← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 5542–5581 · переход к 5547.

стр. 5542

الْحُوب بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتحهَا هُوَ الإِثْم. قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله: "الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه" الحديث أي سبعون ضربا من الإثم والحوب الإثم قاله المنذري وفي الحديث: تقبل توبتي واغسل حوبتي أي إثمي أو اغفر حوبنا أي إثمنا وتضم الحاء وتفتح وقيل الفتح لغة الحجاز والضم لغة تميم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (١) وقال ابن عطية (٢): روى عن مجاهد أن معنى الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ وهذا تقريب للمعنى لأنه أراد أن الحرف بمعنى الآخر وقال الحذاق: إلى هي على بابها وهي تتضمن الإضافة التقدير أموالهم إلى أموالكم في الأكل في أنه عائد على الأكل الذي تتضمنه الفعل الظاهر والحوب كما تقدم وقال ابن عباس والحسن: وكان يقرأ حوبا بفتح الحاء وهو لغة تميم كما تقدم.

стр. 5543

قوله: كبيرا نص على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. قوله: رواه ابن ماجه والبيهقي عن سعيد المقبري (عَنهُ وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن عبد الله بن سعيد وَهُوَ واه عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَتقدم بِنَحْوِهِ). ٢٨٥٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ أَن تشترى الثَّمَرَة حَتَّى تطعم وَقَالَ إِذا ظهر الزِّنَا والربا فِي قَرْيَة فقد أحلُّوا بِأَنفسِهِم عَذَاب الله رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (١). قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام عليه. قوله: نهى رسول الله ﷺ أن تشترى الثمرة حتى تطعم يقال أطعمت الشجرة إذا أثمرت وأطعمت الثمرة إذا ادركت أي صارت ذات طعم وشيئا يوكل منها وروى حتى تطعم أي تؤكل ولا تؤكل إلا أذا أدركت يقال أطعمت الثمرة إذا صار لها طعم والطعم بالفتح ما يؤديه ذوق الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما وله حاصل ومنفعه والطعم بالضم والأكل ويروي لا تطعم

стр. 5544

بالتشديد وهو تفعل من الطعم ا. هـ قاله في النهاية (١) وفي حديث آخر نهى عن بيع الثمرة حتى يزهي (وفي رواية حتى يزهو) جاءا باللفظين في الحديث أي يصير زهوا وهو ابتداء أرطبها وطيبها قال ابن الأعرابي: زهت الثمرة إذا ظهرت وأزهت إذا أحمرت أو أصفرت وهو الزهو معا بالفتح والضم ا. هـ قاله عياض (٢) والله أعلم وقوله: ﷺ "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله" الحديث. فائدة: وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله "إذا أراد الله بقرية هلاك أظهر فيهم الزنا" (٣). ٢٨٥٦ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ ذكر حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ وَقَالَ فِيهِ مَا ظهر فِي قوم الزِّنَا والربا إِلَّا أحلُّوا بِانفسِهِم عَذَاب الله رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد (٤). قوله: وعن ابن مسعود تقدم الكلام عليه. قوله: أنه ذكر حديثا عن النبي ﷺ وقال فيه "ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله".

стр. 5545

٢٨٥٧ - وَعَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَما من قوم يظْهر فيهم الرِّبَا إِلَّا أخذُوا بِالسنةِ وَمَا من قوم يظْهر فيهم الرشا إِلَا أخذُوا بِالرُّعْبِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد فِيهِ نظر السّنة الْعَام المقحط سَوَاء نزل فِيهِ غيث أَو لم ينزل (١). قوله: وعن عمرو بن العاص ﵄ (وعامة أصحاب الحديث يقولون: ابن العاص بغير ياء، وهو خطأ، والذي محفوظ عن أهل اللغة، منهم أبو محمد بن الخشاب إثبات الياء، أسلم قبيل الفتح، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ تسعة وثلاثون حديثا، أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث). قوله ﷺ : "ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة" السنة العام المقحط الذي تنبت الأرض فيه شيئا سواء نزل غيث أم لم ينزل. ٢٨٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي لما انتهينا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَنَظَرت فَوقِي فَإِذا أَنا برعد وبروق وصواعق قَالَ فَأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فِيهَا الْحَيَّات ترى من خَارج بطونهم قلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ أَكلَة الرِّبَا رَوَاهُ أَحْمد فِي حَدِيث طَوِيل وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا والأصبهاني كلهم من رِوَايَة عَليّ بن زيد عَن أبي الصَّلْت عَن أبي هُرَيْرَة (٢).

стр. 5546

٢٨٥٩ - وروى الأصْبَهَانِيّ أَيْضا من طَرِيق أبي هَارُون الْعَبْدي واسْمه عمَارَة بن جُوين وَهُوَ واه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ لما عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء نظر فِي سَمَاء الدُّنْيَا فَإِذا رجال بطونهم كأمثال الْبيُوت الْعِظَام قد مَالَتْ بطونهم وهم منضدون على سابلة آل فِرْعَوْن يوقفون على النَّار كل غَدَاة وعشي يَقُولُونَ رَبنَا لا تقم السَّاعَة أبدا قلت يَا جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ أَكلَة الرِّبَا من أمتك لا يقومُونَ إِلَا كمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس قَالَ الأصْبَهَانِيّ قَوْله منضدون أَي طرح بَعضهم على بعض والسابلة الْمَارَّة أَي يتوطؤهم آل فِرْعَوْن الَّذين يعرضون على النَّار كل غَدَاة وعشي (١). قوله: وعن أبي هريرة: قوله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنما برعد وبروق وصواعق" الحديث (وقد روي أن) الصواعق قطعة نار تطير (من في) الملك الذي يزجر السحاب عند اشتداد (غضبه) قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ (٢) والإعصار الشديدة

