← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 5192–5231 · переход к 5197.

стр. 5192

يتصدق من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب" (١) والمعنى أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا ولا يحل أن يتقرب بغير ذلك إليه إذا ليس من صفته تعالى قبول الشيء الخبيث والرضي بالمنكر، وإنما لا يقبل الله تعالى الصدقة من المال الحرام لأنه غير مملوك للمتصدق وهو ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه فلو قبلت منه لزم أن يكون مأمورا به منهيا عنه من وجه واحد وهو محال لأن أكل الحرام يفسد القلوب فيحرم الرقة والإخلاص فلا تقبل الأعمال قال ابن رجب (٢): وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال: تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٣) الآية وقال: الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٤) ووصف الرسول ﷺ بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث وقد قيل إنه يدخل في ذلك الأعمال والأقوال والاعتقادات أيضا ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب في قوله تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (٥) وأن الملائكة تقول عند الموت: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخول الجنة ويقول لهم طبتم وقد ورد في حديث "إن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول لهم الملائكة طبت وطاب ممشاك

стр. 5193

وتبوأت من الجنة منزلا" (١) فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما سكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه فهذه الطيبات كلها يقبلها الله ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال [للمؤمن] طيب مطعمه وأن يكون من حلال فبذلك يزكو عمله وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكوا إلا بأكل الحلال فإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله فإنه قال: بعد تقريره إن الله لا يقبل إلا طيبا ا. هـ. قوله ﷺ : "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٣) " الحديث ففيه دليل على أن الرسل وأممهم سواء في عبادة الله تعالى والدخول تحت خطابه إلا ما قام عليه الدليل من اختصاصهم على الأمم ببعض الأحكام لأن الجميع عبيد

стр. 5194

إليه مأمورون بعبادة الله ، والظاهر أن المراد بالطيبات في الآيتين الحلال بدليل ما سبق قبله وما بعده من ذم المطعم الحرام ا. هـ، والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل الصالح فما دام الأكل حلالا فالعمل الصالح مقبول فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولا؟!. قوله: "ثم ذكر الرجل يطيل السفر" هذا من كلام أبي هريرة يعني أن النبي ﷺ بعد ما سبق ذكره استطرد الكلام حتى "ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر" الحديث معناه والله أعلم يطيل السفر في وجوه الطاعات كالحج والجهاد وزيارة مستحبة وصلة رحم وما أشبه ذلك من أسفار الطاعات إلا أن أشعث يدل على المحرم والشعث في الشعر والغبرة في سائر الجسد. قوله: "يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب" هذا الكلام أشار فيه بإلى آداب الدعاء وإلى الأسماء التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته فذكر أن الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدها إطالة السفر والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده" رواه أبو داود والترمذي (١) وعنده دعوة الوالد على ولده

стр. 5195

ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء. والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة، والشعث والإغبرار وهو أيضا من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في حديث عن النبي ﷺ "رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (١)، ولما خرج النبي ﷺ للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا (٢). الثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى فسببها إجابته وفي حديث سلمان عن النبي ﷺ "إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين" رواه الإمام أحمد وابن ماجه (٣) وكان النبي ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه (٤)

стр. 5196

ورفع يديه يوم بدر يستنصر على المشركين حتى سقط رداءه عن منكبيه (١). الرابع: تناول الحلال في المطعم والمشرب والملبس ونشوء الجسد على الغذاء الحلال، وبالجملة اجتناب الحرام من كل شيء شرط إجابته وأن تناول الحرام مانع منه ووجه ذلك أن مبتدأ إرادة الدعاء القلب ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان فينطق به، والقلب يفسد بتناول الحرام وإذا فسد القلب فسد الجسد وجوارحه والفاسد ليس بطيب والله لا يقبل إلا الطيب فالله لا يقبل دعاء من أكل الحرام وغذي به. قوله: "وغذي بالحرام" بغين معجمة مضمومة وذال معجمة مكسورة مخففة أي كان غذاؤه الحرام. قوله ﷺ : "فأنى يستجاب لذلك" أي من أين يستجاب لمن هذا صفته وكيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحا في استحالة الإجابة ومنعها بالكلية وقال بعضهم: إن قوله ﵇: "فأنى يستجاب لذلك" استبعاد للإجابة مع أكل الحرام ومعناه أنه ليس أهلًا لإجابة في عائه لكن يجوز أن يستجيب الله تفضلًا ولطفًا وكرما قاله القرطبي (٢) والطوفي (٣) واعلم أن هذا الحديث كثير النفع لأنه تضمن بيان حكم الدعاء

