← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 572–611 · переход к 577.

стр. 572

ومجاهد عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، وكان اسمه عزازيل، فلما عصى الله لعنه وجعله شيطانا مريدا، وسماه إبليس، قالوا: وقول الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ هو (١) أي: من طائفة من الملائكة يقال لهم الجن، وقال الحسن بن عبد الرحمن بن يزيد وشهر بن حوشب: ما كان من الملائكة، والاستثناء منقطع والمعنى عندهم: أن الملائكة وإبليس أمروا بالسجود فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح: أنه من الملائكة لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، والله أعلم، وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة في عقوبته وتكثير معاصيه وغوايته، نسأل الله الكريم اللطف (٢) والعصمة من إغوائه بمحمد وآله (٣). قوله: "فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون فلا يستغفرون"، الأهواء: جمع هوى، واختلفوا في تفسيره، فقيل: الهوى هو:

стр. 573

ميل النفس وشهواتها (١)، وقيل: الهوى محبة اللذة بالمراد ولذلك لا يكون إلا مذموما، قال ابن عباس: الهوى إله معبود ثم تلا قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٢) (٣)، وإنما سمى الهوى هو لأنه يهوى بصاحبه في النار أو لأنه يجعل القلب في الهوى لا يستقر كذا نقله القرطبي عن الشعبي (٤). ٩٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لكل عمل شرة وَلكُل شرة فَتْرَة فَمن كَانَت فترته إِلَى سنتي فقد اهْتَدَى وَمن كَانَت فترته إِلَى غير ذَلِك فقد هلك رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (٥)

стр. 574

وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضًا (١) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لكل عمل شرة وَلكُل شرة فَتْرَة فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَادًّا وَقَارِبًا، فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأصَابِعِ، فَلَا تَعُدُّوهُ. الشرة: بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء بعْدهَا تَاء تَأْنِيث هِيَ النشاط والهمة وشرة الشَّبَاب أَوله وحدته. قوله: عن عبد الله بن عمر، وتقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى" الحديث، الشرة: بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء وبعدها تاء تأنيث هي النشاط والهمة، وشرة الشباب أوله وحدته، انتهى، قاله المنذري. قوله: في رواية ابن حبان: "فإن كان صاحبها سادا وقاربا فارجوه وإن أشير إليه إليه بالأصابع، فلا تعدوه" ومعنى ذلك: أن من كان مستقيمًا متوسطًا في العمل من غير علو ولا تقصير وسدد أي جعل عملًا متوسطًا، وقارب أي دنى من الاستواء غلو غلو ولا تقصير وسدد أى جعل عمله متوسطا و (قارب)؛ أي: دنا من الاستواء والاستقامة فارجوه، أي: كونوا منه على رجاء الخير، ومن بالغ في العمل وأتعب نفسه وأشير إليه بالأصابع فلا تعدوه

стр. 575

صالحًا فإنه لا قدرة له على المداومة لحصول الملل وافتتانه له بإشارة الناس إليه بالأصابع، وروى الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بحسب ابن آدم من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصمه الله تعالى" (١) انتهى، قاله في التنقيح على المصابيح (٢). تنبيه: قيل للحسن البصري إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع، فقال: لم يعن ذلك النبي ﷺ إنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في زمانه (٣)، قيل: معنى الحديث تحذير من يشار إليه أن يغتر بما يمدح به من خير وهو يعلم من نفسه غير ذلك، والله أعلم. ٩١ - وَعَن أنس ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني رَوَاه مسلم (٤). قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على ترجمته.

стр. 576

قوله ﷺ : "فمن رغب عن سنتي فليس مني" الحديث، والأصل في السنة: الطريقة والسيرة، وإذا أضاف السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه، وندبه قولا وفعلا مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة أي: القرآن والحديث (١). واعلم أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن وهي أحد وجوه الوحي وكانت تنزل على أنواع أخرى منها رؤية الملك وتكليمه، ومنها: رؤية النوم ويعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٢) ولما كان نبينا ﷺ لا ينطق عن الهوى كان تحريمه كتحريم الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، ومنها: النفث في الروع وهو العقل والقلب (٥). قوله: رواه مسلم، هو. الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري من بني قشير، قبيلة من العرب معروفة النيسابوري، منسوب إلى نيسابور بفتح النون من أعظم مدن خراسان، وخراسان إقليم عظيم معروف،

стр. 577

قال أبو الفتح الهمداني: يقال له أيضًا خرسان بحذف الألف وإسكان الراء، وقال عبد القادر الرهاوي في كتابه الأربعين قال: أمهات مدائن خراسان أربع نيسابور ومرو وبلخ وهراه، وإنما قيل لها نيسابور لأن سابور لما رآها قال: يصلح أن تكون هنا مدينة، وكانت قصبان مرتفعة وأن تبنى مدينة، فقيل: نيسابور القصب، فالإمام مسلم صاحب التصانيف أحد الأئمة الحفاظ في هذه الصناعة، وقد أعظم الله به النفع للمسلمين ورفع له وللبخاري ذكرا صالحا في الغابرين، وقد أجمع الخلائق على جلالته وأمانته وعلو مرتبته، ومن أكبر الدلائل على جلالته وورعه كتاب الصحيح الذي لم يوجد في كتاب بعده ولا قبله مثله، صنف مسلم ﵀ في علم الحديث كتبا كثيرة، منها: هذا الكتاب الصحيح الذي منَّ الله العظيم وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين، أبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا إلى يوم الدين، يقال: إنه ولد سنة أربع ومائتين، وجزم ابن الأثير في جامعه أنه ولد سنة ست ومائتين، وأنه توفي عشية يوم الأحد لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، رحل إلى العراق والشام والحجاز ومصر، ولقد أخذ الحديث عن إسحاق بن راهويه والإمام أحمد بن حنبل وحرملة، وقد بغداد غير مرة وحدث بها، وكان قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين، روى عنه الترمذي حديثا واحدا، قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة الرازي وأبا حاتم يعدان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما، وسئل ابن عقدة: أيهما أحفظ هو أم البخاري،