стр. 5547

العاصف الذي فيها نار والصر الريح الشديدة البرد ا. خـ وقيل الصاعقة النار التي أرسلها الله مع الرعد الشديد يقال: صعق الرجل وصعق وقد صعقته الصاعقة ا. هـ قاله في النهاية. قوله: في الحديث أيضًا "فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام قد مالت بطونهم وهم منضدون على سابلة آل فرعون". قوله: "منضدون" أي مطرحون أي طرح بعضهم على بعض والسابلة المارة أي يطؤهم آل فرعون الذين يعرضون على النار كل غداة وعشي قال السهيلي (١): رحمه الله تعالى رآهم ﷺ وإنما رآهم ﷺ منتفخة بطونهم لأن العقوبة من مشاكلة الذنوب فأكل الربا يربوا بطنه كما أراد أن يربو ماله بأكل ما حرم الله عليه فمحقت البركة من ماله وجعلت نسخا في بطنه حتى يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فينما جعلوا بطريق آل فرعون يمرون عليها غدوا وعشيا لأن آل فرعون هو أشد الناس عذابا يوم القيامة كما قال : ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢) فخصوا أكلة الربا بسببهم ليعلم أن الذين هم أشد الناس عذابا يوطئون فضلا عن غيرهم من الكفار وهم لا يستطيعون القيام ومعنى كونهم في طريق جهنم بحيث يمر بالكفار عليهم أن الله تعالى أوقف أمرهم بين أن ينتهوا فيكون خير الهم وبين أن يعودوا أو يصورتا فيدخلهم النار وهذه صفة من هو في طريق

стр. 5548

النار قال : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) الآية وفي بعض المسندات أنه ﷺ رأى بطونهم كالبيوت يعنى أكلة الربا وفيها الحيات ترى من خارج البطون. فإن قيل هذه الأحوال التي وصفها عن أكلة الربا إن كانت عبارة عن حالهم في الآخرة قال فرعون في الآخرة قد ادخلوا أشد العذاب وإنما يعرضون على النار غدوا وعشيا في البرزخ وإن كانت هذه الحال التي رآهم في البرزخ فأي بطون لهم وقد صاروا عظاما ورفاتا ومزقوا كل ممزق فالجواب أنه إنما راءاهم في البرزخ لأنه حدث عما راءا أي هذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت وفيها تصحيح لمن قال: الأرواح أجساد لطيفة قابلة للنعيم والعذاب في خلق الله في تلك الأرواح من الألام ما يجد من انتفخ بطنه حتى وطيء بالأقدام ولا يستطيع من قيام وليس في الحديث دليل على أنهم أشد عذابا ولكن فيه دليل على أنهم يطؤهم آل فرعون وغيرهم من الكفار الذين لم يأكلوا الربا ما كانوا في البرزخ إلى أن يوقموا يوم القيامة كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ثم ينادي منادي الله ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢) وكذلك ما رأى من النساء المعلقات بثديهن يجوز أن تكون أرواحهن وقد خلق فيها من الألام ما يجده من هذه حاله ويحتمل أيضا أن يكون كشف له حالهن في الآخرة ا. هـ.

стр. 5549

تنبيه: روي عن شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن ميسرة يقول كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار وإذا أمسى يقول أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوذ من النار وقد قيل إن أرواحهم في صخرة سوداء تحت الأرض السابعة على شفير جهنم في حواصل طير سود والغداة والعشي وإنما هو بالنسبة إلينا على ما أعتدناه إذ الآخرة ليس فيها مساء ولا صباح فإن قيل فقد قال: الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١) قلنا الجواب عنهما واحد قاله القرطبي في التذكرة (٢). ٢٨٦٠ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁: عَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَين يَدي السَّاعَة يظْهر الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْخمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح (٣). قوله: وعن ابن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "بين يدي الساعة يظهر الربا والزنا والخمر" المراد بالساعة القيامة.

стр. 5550

٢٨٦١ - وَعَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد الوزان قَالَ رَأَيْت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ فِي السُّوق فِي الصيارفة فَقَالَ يَا معشر الصيارفة أَبْشِرُوا قَالُوا بشرك الله بِالْجنَّةِ بِمَ تبشرنا يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَبْشِرُوا بالنَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (١). قوله: وعن القاسم بن عبد الواحد الوزان في بعض النسخ الوراق (تفرد عنه أبو كامل الفضيل الجحدري). قوله: قال رأيت عبد الله بن أبي أوفى ﵄ في السوق في الصيارفة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : للصيارفة "أبشروا بالنار"، الحديث وإنما قيل للصيارفة ذلك لوجود الربا عندهم. ٢٨٦٢ - وَرُوِيَ عَن عَوْف بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إياك والذنُوب الَّتِي لا تغْفر الْغلُول فَمن غل شَيْئا أُتِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وآكل الرِّبَا فَمن أكل الرِّبَا بعث يَوْم الْقِيَامَة مَجْنُونا يتخبط ثمَّ قَرَأَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا

стр. 5551

يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١) "رَوَاهُ والأصبهاني من حَدِيث أنس وَلَفظه قَالَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي آكل الرِّبَا يَوْم الْقِيَامَة مخبلا يجر شقيه، ثمَّ قَرَأَ لا يقومُونَ إِلَّا كمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس قَالَ الأصْبَهَانيّ المخبل الْمَجْنُون (٢). قوله: وروي عن عوف بن مالك ﵁. قوله ﷺ : "إياك والذنوب التي لا تغفر الغلول فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة وآكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط ثم قرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٣) الآية قال الواحدي (٤): يريد الذين يعاملون به منبه بالأكل على ما سواه كما قال: تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٥) وقال: والتخبط معناه الضرب على غير استواء وتخبطه الشيطان إذا مسه

стр. 5552

بخبل أو جنون فهذه صفتهم يوم القيامة قال قتادة: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا وذلك علم لأكلة الربى يعرفهم به أهل الموقف، وقيل معنى الآية لا يقومون من قبورهم يوم القيامة ا. هـ وتقدم الكلام على الغلو في الجهاد. قوله: "يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلا يجر شقيه" قال الأصبهاني: المخبل المجنون (قال الأصبهانى (الخبل): الجنون و (المخبل): المفلوج. وقوله: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: يستولي عليه الشيطان فيصرعه فيجن). ٢٨٦٣ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا أحد أَكثر من الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَة أمره إِلَى قلَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد وَفِي لفظ لَهُ قَالَ الرِّبَا وَإِن كثر فَإِن عاقبته إِلَى قل وَقَالَ فِيهِ أَيْضا صَحِيح الإسْنَاد (١). قوله: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: ﷺ قال "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة"

стр. 5553

الحديث وهو كقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١) أي ينقص الله من ماله المرابي ويذهب بركته وإن كان كثيرا ويربي الصدقات أي يزيد فيها ويبارك عليها. قوله: في الرواية الأخرى "قال الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل" القل بالضم القلة كالذل والذلة أي أنه وإن كان زيادة في المال غال فإنه يؤل إلى نقص لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال ابن عباس: يمحق الله الربا قال: بمعنى لا يقبل الله منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة والله أعلم قاله في النهاية. ٢٨٦٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان لا يبْقى مِنْهُم أحد إِلَّا أكل الرِّبَا فَمن لم يَأْكُلهُ أَصَابَهُ من غباره رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كلاهُمَا من رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة وَاخْتلف فِي سَمَاعه وَالْجُمْهُور على أَنه لم يسمع مِنْهُ (٢).

стр. 5554

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: رسول الله ﷺ "ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره" الحديث رواه أبو داود والنسائي ورواه البيهقي من حديث الحسن مرسلا أن النبي ﷺ قال: "ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم ياكله أصابه من غباره" (١) ومعنى الحديث أنه إليه يصل أثر الربا وإن لم يأكله بأن كان موكله أو متوسطا أو كاتبا أو شاهدا فيه أو كان عامل مع آكل الربا أو مع من عامله إلى غير ذلك من الملامسة والمراد أن الربا يكثر في ذلك الزمان والله أعلم قال في الإحياء في أداب الكسب (٢): روى عن عمر أنه كان يطوف في السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول لا يبع في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وهذا رواه الترمذي من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده قال: قال: عمر بن الخطاب لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدين ثم قال حديث حسن غريب قال الترمذيُّ: والعلاء من التابعين سمع أنس بن مالك وغيره وعبد الرحمن والده من التابعين أدرك عمر بن الخطاب وروى عنه فهؤلاء ثلاثة تابعيون روى بعضهم عن بعض ثم قال الغزالي (٣): وقد شدد الله في أمر الربا فيجب الإحتراز منه على الصيارفة المتعلمين على النقدين وعلى المتعاملين على

стр. 5555

الأطعمة إذ لا ربا إلا في نقدا أو طعام فعلى الصيرفي أن يحترز من النسيئة والفضل ثم بسط القول في ذلك ا. هـ هذا بعد ذكر حديث القاسم. قوله: من رواية الحسن عن أبي هريرة واختلف في سماعه والجمهور على أنه لم يسمع منه (فهو منقطع). ٢٨٦٥ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ليبيتن أنَاس من أمتِي على أشر وبطر وَلعب وَلَهو فيصبحوا قردة وَخَنَازِير باستحلالهم الْمَحَارِم واتخاذهم الْقَيْنَات وشربهم الْخمر وبأكلهم الرِّبَا ولبسهم الْحَرِير رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي زوائده (١). قوله: وروي عن عبادة بن الصامت ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله: "واتخاذهم القينات" جمع قينة وهي الأمة المغنية. ٢٨٦٦ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يبيت قوم من هَذِه الأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبنهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلان ولترسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي

стр. 5556

أهلكت عادا على قبائل فِيهَا وعَلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وَقَطِيعَة الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا (١) وَاللَّفْظ لَهُ الْقَيْنَات جمع قينة وَهِي الْمُغنيَة. قوله: وروي عن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير" قال الجوهري (٢): المسخ تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها يقال مسخه الله قردا ا. هـ. قوله: "وليصيبنهم خسف وقذف" الخسف هو عبارة (الإذهاب في الأرض، (خَسَفَ الله به الأرضَ)؛ أي: غابَ به فيها، قال الله سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (٣) والقذف عبارة (الرمي بالحجارة من السماء). قوله ﷺ : "ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا" الريح العقيم (الَّتِي لَا يكون مَعهَا لَقْحٌ، أَي لَا تَأتي بمطَر، إنّما هِيَ ريحُ الإهلاك). قوله: "وقطيعة الرحم" الرحم هي القربة سواء كان وارثا أو غير وارث.