стр. 5197

وشرطه ومانعه وهو أحد الأحاديث التي هي قواعد الإِسلام ومباني الأحكام وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره وفيه أن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره وتقدم قريبا آداب الدعاء وشروطه مبسوطًا. فوائد: قد روي عن النبي ﷺ في صفة رفع الإنسان يديه في الدعاء أنواع متعددة منها أنه كان يشير بإصبعيه السبابة فقط، ومنها أنه رفع يديه وجعل ظهورها إلى جهة القبلة وهو مستقبلهما وجعل بطونهما مما يلي وجهه وقد وردت هذه الصفة عن النبي ﷺ في دعاء الاستسقاء واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجورجاني، وقال بعض السلف: الرفع على الوجه تضرع، ومنها عكس ذلك وقد روى النبي ﷺ في الاستسقاء أيضا وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك وروي عن النبي ﷺ أنه إذا كان استعاذ رفع يديه على هذا الوجه، ومنها رفه يديه وجعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله ، ومنها عكس ذلك وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وظهورهما مما يلي الأرض ا. هـ ذكره الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي (١).

стр. 5198

٢٦٥٨ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ طب الْحَلَال وَاجِب على كل مُسلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله (١). قوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "طلب الحلال واجب على كل مسلم" الواجب هو الذي يثاب فاعله أكثر من ثواب السنة بأضعاف كثيرة ويعاقب تاركه كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وطلب العلم وغير ذلك. ٢٦٥٩ - وروي عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: طلب الحلال فريضةٌ بعد الفريضة. رواه الطبراني والبيهقي (٢). قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه.

стр. 5199

قوله ﷺ : "طلب الحلال فريضة بعد الفرائض" الحديث أعلم أن الفرض ينقسم على قسمين فرض عين وفرض كفاية ففرض الكفاية كل علم يفتقر إليه في صالح العباد كعلم الطب والحساب لقسمة المواريث وعلم الحياكة والخياطة وغير ذلك إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين وأما فرض العين فهو واجب على كل مكلف في خاصة نفسه كصلاة الفرض والجمعة وغير ذلك والله أعلم. ٢٦٦٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة، قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك الْيَوْم كثير قَالَ وسيكون فِي قُرُون بعدِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (١).

стр. 5200

قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من أكل طيبا وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه" الحديث تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق. ٢٦٦١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَربع إِذا كن فِيك عَلَيْك مَا فاتك من الدُّنْيَا حفظ أَمَانَة وَصدق حَدِيث وَحسن خَلِيقَة وعفة فِي طعمة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وإسنادهما حسن (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا فذكره" إلى أن قال "وعفة في طعمة" الطعمة بالضم والكسر وجه المكسب يقال: هو طيب الطعمة وخبيب الطعمة وهي بالكسر خاصة حالة الأكل قاله في الديباجة (٢). ٢٦٦٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَيّمَا رجل اكْتسب مَالا من حَلَال فأطعم نَفسه أَو كساها فَمن دونه من خلق الله

стр. 5201

كَانَ لَهُ بِهِ زَكاة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (١). قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أيما رجل كسب مالا من حلال فأطعم نفسه أو كساها فمن دونه من خلق الله كان له به زكاة" (أي أنفق وكسا أولاده أو غيرهم من عباد الله من كسبه. فإنها أي هذه الخلة وفي الإنفاق على النفس أو على الغير أو عليهما، له زكاة أي نمو في ماله وأعماله وبركة وطهرة). قوله: من طريق دراج عن أبي الهيثم (ضعفه أبو حاتم والدارقطني وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بالقوي ووثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما وصحح حديثه عن الهيثم الترمذي، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وغيرهم). ٢٦٦٣ - وَعَن نصيح الْعَنسِي عَن ركب الْمصْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طُوبَى لمن طَابَ كَسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث يَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي التَّوَاضُع إِن شَاءَ الله (٢).

стр. 5202

قوله: وعن نصيح العنسي عن ركب المصري (١) ويقال: أنه ليس بمشهور في الصحابة وقد أجمعوا على ذكره فيهم روى عنه نصيح، قال أبو عُمر في كتاب الصحابة: ركب المصري له حديث واحد عن النبي ﷺ (٢). قوله: ﷺ في الحديث "طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته" الحديث. [قوله: "طوبى" تقدم الكلام عليها مرارا. وقوله: "طَابَ كَسبه" المراد بطيب الكسب الحلال، وفى هذا الحديث أدب وحض على خصال من الخير والحكمة والعلم. قال الإمام القرطبي: الشاهد فيه قوله: "طوبى لمن عمل بعلمه" ولم يقل طوبى لمن قال بعلمه وسيأتى الحديث بتمامه].

