع رسول الله ﷺ

стр. 539

حنينًا، وأعطاه من غنائم هوزان مائة بعير وأربعين أوقية، كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامهما، ولما بحث أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على عمله بالشام وهو بدمشق فأقره عمر ﵁ مكانه، ولما ولاه عمر بن الخطاب الشام مكان أخيه يزيد بقي أميرًا خلافة عمر ثم أقره عثمان، وولي الخلافة بعد ذلك عشرين سنة تقريبا، ولي دمشق أربع سنين في خلافة عمر، واثنتا عشرة سنة من خلافة عثمان مع ما أضاف إليه من باقي الشام، وأربع سنين تقريبًا أيام خلافة علي وستة أشهر خلافة الحسن، وسلم إليه الحسن الخلافة سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربعين، والأول أصح، واتفقوا على أنه توفي بدمشق، والمشهور أنه توفي يوم الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل: لنصف رجب سنة ستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: غير ذلك، وروي عنه أنه قال: ما زلت أطمع بالخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ : "إن وليت فأحسن"، ومناقبه كثيرة مشهورة، روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري أربعة، ومسلم بخمسة، والله أعلم (١). قوله ﷺ : "إلا أن من كان قبلكم افترقوا على ثنتين وسبعين ملة" الحديت، اختلف في أهل الكتاب من هم؟ هم اليهود والنصارى دون غيرهم كمن

стр. 540

يؤمن بزبور داود وصحف إبراهيم وشيث، فلا يسمون أهل الكتاب؛ لأن الزبور فيه مواعظ فقط، فلذلك لا يسمون بخلاف التوراة والإنجيل، وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١) اليهود والنصارى، وعلى هذا القول: اختلف العلماء في طائفتين من هم، وهم: السامرة ضرب من اليهود، والصابئة ضرب من النصارى، هل يقاتلون مقاتلة اليهود والنصارى أم لا، فالذي أفتى به أبو سعيد الاصطخري لما استفتاه القاهر من خلفاء بني العباس في الصابئين أنهم يقتلون، وعلل ذلك بأنهم يعتقدون أن الفلك حي ناطق وأن الكواكب السبعة آلهة مدبرة، والمذهب المشهور أنهم إن وافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم كانوا منهم وإن خالفوهم لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عبدة الأوثان (٢)، والله أعلم، قاله في الديباجة. قوله: "افترقوا على ثنتين وسبعين ملة"، والملة: ما شرع الله لعباده على لسان النبي ﷺ ليتوصلوا به إلى النجاة، ثم توسع فيها بعد ذلك فاستعملت في الملل الباطلة (٣). قوله: "وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين" قال بعض العلماء: الفرقة التي زادت في هذه الأمة هي التي تبغض العلماء وتعادي الفقهاء،

стр. 541

ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الأمم (١)، بل كانوا منقادين لعلمائهم محبين لهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه، بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢)، والأمة: يجوز أن يراد بهم أمة الدعوة فتندرج سائر أرباب الملل الذين ليسوا على قبلتنا أو أمة الإجابة، فالمراد: نحل أهل القبلة، وقال بعض العلماء: الأمة عبارة عن أهل ذلك الزمان على أي ملة كانوا، وقد تطلق الأمة على الزمن مجازًا (٣)، والله أعلم، وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي ما أتى علي بني إسرائيل" فذكر الحديث، إلى أن قال: "وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" قال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". قوله ﷺ : "ثنتان وسبعون في النار"، أي: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو موجب دخول النار فإن كان كفرًا وماتوا عليه دخلوها ولا يخرجون، وإلا

стр. 542

فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنهم وإن شاء أدخلهم النار ثم أخرجهم (١). وقوله: "أمتي"، إشارة إلى أن الفرق المبتدعة كلهم مسلمون (٢). انتهى. قوله: "وواحدة في الجنة"، وهي: الأمة والجماعة التي أمر بلزومها السواد الأعظم، وقال: كل ما كان عليه السواد الأعظم من أهل الإسلام فهو الحق الواجب الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه، وقال آخرون: الجماعة التي أمر النبي ﷺ بلزومها جماعة أئمة المسلمين، وذلك لأن الله تعالى جعلهم حجة على خلقه، وإليهم يفزع العامة في دينهم ودنياهم، وهم المعنيون بقوله ﷺ : "لن تجتمع أمتي على ضلالة"، وسئل عبد الله بن المبارك عن الجماعة الذي ينبغي أن يقتدى بهم، فقال: أبو بكر وعمر، وكر واحدا بعد واحد من العلماء، وقال آخرون: الجماعة التي أمر النبي ﷺ بلزومها هم الصحابة لأنهم كالنجوم بهم يهتدى من اقتدى، وهم الذين ضمن الله لنبيه ﷺ أن لا يجمعهم على ضلالة، وقال آخرون: الجماعة هم أهل الإسلام، وفي حديث أبي بكرة حجته في ذلك لأنه ﵊ أمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم فقال: إن الجماعة المأمورين بإتباعها هي السواد الأعظم مع الإمام الجامع لهم، وإذا لم يكن لهم إمام وتفرق الناس أحزابًا فالواجب اعتزال تلك الفرق كلها كما أمر به النبي ﷺ أبا ذر (٣)،