стр. 5557

[الترهيب من غصب الأرض وغيرها] ٢٨٦٧ - عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من ظلم قيد شبر من الأرْض طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: عن عائشة ﵂ تقدم الكلام عليها. قوله ﷺ : قال "من ظلم قيد شبر من الأرض" الحديث الظلم وضع الشيء في غير موضعه والقيد هو بكسر القاف وإسكان الياء أي قدر شبر يقال: قيد وقاد وقيس وقاس بمعنى واحد والله أعلم. ٢٨٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ من أَخذ من الأرْض شبْرًا بِغَيْر حَقه طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح وَمُسلم إِلَّا أَنه قَالَ لا يَأْخُذ أحد شبْرًا من الأرْض بِغَيْر حَقه إِلَا طوقه الله إِلَى سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة قَوْله طوقه من سبع أَرضين (٢) قيل أَرَادَ طوق التَّكْلِيف لا طوق التَّقْلِيد وَهُوَ أَن يطوق حملهَا يَوْم الْقِيَامَة وَقيل إِنه أَرَادَ أَنه يخسف بِهِ الأرض فَتَصِير الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة فِي عُنُقه كالطوق قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذَا أصح ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ

стр. 5558

عَن سَالم عَن أَبِيه ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ من أَخذ من الأرْض شبْرًا بِغَيْر حَقه خسف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى سبع أَرضين. وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : قال "من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين" قال الحافظ المنذري: قيل أراد طوق التكليف لا طوق التقليد وهو أن يطوق حملها يوم القايمة وقيل أنه أراد أن تخسف به الأرض فتصير البقعة المغصوبة في عنقه كالطوق قاله البغوي (٢) وهذا أصح ا. هـ وقال غيره: قوله: "من سبع أرضين" قال أهل اللغة: أرضون بفتح الراء وفيها لغة قليلة بإسكانها حكاها الجوهري (٣) وغيره قال: العلماء هذا تصريح بأن الأرضين سبع طباق وهو موافق لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٤) وأما تأويل المماثلة على الهيئة والشكل فخلاف الظاهر قال الواحدي (٥): في قوله

стр. 5559

تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١) عن قتادة قال: في أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه وإنما جمعت السموات في القرآن وأفردت الأرض للخفة في اللفظ وقيل لأن الأرض من جنس واحد بخلاف السموات وهذا يحتاج إلى توقيف والمثلية هنا للعدد لا للصفة والكيفية والجرم وقد استدل به الداودي (٢) على أن السبع لم يفتق بعضها من بعض بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها من الانتفاع بها وقد جاء في غلظهن وما بينهن حديثان في الترمذي ولم يصحا أحدهما فيه سبعون أو اثنان وسبعون سنة والآخر خمسمائة عام (٣) وجمع بينهما باختلاف السير فالأول للبطئ والآخر للسريع والله أعلم وفيه رد على من قال المراد بالحديث سبع أرضين من سبع أقاليم لا أن الأرضين سبع طبقات فهذا تأويل باطل أبطله العلماء فإنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم بالشبر في الملك فمن ملك شيئا من هذه الأرض ملكه وما

стр. 5560

تحته من الطباق وما فوقه من المعادن والكنوز والحديث يدل لذلك وقيل هو للمسلمين وله منع من حفر تحتها سربا أو بئرا سواء أضر به أولم يضر ا. هـ وأما التطويق المذكور في الحديث فقالوا يحتمل أن معناه أنه يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك ويحتمل أن يجعل له كالطوق في عنقه كما قال : ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) وقيل معناه أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق لعنقه وعلى تقرير التطويق في عنقه يطول الله عنقه كما جاء في غلط جلد الكافر أنه أربعون ذراعا وإن ضرسه كأحد وإن فخذه كورقان رواه أحمد في المسند (٢) وفي هذا الحديث تحريم الظلم وتحريم الغضب وتغليظ عقوبته وفيه إمكان غصب الأرض وهو مذهبنا ومذهب الجمهور بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها من الانتفاع بها وقال أبو حنيفة لا يتصور غصب الأرض قاله المنذري. ٢٨٦٩ - وَعَن يعلى بن مرّة ﵁ قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول أَيّمَا رجل ظلم شبْرًا من الأرْض كلفه الله أَن يحفره حَتَّى يبلغ بِهِ سبع أَرضين ثمَّ يطوقه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس (٣) رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن

стр. 5561

حبان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لِأحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أَخذ أَرضًا بِغَيْر حَقّهَا كلف أَن يحمل ترابها إِلَى الْمَحْشَر (١) وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي الْكَبِير من ظلم من الأرْض شبْرًا كلف أَن يحفره حَتَّى يبلغ المَاء ثمَّ يحملهُ إِلَى الْمَحْشَر (٢). قوله: وعن يعلى بن مرة ﵁: (هو أبو المَرَازِم يَعْلى بن مُرّة بن وهيب بن جَابر، من بني عَوف بن ثقيف الثَّقَفي، وأمه سَيَابة وبها يعرف. شهدَ الحُديبيةَ وخيبرَ، والفتح، وحنينًا، والطائف) روى يعلى بن مرة عن رسول الله ﷺ ستة وعشرين حديثا. قوله: ﷺ "أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره

стр. 5562

حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة" تقدم تفسير. ٢٨٧٠ - وَعَن سعد بن أبي وَقاص ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ من أَخذ شَيْئا من الأرْض بِغَيْر حلّه طوقه من سبع أَرضين لا يقبل مِنْهُ صرف وَلا عدل. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حَمْزَة بن أبي مُحَمَّد (١). قوله: وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ تقدم. قوله: ﷺ "من أخذ شيئا من الأرض بغير حله طوقه من سبع أرضين" وفي الرواية الأخرى "شبرا" والمعنى مع الروايتين مستقيم إلا أن الشيء أعم والشبر وإن كان مقدرا لم يذكر لمقداره وإنما ذكر التقليل فيستوي فيه ما فوق الشبر وما دونه بما فهم من التعليل وقد تضمن هذا الحديث تشديد الوعيد في ظلم الأرض وبيان عقوبة الظالم لها وفيه دليل إن مالك وجه الأرض مالك لباطنها بدليل عقوبة الغاصب بتطويقها من سبع أرضين ولا يقدح جهالة باطنها في صحة ملك المبتاع لها كشراء الدار بجدرانها من غير

стр. 5563

كشف عن مقادير الجدران للضرورة الداعية إلى ذلك وقد ورد في التحذير من ظلم الأرض والتشديد فيه كثير من الأخبار والآثار والسر هنا في أنها أشد من غيرها من المظالم إن ظلمها يدوم بدوامها ويبقى بقيامها لا يزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين بخلاف ظلم غيرها فإنه يفنى بفنائه ويستقر إلى حين انفصاله ا. هـ قاله في التاريخ. قوله: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" أي فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير وفي بعضها فيدفع إليه يهودي أو نصراني فيقال: هذا فكاكك من النار أي خلاصك منها أي فداؤك ومنه فكاك الزهر والرقبة وهو خلاصها من الرق وعهدة الارتهان وإطلاقه لربه ا. هـ تقدم الكلام على الصرف والعدل في سكنى المدينة مطولا. قوله: من رواية حمزة بن أبي محمد (قال أبو حاتم: منكر الحديث مجهول ولينه أبو زرعة وغيره وحسن له الترمذي). ٢٨٧١ - وَعَن ابن (١) مَسْعُود ﵁. قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الظُّلم أظلم فَقَالَ ذِرَاع من الأرْض ينتقصها الْمَرْء الْمُسلم من حق أَخِيه فَلَيْسَ حَصَاة من الأرْض يَأْخُذهَا إِلَّا طوقها يَوْم الْقِيَامَة إِلَى قَعْر الأرْض وَلا يعلم قعرها إِلَّا الله الَّذِي خلقهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإسْنَاد أَحْمد حسن (٢).

стр. 5564

قوله: وعن أبي مسعود ( ... ) (١). قوله: قلت يا رسول الله أي الظلم أظلم فقال: "ذراع من الأرض ينتقضها المرء المسلم من حق أخيه" تقدم الكلام على ذلك. ٢٨٧٢ - وَعَن أبي مَالك الأشْعَرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أعظم الْغلُول عِنْد الله ذِرَاع من الأرْض تَجِدُونَ الرجلَيْن جارين في الأرْض أَو فِي الدَّار فيقتطع أَحدهمَا من حَظّ صَاحبه ذِرَاعا إِذا اقتطعه طوقه من سبع أَرضين رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢). قوله: وعن أبي مالك الأشعري تقدم الكلام عليه وتقدم الكلام أيضا على التطويق. ٢٨٧٣ - وَعَن وائل بن حجر ﵁ (٣) قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من غصب رجلا أَرضًا ظلما لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبد الحميد الْحمانِي (٤).

стр. 5565

قوله: وعن عبد اللّه ﵄ المراد به عبد اللّه بن عمر بن الخطاب تقدمت ترجمته في أول هذا التعليق مبسوطا (١). قوله: ﷺ "من غصب رجلًا أرضا ظلما" في هذا الحديث إمكان غصب الأرض وهو مذهبنا ومذهب الجمهور كما تقدم وقال أبو حنيفة: لا يتصور ذلك والغصب هو الاستيلاء على حق الغير عدوانا فلا تدخل السرقة ولأنها اختلاس ويدخل في الاستيلاء ما لو استعمل عبد غيره فإنه يضمن وكذا لو جلس على فراش الغير وقد اختار أبو الطيب نفي الضمان ويدخل في الحق المال والمنافع كمنفعة الكلب والسرجين وخرج بالعدوان المغانم وما انتزع من يد الغاصب للحفظ قال الشافعي: لو انتزع مال المسلم الحربي ليرده عليه لا ضمان فيه قاله في شرح الإلمام. قوله: "لقي اللّه وهو عليه غضبان" تقدم الكلام على معنى الغضب قريبا وفيه تهديد عظيم للغصاب. قوله: رواه الطبراني من رواية يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني: والحِماني: بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخره نون هذه النسبة إلى حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وهي قبيلة من تميم نزلوا الكوفة والمشهور بهذه النسبة أبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن

стр. 5566

ميمون الحِمَّاني روى عن الأعمش والثوري وغيرهما روى عنه ابنه أبو زكريا يحيى ذكره صاحب الأنساب (١). ٢٨٧٤ - وَعَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من أَخذ من طَرِيق الْمُسلمين شبْرًا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يحملهُ من سبع أَرضين. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير من رِوَايَة مُحَمَّد بن عقبَة السدُوسِي (٢). قوله: وعن الحكم بن الحارث السلمي (٣) ﵁ (الحكم بن الحارث السلمي له صحبة، سكن البصرة، وغزا مع النبي ﷺ سبع غزوات، آخرهن حنين، وقيل: ثلاث غزوات، روى عنه عطية بن سعد الدعاء). قوله: ﷺ "من أخذ من طريق المسلمين شبرا جاء به يوم القيامة يحمله من سبع أرضين" في حديث الحكم من أخذ شيئًا من الأرض وفي لفظ طوقه بضم الطاء وكسر الواو المشددة وهذا وعيد شديد يفيد أن من أخذ من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غصب أو سرقة أو