стр. 578

فقال: كلاهما عالم، فأعيد عليه السؤال، فقال: يقع لمحمد يعني البخاري الغلط في أهل الشام، وأما مسلم فقل ما يوجد له غلط في النقل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل، قال مسلم بن الحجاج: صنفت تدوين الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة، قال أحمد بن سلمة: كتبت مع مسلم في تأليف صحيحة خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديت، واتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز صحيح البخاري. وصحيح مسلم، وكتاب البخاري أصح منه عند الجمهور، وأكثر فوائد هذا مذهب جمهور العلماء، لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد ونحوها أجود، وينبغي لكل راغب في علم الحديث أن يعتني به ويتفطن إلى تلك الدقائق فيرى فيها العجائب من المحاسن واللطائف الظاهرات والخفيات وقل من يساويه، وخالف أبو علي النيسابوري، فقال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم ووافقه على ذلك بعض شيوخ العرب، والصحيح الأول (١)، والله أعلم، قاله في مختصر مجمع الأحباب. ٩٢ - وَعَن عَمْرو بن عَوْف ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لِبلَال بن الْحَارِث يَوْمًا اعْلَم يَا بِلَال قَالَ مَا أعلم يَا رَسُول الله قَالَ اعْلَم أَن من أَحْيَا سنة من سنتي أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الأجر مثل من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن ابتدع بِدعَة ضَلَالَة لا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل آثام من عمل بهَا لا ينقص ذَلِك من أوزار النَّاس شَيْئا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه

стр. 579

كِلَاهُمَا من طَرِيق كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن (١). قَالَ الْحَافِظ بن كثير بن عبد الله مَتْرُوك رَوَاهُ كمَا تقدم وَلَكِن للْحَدِيث شَوَاهِد. قوله: عن عمرو بن عوف، هو عمرو بن عوف (بن زيد بن مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى أبو عبد الله، كان قديم الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله ﷺ ، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان أحد البكائين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (٢). توفى في آخر خلافة معاوية. له عن النبي ﷺ أحاديث. ومزينة التي ينسبون إليها هي أم أولاد عثمان بن عمرو (٣). قوله: إن رسول الله ﷺ قال لبلال بن الحارث يومًا: اعلم يا بلال، الحديث، هو أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث بن عاصم بن سعيد بن قرة بن حلاوة المزني، نسب إلى أمه مزينة، وبلال هذا مدني، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان يسكن جبليهم الأشعر والأجرد، ويأتي

стр. 580

المدينة كثيرًا، وفد إلى رسول الله ﷺ في وفد مزينة في شهر رجب سنة خمس من الهجرة، وكان يحمل لواء مزينة يوم فتح مكة، ثم سكن البصرة، وتوفي سنة ستين، وهو ابن ثمانين سنة أقطعه النبي ﷺ المعادن القبلية (١)، والقبلية بفتح القاف والباء معا اسم موضع، قيل منسوبه إلى ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وهي من الفرع، والفرع: بضم الفاء بلد، وقيل: الفرع موضع بينه وبين مدينة النبي ﷺ خمسة فراسخ، أعطى النبي ﷺ معادن القبيلة بلال بن الحارث ليعمل فيها ويخرج منها الذهب والفضة لنفسه، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم (٢)، وإنما أقطع بلالا المعادن وهو من أهل المدينة، وأهل المدينة أسلموا راغبين غير مكروهين، ومن أسلم على شيء فهو له لحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ [لما قدم المدينة] جعلوا له كل أرض لم يبلغها الماء يصنع فيها [ما شاء] لأنه من أرض مزينة، لأنه لم يكن من المدينة، وفي هذا الحديث: إقطاع الإمام وهو جائز فيها لا ملك عليه لأحد من موات الأرض يقطعه من رأى من الخير والنفع للمسلمين (٣). قوله: كالفيء يضعه حيث يراه فيما هو للمسلمين نفعًا، ويكون بقدر ما يقوم به المرء وعماله، ولا خلاف بين العلماء أن الإمام لا يجوز ما ملك

стр. 581

بالإحياء أو غيره مما يصح به الملك ومسارح القوم التي لأغنامهم ومواشيهم لا يجوز للإمام أن يقطعها أحدا لأنها تجري مجرى الملك المعين (١). أعجوبة غريبة: في الطبراني الكبير عن بلال بن الحارث قال: خرجنا مع رسول ال ﷺ في بعض أسفاره فخرج لحاجته فأتيته بإداوة من ماء فسمعت عنده خصومة ولغطا لم أسمع مثلها، فقال: "اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون، فسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المسلمين الجلس وأسكنت المشركين الغور" (٢) فيه كثير المزني ضعيف، وقال (٣): الجلس القرى والجبال، والغور ما بين الجبال والبحار، قال: ما رأينا أحدا أصيب بالجلس إلا سلم وما أصيب أحد بالغور إلا لم يسلم، قاله في حياة الحيوان (٤)، روى بلال بن الحارث عن رسول الله ثمانية أحاديث (٥)، انتهى. قوله ﷺ لبلال بن الحارث: "اعلم أن من أحيى سنة من سنتي أميتت بعدي" الحديث، المراد بإحياء السنة: العمل بها بنفسه أو حث الغير على