стр. 5203

قوله ﷺ : "من اشترى ثوبا وفيه درهم من حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه" تقدم الكلام على القبول. ٢٦٦٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عباس ﵄ قَالَ تليت هَذِه الآيَة عِنْد رَسُول الله ﷺ يَا أَيهَا النَّاس كلوا مِمَّا فِي الأرْض حَلالًا طيبا الْبَقَرَة فَقَامَ سعد بن أبي وَقاص ﵁ فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مستجاب الدعْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ يَا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعْوَة وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدهِ إِن العَبْد ليقذف اللُّقْمَة الْحَرَام فِي جَوْفه مَا يتَقَبَّل مِنْهُ عمل أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَيّمَا عبد نبت لَحْمه من سحت فَالنَّار أولى بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير (١). [قوله: وروى عن ابن عباس تقدم الكلام عليه. قوله: لسعد "يَا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعْوَة" الحديث، فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لإجابة الدعاء، وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت، وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته (٢).

стр. 5204

وقال بعض السلف: ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجه (١). قوله: "وَأَيّمَا عبد نبت لَحْمه من سحت فَالنَّار أولى بِهِ" الحديث السحت بضم السين والحاء المهملة وبإسكان الحاء وبضمهما قراءتان قرئ بهما في السبع، والسحت كل حرام يلحق آكله منه عار (٢)، ولذلك غلب في الرشا، سمى سحتا لأنه يسحت البركة ويذهب بها، أو لأنه يكون فيه هلكة من قولهم أسحت الله الظالم وسحته أي أهلكه (٣). أ. هـ. ٢٦٦٥ - وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله ﷺ فطلع علينا رجل من أهل الْعَالِيَة فَقَالَ يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بأشد شَيْء فِي هَذَا الدّين وألينه فَقَالَ ألينه شَهَادَة أَن لا إِلَه إِلَا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وأشده يَا أَخا الْعَالِيَة الأمَانَة إِنَّه لا دين لمن لا أَمَانَة لَهُ وَلا صَلأة لَهُ وَلا زَكَاة لَهُ يَا أَخا الْعَالِيَة إِنَّه من أصَاب مَالا من حرَام فَلبس مِنْهُ جلبابا يَعْني قَمِيصًا لم تقبل صلَاته حَتَّى ينحى ذَلِك الجلباب عَنهُ إِن الله أكْرم وَأجل يَا أَخا الْعَالِيَة من أَن يقبل عمل رجل أَو صلَاته وَعَلِيهِ جِلْبَاب من حرَام رَوَاهُ الْبَزَّار وَفِيه نَكَارَة (٤).

стр. 5205

قوله: وروى عن على تقدم الكلام عليه. قوله: "فطلع علينا رجل من أهل الْعَالِيَة" العالية تجمع على عوالى تكرر ذكرها في الحديث في غير ما موضع وهي أماكن بأعلى أرض المدينة والنسب إليها علوى على غير قياس، وعوالى المدينة عبارة عن مواضع وقرى بِقرب المدينة من فوقها من جِهَة الشرق، وَأقرب العوالي إِلَى الْمَدِينَة على ميلين أَو ثَلَاثَة أَمْيَال أو أَرْبَعَة، وأبعدها من جهة نجد ثَمَانِيَة أميال والميل معروف ذكره النووى: أربعة آلاف خطوة بخطو البعير (١)، وحده ابن حبيب المالكى بألفى ذراع، وحده غيره بثلاثة آلاف وخمسمائة وصححه ابن عبد البر قال ابن الفاكهانى (٢): وهو أصح ما قيل فيه، وقال النووى في شرح مسلم في آخر كتاب الاستئذان: والميل ستة آلاف (٣)، قاله في شرح الإلمام. قوله: "من أصَاب مَالا من حرَام فَلبس مِنْهُ جلبابا يَعْني قَمِيصًا لم تقبل [لم يقبل الله] صلَاته حَتَّى ينحى ذَلِك [القميص] الجلباب عَنهُ". الجلباب هو القميص كما فسر في الحديث وقيل ثوب واسع فوق الرداء تغطى به المرأة ظهرها وصدرها، وقال في النهاية: الجلباب الإزار والرداء

стр. 5206

(١)، وقال العلماء الجلباب بكسر الجيم هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وقيل هو الخمار، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار وقال النضر بن شميل: هو ثوب أقصر من الخمار وأعرض من المقنعة تغطى به المرأة رأسها أ. هـ. قاله في مختصر الكفاية (٢). قوله: "لم يقبل الله صلاته حتى ينحى ذلك الجلباب عنه" الحديث، قال العلماء: انتفاء القبول قرروه في مواضع مع ثبوت الصحة كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة وما أشبه ذلك والقواعد الشرعية تقتضى أن العبادة إذا أتى بها مطابقة للأمر كانت مسببا للثواب والدرجات والأجر (٣) أ. هـ. ٢٦٦٦ - وَروِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ من اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وَفِيه دِرْهَم من حرَام لم يقبل الله لَهُ صَلَاة مَا دَامَ عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ أَدخل أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ ثمَّ قَالَ صمتا إِن لم يكن النَّبِي ﷺ سمعته يَقُوله رَوَاهُ أَحْمد (٤).