стр. 5567

خديعة قليلا كان أو كثيرًا يزيده قوله: وإن كان قيد شبر للمبالغة في القلة كما في قوله وإن كان قضيا من أراك. قوله: عن محمد بن عقبة السدوسي (محمد بن عُقبة بن هَرِم السدوسي: ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان). ٢٨٧٥ - وَعَن أبي حميد السَّاعِدِيّ ﵁: أَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ لا يحل لمُسلم أَن يَأْخُذ عَصا أخيه بغَيْر طيّب نفس مِنْهُ قَالَ ذَلِك لشدَّة مَا حرم اللّه من مَال الْمُسلم على الْمُسلم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه قَالَ الْحَافِظ وَسَيَأْتِي فِي بَاب الظُّلم إِن شَاءَ اللّه تَعَالَى (١). قوله: وعن أبي حميد الساعدي (٢) ﵁: (اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة، بالحاء المهملة، ابن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، ويُقال: ابن عمرو بن سعد بن

стр. 5568

المنذر بن مالك الأنصارى الساعدى المدنى الجليل، رُوى له عن رسول اللّه ﷺ ستة وعشرون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وللبخارى حديث ولمسلم آخر). قوله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا بغير طيّب نفس منه" الحديث لما في ذلك من تحريم مال المسلم على المسلم. خاتمة: روى مسلمٌ (١) أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة في أرضه في الشجرة وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها وفي نسخة وقالت أنه قد أخذ حقي واقتطع قطعة من أرضي فقال سعيد كيف أظلمها وقد سمعت رسول اللّه يقول "من اقتطع شبرا من أرض ظلما طوقه يوم القيامة من سبع أرضين" ثم ترك الأرض فقال له مروان وقال: دعوها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في بئرها وفي نسخة: واقتلها في أرضها فعميت أروى وجاء سيل فأظهر حدود أرضها ثم أعمى اللّه أروى فكانت تلتمس الجدران وتقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في أرضها إذا وقعت في البئر فماتت وفي نسخة فبينما هي تمشي في أرضها إذا وقعت في حفرة فماتت وروى أنها سألت سعيدا أن يدعو لها فقال: لا أرد على اللّه شيئًا أعطانيه قال: وكان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض يقول أعماه اللّه كما أعمى أروى يريدونها ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه

стр. 5569

اللّه كما أعمى أروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى والصواب الأول والأروية الأنثى من الوعول وبها سميت هذه المرأة في مسلم وفي هذا الحديث إشارة إلى جواز دعاء الإنسان على من ظلمه وافترى عليه بالباطل واللّه أعلم قاله في تاريخ كنز الدرر (١) وهو تاريخ نفيس تسعة أجزاء ضخام في قطع المنصورى.

стр. 5570

[الترهيب من البناء فوق الحاجة تفاخرا وتكاثرا] ٢٨٧٦ - عَن عمر بن الْخطاب ﵁: قَالَ بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول اللّه ﷺ ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس إِلَى النَّبِيّ ﷺ فأسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الْإِسْلَام فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لا إِلَه إِلَّا اللّه وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول اللّه وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا، قَالَ صدقت فعجبنا لَهُ يسْأَله ويصدقه قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الإِيمَان قَالَ أَن تؤمن بِاللّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بالْقدرِ خَيره وشره فَقَالَ صدقت قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الْإِحْسَان قَالَ أَن تعبد اللّه كأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ فَأَخْبرنِي عَن السَّاعَة قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل قَالَ فَأَخْبرنِي عَن أماراتها قَالَ أَن تَلد الْأَمة ربتها وَأَن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشَّاء يتطاولون فِي الْبُنيان قَالَ ثمَّ انْطلق فَلَبثت مَلِيًّا ثمَّ قَالَ يَا عمر أَتَدْرِي من السَّائِل؟ قلت اللّه وَرَسُوله أعلم قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم دينكُمْ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (١).

стр. 5571

قوله: وعن عمر بن الخطاب ﵁ كنيته: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي قتل سنة ثلاث وعشرين وتقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق مبسوطا. قوله: بينما نحن عند رسول اللّه ﷺ الحديث قال في هذا الحديث أصل عظيم في الدين يشتمل على أصول السنة كما اشتملت الفاتحة على أصول الكتاب واللّه أعلم قال في النهاية (١): أصلها بين فأشبعت الفتحة فصار أي فتحة النون بينا يقال بينا وبينما وهي ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا وقد جاءا في الجواب كثيرًا تقول بينما زيد جالس دخل عليه وإذ دخل عليه عمرو وإذا دخل عليه وفي الحديث قد اقترن جوابها بالفاء والظاهر أنها زائدة على رأي من يرى زيادتها وهو الأخفش وأنكره سيبويه ا. هـ وقال في التنقيح (٢): بين كلمة معناها التوسط تقول جلست بين القوم أي في وسطهم وزيدت ما فيها عوضا عما تستحقه من المضاف إليه ولذلك لا تضاف والمعنى بين أوقات أو حالات نحن جالسون فيها زمان طلوع هذا الرجل ا. هـ. قوله: "ذات يوم" ها هنا تأنيث ذو بمعنى صاحب أي بينا نحن في ساعة ذات مرة في يوم فحذفت هذه المضافات لوضوح الْأَمر قاله الطوفي (٣).

