← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 5577–5616 · переход к 5582.

стр. 5577

آخره وإذا سئلت عن الإيمان وماهو فقل الإيمان هو التصديق بالقلب باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خير وشره فهذه قواعد الإيمان وأصول التوحيد واللّه تعالى أعلم. تنبيه: قوله: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه أن تشهد منصوب بأن وباقي الأفعال عطف عليه وهي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره فأما تؤمن فمنصوب مباشرة مثل تشهد ونبهنا على هذا لأن بعض الناس يغلط فيه فيرفع بعض هذه الأفعال ظنا أنها مستأنفة واللّه أعلم ذكره الطوفي (١). فائدة: واختلف العُلماء في الإيمان والإسلام هل هما واحد أو متغايران فذهب بعض العُلماء إلى أن الإيمان غير الإسلام وهذا الحديث يقتضى تغايرهما لأن جبريل سأل عنهما سؤالين وأجيب عنهما بجوابين وفسر له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج وفسر الإيمان بعمل القلب وهو التصديق ولو كانا واحد لكان السؤال والجواب على أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر ولكان تفسير أحدهما وهو عين تفسير الآخر قاله الطوفي (٢) وذهب عامة أهل السنة إلى أنهما واحد واستدلوا يقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣)، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) فأخبر أن

стр. 5578

الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١) والإسلام هو دين اللّه تعالى في السماء وفي الأرض ليس له دين غيره وفي تفسير البغوي (٢): عن النبي ﷺ قال: "قال: اللّه تعالى هذا دين ارتضيته لنفسي فلن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه" (٣) وهو دين الملائكة ولم يبعث اللّه من آدم إلى

стр. 5579

محمد إلا بدين الإسلام واللّه أعلم. تنبيه: قال أبو سليمان الخطابي (١): المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال وقد لا يكون مؤمنا في بعض الأحوال والمؤمن مسلم في جميع الأحوال لأن أصل الإسلام الاستسلام والانقياد وأصل الإيمان التصديق فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن ولا يكون صادقا الباطن منقاد في الظاهر فإذا كلّ مؤمن مسلم وليس كلّ مسلم مؤمنا قاله في شرح السنة للبغوي. فائدة: شروط الإسلام ستة العقل والبلوغ إلا في تبعية الصبي والمجنون لأبيه أو أمه والاختيار إلا في إسلام الحربي والتلفظ باللسان في حق الأخرس والترتيب فلو آمن بنبينا سيدنا محمد ﷺ قبل الإيمان باللّه تعالى لم يصح إيمانه. تنبيه: شروط التكليف ثلاثة العقل والبلوغ وبلوغ دعوة النبي ﷺ وأحكام التكليف خمسة الواجب والحرام والمندوب والمكروه المباح الأول:

стр. 5580

الواجب: وهو الذي يثاب فاعله أكثر من ثواب السنة بأضعاف كثيرة ويعاقب تاركه كالوضوء الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك. الثاني: الحرام وهو الذي يثاب تاركه ويعاقب فاعله. الثالث: المندوب ويعبر عنه بالسنة والمستحب والتطوع فهو الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. الرابع: المكروه فهو الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. الخامس: المباح: فهو مستو في الطرفين ليس في فعله ثواب ولا في تركه عقاب وهو كثير لا يحتاج إلى أمثلة. فائدة قوله: ﷺ في حديث جبريل وتقيم الصلاة ظاهر الدلالة على أن الأعمال من الإسلام أي من شرائعه ومن مفهومه ففيه دليل بمن يقول أن تارك الصلاة عمدا كافر كما هو مذهب أصحاب رسول اللّه ﷺ ويؤيده قوله ﷺ "بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة"رواه مسلم (١) وقوله ﵊" من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك مسلم الذي له ذمة اللّه وذمة رسوله" (٢) وقوله ﵊ "العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٣) وكلها أحاديث صحيحة ثابتة.