стр. 5207

قوله وعن ابن عُمر تقدم الكلام عليه. قوله: من اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وَفِيه دِرْهَم من حرَام لم يقبل الله لَهُ صَلَاة مَا دَامَ عَلَيْهِ تقدم الكلام عليه. ٢٦٦٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من اشْترى سَرقَة وَهُوَ يعلم أَنَّهَا سَرقَة فقد اشْترك فِي عارها وإثمها رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده احْتِمَال للتحسين وَيُشبه أَن يكون مَوْقُوفا (١). قوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من اشترى سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها" الحديث (وفي رواية للطبراني من أكلها وهو يعلم أنها سرقة فقد

стр. 5208

أشرك في إثم سرقتها) (١). ٢٦٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لِأَن يَأْخُذ أحدكُم حبله فَيذْهب بهِ إِلَى الْجَبَل فيحتطب ثمَّ يَأْتِي بِهِ فيحمله على ظَهره فيأكل خير لَهُ من أَن يسْأَل النَّاس وَلِأن يَأْخُذ تُرَابا فَيَجْعَلهُ فِي فِيهِ خير لَهُ من أَن يَجْعَل فِي فِيهِ مَا حرم الله عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد (٢). قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب به إلى الجبل فيستحطب" الحديث تقدم الكلام عليه قريبا. قوله ﷺ : "ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه خيرا له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه" المراد بذلك أكل الحرام.

стр. 5209

٢٦٦٩ - وَعنهُ ﵁: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا أدّيت زَكاة مَالك فقد قضيت مَا عَلَيْك وَمن جمع مَالا حَرَامًا ثمَّ تصدق بِهِ لم يكن لَهُ فِيهِ أجر وَكانَ إصره عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِم كلهم من رِوَايَة دراج عَن ابْن حجيرة عَنهُ (١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي الطُّفَيْل وَلَفظه قَالَ من كسب مَالا من حرَام فَأعتق مِنْهُ وَوصل مِنْهُ رَحمَه كانَ ذَلِك إصرا عَلَيْهِ (٢). ٢٦٧٠ - وروى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن الْقَاسِم بن مخيمرة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من اكتسب مَالا من مأثم فوصل بِهِ رَحمَه أَو تصدق بِهِ أَو

стр. 5210

أنفقهُ فِي سَبِيل الله جمع ذَلِك كُله جَمِيعًا فقذف بِهِ فِي جَهَنَّم (١). قوله: وعنه أيضا تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ومن جمع مالا حراما ثم تصدق به ولم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه الإصر الإثم" وأصله من الضيق والحبس يقال أصره يأصره إذا حبسه وضيق عليه والله أعلم، وفي رواية الطبراني "من كسب مالا حراما" وفي مراسيل أبي داود "من اكتسب مالا من مأثم فوصل به رحمه" الحديث. أعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين: أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوها عن نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه بمعنى أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصدقه في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم القصد ونيته كذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من الحنابلة، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت لقطة آفأتصدق بها قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل مراده إذا تصدق بها قبل أن يعرفها (التعريف الواجب). الوجه الثاني: من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وإن لم يعرف صاحبها وجعلوه

стр. 5211

إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان وكذلك الغصوب وروى عن مالك بن دينار قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال: يتصدق به ولا أقول أن ذلك يجزي عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إلى من وزنه ذهبا والمشهور عن الشافعي رحمه الله تعالى في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب والصحيح الصدقة لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه وإرصاده أبدا يعرض له الإتلاف واستيلاء الظلمة عليه والصدقة ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث تعذر الانتفاع به في الدنيا قاله: ابن رجب في شرح الأربعين النووية (١). فائدة: قال الغزالي في الإحياء (٢): لعلك تقول الأموال المحرمة من المكوس وغيرها إذا كثرت وانتشرت في أيد الناس بحيث لا يخلو أحد منها أن من أخذ منها شيئا لا يملكه ومن وضع يده على شيء من هذه الأموال المأخوذة بالظلم والبيع الفاسد يجوز غصبها وأخذها منه لكونها غير مملوكة وهذا باطل لأن كل ما جاوز حده انعكس إلى ضده وكل من وضع

стр. 5212

يده على شيء من هذه الأموال بطريق المعاملة أو غيرها من الطرق المأذون فيها شرعا ملكه ولم يحل انتزاعه منه وعاد الحلال إلى الحل للضرورة. والله أعلم. ٢٦٧١ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قسم بَيْنكُم أخلاقكم كمَا قسم بَيْنكُم أرزاقكم وَإِن الله يُعْطي الدُّنْيَا من يحب وَمن لا يحب وَلا يُعْطي الدّين إِلَّا من يحب فَمن أعطَاهُ الله الدّين فقد أحبه وَلا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم أَو لَا يسلم عبد حَتَّى يسلم أَو يسلم قلبه وَلسَانه وَلَا يُؤمن حَتَّى يُؤمن جَاره بوائقه قَالُوا وَمَا بوائقه قَالَ غشمه وظلمه وَلَا يكْسب عبد مَالا حَرَامًا فَيتَصَدَّق بِهِ فَيقبل مِنْهُ وَلا ينْفق مِنْهُ فيبارك لَهُ فِيهِ وَلَا يتْركهُ خلف ظَهره إِلَا كَانَ زَاده إِلَى النَّار إِن الله تَعَالَى لَا يمحو السئ بالسيئ وَلَكِن يمحو السيئ بالْحسنِ إِن الْخَبيث لَا يمحو الْخَبيث رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره من طَرِيق أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد وَقد حسنها بَعضهم وَالله أعلم (١).