стр. 582

العمل بها (١)، والإماتة على ضد ذلك يقول: "من أحيا سنة من سنتي تركت" لم يعمل بها فمن أظهرها وعمل بها أو دعا أحدًا إلى العمل بها فله من الأجر مثل أجور العامل بها وافيًا، وعلى ضد هذا ثم أحدث بدعة ضلالة (٢)، والله أعلم. قوله: "ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله " فعلم من قوله بدعة ضلالة أن البدعة نوعان: بدعة حسنة وبدعة سيئة، فالبدعة الحسنة ما جوزها الأئمة من المسلمين مثل الآذان الثاني في يوم الجمعة والتأذين على المنارة، والبدعة السيئة ما أنكرها أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتجصيصها وغير ذلك (٣)، والله أعلم. قوله: رواه الترمذي وقال: حديث حسن معترض عليه فإن كثير بن عبد الله هذا واه، وقال أبو داود: كذاب، وضرب الإمام أحمد على حديثه في المسند ولم يحدث به، قاله في الديباجة (٤). فائدة: الترمذي هو الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف الجامع وكتالب العلل تصنيف رجل متقن، وبه كان

стр. 583

يضرب المثل، تلمذ لمحمد بن إسماعيل البخاري وشركه في جماعة من شيوخه، سمع بالحجاز من محمد بن أبي عمر المعدني، وبالبصرة من محمد بن بشار ومن محمد بن المثنى وغيرهما، وبواسط من أبي الشعثاء علي بن الحسن، وبالكوفة من أبي كريب محمد بن العلاء ومحمد بن عثمان بن كرامة، وروى عنه أنه قال: صنفت هذا الكتاب يعني المسند الصحيح وعرضته على علماء خراسان فرضوا به وعرضته على علماء الحجاز وعرضته على علماء العراق فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما كان في بيته نبي يتكلم، وروي عن عبد الله بن محمد الأنصاري أنه قال: كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم، قيل: لم؟ قال: لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا أن يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد ضم أحاديث وبيَّنها فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وتوفي بترمذ ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (١)، انتهى، قاله في شرح الإمام، والله أعلم. ٩٣ - وَعَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لقد تركتكم على مثل الْبَيْضَاء لَيْلهَا كنهارها لَا يزِيغ [بَعْدِي] عَنْهَا إِلَّا هَالك رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة بِإِسْنَاد حسن (٢).

стр. 584

قوله: عن العرباض بن سارية، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" الحديث، المراد بالبيضاء الشريعة، يعني على شريعة كاملة نقية لا خفاء فيها، وقوله: "لا يزيغ عنها إلا هالك" الزيغ: الميل، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (١) الآية، قال ابن عطية في تفسيره (٢): التوبة من الله تعالى رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، وقد يكون في الأكثر رجوعا عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وقد يكون رجوعا من طاعة إلى أكمل منها، توبته في هذه الآية على نبيه ﷺ لأنه رجع به من حالة إلى حالة أكمل منها، وأما توبته على المهاجرين والأنصار فهو الرجوع بهم من التقصير إلى الطاعة والجد في الغدو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد قلوبهم فرجوع من حالة محطوطة إلى حالة غفران ورضوان، وأما الزيغ الذي كادت قلوب فريق منهم أن تواقعه فهو فرقة همت بالانصراف لما وجدوا من المشقة، والزيغ الميل كما تقدم، قاله في الديباجة. ٩٤ - وَعَن عَمْرو بن زُرَارَة قَالَ: وقف عَليّ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود وَأَنا أقص فَقَالَ: يَا عَمْرو لقد ابتدعت بِدعَة ضَلَالَة أَو إِنَّك لأهدى من مُحَمَّد وَأَصْحَابه فَلَقَد رَأَيْتهمْ تفَرقُوا عني حَتَّى رَأَيْت مَكَاني مَا فِيهِ أحد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ

стр. 585

فِي الْكَبِير بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح (١). قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَتَأْتِي أَحَادِيث مُتَفَرِّقَة من هَذَا النَّوْع فِي هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن عمرو بن زرارة، هو: عمرو بن زرارة بن (قيس بن عمرو النخعي من أهل الكوفة، أدرك عصر النبي ﷺ ، وكان ممن سيره عثمان بن عفان من الكوفة إلى دمشق روى عنه ابنه سعيد بن عمرو وأبو إسحاق السبيعي). قوله: وقف عَليّ عبد الله بْن مَسْعُود وَأَنا أقص، فَقَالَ: يَا عَمْرو لقد ابتدعت بِدعَة ما أَو إِنَّك لأهدى من مُحَمَّد ﷺ وَأَصْحَابه فَلَقَد رَأَيْتهمْ تفَرقُوا عني حَتَّى رَأَيْت مَكَاني مَا فِيهِ أحد، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن مسعود وعلى البدعة الضالة، قال بعض العلماء ﵃: أما بعد، تسليم الاحتجاج بهذه الأخبار يعني التي أدت لحديث ابن مسعود يعني هذا مع عمرو بن زرارة فليس فيه تصريح بالنهي عن القص فلعله سمعه يقول ما يخاف أن يؤدي إلى فتنة في النفوس، فقال له ما قال لأجل ذلك، فإن عمر ﵁ أفضل من ابن مسعود، وقد أذن لتميم الداري في القصِّ عليه حيث لا يخشى فيه فتنة دينية ولو كان القص منكرا لم يجز ذلك، ولم يفعله عمر

стр. 586

- ﵁، وهذا الجواب عن كل منكر مخالف لذلك، وفي معجم الطبراني الكبير من رواية عمرو بن دينار أن تميما الداري استأذن عمر في القصص فأبى أن يأذن له تم استأذنه فأبى أن يأذن له ثم استأذنه فقال: إن شئت وأومأ بيده يعني الذبح، ورجال إسناده ثقات، فانظر توقف عمر في إذنه في حق رجل من الصحابة الذين كل واحد منهم عدل مؤتمن وأين مثل تميم في التابعين ومن بعدهم، فلو كان القص منكرا لم يقره عمر وهو يعلمه، فضلا عن أن يأذن فيه، لكن عمل بإذنه وأقره عليه فليس بمحدث ضلالة ولا منكر، فالقاص المبتدع من ليس في قصه أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر أو بيانا لكتاب الله أو من قصه لكن لم يخلص نيته في ذلك ولم يجب عليه لعدم الحاجة إلى ذلك منه، وأما من قصه أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو بيانا لكتاب الله فهو مأمور بذلك من الله ورسوله على الوجوب أن يم يقم بذلك غيره قياما يغني عن قيامه هو به، وقد أشار عمر إلى تميم لما سأله أن يقص بأنه الذبح لما يخشى عليه من الترفع عليهم والإعجاب (١)، ولو كان نفس القص مهلكة عند عمر لما أذن فيه ولا أقر عليهم، والله أعلم. وقيل (٢): المتكلمون على الناس ثلاثة أصناف: مذكر وواعظ وقاص؛ فالمذكر: الذي يذكر الثاس آلاء الله ونعماءه ويبعثهم به على الشكر؛ والواعظ: يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته فيردعهم به عن المعاصي؛