стр. 543

انتهى، قاله في الديباجة. وروى الدارقطني عن أسامة بن شريك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم" (١) وثبت في الصحيح: "ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا" (٢) وثبت في الصحيح أيضًا: "ذروني ما تركتكم عليه، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا" (٣) الحديث، فتبين بهذه الأحاديث أن لزوم الجماعة واجب. قوله ﷺ : "وأنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء"، أي: تتواقعون في الأهواء الفاسدة ويتداعون فيها، أي: تدخل فيهم تلك الأهواء، جمع: الهوى، والمراد هنا: البدعة (٤). قوله: "كما يتجارى الكلب بصاحبه"، أي: كما يدخل الكلب في جميع أعضاء الرجل، فكذا البدعة تدخل وتؤثر في جميع أعضاء المبتدع بحيث لا يقدر أن يزيلها عنه (٥)، قال الحافظ ﵀: الكلب داء يعرض للإنسان من

стр. 544

عضة الكلب، الكلب فذكره وفي آخره: "فإذا رأى إنسانًا ساوره" أي: واثبه، قال الشاعر (١): فَبِتُّ كأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِلَةٌ ... مِنَ الرُّقْشِ في أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ الضئيلة: الحية، شبه تجارى الكلب بصاحبه بجري الفرس (٢). وقال بعض العلماء: هو داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدا إلا كلب، فإذا عقر هذا الكلب إنسانًا فأعرض له من ذلك أعراض رديئة، منها: أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشًا، ولا يزال يستسقى حتى إذا سُقى الماء لم يشربه، فإذا استحكمت هذه العلة به فقعد للبول خرج منه على هيئة صور الكلاب الصغار، وقيل: إن هذا المعضوض ينتظر به سبعة أيام، فإن بال على هذه الهيئة يبرأ منه وإلا هلك، واجتمعت العرب على أن دواة قطرة من دم ملك تخلط بها فيشفاه، فالكلب داء عظيم إذا تجارى بالإنسان وتمادى هلك، كما تقدم ذكره، شبه ﷺ تمكن الأهواء من قلوب أهل البدع بتمكن الكلب من الكلب بحيث لا يقبل الانفصال (٣).

стр. 545

فئدة في عجائب المخلوقات: إن بقرية من أعمال حلب بئر يقال لها بئر الكلب إذا شرب منها من عضه الكلب برئ، وهي مشهورة، قال بعض أهل القرية: إذا لم يجاوز المكلوب أربعين يومًا وشرب منها برئ، أما إذا جاوز الأربعين فإنه يموت ولو شرب منها، وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين فشربوا فسلم اثنان، وكانا لم يبلغا الأربعين ومات الثالث وكان قد تجاوز الأربعين، وهذا البئر منها يشرب أهل تلك الضيعة (١)، انتهى. ٨٠ - وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ سِتَّة لعنتهم ولعنهم الله وكل نَبِي مجاب الزَّائِد فِي كتاب الله والمكذب بِقدر الله والمتسلط على أمتِي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذلّ الله والمستحل حُرْمَة الله والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله والتارك السّنة. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا أعرف لَهُ عِلّة (٢).

стр. 546

قوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "ستة لعنتهم لعنهم الله، وكل نبي مجاب"، وفي بعض النسخ: "وكل نبي يجاب" أي: مستجاب الدعوة، ومعناه: ستة أشخاص دعوت عليهم بسوء لعنهم الله، ودعائي مقبول لأن كل نبي مجاب الدعوة، أحد الستة: الزائد في كتاب الله، أي: في القرآن أو في حكم الله، قيل: هو الذي يتأول القرآن على غير تأويله وسائر كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل كذلك (١). الثاني: التكذيب بقدر الله تعالى، عده العلماء كبيرة من الكبائر، والمكذب بقدر الله هو الذي يقول بخلق أفعال العباد، والقدر بفتح الدال وإسكانها: قدر الله الذي يجب الإيمان به كله خيره وشره حلوه ومره نفعه وضره لما روى ابن ماجه عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال له: "أسلم تسلم" قال: فقلت: وما الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها" (٢)، ولما كان الإيمان بالقدر من أعظم أركان الإيمان عقبه به، ومذهب أهل الحق إثبات القدر كما جاء به القرآن والسنة الصحيحة المشهورة، ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم

стр. 547

وعلم أنها ستقع في أوقاتها معلومة عنده ، وخالفت القدرية هذا وزعمت أنه لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها وأنها مستأنفة العلم، أي: إنما علمها بعد وقوعها، وكذبوا على الله تعالى، وتعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا (١). قال الخطابي (٢): القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره، ولذلك سماهم النبي ﷺ مجوسًا لمشابهة مذهبهم مذهب المجوس القابلين بالأهين اثنين، فالقدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار، اختص به العليم الخبير، وحجبة عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، وقد طوي الله علم القدر عن العالم فلا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال النووي (٣): المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو: ما قدره الله تعالى وقضاه وسبق به علمه وإرادته، انتهى، قاله في الديباجة. تتمة: روى البيهقي في كتاب الشهادات (٤) عن الربيع قال: سئل الشافعي عن القدر، فأنشأ يقول: مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ ... وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ ... فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ

стр. 548

عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ ... وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ ... وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ الثالث: المتسلط على أمتي بالجبروت، أي: المستولي الغالب بالكبرياء والعظمة لإعزاز من أذله الله كالكفار وإذلال من أعزه الله تعالى كالمؤمنين (١). الرابع: قوله ﷺ : "والمستحل حرمة الله تعالى"، وهو: المستحل في حرم مكة ما لا يجوز فعله (٢). الخامس: المستحل من عترتي ما حرم الله، قال في النهاية (٣): عترة الرجل أخص رجاله، وعترة النبي ﷺ بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولاده وعلي وأولاده، وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم، ومنه حديث أبي بكر الصديق: نحن عترته ﷺ وبيضته التي تفقأت عنهم، لأنهم كلهم من قريش، ومنه حديثه الآخر قال للنبي ﷺ حين شاور أصحابه في أساري بدر: عشيرتك وقومك، أراد بعشيرته العباس ومن كان فيهم من بني هاشم، وبقومه قريشًا. وقال ابن الأعرابي: العترة الذرية، وقال القتيبي: العشيرة (٤)، والمشهور المعروف أن عترته أهل بيته الذين حرمت عليهم الزكاة (٥)، والله أعلم.

стр. 549

السادس: التارك السنة، تارك السنة من الستة الذين لعنهم الله، وكل نبي مجاب، فتارك السنة هو الذي يعرض عنها بالكلية أو بترك بعضها استخفافًا، وقلة مبالاة بها (١)، ومعنى السنة: ما وضعه النبي ﷺ من أحكام الدين، وذلك قد يكون فرضا في كزكاة الفطر، وغير فرض كصلاة العيد، والله أعلم. تتمة: قال الأوزاعي: رأيت رب العزة في المنام، فقال: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قلت: بفضلك يا رب، ثم قلت: رب أمتني على الإسلام، فقال ﷻ : وعلى السنة، فقلت: وعلى السنة (٢). قال الشيخ محيي الدين النووي (٣): كنية الأوزاعي أبو عمرو الشامي الدمشقي، وكان اسمه عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن، فهو: عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، وكان أصله من سبي السند، فالأوزاعي منسوب إلى الأوزاع بطن من حمير، وقيل: من همدان بسكون الميم، وقيل: الأوزاع قرية عند باب الفراديس، وقيل: هو نسبة إلى أوزاع القبائل أي فرقها، وبقايا من قبائل شتى، كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك، وكان يسكن دمشق خارج باب الفراديس ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى

стр. 550

أن مات، وهو من تابعي التابعين، وأجمعت العلماء على إمامته وجلالته وكمال فضله وعلو مرتبته، قيل: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة، وقيل: أفتى في ثمانين ألف مسألة، وما كان أحد أعلم بالسنة من الأوازعي، لقد جمع بين العبادة والورع والقول بالحق، وذكر أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات: الأوزاعي سئل عن الفقه، يعني: استفتى ثلاث عشرة سنة، وأقوال السلف في أقواله ومناقبه كثيرة، ولد ﵁ سنة ثمان وثمانين، ومات في سنة سبع وستين ومائة في خلافة أبي جعفر، ومات في حمام بيروت، دخل الحمام فذهب لقضاء حاجة، وأغلق عليه الباب، ولما فتح الباب فوجده ميتا متوسد يمينه مستقبل القبلة، وقال أبو الفتح: قال الأوزاعي: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوما بيوم وساعة بساعة، فالساعة التي لا يذكر الله فيها إذا مرت ندم عليها حسرات، فكيف إذا مرت ساعة مع ساعة ويوم مع يوم، وكان ﵁ لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر، وقال: من أطال قيام الليل هون الله عليه يوم القيامة، انتهى. ٨١ - وَعَن أبي بَرزَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا أخْشَى عَلَيْكُم شهوات الغي فِي بطونكم وفروجكم ومضلات الْهوى رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَبَعض أسانيدهم رُوَاته ثِقَات (١).

стр. 551

٨٢ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنِّي أَخَاف على أمتِي من ثَلَاث من زلَّة عَالم وَمن هوى مُتبع وَمن حكم جَائِر رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق كثير بن عبد الله وَهُوَ واه وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ فِي مَوَاضِع وصححها فِي مَوضِع فَأنْكر عَلَيْهِ وَاحْتج بهَا ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (١). قوله: وعن عمرو بن عوف (هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى، كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله ﷺ ، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) (٢). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي ﷺ أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (٣). قوله ﷺ : "إني أخاف على أمتي من ثلاث، من زلة عالم ومن هوى متبع