стр. 5572

قوله: "إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب" الحديث هو إشارة إلى غرابة هذه القضية لأن الرجل هيئته هيئة حاضر لا يخفى عليه أمر الدين مع اشتهاره غالبا خصوصًا في المدينة وسؤاله سؤال أعرابي وارد غير عالم بالدين وهذا بخلاف حديث طلحة بن عبيد اللّه جاء أعرابي ثائر الرأس من أهل نجد يسمع دوي صوته الحديث إذا وصفه بصفة الأعراب الواردين فلم يكن في سؤاله غرابة ولا عجب. قوله: "بياض الثياب شديد سواد الشعر" مطابقة جيدة تامة وفيه استحباب التجمل وتحسين الهيئة للعالم والمتعلم لأن هذا الرجل هو جبريل ﵇ كما تبين في آخر الحديث وهو معلم من جهة لقوله ﵇ "جاء يعلمكم دينكم" ومتعلم من جهة أنه في صورة سائل ا. هـ قاله الطوفي (١). تنبيه: ومن ذلك تحسين الهيئة والثياب إذا أراد الدخول في الصلاة لا سيما صلاة الجمعة والعيدين فقد ندب رسول اللّه ﷺ إلى التجمل ولبس الثياب الحسنة في الجمعة والعيدين بمقاله وفعاله قاله في تهذيب النفوس فيه دليل على أن السنة في الثياب النظافة ففي جامع الترمذي أن رسول اللّه ﷺ قال: "إن اللّه طيّب يحب الطيب نظيف يحب النظافة" (٢) وفي شعب البيهقي: عن

стр. 5573

عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت كان النبي ﷺ يحب الثوب النظيف ويكره الثوب الوسخ (١) وإنما جاء جبريل ﵇ في الثياب البيض ولم يجئ في غيرها وان كان غيرها مما يتجمل به أيضًا لأن البياض أفضل الثياب لقوله ﷺ : "إن من خير ثيابكم البياض فالبسوه وكفنوا فيه موتاكم" (٢). قوله: "شديد سواد الشعر" فيه دليل على الحث في طلب العلم في زمن الشباب لفراغ قلب الشاب من الشواغل غالبا وقد قيل العلم في الصغر كالنقش على الحجر واللّه أعلم. قوله: "لا يرى عليه أثر السفر" بضم الياء المثناة آخر الحروف من يرى على من لم يسم فاعله وضبطه بعضهم بالنون المفتوحة. قوله: "ولا يعرفه منا أحد" الحديث إشارة إلى غرابة القضية أيضًا لأن هيئته أيضًا أنه من أهل المدينة ولو كان منها لعرفناه أو بعضنا فقد حصل فيه أمارة معرفتنا له مع عدم معرفتنا له.

стр. 5574

قوله: "حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه" الحديث يقضي أنه جلس بين يدي النبي ﷺ وإلا لم يتصور إسناد ركبتيه إلى ركبتيه لأنه لو جلس جانبه لما أمكنه إلا إسناد ركبة واحدة منه إلى ركبة واحدة من النبي ﷺ ففيه تأديب للمتعلمين أنهم يجلسون بين يدي مشايخهم على ركبهم للتعلم. قوله: "ووضع كفيه على فخذيه" الضمير في كفيه للرجل وفي فخذيه يحتمل أنه له أيضًا ولأنه وضع كفيه على فخذي نفسه معتمدا عليهما وقت السؤال ويحتمل أنه للنبي ﷺ وأن الرجل وضح كفيه على فخذي النبي ﷺ استئناسا باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه جبريل ﵇ لتبليغ الوحي وهذا الاحتمال أرجح لما رواه النسائي من حديث أبي ذر وأبي هريرة ﵄ قالا كان رسول اللّه ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل فطلبنا إلى رسول اللّه ﷺ أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه إنا لجلوس عنده إذا قبل الرجل أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا كان ثيابه لا يمسها دنس حتى سلم من طرف السماط فردوا ﵇ وقال: ادنو يا محمد قال أدنه فما زال يقول ادنوا مرارا ويقول ادنه حتى وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ (١) وإنما

стр. 5575

خرج احتمال في ضمير فخذيه خو ضمير ركبتيه لجواز نفسه واللّه أعلم. قوله: "وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام" نداؤه ﷺ باسم العلم منهي عنه شرعا شرفا له ﷺ قال اللّه تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١) فكيف ناداه جبريل ﵇ بذلك الجواب أن جبريل ﵇ لا حرج عليه في مخاطبته بذلك لأن ذلك إنما حظر على البشر وغالب خطاب جبريل ﵇ له إنما وقع هكذا فيكون فيه دلالة على أن الكبير له أن يخاطب الكبير بما ليس للصغير أن يخاطب به الكبير ويمكن أن يجاب بأنه قصد التعمية والتستر ذكره صاحب تهذيب النفوس قال العُلماء: ولعل هذا كان قبل النهي عن مخاطبته ﷺ باسمه قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ الآية على أحد التفسيرين أي لا تقولوا يا محمد بل يا رسول اللّه يا نبي اللّه ويحتمل بعد نزول الآية ولم تبلغ القائل فيه نظر (٢) ا. هـ ففيه جواز تسمية المتعلم شيخة والمرءوس رئيسه باسمه لكن قد غلب في العرف تسمية المشايخ والرؤساء بالأسماء الشريفة المفخمة فينبغي اتباعه إلا أن يعلم أن الشيخ لا ينقبض من تسميته باسمه الأصلي ولا يكون ذلك على سبيل الوضع منه فيكون ذلك هو الأولى اتباعا لهذه