стр. 587

والقاص: هو الذي يروي لهم أخبار الماضيين ويسرد عليهم القصص ولا يأمن أن يزيد فيها أو ينقص، والمذكر والواعظ مأمون عليهم ذلك. وقال النووي في شرح المهذب في باب الاعتكاف (١): قال الشافعي قدس الله سره في الأم والجامع الكبير: لا بأس أن يقص في المسجد لأن في القصص وعظ وتذكير، قال: وأما الحديث المباح فالأولى تركه في المسجد، فإن فعل فلا بأس، وهذا الذي قاله الشافعي محمول على قراءة الأحاديث المشهورة والمغازي والرقائق ونحوها مما ليس فيه موضوع، ولا يحتمله عقوق العامة، ولا ما ذكره أهل التواريخ والقصص من يقص الأنبياء وحكاياتهم فيها أن بعض الأنبياء جرى له فيها كذا وكذا فإن هذا كله يمنع منه، هذا كلامه، وفيه تصريح بأنه لا يجوز التحدث بالقصص والحكايات الموضوعة كسيرة عنترة والبطال ونحوهما، والله أعلم.

стр. 588

خاتمة الباب قال ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس (١): ومن تلبيس إبليس على الفقهاء أن يحسن ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون من هؤلاء قصاص ومراد الشيطان (أن) يمنحهم من الحضور عند القصاص في موضع يلين فيه القلب ويخشع، والقصاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الله تعالى قال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ (٣) لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم الخلط فيما يورده، وربما اعتمد على ما أكثره محال، فأما إذا كان القصص صدقا ويوجب وعظا، فهو ممدوح، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاص مدون، وقد كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر ابن عمر ﵁ مجلس عبيد الله بن عمير، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص، ثم [خست] هذه الصناعة فتعرض لها الجهال فبعد عنهم المميزون من الناس وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يعجب الجهلة، وتنوعت البدع في هذا الفن.

стр. 589

وفي حديث ابن عمر أنه دخل المسجد فرأى قاصًا صياحًا فقال: اخفض صوتك: ألم تعلم أن الله تعالى بغض كل شحاج، الشحاج: رفع الصوت، وقد شحج فهو شحاج (١)، انتهى.

стр. 590

[التَّرْغِيب فِي الْبدَاءَة بِالْخَيرِ ليستن بِهِ والترهيب من الْبدَاءَة بِالشَّرِّ خوف أَن يستن بِهِ] البداية: لحن، وصوابه: البداءة بضم الباء والمد، والبداءة بفتح الباء وإسكان الدال والقصر، والبدوءة بالضم والمد، انتهى، قاله النووي في تخييره (١). ٩٥ - عَن جرير ﷺ قَالَ كنَّا فِي صدر النَّهَار عِنْد رَسُول الله ﷺ فَجَاءَهُ قوم غزَاة مجتابي النمار والعباء متقلدي السيوف عامتهم من مُضر بل كلهم من مُضر فتمعر وَجه رَسُول الله ﷺ لما رأى مَا بهم من الْفَاقَة فَدخل ثمَّ خرج فَأمر بِلَالًا فَأذن وَأقَام فصلى ثمَّ خطب فَقَالَ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخر الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) وَالْآيَة الَّتِي فِي الْحَشْر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٣) تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثَوْبه من صَاع بره من صَاع تمره حَتَّى قَالَ وَلَو بشق تَمْرَة قَالَ فجَاء رجل من الْأَنْصَار بصرة كَادَت كَفه تعجز عَنْهَا بل قد عجزت قَالَ ثمَّ تتَابع النَّاس حَتَّى رَأَيْت كومين من طَعَام وَثيَاب حَتَّى رَأَيْت وَجه رَسُول ال ﷺ يَتَهَلَّل كَأَنَّهُ مذهبَة

стр. 591

فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء رَوَاهُ مسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ بِاخْتِصَار الْقِصَّة (١). قَوْله: مجتابي هُوَ بِالْجِيم الساكنة ثمَّ تَاء مثناة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة والنمار جمع نمرة وَهِي كسَاء من صوف مخطط أَي لابسي النمار قد خرقوها فِي رؤوسهم والجوب الْقطع وَقَوله: تمعر هُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة أَي تغير. وَقَوله: كَأَنَّهُ مذهبَة ضَبطه بعض الْحفاظ بدال مُهْملَة وهاء مَضْمُومَة وَنون وَضَبطه بَعضهم بذال مُعْجمَة وبفتح الْهَاء وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَمَعْنَاهُ على كلا التَّقْدِيرَيْنِ ظهر الْبشر فِي وَجهه ﷺ حَتَّى استنار وأشرق من السرُور والمذهبة صحيفَة منقشة بِالذَّهَب أَو ورقة من القرطاس مطلية بِالذَّهَب يصف حسنه وتلألؤه ﷺ . قوله: عن جَرير، هو بفتح الجيم، وكنيته: أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله. فهو جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي بالمهملتين الكوفي، والبجلي: منسوب إلى بجلة بفتح الباء الموحدة، وهي بنت صعب بن سعد العشيرة أم ولد، تنسب إليها القبيلة المعروفة، نزل جرير الكوفة ثم تحول إلى