стр. 552

ومن حكم جائر" [قال ابن عباس: ويل للعالم من الاتباع يزل زلة فيرجع عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق وقال بعضهم مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها فقد استبان لك أيها الأخ كما تضاعف حسنة العالم إذا اقتدى به كذلك تضاعف سيئته إذا اقتدي به فكم من رجل كان يحسن صلاته مدة سنين فرأى عالما يسيء صلاته ويتهاون بالطمأنينة فيها والخشوع فترك ما كان عليه واقتدى بالعالم في ذلك واتخذه عادة ظنا منه أن هذه الصفة تجزئ وإن مثل هذا العالم لا يفعل إلا ما يجوز والنفوس قد طبعت على الميل إلى الراحة وإيثار الرخص وإتباع الأيسر من الواجبات والنفور عن العزائم والتشديدات فلو قيل له لم تسيء صلاتك لقال وما نسبتي إلى العالم فلان وقد رأيته يصلي كذلك فإن كنت منكرا فأنكر عليه فما أنا بأعلم منه ونحو هذا الكلام وقس على هذا جميع ما يصدر من المتلبسين بالعلم فتجد ذلك أعظم الأسباب في جرأة الجاهلين على الذنوب وارتكابهم المعاصي وقلة مبالاتهم بالمخالفات وأشد ما في ذلك على العالم أن العاصي ربما كان يأتي المعصية مع استشعار الخوف والندم وغير ذلك من الأسباب التي تصغر تلك المعصية وإن كانت كبيرة فإذا رأى العالم يفعلها صغرت في عينه وهانت في قلبه وأتاها بإقدام وجرأة فإن كانت صغيرة صارت بذلك كبيرة وإن كانت كبيرة كانت فاحشة غليظة موبقة وبعدت عليه التوبة منها لأنه يأتيها بنوع تأويل باطل يرجع إلى تقليد العالم فيها والاقتداء به وأنه إنما أتاها لعلمه أن فيها رخصة لا يعلمها الجاهل وإثم جميع ذلك على العالم الذي اقتدي به في الضلال وأقامه مقام إبليس في الإضلال ومثل هذا العالم يجب

стр. 553

عليه فيما يرتكبه أمران أحدهما: ترك الذنب. والآخر: إخفاؤه عمن يقتدى به فيه فكل هذه الأمور وأشباهها مما تعظم به الصغائر وتنتقل إلى رتب الكبائر فيجب على مرتكبها إن لم يوفق للتوبة منها أن يحترز عما تعظم به ولا يغفل عن عظمة من عصاه ويشكر مولاه على ستر الجميل في مخالفته وحمله عليه في عصيانه ويتلبس أبدا بالندم والانكسار ويتوقع التوبة والعفو بشهود الفاقة والافتقار ويتطهر ما أمكنه عن الذنوب أجمع فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (١)]. ٨٣ - وَرُوِيَ عَن غُضَيْف بن الْحَارِث الثمالِي قَالَ: بعث إِلَيّ عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَان إِنَّا قد جَمعنَا النَّاس على أَمريْن، فَقَالَ: وَمَا هما قَالَ رفع الأَيْدِي على المنابر يَوْم الْجُمُعَة والقصص بعد الصُّبْح وَالْعصر فَقَالَ أما إنَّهُمَا أمثل بدعتكم عِنْدِي وَلست بمجيبكم إِلَى شَيْء مِنْهُمَا قَالَ لم قَالَ لِأن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا أحدث قوم بِدعَة إِلَّا رفع مثلهَا من السّنة فتمسك بِسنة خير من إِحْدَاث بِدعَة. رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار (٢). قوله: عن غضيف بن الحارث الثمالي، الثمالي بالثاء المثلثة مضمومة منسوب إلى ثمال بطن من الأزد.

стр. 554

قوله: بعث إلي عبد الملك بن مروان، عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي الأموي، كان والي المدينة من جهة معاوية ولد مروان على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يصح له سماع من النبي ﷺ والرواية لأنه خرج إلى الطائف مع أبيه وهو طفل لا يعقل حين نفى النبي ﷺ أباه الحكم إليها، وكان مع أبيه فيها حتى استُخلف عثمان فردهما إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة، وطرده النبي ﷺ إلى الطائف لأنه كان يفشي سره، مات في خلافة عثمان، ولما توفي معاوية بن يزيد بايع بعض الناس مروان بالخلافة، روى عن عمر وعثمان وعلي وزيد وبسرة بنت صفوان، وروى عنه: ابنه عبد الملك وسهل بن سعد وعروة بن الزبير وعلي بن الحسن ومجاهد وغيرهم، وكان كاتبًا لمعاوية في خلافته في خلافته، وولي له أمر المدينة والموسم غير مرة، بويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية، وكان الضحاك قد غلب على دمشق وبايع فيها لابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، فقصده مروان ووافقه بمرج راهط فقتله، وغلب على دمشق، وقدم مصر لغزو أهل المغرب سنة سبع وثلاثين ثم قدمها بعدما بويع له بالشام في جمادي الأول سنة خمس وثلاثين، وتوفي في رمضان منها سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة خمس وستين، ودفن بباب الجابية أو باب الصغير بدمشق، والله أعلم (١). قوله: إنا قد جمعنا الناس على أمرين، فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: إنهما أمثل

стр. 555

بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منهما، الحديث؛ المراد برفع الأيدي على المنابر، رفع أيديهم عند الدعاء، ومن البدع: القصص بعد الصبح والعصر، أي: المواعظ، وعن خباب بن الأرت أنه رأى ابنه عبد الله قص فلما رجع اتزر وأخذ السوط، وقال: أمع العمالقة أنت؟ هذا قرن قد طلع (١)، قال ابن عبد البر (٢): فهذا خباب سمى القصص بدعة، لأن القصص أحدث عليهم، ولم يكونوا يعرفونه، وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" فكان مما أحدث بعده ﷺ ما أحدثه القصاص بعده مما أنكره غير واحد من الصحابة، وكان ابن عمر ينكره ويقول: لم تكن القصص في زمن النبي ﷺ ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر، وانما كان القصص حين كانت الفتنة، انفرد به ابن ماجه وإسناده حسن (٣). فهذا يعارض ما رواه الأئمة عن تميم الداري: أنه أول من قص على الناس استأذن عمر في ذلك فأذن له (٤)، وسيأتي الكلام على ذلك أواخر الباب إلا أن