стр. 5213

قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه. قوله: ﷺ : "ولا يكسب عبدا مالا حراما فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك فيه" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. فائدة: في كتاب الأبرار للزمخشري (١) وأنشد المبرد: ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا عصاه الحياء والكرم فلا إلى حرمة مددت يدي ... ولا مشيت بي إلى ريبة قدم فائدة: في كتاب الأبرار للزمخشري (٢) وفي رحلة ابن الصلاح التي بخطه قال الحسن البصري: لو وجدت رغيفًا من حلال لأحرقته ثم دققته وداويت به المرضى ثم قال: اختلطت غنم البادية بغنم أهل الكوفة فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة فقالوا سبع سنين فترك أكل لحم الغنم سبع سنين ا. هـ، وحكى

стр. 5214

عن وهب بن منبه قال: بلغني أن موسى ﵊ مر برجل قائم يدعوا ويتضرع طويلا وهو ينظر إليه فقال موسى يا رب أما تستجب لعبدك فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إنه لو بكى حتى تلفت نفسه ورفع يديه حتى بلغت عنان السماء ما استجبت له قال يا رب ولم ذلك قال: لأن في بطنه الحرام وعلى ظهره الحرام وفي بيته الحرام، وقال مالك بن دينار ﵀: أصاب الناس قحط فخرجوا مرارا يستسقون فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة وترفعون إلي أيدي قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن يزدادوا مني إلا بعدا ا. هـ. فائدة: وَهْب بن مُنَبِه بفتح الواو وسكون الهاء ومنبه بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشددة ابن كامل الصغاني الجليل المشهور بمعرفة الكتب الماضية قال: قرأت من كتب الله اثنين وتسعين كتابا وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، وقيل أصله من هراة مات سنة أربع عشرة ومائة وله أخ اسمه همام بفتح الهاء وتشديد الميم بن منبه وهو أيضا تابعي وكان أكبر من وهب توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة والله أعلم. فائدة: وفي حديث ابن مسعود (١) "ما اجتمع حلال وحرام إلا غلب

стр. 5215

الحلال أي إذا امتزج الحرام بالحلال وتعذر تميزهما كالماء والخمر ونحو ذلك صار الجميع حراما قاله في النهاية (١). ٢٦٧٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يُبَالِي الْمَرْء مَا أَخذ أَمن الْحَلَال أم من الْحَرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَزَاد رزين فِيهِ فَإذْ ذَلِك لَا تجاب لَهُم دَعْوَة (٢). ٢٦٧٣ - وَعنهُ ﵁ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس النَّار قَالَ الْفَم والفرج وَسُئِلَ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة قَالَ تقوى الله وَحسن الْخلق رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح غَرِيب (٣). قوله: وعنه تقدم الكلام عليه.

стр. 5216

قوله: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: "الفم والفرج" الحديث المراد بذلك الحرام والزنا. ٢٦٧٤ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء قَالَ قُلْنَا يَا نَبِي الله إِنَّا لنستحيي وَالْحَمْد لله قَالَ لَيْسَ ذَلِك وَلَكِن الاستحياء من الله حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا وعى وَتحفظ الْبَطن وَمَا حوى ولتذكر الْمَوْت والبلى وَمن أَرَادَ الْآخِرَة ترك زِينَة الدُّنْيَا فَمن فعل ذَلِك فقد استحيا من الله حق الْحيَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبان بن إِسْحَاق عَن الصَّباح بن مُحَمَّد قَالَ الْحَافِظ أبان والصباح مُخْتَلف فيهمَا وَقد ضعف الصَّباح بِرَفْعِهِ هَذَا الحَدِيث وَصَوَابه عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا (١). قَوْله تحفظ الْبَطن وَمَا حوى يَعْنِي مَا وضع فِيهِ من طَعَام وشراب حَتَّى