стр. 592

قرقيسيا، وتوفي بها سنة إحدى وخمسين، قال ابن قتيبة: دخل جرير المدينة على رسول الله ﷺ في رمضان سنة عشر من الهجرة فبايعه وأسلم وكان إسلامه في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، وقيل: إن رسول الله ﷺ بسط الرداء وأكرمه وقال: "إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه"، وكان جرير بديع الجمال صحيح الإسلام مليح الصورة، كأنَّ على وجهه شقة قمر، وكان سيد قومه، وكان عمر بن الخطاب ﷺ يقول: جرير يوسف هذه الأمة بحسنة، وكان جرير كبير القدم طويل القامة يصل إلى سنام البعير وكان نعله ذراعًا وكان يخضب لحيته إذا دخل الليل ويغسلها بالنهار إذا أصبح، وبعثه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رسولا إلى معاوية لدخل في الطاعة، فلما لم يدخل فيها دخل فيها المهاجرون والأنصار، وصَالحُ المؤمنين كان جرير تلك الحروب والفتن، فلم يحضر في شيء منها، وأقام بالجزيرة ونواحيها، وقال جرير: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة على صدري، فقال: "اللهم ثبته واجعله مهديًا" روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، ومناقبه كثيرة مشهورة (١)، والله أعلم. قوله: فجاءه في صدر النهار عند رسول الله ﷺ ، الحديث، صدر النهار: أوله. قوله: فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، العراة: جمع عار،

стр. 593

ومجتابي النمار أو العباء كأنه شك من الراوي، أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم، والجوب القطع، انتهى، قاله المنذري، يقال: اجتبت القمص والغلام، أي: دخلت فيهما، وكل شيء قطع وسطه، فهو مجوب ومجوت، وبه سمي جيب القميص، ومنه حديث علي ﵁ "أخذت إهابًا معطونًا فجوبت وسطه وأدخلته في عنقي" (١)، وسيأتي الكلام على حديث علي في محله، فالاجتباب تقوير موضع دخول رأس الإنسان من الثوب، ويسمي ذلك الموضع المقور من الثوب جيبًا (٢)، والاجتباب: القطع والخرق، ومنه قوله تعالى: (جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (٣) أي: نحتوه وقطعوه (٤)، والنمار: جمع نمرة وهي كساء من صوف مخطط، انتهى، قاله المنذري؛ وقال بعض العلماء: كل شملة مخططة من مآزر العرب كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض، وهي من الصفات له، أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططه من صوف (٥). فجاء هؤلاء القوم وقد فتحوا فيها جيوبا أدخلوا منها رؤوسهم فلبسوها، يصف سوء حالهم، وإنما يفعل ذلك عند الحاجة، وقد فسر الخطابي (٦) بأنهم

стр. 594

قطعوا النمار قطعا وشقوها أزرًا لحاجتهم (١)، والعباء بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان مشهورتان، قال ابن السكيت: الأكثر المد، ضرب من الأكسية غلاظ مخطط، وقد يقع على الواحد لأنه جنس، انتهى، قاله ابن الأثير وغيره (٢). قوله: متقلدي السيوف، والتقليد: جعل نجاد السيف على المنكب، قاله الكرماني (٣). قوله: عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، مضر: اسم قبيلة من قبائل العرب، أبوهم: إلياس، ولقبه: قيس بن مضر. قوله: فتمعر وجه رسول الله ﷺ ، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: تغير، وقال بعض العلماء أي تغير وانقبض كراهية لذلك، والأصل فيه قلة النضارة وعدم إشراق اللون مأخوذ من قوله: مكان أمعر وهو الجدب الذي ليس فيه خصب (٤)، وقيل: أصله من المعر وهو ذهاب الشعر فكأنه ذهاب الدم من الوجه. قوله: لما رأى بهم من الفاقة، والفاقة: الفقر والاحتياج. قوله: فصلى ثم خطب، أي: صعد منبرًا صغيرًا، وفي كتاب الديباجة أن هذه الخطبة كانت بعد صلاة الظهر (٥)، وفي خطبة النبي ﷺ دليل على

стр. 595

استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على مصالحهم وتحذيرهم من القبائح (١). قوله ﷺ : "فقال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (٢) الآية"، وتلاوته ﷺ : (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) الآية. تنبيه: للصحابة ﵃ على أنهم كنفس واحدة إذ كانوا مخلوقين من نفس واحدة فينبغي لهم أن يواسي بعضهم بعضًا ولأنها أبلغ في الحث بالصدقة عليهم لما فيها من تأكد الحق لكونهم أخوة (٣)، هالى هذا المعنى أشار النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "إن المؤمنين في مثل توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعي سائر الجسد بالحمى والسهر" (٤) وفي معناه الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٥) ولهذا المعنى قال العلماء ﵃: إذا قحط في إقليم من مقاليم الإسلام ينبغي لغيرهم أن يستسقوا لهم فإن المسلمين كنفس واحدة، يؤيد ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (٦) وتلاوته ﷺ : (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (٧) فيه من

стр. 596

الحث على الصدقة وإن كان لفظ الآية عاما في الصدقة وغيرها من أنواع الخير، انتهى، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام. قوله ﷺ : "تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة" الحديث، أي: ليتصدق الرجل، لفظه الخبر ومعناه الأمر (١)، ومثله قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) (٢) أي: ليتربصن وهو من كلام العرب، يعبرون عن الأمر بالخبر مبالغة في تحقيق الطلب، وفيه: الحث على الصدقة، وإن كان المال في غاية القلة ألا تراه ذكر الصاع والدرهم فقال: من ديناره من درهمه حتى قال: ولو بشق تمرة، وشق التمرة جانبها على أنه قد جاء في الحديث أنه ﷺ سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل (٣)، وأشار إلى أن المتصدق إذا قلّ، ماله كان أكثر أجرًا من متصدق كثرت أمواله لأن في تصدق المقل قهرا للنفس وتركا للشهوة وتفويضا وتوكلا على الله تعالى، وإليه أشار بقوله ﷺ :