стр. 556

يقال أنه استأذن في القصص وقص بعد وفاة عمر، ويعارضه أيضًا حديث أوس بن أبي أوس قال: إنا لقعود عند رسول الله ﷺ يقص علينا ويذكرنا إذ أتاه رجلٌ، إلى آخره، وهو حديث صحيح (١)، وإنَّما عنى بها أنها من بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين فإن النبي ﷺ لم يكن يعين وقت معين يقص على أصحابه فيه غير خطبه الراتبة في الجمع والأعياد، وإنما كان يذكرهم أحيانًا، وعند حدوث أمر محتاج إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة اجتمعوا على تعيين وقت له كما صح عن ابن مسعود أنه كان يذكر أصحابه كل خميس، وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ثلاثة أيام مرة، ومن هذا قول الحسن: القصص بدعة ونعمت البدعة كم من أخ يستفاد ودعوة مستجابة وحاجة مقضية (٢). والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، وإنما أطلق عليها بدعة باعتبار أنها لم تكن كذلك من رسول الله ﷺ ، فالبدع الحسنة متفق على جوازها وفعلها، وأما البدع المستقبحة وهي كل ما كان مخالفا للشريعة، واعلم أن كل ما كان مكروهًا فإنكاره مستحب لا واجب، والسكوت عنه مكروه، وما كان محرما فإنكاره واجب، والسكوت عنه حرام (٣).

стр. 557

٨٤ - وروى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مَا من أمة ابتدعت بعد نبيها فِي دينهَا إِلَّا أضاعت مثلهَا من السّنة (١). قوله ﷺ : في رواية الطبراني: "ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة"، وفي الحديث قبله وهو حديث غضيف بن الحارث: فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة، قال عبد الله بن عباس: لا يأتي على الناس زمان إلا أماتوا سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيى البدع إلا من هون الله عليه إسخاط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما اعتادوا، ومن ليس كذلك أحسن الله تعويضه، قال رسول الله ﷺ : "إنك لن تدع شيئا إلا عوضك الله خيرا منه" (٢) انتهى، قاله في الديباجة. ٨٥ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا تَحت ظلّ السَّمَاء من إِلَه يعبد [مِنْ دُونِ اللهِ] أعظم عِنْد الله من هوى مُتبع. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة (٣).

стр. 558

قوله: عن أبي أمامة، أبو أمامة اسمه صدي بن عجلان [الباهلي، صحب النبي ﷺ وروى عنه، كان في حجة، قال سليم بن عامر: جاء رجل إلى أبي أمامة فقال: يا أبا أمامة إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست، فقال: إني أقول اللهم غفرًا دعونا عنكم وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة ثم قرأ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١" (١)، قال ابن عيينة: كان آخر من بقي من أصحاب النبي ﷺ بالشام أبو أمامة الباهلي، وروى الواقدي: أن عبد الله بن بسر آخر من مات بالشام من الصحابة، أبو أمامة مات سنة خمس وثمانين في قرية يقال لها دنبرة على عتبة الباب، روى له الجماعة (٢)، انتهى، قاله في الديباجة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "ما تحت ظل السماء من إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع " الحديث، قال الليث بن سعد: لو رأيت ما صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته (٣)، وقال ابن رجب ﵀: فمن أحب شيئا وأطاعه وأحب عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان يحب ولا يبغض إلا لله ولا يوالي ولا يعادي إلا لله فالله إلهه حقا، ومن أحب هواه وأبغض له ووالى عليه وعادى

стр. 559

عليه فإلهه هواه، وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده كما قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ (١) الآية (٢). انتهى. ٨٦ - وَعَن أنس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَأما المهلكات فشح مُطَاع وَهوى مُتبع وَإِعْجَاب الْمَرْء بِنَفسِهِ. رَوَاهُ الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا (٣) وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي انْتِظَار الصَّلَاة إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٨٧ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله حجب التَّوْبَة عَن كل صَاحب بِدعَة حَتَّى يدع بدعته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن (٤)

стр. 560

وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن عَاصِم فِي كتاب السّنة من حَدِيث ابْن عَبَّاس (١) وَلَفْظهمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ أَبى الله أَن يقبل عمل صَاحب بِدعَة حَتَّى يدع بدعته وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث حُذَيْفَة (٢) وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يقبل الله لصَاحب بِدعَة صوما وَلَا صَلاة وَلَا حجا وَلَا عمْرَة وَلَا جهادا وَلَا صرفا وَلَا عدلا يخرج من الإسلام كمَا يخرج الشّعْر من الْعَجِين. قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته" الحديث، قال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة محمود [وما خالف السنة فهو مذموم] ومن ذلك قول عمر في التراويح: نعم البدعة، والجواب الصحيح: أن عمر بن الخطاب له التصرف