стр. 5576

السنة وغيرها ولأنه أقرب إلى التواضع وأولى بالصدق ذكره الطوفي (١). قوله: "أخبرني عن الإسلام فقال رسول اللّه ﷺ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة" الحديث الإسلام مصدر أسلم إسلاما وهو في اللغة الطاعة والانقياد يقال أسلم الرجل واستسلم انقاد فهذا الحديث بيان أصل الإسلام والإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر وفي الشريعة ما فسر به النبي ﷺ الإسلام في هذا الحديث وهو الأعمال الظاهرة كالشهادتين وباقي العبادات والمراد هنا واللّه أعلم شرائع الإسلام (٢) قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح (٣): فهذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليها الصلاة والزكاة الصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده واحتلاله واللّه أعلم. لطيفة: إذا سئلت عن الإسلام ما هو فقل هو الانقياد والاستسلام بأفعال الجوارح الظاهرة وهي النطق بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى

стр. 5577

آخره وإذا سئلت عن الإيمان وماهو فقل الإيمان هو التصديق بالقلب باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خير وشره فهذه قواعد الإيمان وأصول التوحيد واللّه تعالى أعلم. تنبيه: قوله: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه أن تشهد منصوب بأن وباقي الأفعال عطف عليه وهي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره فأما تؤمن فمنصوب مباشرة مثل تشهد ونبهنا على هذا لأن بعض الناس يغلط فيه فيرفع بعض هذه الأفعال ظنا أنها مستأنفة واللّه أعلم ذكره الطوفي (١). فائدة: واختلف العُلماء في الإيمان والإسلام هل هما واحد أو متغايران فذهب بعض العُلماء إلى أن الإيمان غير الإسلام وهذا الحديث يقتضى تغايرهما لأن جبريل سأل عنهما سؤالين وأجيب عنهما بجوابين وفسر له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج وفسر الإيمان بعمل القلب وهو التصديق ولو كانا واحد لكان السؤال والجواب على أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر ولكان تفسير أحدهما وهو عين تفسير الآخر قاله الطوفي (٢) وذهب عامة أهل السنة إلى أنهما واحد واستدلوا يقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣)، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) فأخبر أن

стр. 5578

الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١) والإسلام هو دين اللّه تعالى في السماء وفي الأرض ليس له دين غيره وفي تفسير البغوي (٢): عن النبي ﷺ قال: "قال: اللّه تعالى هذا دين ارتضيته لنفسي فلن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه" (٣) وهو دين الملائكة ولم يبعث اللّه من آدم إلى

стр. 5579

محمد إلا بدين الإسلام واللّه أعلم. تنبيه: قال أبو سليمان الخطابي (١): المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال وقد لا يكون مؤمنا في بعض الأحوال والمؤمن مسلم في جميع الأحوال لأن أصل الإسلام الاستسلام والانقياد وأصل الإيمان التصديق فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن ولا يكون صادقا الباطن منقاد في الظاهر فإذا كلّ مؤمن مسلم وليس كلّ مسلم مؤمنا قاله في شرح السنة للبغوي. فائدة: شروط الإسلام ستة العقل والبلوغ إلا في تبعية الصبي والمجنون لأبيه أو أمه والاختيار إلا في إسلام الحربي والتلفظ باللسان في حق الأخرس والترتيب فلو آمن بنبينا سيدنا محمد ﷺ قبل الإيمان باللّه تعالى لم يصح إيمانه. تنبيه: شروط التكليف ثلاثة العقل والبلوغ وبلوغ دعوة النبي ﷺ وأحكام التكليف خمسة الواجب والحرام والمندوب والمكروه المباح الأول:

стр. 5580

الواجب: وهو الذي يثاب فاعله أكثر من ثواب السنة بأضعاف كثيرة ويعاقب تاركه كالوضوء الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك. الثاني: الحرام وهو الذي يثاب تاركه ويعاقب فاعله. الثالث: المندوب ويعبر عنه بالسنة والمستحب والتطوع فهو الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. الرابع: المكروه فهو الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. الخامس: المباح: فهو مستو في الطرفين ليس في فعله ثواب ولا في تركه عقاب وهو كثير لا يحتاج إلى أمثلة. فائدة قوله: ﷺ في حديث جبريل وتقيم الصلاة ظاهر الدلالة على أن الأعمال من الإسلام أي من شرائعه ومن مفهومه ففيه دليل بمن يقول أن تارك الصلاة عمدا كافر كما هو مذهب أصحاب رسول اللّه ﷺ ويؤيده قوله ﷺ "بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة"رواه مسلم (١) وقوله ﵊" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك مسلم الذي له ذمة اللّه وذمة رسوله" (٢) وقوله ﵊ "العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٣) وكلها أحاديث صحيحة ثابتة.

стр. 5581

قوله: في حديث جبريل ﵇ وتؤتي الزكاة فيه دليل على أن الزكاة داخلة في الإسلام وقد قال الصديق الأكبر ﵁: لما منع قوم زكاة أموالهم واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة واللّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم عليها (١) وفي البيهقي عن ابن عباس ﵄ وما منع قوم الزكاة أموالهم إلا منعهم اللّه القطر من السماء (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث. قوله: ﷺ في حديث جبريل ﵇ عليه وتصوم رمضان هو داخل في مسمى الإسلام وفي شرائعه وهو فريضة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فمن أفطر منه يومًا متعمدا فقد ارتكب كبيرة عظمى وجريمة شنعاء. قوله ﷺ : في حديث جبريل ﵇ وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فسر النبي ﷺ الاستطاعة بالزاد والراحلة (٣) وفي ذلك أحاديث كثيرة ا. هـ.
следующие страницы →