стр. 5217

يَكُونَا من حلهما. قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى البطن وما حوى". قوله: "استحيوا من الله حق الحياء" إلى قوله: "ولكن الاستحياء" ليس حق الحياء أن تقولوا باللسان إنا نستحي أو يكون في قلوبكم الاستحياء من الله ولم تتركوا المناهي بل حقيقة الاستحياء الإتيان بأوامر الله وترك المناهي. قوله: "فليحفظ الرأس وما وعى" يريد والله أعلم ما يحفظه الرأس من السمع والبصر واللسان حتى لا يستعملها إلا فيما يحل. قوله: "والبطن وما حوى" أي ما وضع فيه من طعام وشراب حتى يكونا من حلهما كذا قاله المنذري. ٢٦٧٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تغبطن جَامع المَال من غير حلّه أَو قَالَ من غير حَقه فَإِنَّهُ إِن تصدق بِهِ لم يقبل مِنْهُ وَمَا بَقِي كَانَ زَاده إِلَى النَّار رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق حَنش واسْمه حُسَيْن بن قيس وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ المملي كيفَ وحنش مَتْرُوك وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يعجبنك رحب الذراعين بِالدَّمِ وَلا جَامع المَال من غير حلّه فَإِنَّهُ إِن تصدق لم يقبل مِنْهُ وَمَا بَقِي كَانَ زَاده إِلَى النَّار وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود بِنَحْوِهِ (١).

стр. 5218

قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا تغبطن جامع المال من غير حله" الغبطة التمني، أي من الحرام ورواه البيهقي ولفظه: لا يعجبنك رحب الذراعين بالدم، رحب الذراعين: أي واسع القوة والقدرة والبطش والذرع الوسع والطاقة والذرع بسط اليد ومدها وأصله من الذراع وهو الساعد، ومنه حديث إبراهيم ﵇ "أوحى الله إليه أن ابن لي بيتا فضاق بذاك ذرعا" (١) معنى ضيق الذرع والذراع قصرهما كما أن معنى سعتها وبسطها طولها ووجه التمثيل أن القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع ولا يطيق طاقته فضرب مثلا للذي سقطت قوته دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه قاله: في النهاية (٢). ٢٦٧٦ - وَعَن معَاذ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا تزَال قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فيمَ أفناه وَعَن شبابه فيمَ أبلاه وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن علمه مَاذَا عمل فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ

стр. 5219

من حَدِيث أبي بَرزَة وَصَححهُ وَتقدم هُوَ وَغَيره فِي الْعلم (١). ٢٦٧٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الدُّنْيَا خضرَة حلوة من اكْتسب فِيهَا مَالا من حلّه وأنفقه فِي حَقه أثابه الله عَلَيْهِ وَأوردهُ جنته وَمن اكْتسب فِيهَا مَالا من غير حلّه وأنفقه فِي غير حَقه أحله الله دَار الهوان وَرب متخوض فِي مَال الله وَرَسُوله لَهُ النَّار يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله كلما خبت زدناهم سعيرا الْإِسْرَاء ٧٩ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٢). ٢٦٧٨ - وَعَن جَابر بن عبد الله ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من سحت رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث (٣).

стр. 5220

قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه. ٢٦٧٩ - وَعَن كَعْب بن عجْرَة ﵁ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم وَدم نبتا على سحت النَّار أولى بِهِ يَا كَعْب بن عجْرَة النَّاس غاديان فغاد فِي فكاك نَفسه فمعتقها وغاد موبقها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث وَلَفظ التِّرْمِذِيّ يَا كَعْب بن عجْرَة إِنَّه لا يَرْبُو لحم نبت من سحت إِلَّا كانَت النَّار أولى بِهِ السُّحت بِضَم السِّين وَإِسْكَان الْحَاء وبضمهما أَيْضا هُوَ الْحَرَام وَقيل هُوَ الْخَبيث من المكاسب (١). قوله: ﷺ لكعب بن عجرة: "أنه لا يدخل الجنة لحم بنت من سحت" الحديث السحت هو الحرام، وقيل الخبيث من المكاسب كذا قاله المنذري وقال غيره: هو الحرام الذي لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها وتقدم الكلام عليه أبسط من هذا (فيما سبق). قوله ﷺ : "غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموبقها" أي مهلكها

стр. 5221

تقدم الكلام على ذلك ( ... ) (١). ٢٦٨٠ - وَعَن أبي بكر الصّديق ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة جَسَد غذي بِحرَام رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَبَعض أسانيدهم حسن (٢). وعن أبي بكر الصديق تقدم الكلام عليه. (قوله): "لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام" غذي بضم الغين المعجمة وكسر الذال المعجمة وفتح الياء وتقدم تفسيره في أوائل هذا الباب.