стр. 561

في ذلك لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" وكان ﵁ من أجلهم، ولهذا سماها العلماء سنة، وإنما أطلق هو عليها بدعة لما رأى أنها لم تكن كذلك من رسول ال ﷺ ، والبدعة المذمومة: فهو ما خالفت سنة، فمن ذلك صلاة الرغائب فإنها موضوعة وكذب على رسول الله ﷺ ولو اجتمع الناس على قارئ في مسجد في قيام الليل كانوا مبتدعين بلا شك، لأن ذلك لم يكن معهودا في عصرهم، والله أعلم. قوله ﷺ في رواية ابن ماجه من حديث حذيفة: "لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا حجًّا ولا عمرةً ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا" قال في الديباجة: حديث موضوع، ولفظ الصرف والعدل تكرَّر في السنة كثيرًا، فالصرف: التوبة، وقيل: الندم، والعدل: الفدية، وقيل: الفريضة، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في إخافة أهل المدينة ومن أرداهم بسوء وفي غيره من المواضع، وقال الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، وإذا رأيت مبتدعًا في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع الله لصاحب البدعة عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام (١)، انتهى. وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (٢) ذكره أبو

стр. 562

الفرج بن الجوزي قال أبو عبد الله القرطبي: وقد استدل جماعة من العلماء بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١) فإن من جالس أهل البدع والأهواء والريب حكمه حكمهم (٢). قوله: "يخرج من الإسلام كلما تخرج الشعر من العجين" وفي رواية: "كما تسل الشعرة من العجين"، جاء مثله في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قاله: قال حسان يا رسول الله ائذن لي في أبي سفيان، قال: كيف بقرابتي منه؟ قال: والذي أكرمك لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال في ذلك أبياته: هجوت محمدًا (٣)، ومعناه: لأخلصن نسبك من هجوه بحيث لا تبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله من الهجو كما أن الشعرة إذا سلت من العجين لا تبقى شيء منها بخلاف لو سلت من شيء صلب فانهار بما انقطعت فبقيت فيه منها بقية (٤)، انتهى، قاله في الديباجة. ٨٨ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إيَّاكُمْ والمحدثات فَإِن كل محدثة ضَلَالَة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن

стр. 563

حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيت حسن صَحِيح وَتقدم بِتَمَامِهِ بِنَحْوِهِ (١). قوله: وعن العرباض بن سارية، تقدم الكلام عليه قريبًا. قوله ﷺ : "إياكم والمحدثات، فإن كل محدثة ضلالة" قال الإمام القرطبي (٢): معنى قوله ﷺ : "إياكم والمحدثات" يعني ما لم يوافق كتابا ولا سنة ولا عمل الصحابة، وقد بين هذا بقوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة" الحديث، وهذا إشارة إلى ما هو قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، انتهى. ٨٩ - وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: إِن إِبْلِيس قَالَ أهلكتهم بِالذنُوبِ فأهلكوني بالاستغفار فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أَنهم مهتدون فَلَا يَسْتَغْفِرُونَ. رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَغَيره (٣). قوله: عن أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله على الصحيح المشهور، وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقًا لقبًا له لعتقه

стр. 564

من النار، وقيل: لحسن وجهه وجماله، قاله الليث بن سعد وجماعة، وروى الترمذي بإسناده عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أبا بكر عتيق الله من النار فمن يومئذ سمي عتيقًا" وقال مصعب بن الزبير وغيره: سمي عتيقا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق، ففي المسند عن علي بن أبي طالب أن الله تعالى هو الذي سمى أبا بكر صديقًا على لسان جبريل ومحمد ﷺ ، وسبب تسميته بذلك أنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ولازم الصدق فلم يقع منه هناة ما، ولا وقفة في حال من الأحوال، فهو أبو بكر بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة بن كعب، وبينه وبين مرة ستة آباء كما بين النبي ﷺ وبين مرة، كما اتفق لهما في العمر، أسلم أبوه يوم الفتح وعاش إلا خلافة عمر، أسلم أبوه وأمه وصحبا النبي ﷺ ، ولا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا النبي ﷺ إلا آل أبي بكر، وهم: عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأمه: اسمها أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، واعلم أن أبا بكر الصديق كانت له في الإسلام المواقف الرفيعة وخصائص لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، منها: قضية ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك، ومنها: هجرته مع رسول الله ﷺ وترك عياله وأطفاله وملازمته في الغار وغير ذلك؛ روى الصديق عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنين وأربعين حديثا، اتفق البخاري

стр. 565

ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث، وسبب قلة رواياته مع تقدم صحبته وملازمته النبي ﷺ أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها، وصحب النبي ﷺ من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا ويأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيًا، الحديث، ومنها: أنه لم يرد في القرآن الكريم اسم الصحبة لغيره، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) والمراد به: أبو بكر الصديق ﵁ بالاتفاق، وورد النص القاطع في صحبته، قال بعض العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر كفر لتكذيبه نص القرآن (٢). ومنها: قوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فكان له في هذه المعية والتسمية مزيد اختصاص لم يشاركه فيه صحابي، وكان اسم أبي بكر في حياة رسول الله ﷺ لا يفارق اسم رسول الله ﷺ فإنه كان يقال له: يا صاحب رسول الله ﷺ ، وبعده: يا خليفة رسول الله ﷺ حين توفي " ومنها: أنه أول من أسلم من الرجال، ومنها: تسميته صديقا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ

стр. 566

وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ (١)، ومنها: خلافة رسول الله ﷺ له وكفاه فخرًا قول المهاجرين والأنصار: يا خليفة رسول الله ﷺ ؛ ومنها: إرسال الكلام إليه مع جبريل ﵇ من الحق ﷻ ، وهذه الخصلة لم يشاركه فيها غير خديجة ﵂، ومنها: أن الله تعالى قال له على لسان جبريل ﵇: هل أنت راض عني في فقرك، ومنها: أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام في السماء تخللت بالعباءة من أجله ﵁ فإنه [تخلل بالعباءة] (٢)، ومنها: أنه أنفق جميع ماله على رسول الله ﷺ ، ومنها: ملازمته لرسول الله ﷺ في الغار وسائر الطريق، ومنها: تقدم النبي ﷺ له في الصلاة من مراجعته في ذلك، ومنها: إشارة النبي ﷺ في أن الأمر له من بقاء في قوله: "تجدين أبا بكر" ولا شك أن هذا كالصريح في استخلافه، ومنها: الأمر بسد خوخةٍ إلا خوخته ﵁، ومنها: السر الذي وقر [وقر: أي تمكن] في صدره لما روى أنه ﷺ قال: "ما سبقكم أبو بكر" إلى أن قال: "ولكن بسر وقر في صدره" (٣) الحديث، ومنها: أنه كان يفتي في حضرة رسول الله ﷺ ، ومنها: ثباته يوم وفاة رسول الله ﷺ وقيامه ذلك القيام وتسكين قلوب الصحابة بالقرآن وهو ﵁ لم يزل ساكن القلب مع القرآن، ومنها: قيامه بمصلحة البيعة، ومنها: قيامه في أمر الردة

стр. 567

وتجهيز جيش أسامة، ومنها: أنه أفضل الأمة وأحبهم إلى رسول الله ﷺ ، ومنها: قوله ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخي وصاحبي" (١) رواه البخاري من حديث ابن عباس. وكان النبي ﷺ يكرم أبا بكر ويبجله، وقيل: إن أبا بكر عطش في الغار عطشا شديدًا فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر عليك بصدر الغار"، قال أبو بكر: فأتيت صدر الغار فوجدت عينًا تجري أحلى من العسل وأطيب من ريح المسك فشربت فقال النبي ﷺ : "أتدري مم شربت يا أبا بكر؟ " فقال: الله ورسوله أعلم، فقال: "أمر الله تعالى ملكًا أن يجري لك عينًا من الكوثر إلى الغار" فبكى أبو بكر ﵁، وقال: يا رسول الله ولي عند الله تعالى هذه المنزلة، فقال له رسول الله ﷺ : "والذي بعثني بالحق نبيًّا إنه لا يدخل الجنة من يبغضك ولو كان له عمل سبعين صديقًا" (٢). وفي مسند الإمام أحمد: عن سعيد بن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام وثانيه في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله ﷺ يقدم

стр. 568

عليه أحدًا (١)، وقال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: "يا جبريل هل على أمتي من حساب يوم القيامة؟ " قال: نعم إلا أبا بكر الصديق، يقول الله تعالى له: فانطلق فادخل الجنة، فيقول: وعزك لا أدخل الجنة حتى يدخل معي من أحبني في دار الدنيا، وقال رسول الله ﷺ : "إن الله خلقني من (٢) نوره،

стр. 569

خلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر من نور أبي بكر، وخلق عثمان من نور عمر، وخلق عليًّا من نور عثمان، وخلق الخلق كلهم من نور علي بن أبي طالب" (١). وقيل: إنه إذا كان يوم القيامة ينصب حول العرش ثلاث كراسي فيجلس على أحدهم النبي ﷺ وعلى الثاني أبو بكر وعلى الثالث إبراهيم الخليل ﵊، وينادي مناد: يا له من صديق بين حبيب وخليل (٢). وتوفي الصديق ﵁ وله ثلاث وستون سنة، وتوفي بين المغرب والعشاء

стр. 570

سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وأوصي أن تغسله أسماء، وأن يدفن إلى جنب النبي ﷺ ، وصلى عليه عمر بين الروضة والمنبر (١). فائدة: فيها بشرى لمحبي أبي بكر وعمر ﵄: روى أبو سعد في شرف النبوة (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، ويؤتى بمنبرين من نور فينصب أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يسار العرش ويعلوهما شخصان فينادي الذي عن يمين العرش: معاشر الخلائق من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا رضوان خازن الجنة إن الله تعالى أمرني أن أسلم مفاتيح الجنة إلى محمد ﷺ ، ومحمد أمرني أن أسلمهما إلى أبي بكر وعمر ليدخلا محبيهما الجنة، ثم ينادي الذي عن يسار العرش: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك خازن النار إن الله تعالى أمرني أن أسلم مفاتيحها إلى محمد ﷺ ومحمد أمرني أن أسلم مفاتيحها إلى أبي بكر وعمر ليدخلا مبغضيهما النار" (٣) انتهى.