стр. 597

"سبق درهم مائة ألف درهم" (١) وسيأتي الكلام على معناه في الصدقة إن شاء الله، فإن قيل: قد ثبت عنه ﷺ قال: "وإنما الصدقة عن ظهر غنى" (٢) وثبت عنه ﷺ أنه قال لكعب بن مالك: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" (٣)، قلنا: قوله ﷺ : "وإنما الصدقة عن غنى"، فليس بينه وبين قوله حين سئل أي الصدقة أفضل، قال: "جهد المقل" منافاة إذا أراد إخراج ما تفتقر الحاجة إليه، وإن كان شيئًا يسيرًا؛ وأما قوله ﷺ لكعب بن مالك: "أمسك عليك بعض مالك" فهو منطبق على ما ذكرناه من إمساك ما يحتاج إليه في نفقته ونفقة من يقوته وفضل دين إن كان، فإن قيل: قد ثبت أن الصديق ﵁ خرج من ماله بأسره حتى تخلل بعباءة فلم ينكره رسول الله ﷺ ، قلنا: الناس يتفاوتون في التوكل، وأين رتبة كعب بن مالك من رتبة الصديق ﵁، فلما كان كعب بن مالك ممن لا يثبت على القلة، قلت له: امسك عليه بعض مالك، ولما كان الصديق ﵁ قد انتهى له الغاية القصوى في التوكل والثقة بما عند الله تعالى أقره رسول الله ﵁ على الخروج من الدنيا، وقد ثبت عن

стр. 598

رسول الله أنه قال: "لم يفضل أبو بكر بكثرة صلاة ولا صوم ولكن بشيء وقر في قلبه" وفي رواية: "لسر وقر في صدره" أي: سكن فيه وثبت من الوقار والحلم والرزانة، وقد وقر وقارا، قاله في النهاية (١)، وروى البغوي بإسناده في معالم التنزيل: إن أبا بكر الصديق ﵁ لما خرج مهاجرا نزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: إن رب العالمين يقرأ على أبي بكر السلام ويقول له: "هل أنت راض عني في فقرك هذا أم ساخط" فبكى أبو بكر ﷺ وقال: أسخط على ربي أنا راضٍ أنا راضٍ قالها ثلاثًا (٢)، قاله ابن عقيل في شرح الأحكام (٣). قوله: فجاء رجل من الأنصار كادت كفه تعجز عنها؛ الأنصار: هم الذين آووا رسول الله ﵁ ونصروه لما هاجر إلى المدينة، والأفصح في (تعجز)

стр. 599

كسر الجيم وفي الماضي الفتح، هذه اللغة الفصحى، ومنه قوله تعالى: (يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ) (١). قوله: ثم تتابع الناس، تتابع الناس هو بالباء الموحدة، قال أهل اللغة: التتابع بالباء الموحدة في الخير (والتتايع) بالياء المثناة من تحت في الشر (٢)، قال أبو الطفيل عامر بن واثلة صاحب رسول الله ﷺ : وَمَا شَابَ رَأْسِي مِنْ سِنِينَ تَتَابَعتْ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ شَيّبَتْنِي الْوَقَائِعُ (٣) قوله: حتى رأيت كومين من طعام، الحديث؛ هو بفتح الكاف وضمها، أي جبلين، قال عياض ﵀: ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم، قال أبو مروان بن سراج بالضم اسم لما كُوِّم، وبالفتح المرة الواحدة، قال: والكومة بالضم الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء، والكوم المكان المرتفع، قال عياض: والفتح هنا أولى لأنه المقصود هنا لأن مقصوده الكثرة (٤). قوله: حتى رأيت وجه رسول الله تهلل، الحديث، أي: استنار فرحًا وسرورًا، أما سبب سروره ﷺ ففرحًا لمبادرة المسلمين لطاعة الله تعالى وبذل أموالهم لله تعالى وامتثالهم أمر رسول الله ﷺ ولدفع هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين بعضهم على بعض وتعاونهم على البر والتقوى، وينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا

стр. 600

من هذا القبيل أن يفرح ويظهر السرور، ويكون فرحة لما ذكرناه، وبما حصل من الأجر للصحابة ﵃ (١). قوله: كأنه مذهبة، قال الحافظ: ضبطه بعض الحفاظ بدال مهملة وهاء مضمومة ونون، انتهى، والمذهبة: تأنيث المذهب، والمذهب: نقرة في الجبل يجتمع فيها ماء المطر، شبه صفاء وجهه الكريم بإشراق السرور عليه بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر والمذهب أيضًا؛ والمذهبة: الإناء الذي يذهب فيه أي: ما يجعل فيه الذهب، فيكون قد شبه وجهه الكريم بصفاء الدهن، انتهى، قال الحافظ ﵀: وضبطه بعضهم بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة وهو الصحيح المشهور، وعليه اقتصر الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" (٢). قوله: وقال أبو القاسم الأصبهاني في كتابه (٣): والمذهبة صحيفة مشتقة بالذهب أو ورقة من القرطاس مطلية بالذهب، انتهى، وقال بعض العلماء: المذهبة من الشيء المذهب، وهو: المموه بالذهب أو من قولهم: فرس مذهب إذا علت حموته البقرة والأنثى مذهبة، وإنما خص الأنثى بالذكر لأنها أصفى لونًا وأرق بشرة، قاله في النهاية (٤)، وفي حديث آخر: "كأن وجهه ورقة