стр. 5222

[الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور] ٢٦٨١ - عَن النُّعْمَان بن بشير ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا مُشْتَبهَات لا يعلمهُنَّ كثير من النَّاس فَمن اتَّقى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات وَقع فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك أَن يرتع فِيهِ أَلا وَإِن لكل ملك حمى أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقلب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١) وَالتِّرْمِذِيّ (٢) وَلَفظه الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَين ذَلِك أُمُور مُشْتَبهَات لَا يدْرِي كثير من النَّاس أَمن الْحَلَال هِيَ أم من الْحَرَام فَمن تَركهَا اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه وقد سلم وَمن وَاقع شَيْئا مِنْهَا يُوشك أَن يواقع الْحَرَام كَمَا أَنه من يرْعَى حول الْحمى أوشك أَن يواقعه أَلا وَإِن لكل ملك حمى أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه وَأَبُو دَاوُد بِاخْتِصَار (٣) وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (٤) أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا أُمُور مُشْتَبهَات وسأضرب لكم فِي ذَلِك مثلا إِن الله حمى حمى وَإِن حمى الله مَا

стр. 5223

حرم وَإنَّهُ من يرتع حول الْحمى يُوشك أَن يخالطه وَإِن من يخالط الرِّيبَة يُوشك أَن يخسر وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (١) الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا أُمُور مشتبهة فَمن ترك مَا شبه عَلَيْهِ من الْإِثْم كَانَ لما استبان أترك وَمن اجترأ على مَا يشك فِيهِ من الْإِثْم أوشك أَن يواقع مَا استبان والمعاصي حمى الله وَمن يرتع حول الْحمى يُوشك أَن يواقعه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس (٢) وَلَفظه الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَين ذَلِك شُبُهَات فَمن أوقع بِهن فَهُوَ قمن أَن يَأْثَم وَمن اجتنبهن فَهُوَ أوفر لدينِهِ كمرتع إِلَى جنب حمى وَحمى الله الْحَرَام. رتع الْحمى إِذا رعى من حوله وَطَاف بِهِ. أوشك بِفَتْح الْألف والشين أَي كَاد وأسرع. واجترأ مَهْمُوز أَي أقدم. وقمن فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هُوَ بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْمِيم أَي جدير وحقيق.

стр. 5224

قوله: عن النعمان بن بشير (١) كنيته: أبو عبد الله النعمان بن بشير الصحابي ابن الصحابي والصحابية، ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الكوفي هذا هو الذي نسبت إليه معرة النعمان لأنه كان مقيما بها أو والياء عليها وأمه عمره بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة وهو أول مولود في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ المدينة وهو أحد الأمراء الذين قتلوا بمؤتة، روي له عن النبي ﷺ مائة حديث وأربعة عشر حديثا ذكر البخاري منها ستة وهو ممن تحمل عن رسول الله ﷺ صبيا وأدى بالغا استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة ثم استعمله يزيد فلما مات يزيد صار زبيريا فخالفه أهل حمص فأخرجوه منها واتبعوه فقتلوه بقرية من قرى حمص غلية وذلك أربع وستين قاله الكرماني (٢) وأبوه بشير بفتح الباء الموحدة وشين معجمه مكسورة ابن سعد الذي قال: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم فكيف نصلي عليك شهد بشير العقبة الثانية وبدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وهو أول أنصاري بايع أبا بكر واستشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر سنة اثنتي عشرة من الهجرة بعد انصرافه من اليمامة.

стр. 5225

قوله ﷺ : "الحلال بين والحرام بين" الحديث قال النووي (١): أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقال جماعة: هو ثلث الإسلام وأن الإسلام يدور عليه وعلى حديث "الأعمال بالنية" وحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقال أبو داود السجستاني: يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة وحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث الثابت منها أربعة ألف حديث وهي ترجع إلى هذه الأحاديث وحديث "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس" وقد جمعها أبو منصور فقال: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعمل بنية قال في المفهم (٢): بل في هذا الحديث علوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها فبين ذلك مجملا وفيه تأليف كامل قال العلماء ﵃: وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي أن يكون حلالا وأرشد إلى معرفة الحلال وأنه ينبغي ترك الشبهات فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعه الشبهات وأوضح ذلك فضرب المثل بالحمى ثم يراهم الأمور وهو مراعاة القلب ﷺ إلا أن في الجسد مضغة إلى

стр. 5226

آخر فبين ﷺ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد بفساده يفسد باقية ا. هـ، فمعنى قوله: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات" أن الأشياء ثلاثة أقسام. القسم الأول: حلال بين واضح لا يخفى حله كأكل الطيبات من الزرع كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن وبهيمة الأنعام ولبن مأكول اللحم وبيضة وشرب الماء شربه لطيبة وغير ذلك من المطعومات ولباس ما يحتاج إليه من القطن أو الكتان أو العوف أو الشعور أو كالنكاح والتسري وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة فهذا حلال بين واضح لا شك في حلة القسم الثاني الحرام المحض البين مثل أكل الميتة، و الدم المسفوح ولحم الخنزير والبول وشرب الخمر والزنى و نكاح المحارم، والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية ولباس الحرير للرجال ومثل الاكتساب المحرم كالربى والميسر وثمن ما لا يحل بيعه وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب وإشهاده ذلك فهذا حرام بين واضح لا يخفي تحريمه. القسم الثالث: المشتبهات فمثل أكل ما اختلف في حله وتحريمه أما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضب وشرب ما أختلف في تحريمه من الأنبذة التي تسكر فكثيرها ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها وأما من المكاسب المختلف فيها كسائل العينة ونحو ذلك وبنحو هذا المعنى فسر الشبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة

стр. 5227

وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه ﷺ الكتاب وفيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) أمروا به ونهوا عنه قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية (٢). قوله ﷺ : "وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس" والمشتبهات ما تردد بينهما فقامت فيه شبهة الحل وشبهة الحرمة (٣) ومعناه أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها وأما العلماء الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك فيعرفون حكمهما بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك فإن تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بأحدهما صار حلالا وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين فيكون الورع تركه ويكون داخلا في قوله ﷺ : "فمن توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" فيه شيء وهو مشتبه فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض وغيره والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب الأصح أنه لا يحكم

стр. 5228

فيها بحل ولا بحرمة ولا إباحة ولا غيرها لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني أن حكمها التحريم والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف (١). تنبيه: قوله ﷺ : "وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس" أي ليست أحكام تلك المشتبهات مفصلة لا تعلم بل يعلمها بعض الناس وهم أولوا العلم والنظر في أحكام الشرع كما تقدم ذكره وفيه إشارة إلى تفضيل العلماء لعلمهم بما لم يعلم غيرهم وحلهم ما أشكل على غيرهم ا. هـ قاله الطوفى (٢). فائدة: وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر (٣) وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه والورع اجتنابه ا. هـ قاله ابن رجب (٤). قوله ﷺ : "فمن اتقى الشبهات" أي اجتنب الشبهات جمع شبهة وهو ما

стр. 5229

يخيل للناظر أنه حجة وليس هو كذلك (١). قوله ﷺ : "استبرأ لدينه وعرضه" استبرأ مهموز وقد يخفف ومعناه احتاط لنفسه وطلب البراءة لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه عن كلام الناس فيه أن يتهم بعدم المبالاة، والعرض بكسر العين فسره في النهاية (٢) بأنه موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحل في عنه أن ينقص ويثلب وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير قاله في التنقيح (٣) ومما يستحب التورع عنه أخذ الأجرة على قراءة القرءان واقرائه وعلى تعليم العلم ومن الشبهة الطعام الذي يغلب على الظن نجاسته كالأطعمة التي تعمل في الأسواق ولعلها لا يتحرزون وعن النجاسة فتركها أفضل كما ذكره بعضهم وكذلك تتعدى الشبهات إلى أبواب الأنكحة حتى لو أخبرته امرأة أنها أرضعته مع زوجته استحب له مفارقة الزوجة وكذلك في الثياب وغيرها والضابط كل موضع قامت فيه علامة ظاهرة فهو موضع الورع وما لم تقم فيه علامة ظاهرة فهو وسواس وتنطع (٤) ا. هـ فالمتدين المتورع إذا أكل على سماط الظلمة نسب إلى قلة تحفظ ووقع

стр. 5230

الناس في عرضه وكذلك إذ يخالط شربه الخمر أو أهل الكتاب ويعاملهم ينسب إلى قلة التحفظ لأن معاملة الذمي تكره لعدم تحرزه عن الربا ومخالطة السكران مكروه ولعدم تحرزه عن النجاسة. قوله ﷺ : "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" الحديث أي من هون على نفسه الوقوع في الشبهات أي السقوط فيها حتى تعود ذلك أي عود نفسه عدم التحرز مما يشتبه فإنه يقع في الحرام لأن الشيطان يستدرج الإنسان ولأنه حام حول حريم الحرام فيقرب أن يواقعه وإنما قال وقع في الحرام تحقيقا لمد أنا ته الوقوع كما يقال من اتبع نفسه هواها فقد هلك، ويحتمل أيضا وجهين. أحدهما: أن من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده وقد يأثم به بذلك إذ أنسب إلى تقصير. والثاني: أن يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويحسد على شبهة ثم شبهة أغلظ منها ثم أخرى أغلظ وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا، وهذا نحو قول السلف المعاصي بريد الكفر أي تسوق إليه عافانا الله من الشر وأهله ا. هـ. قوله ﷺ : "كالراعي يرعى حول الحمى" الحديث وهو المرعى الذي حماه السلطان فمنع منه وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحارم الله تعالى وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها وهكذا محارم الله تعالى لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: "وسأضرب لكم مثلا" ثم ذكر هذا الكرم فجعل النبي ﷺ مثل

стр. 5231

المحرمات كالحمى الذي تحمي الملوك ويمنعون غيرهم من إتيانه قربان وقد جعل النبي ﷺ حول المدينة اثنتي عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجرة ولا يصاد صيده (١) وحمى عمر وعثمان ﵄ أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل رعي إبل الصدقة والله حمى هذه المحرمات منع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٢) وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه فكذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلفه بأن يخالط الحرام المحض ويقع فيه ا. هـ قاله ابن رجب (٣).
следующие страницы →