стр. 571

فائدة أخرى: خرج الصابوني عن محمد بن وزير قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فدنوت منه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال لي: وعليك السلام يا محمد بن وزير، ألك حاجة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، إني شيخ ضعيف السماعة كثير العيال أرد أن تعلمني دعوات أدعو بها في سفري وحضري وأستعين بها على أموري، فقال لي: أقعد هو ذا عليك ثلاث دعوات فادع بها في كل وقت وشدة، وفي دبر كل صلاة قل: "يا قديم الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان يا مالك الدنيا والآخرة" ثم التفت فقال: "اجتهد أن تموت على الإسلام وعلى حب هؤلاء هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي، فإنك لا تمسك النار" (١) انتهى، قاله في مختصر مجمع الأحباب. قوله ﷺ : "إن إبليس قال: أهلكتهم بالذنوب فأهلكوني بالاستغفار" الحديث، إبليس عدو الله، كنيته: أبو مرة، واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لها الجن، أم ليس من الملائكة، والصحيح أنه من الملائكة وأنه اسم أعجمي، قال الواحدي: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي: آيس، والمبلس: المكتئب الحزين الآيس، واختلفوا أنه من الملائكة، فروي عن طاووس.

стр. 572

ومجاهد عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، وكان اسمه عزازيل، فلما عصى الله لعنه وجعله شيطانا مريدا، وسماه إبليس، قالوا: وقول الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو (١) أي: من طائفة من الملائكة يقال لهم الجن، وقال الحسن بن عبد الرحمن بن يزيد وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة، والاستثناء منقطع والمعنى عندهم: أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح: أنه من الملائكة لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله أعلم، وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة في عقوبته وتكثير معاصيه وغوايته، نسأل الله الكريم اللطف (٢) والعصمة من إغوائه بمحمد وآله (٣). قوله: "فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون فلا يستغفرون"، الأهواء: جمع هوى، واختلفوا في تفسيره، فقيل: الهوى هو:

стр. 573

ميل النفس وشهواتها (١)، وقيل: الهوى محبة اللذة بالمراد ولذلك لا يكون إلا مذموما، قال ابن عباس: الهوى إله معبود ثم تلا قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢) (٣)، وإنما سمى الهوى هو لأنه يهوى بصاحبه في النار أو لأنه يجعل القلب في الهوى لا يستقر كذا نقله القرطبي عن الشعبي (٤). ٩٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لكل عمل شرة وَلكُل شرة فَتْرَة فَمن كَانَت فترته إِلَى سنتي فقد اهْتَدَى وَمن كَانَت فترته إِلَى غير ذَلِك فقد هلك رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٥)

стр. 574

وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضًا (١) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لكل عمل شرة وَلكُل شرة فَتْرَة فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَادًّا وَقَارِبًا، فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأصَابِعِ، فَلَا تَعُدُّوهُ. الشرة: بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء بعْدهَا تَاء تَأْنِيث هِيَ النشاط والهمة وشرة الشَّبَاب أَوله وحدته. قوله: عن عبد الله بن عمر، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى" الحديث، الشرة: بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء وبعدها تاء تأنيث هي النشاط والهمة، وشرة الشباب أوله وحدته، انتهى، قاله المنذري. قوله: في رواية ابن حبان: "فإن كان صاحبها سادا وقاربا فارجوه وإن أشير إليه إليه بالأصابع، فلا تعدوه" ومعنى ذلك: أن من كان مستقيمًا متوسطًا في العمل من غير علو ولا تقصير وسدد أي جعل عملًا متوسطًا، وقارب أي دنى من الاستواء غلو غلو ولا تقصير وسدد أى جعل عمله متوسطا و (قارب)؛ أي: دنا من الاستواء والاستقامة فارجوه، أي: كونوا منه على رجاء الخير، ومن بالغ في العمل وأتعب نفسه وأشير إليه بالأصابع فلا تعدوه

стр. 575

صالحًا فإنه لا قدرة له على المداومة لحصول الملل وافتتانه له بإشارة الناس إليه بالأصابع، وروى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بحسب ابن آدم من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله تعالى" (١) انتهى، قاله في التنقيح على المصابيح (٢). تنبيه: قيل للحسن البصري إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع، فقال: لم يعن ذلك النبي ﷺ إنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في زمانه (٣)، قيل: معنى الحديث تحذير من يشار إليه أن يغتر بما يمدح به من خير وهو يعلم من نفسه غير ذلك، والله أعلم. ٩١ - وَعَن أنس ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني رَوَاه مسلم (٤). قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على ترجمته.

стр. 576

قوله ﷺ : "فمن رغب عن سنتي فليس مني" الحديث، والأصل في السنة: الطريقة والسيرة، وإذا أضاف السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه، وندبه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث (١). واعلم أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن وهي أحد وجوه الوحي وكانت تنزل على أنواع أخرى منها رؤية الملك وتكليمه، ومنها: رؤية النوم ويعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٢) ولما كان نبينا ﷺ لا ينطق عن الهوى كان تحريمه كتحريم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ومنها: النفث في الروع وهو العقل والقلب (٥). قوله: رواه مسلم، هو. الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري من بني قشير، قبيلة من العرب معروفة النيسابوري، منسوب إلى نيسابور بفتح النون من أعظم مدن خراسان، وخراسان إقليم عظيم معروف،
следующие страницы →