стр. 601

مصحف" يريد في حسنه ووضاءته كما في الحديث الآخر: "كأنها مذهبة" قيل: وهي إشارة إلى بياضه الممتزج بصفرة كلون الذرة، ويحتمل أنه يريد بها كأنه فضة مذهبة، أي: الذهب كما قال الشاعر: كأنها فضة يعلوها ذهب، فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه. قوله: أبو القاسم الأصبهاني، الأصبهاني بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة والهاء في آخره نون (هذه) النسبة إلى أشهر بلدة بالجبال، زاد الرشاطي في الأنساب أن بأصبهان (قرية فرسان) ولذلك يكتبها بعضهم بالفاء وهي بالفارسية راية الفرسان ولم يكن (يحمل لواء) الملك إلا أهل أصبهان، وقيل: سميت بأصبهان بن نوح الذي بناها، انتهى، إنما قيل لهذا على ما سمعت بعضهم أنها تسمى بالعجمية سباهان وسباه: العسكر وهان: الجمع، وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة بهذا الموضع مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز فعرب، فقيل أصبهان، خرج منها كثير من العلماء في كل فن (١). ٩٦ - وَعَن حُذَيْفَة ﵁: قَالَ: سَأَلَ رجل على عهد رَسُول الله ﷺ فَأمْسك الْقَوْم ثمَّ إِن رجلا أعطَاهُ فَأعْطى الْقَوْم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من سنّ خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمثل أجور من تبعه غير منقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم

стр. 602

شَيْئًا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هريرة (٢). قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة" الحديث، أي: أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها فله أجره، وفي عامة نسخ المصابيح فله أجران، وهو غير سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب "أجره"، والضمير يعود إلى من صاحب الطريقة أي: له أجر عمله وأجر من عمل بسنته (٣)، كذا قاله في شرح مشارق الأنوار، فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير

стр. 603

من اختراع الأباطيل [والمستقبحات] (١)، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله فجاء رجل بصرة كادت (كفه تعجر) عنها بل قد عجزت، فتتابع الناس فكان هذا الفضل العظيم للباديء هذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان (٢). والتقييد بقوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة" يقتضي أنما صدر في الكفر من الخير لا أجر له فيه، واحتج بعض الفضلاء على أن من يؤتي به من أنواع البر لا يوصف بالبدعة وإن لم يكن يقع مثله في زمن النبي ﷺ (٣). قال ابن بطال شارح البخاري: إن الكافر إذا فعل أفعالا جميلة على جهة القرب لله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق وغير ذلك، ثم أسلم يكتب له كل ذلك ويثاب عليه إذا مات على الإسلام، وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به فوجب فعله، انتهى (٤). وقال غيره من العلماء: ولو صام الكافر في حال كفره لم يصح بلا خلاف سواء أسلم بعد ذلك أم لا، بخلاف ما إذا تصدق في كفره ثم أسلم فإن الصحيح أنه يثاب عليها لقوله ﷺ : "أسلمت على ما أسلفت من خير" (٥) انتهى.

стр. 604

تنبيه: ابن بطال، كنيته: أبو الحسن علي بن خليفة بن بطال القرطبي شارح البخاري، توفي ﵀ سنة تسع وأربعين وأربع مائة، وهو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر، والله أعلم. وفي الحديث وهو حديث حسن بيان كرم الله تعالى حيث جعل لفاعل السنة أجور كل من اقتدى به فيها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن هذا تظهر عظمة النبي ﷺ (وما له من أجر) فإنه ﷺ سن للناس سننًا لا تدخل تحت الإحصاء فهم يعملون به إلى يوم القيامة، والأجور مستمرة للنبي ﷺ من غير أن ينقص من أجورهم شيء، والله أعلم. قوله: وعن حذيفة، هو: ابن اليمان، كنيته: أبو عبد الله، واسم اليمان حسل بضم الحاء وإسكان السين المهملتين، ويقال: حسيل بالتصغير واليماني لقبه حسل لقب لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار فسماه دومة اليماني لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن، أسلم أبو حذيفة وأبوه وذهبا إلى رسول الله ﷺ ، وشهدا جميعا أحدا، وقتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون خطأ فوهب لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت ﵂ على المشهور عند المحدثين إثبات الياء في اليماني والداجي وعبد الرحمن بن أخي الداجي بن الهادي (١)، والله أعلم. قوله: سأل رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه فأعطى القوم، فقال رسول الله ﷺ : "من سن خيرا فاستن به كان له

стр. 605

أجره ومثل أجور من تبعه" الحديث، وفي الحديث الآخر وهو حديث أنس بن مالك: "إيما داع دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع كان له مثل أجور من اتبعه" (١) وما أشبهه من الأحاديث، وهذه الأحاديث تدخل في عموم الدلالة على الخير، قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (٢) (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (٣) وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (٤) الآية، ففي هذه الأحاديث الحث على استحباب الدعاء إلى الخير والطاعة وتحريم الدعاء إلى الضلالة والبدعة، وإنه من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور تابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أو كان مسبوقًا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم أو عبادة أو آداب وغير ذلك، وهو مثل قوله: "من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة" الحديث، قاله في الديباجة (٥). قوله: رواه الإمام أحمد، هو: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، صاحب المسند، قال أحمد بن محمد الكندي: قد رأيت الإمام أحمد بن حنبل في النوم، فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ثم قال: يا أحمد

стр. 606

ضربت فيّ ستين سوطًا، قلت: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فلتنظر إليه (١)؛ ورئي الإمام أحمد بن حنبل في المنام أيضًا، فقيل له: ما فعل الله بك يا إمام؟ فقال: قدم لي مائدة عليها من ألوان الأطعمة حتى المكتبك، وسمعته يقول ذكره: [كردد ده ده ده] (٢) أنا صاحب العزة، خضع كل شيء لسطاني ولعزي، ما قرئت على مريض إلا عافاه ولا مجنون إلا شفاه، وقال أبو بكر أحمد بن الحجاج حدثني رجل من أهل طرسوس قال: دعوت الله أن يريني أهل القبور حتى أسألهم عن الإمام أحمد بن حنبل ما فعل الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم فبادروني بالكلام فقالوا: يا هذا تدعوا الله أن يريك إيانا تسألنا عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحلية الملائكة تحت شجرة طوبى، قال أبو محمد عبد الحق: وهذا الكلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علو درجة أحمد بن حنبل وارتفاع مكانه وعظم منزلته، فلم يقدروا أن يعبروا عن عظمة حاله وعما هو فيه إلا بهذا وما هو في معناه (٣)، قال صاجما العلم المشهور (٤): رحلت إلى مدينة واسط بالعراق فقرأت مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حثبل، وفيه أربعون ألف حديث بزيادات ابنه عبد الله، قال حنبل بن إسحاق:

стр. 607

جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب قد جمعته من سبعمائة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة (١). وكان قتيبة بن سعيد صاحب مالك بن أنس وشيخ أحمد بن حنبل يقول: أحمد بن حنبل إمام الدنيا، وقد ألف الناس في فضائله وأفردوا لها كتابًا كبيرًا، واختلف ولداه الإمامان أبو عبد الرحمن عبد الله، والثاني بأصبهان صالح، في أي شهر ولد الإمام أحمد؟ فحدثنا غير واحد من شيوخنا عن الثقة أبي علي الحداد فذكره إلى أن قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: سمعت عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يقول: سمعت والدي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائتان أولها في شهر ربيع الآخر، قال عبد الله: وتوفي في يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكانت له ثمان وسبعون سنة، قال عبد الله: خضب أبي رأسه ولحيته بالحاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وسنده إلى أبي نعيم فذكره إلى أن حدثنا أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائة في أولها في شهر ربيع الأول، قال أبو الفضل: وتوفي أبي في يوم الجمعة لثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول من

стр. 608

سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان سنه من يوم ولد إلى أن توفي سبعة وسبعين سنة، قال (ابن دحية) صاحب العلم المشهور: وقول أبي الفضل هو الصواب لأنه الذي يقتضيه الحساب أنه ولد على قوليهما سنة أربع وستين، وإنما اختلفا في الشهر فقط، وقيده بظاهر الحديث من الجانب المغربي من بغداد على دجلة وقد زرته غير مرة (١)، انتهى، وسيأتي الكلام على مناقبه أبسط من هذا. قوله: ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، ابن ماجه: الإمام الحافظ العلامة المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتقن الحجة ذو الرحلة الواسعة والعلوم النافعة، سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرها من البلاد جماعة يطول ذكرهم، قال الرافعي في أماليه: كان ابن ماجه من أئمة الحديت المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم، صنف التفسير والتاريخ وجامع السنن، وكان يقول: عرضت هذه السنن على الحافظ أبي زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي فنظر فيها وقالوا: ما أظن أن وقع هذا في أيدي الناس إلا بتعطيل هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال لعله لا يكون فيه تمام الثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، وكان لأبي زرعة المنتهى في الحفظ، وكان لقب لأبيه بفتح الميم والجيم، وبينهما ألفٌ وفي آخره هاء ساكنة، قال أبو يعلى الخليلي وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: قال

стр. 609

الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ: كتاب السنن لابن ماجه كتاب حسن لولا ما كدره من الأحاديث الواهية، وليست بالكثيرة، وعدد كتب الكتاب المذكور اثنان وثلاثون كتابًا، قال أبو الحسن بن القطان: في السنن ألف وخمس مائة باب وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث، ولد أبو عبد الله في سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين (١)، والله أعلم، قاله في الديباجة. ٩٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (٢). قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم. قوله ﷺ "ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها" لأنه أول من سن القتل بابن آدم الأول هو قابيل، أي: على قابيل أول ولد لآدم ﵇، بسبب أنه سن القتل في بني آدم بقتله أخاه هابيل ظلمًا (٣)، وهو أول من عصى على وجه الأرض، وقتل وكفر من الإنس، ولما فعل ذلك بأخيه هرب وبنى قرية يقال لها جمرة، وقابيل: هو أول من عبد النار،

стр. 610

وأنه أشقى البرية كلها وأن عليه نصف عذاب الخلق كلهم (١). وروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك على الأرض من دم إلا حقه منه لأنه لأول من سن القتل، والثلث: قاتل علي بن أبي طالب وهو ابن ملجم، لعنه الله" (٢). وفي الحديث يقاسم ابن أدم أهل النار قسمة صحاحًا (٣) يعني: قابيل الذي قتل أخاه قابيل أي: أنه تقاسم قسمة صحيحة، فله نصفها ولهم نصفها؛ الصحاح: بالفتح بمعنى الصحيح يقال: درهم صحيح وصحاح، ويجوز أن يكون بالضم كطوال في طويل، ومنهم من يرويه بالكسر، ولا وجه له، قاله

стр. 611

ابن الأثير في النهاية (١). وقابيل: هو أول من يساق إلى النار، قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (٢) وهما: قابيل وإبليس، فإن ابن آدم الأول المذكور هنا قابيل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليميا فأمرهما آدم ﵇ أن يقربا قربانا فمن يقبل قربانه كانت له فتقبل قربان هابيل فحسده قابيل فقتله بغيًا وعدوانًا (٣). قال الماوردي في سبب هذا القتل منها قولان، أحدهما: أن قابيل وتوئمته كانتا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمه كانتا من ولادة الأرض، والثاني: أن توأمة قابيل كانت أحسن من توأمة هابيل فاختصما إلى آدم ﵇ فأمرهما أن يقربا قربانا، وكان هابيل راعيا فقرب سخلة، وكان قابيل حراثًا فقرب حزمة زرع فنزلت نار من السماء رفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فكان ذلك علامة القبول (٤)، انتهى. وقيل: ولدت حواء لآدم ﵇ أربعين [بطنًا] (٥) في كل بطن ذكر وأنثى،
следующие страницы →