стр. 5581

قوله: في حديث جبريل ﵇ وتؤتي الزكاة فيه دليل على أن الزكاة داخلة في الإسلام وقد قال الصديق الأكبر ﵁: لما منع قوم زكاة أموالهم واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة واللّه لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم عليها (١) وفي البيهقي عن ابن عباس ﵄ وما منع قوم الزكاة أموالهم إلا منعهم اللّه القطر من السماء (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث. قوله: ﷺ في حديث جبريل ﵇ عليه وتصوم رمضان هو داخل في مسمى الإسلام وفي شرائعه وهو فريضة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فمن أفطر منه يومًا متعمدا فقد ارتكب كبيرة عظمى وجريمة شنعاء. قوله ﷺ : في حديث جبريل ﵇ وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فسر النبي ﷺ الاستطاعة بالزاد والراحلة (٣) وفي ذلك أحاديث كثيرة ا. هـ.

стр. 5582

تنبيه: في حديث جبريل ﵇ وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا لم قيد الحج بقوله ان استطعت إليه سبيلا ولم يقيد بذلك الصلاة والزكاة والصوم مع إنها تجب مع الاستطاعة لقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وهذه العبادات من التقوى وقوله: ﵊ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) فكان ينبغي أن يقيد الجميع بالاستطاعة ولا يقيد واحد منها بها والجواب: أن الخطب في هذا يسير أنه ﵇ تابع القرآن في قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣) ولم يقل ذلك في خصوص غيره من العبادات فإن قيل ينتقل السؤال إلى القرآن لم قيد الحج بالاستطاعة دون غيره قلنا لأنه يتعلق بقطع

стр. 5583

مسافة وفيه من المشقة ما ليس في غيره فكان أحق بالتفسير بالاستطاعة من غيره واللّه أعلم. قوله: في حديث جبريل ﵇ وسبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل إنما هذا الكلام خبر بالمسئول عنه ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي ﷺ ذكره ابن رجب الحنبلي (١) وقال الطوفي (٢): لأن سؤاله يقضي عدم العلم بما سأل عنه وتصديقه للنبي ﷺ فيما أجابه به يقضي أنه عالم به فكان ظاهر حاله أنه عالم بذلك غير عالم وهو محل التعجب وإنما زال التعجب عنهم بقوله ﷺ "إنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم" فتبينوا أنه كان عالما فصورة متعلم لقصد التعليم والتبين لهم وذلك لا عجب فيه ا. هـ. قوله: ﷺ في حديث جبريل ﵇ "قال فأخبرني عن الإيمان" الإيمان مصدر ءامن إيمانا وزن أكرم إكراما فالهمزة الثانية في ءامن نظير الكاف في أكرم فإذًا ءامن وزنه أفعل لا فاعل إذ لو كان فاعل لكان مصدره فعالا نحو قاتل قتالا وضارب ضرابا ونحوه قاله الطوفي (٣) فالإيمان قد فسره النبي ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة "فقال أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره" وقد ذكر اللّه في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة بعد في مواضع كقوله: تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ

стр. 5584

بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) الآية وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٢) الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣) فالإيمان باللّه تعالى هو أن يصدق العبد بوجود ربه ووحدانيته وأنه لا يجوز عليه العدم وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وأنه تعالى منزه عن صفات النقص وعن صفات الإجسام وأنه واحد أحد فرد صمد خالق لجميع المخلوقات متصرف فيها بما يشاء من التصديقات يحكم في ملكه بما يريد لا يسأل عما يفعل وهو يسألون ا. هـ. لطيفة: وقد ضرب العُلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب فاسم الشجرة يشمل ذلك كلّه ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنها اسم الشجرة وإنما يقال هي شجرة ناقصة أو غيرها أتم منها وقد ضرب اللّه تعالى مثل الإيمان بذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٤) الآية والمراد بالكلمة كلمة التوحيد وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب مأكلها هي الأعمال الصالحة الناشئة منه وضرب النبي ﷺ "المؤمن أو المسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع

стр. 5585

النخلة" أو من ثمرها لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية وإن كانت ناقصة الفروع والثمرة ا. هـ قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين النواوية (١) واللّه أعلم وأما الإيمان بالملائكة فهو التصديق بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهو بأمره يعلمون ولا يعصون اللّه ما أمرهم يفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وبوجودهم وإنزالهم منازلهم بأنهم عباد اللّه وخلقه كالإنس والجن مكلفون لا يقدرون إلا على ما يقدرهم ولا حول لهم ولا قوة إلا باللّه. لطيفة: وذكر الإقليسي عن رسول اللّه ﷺ قال: خلق اللّه حملة العرش قال: أتدرون لم خلقتكم قالوا خلقتنا ربنا لما تشاء قال: خلقتكم لتحملوا عرشي فسلوني من القوة ما شئتم أجعلها فيكم قال: أحدهم كان عرش ربنا على الماء فليجعل ربنا في من القوة قوة الماء قال: قد جعلت تلك فيك وقال: الآخر رب اجعل في قوة السموات قال: قد جعلت ذلك فيك وقال: الثالث رب اجعل في قوة الأرض والجبال قال: قد جعلت ذلك فيك وقال: الرابع رب اجعل في قوة الرياح قال: قد جعلت ذلك فيك قال: احملوا عرشي فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوه فقال لهم لا حول ولا قوة إلا باللّه فقالوها فجعل فيهم من الحول والقوة ما لم يبلغه علمهم فحملوه (٢) وذكر عن كعب أن أقرب الملائكة إلى اللّه تعالى إسرافيل ﵇ وله أربعة

стр. 5586

أجنحة جناح في المشرق وجناح في المغرب وقد تسربل بالثالث وبالرابع وبينه وبين اللوح حجاب فإذا أراد اللّه أمرا أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهتة إسرافيل ﵇ فينظر فإذا الْأَمر مكتوب فينادي جبريل أمرت بكذا وكذا فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة حتى يقول جبريل ﵇ الحق من عند الحق فينزل إلى النبي ﷺ فيوحي إليه (١). قوله: "ورسله" الإيمان بالرسل أن تؤمن أنهم كانوا مرسلين إلى من أرسلوا إليه صادقين فيما أخبروا به عن اللّه تعالى وأن اللّه تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن اللّه رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمرهم اللّه ببيانه وأنه يجب احترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم والإيمان برسولنا ﷺ هو أن تؤمن أنه مرسل إلى الناس كافة وإلى الجن إلى قيام الساعة. قوله: ﷺ "وباليوم الآخر بيوم القيامة" وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والنشر والحشر والحساب والدنيا منقضية وأن هذا العالم منقض منحل تركبيه وأن اللّه تعالى يعيد الرفات من أبدان الأموات ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى فيقوم الناس

стр. 5587

كلهم لأمر اللّه تعالى صغيرهم وكبيرهم حتى السقط التي تم خلقه ونفخ فيه الروح فأما الذي لم يتم خلقه ولم ينفخ فيه الروح أصلا فهو وسائر الأموات بمنزلة واحدة واللّه أعلم. قوله ﷺ : "وتؤمن بالقدر خير وشره" الحديث: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) وإجماع السلف والخلف على صدق من قال: "ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن" فالقدر هو التقدير والقضاء الخلق وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن القدر بمنزلة الأساس والقضاء بمنزلة البناء وأما السنة فقال ابن الديلمي: أتيت أبي بن كعب فقلت وقع في نفسي شيء من القدر فحدّثني بشيء لعل اللّه أن يذهبه من قلبي فقال: لو أن اللّه عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل اللّه ما قبل اللّه منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على هذا دخلت النار قال: ثم أتيت ابن مسعود فقال: مثل ذلك ثم أتيت حذيفة فقال: مثل ذلك ثم أتيت زيد بن ثابت فحدّثني عن النبي ﷺ مثل ذلك (٢) واللّه أعلم.

стр. 5588

تنبيه: ثم يعتقد الإيمان بالقدر خيره وشره وأنه لا يكون في الملك والملكوت أعني الأرض والسموات فلتة خاطر ولا لفتة ناظر ولا تحرك متحرك في بر أو بحر بخير أو شر إلا بقضاء اللّه وقدره وإراداته ومشيئته فمنه الخير والشر والنفع والضر والإيمان والكفر وهو خالق كلّ شيء كلّ ذلك بحكمة وسر فسر القدر لا يظهر إلى يوم القيامة فينكشف عن أسرار عجيبة وأمور غريبة فسبحان المدبر الحكيم ا. هـ. قوله: ﷺ في حديث جبريل ﵇ "فأخبرني عن الإحسان" الحديث فالإحسان ها هنا بمعنى الإخلاص وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معا قال النووي (١): هذا أصل عظيم من أصول الدين وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين وهو عمدة الصديقين وبغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين وتلخيص معناه "أن تعبد اللّه عبادة من يرى اللّه ويراه اللّه وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ونهاية المراقبة فيها وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال ﷺ اعبد اللّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع اللّه عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى

стр. 5589

موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك وقد ندب أهل الحقائق على مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال اللّه مطلعا علي في سره وعلانيته قال القاضي عياض (١): وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه ا. هـ، والإحسان في لسان الشرع اتفاق العبادة ومراعاة حقوق اللّه تعالى فيها ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله بالمراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة. لطيفة: وقال: ذو النون رحمت اللّه عليه عامة المراقبة إيثار ما آثر اللّه وتعظيم ما عظم اللّه وتصغير ما صغر اللّه وقيل الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعدك عن المعاصي والمراقبة تؤدبك إلى طريق الحقائق وقيل المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كلّ خطرة وخطوة وقال: الجريرى أمرنا هذا مبني على فصلين أن تلزم نفسك المراقبة للّه ويكون العلم على ظاهرك فإنما وقال: إبراهيم الخواص رحمت اللّه عليه المراقبة تورث خلوص السر والعلانية للّه تعالى وقال: أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري إذا

стр. 5590

جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك واللّه يراقب باطنك (١) ا. هـ. تنبيه: وهذه المنزلة يعني الإحسان هي لب الإيمان وروحه وكما له وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل قال: النبي ﷺ في تفسير الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك إشارة إلى كمال الحضور مع الله ومراقبته الجامع لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان وقد وعد اللّه على الإحسان بالإحسان فقال: تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (٢) قال: ابن عباس ﵄ هل جزاء من قال: لا إله إلا اللّه وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة وقد روي عن النبي ﷺ أنه قرأ لهاشم فقال: "هل تدرون ما قال ربكم" قالوا اللّه ورسوله أعلم قال: "يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة" (٣). فائدة: وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه وآخر يغلب عليه أن الحق مطلع عليه ومشاهد له

стр. 5591

وإليه الإشارة بقوله ﷺ فإن لم تكن تراه فإنه يراك وبقوله: تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ (١) الآية وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (٢) وهاتان الحالتان ثمرة معرفة اللّه تعالى وخشيته وقد قال اللّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣) فسر النبي ﷺ الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم وأحسنوا إن اللّه يحب المحسنين وإن اللّه لمع المحسنين فمن تحقق بمراقبة اللّه حتى كأنه يرى اللّه فذاك المحقق العظيم ومن تحقق بأن اللّه يراه في كلّ حال استحي منه أن يعصيه وقيل كان ابن عمر في سفر يرعى فرأى غلاما يرعى غنما فقال: تبيع من هذا الغنم واحدا فقال: إنها ليست لي فقال: قل لصاحبها إن الذئب قد أخذ منها واحدا وأراد أن يختبره بذلك فقال: العبد فأين اللّه فكان ابن عمر يقول بعد ذلك إلى مدّة قال: ذلك فأين اللّه ا. هـ. قوله: "قال فأخبرني عن الساعة" يعني القيامة أي عن زمن وجودها سميت ساعة وإن طال زمنها اعتبارًا بأول زمنها فإنها تقوم بغتة في ساعة ومن الناس من يكون قد تناول لقمة فلا يمهل حتى يبتلعها فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها والساعة في القرآن على وجهين الساعة الأولى

стр. 5592

وهي عبارة عن نفخ سيدنا إسرافيل في الصور لموت الناس والثانية: ساعة البعث وسؤال جبريل ﵇ عن الساعة الأولى لأن العلامات والأشراط إنما هي لها وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لتقوم الساعة وقد نشر الرجال ثوبهما بينهما يتبايعان فلا يطويانه الحديث (١). قوله: ﷺ في حديث جبريل ﵇ "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" الحديث أي كانا سواء في عدم العلم بزمن وقوعها يعني أن علم الخلائق كلهم في وقت الساعة سواء وهذا إشارة إلى أن اللّه تعالى استأثر بعلمها فهذا يدلّ على أن العالم والمفتي إذا سئل عما لا يعلمه يقول لا أعلم وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه ا. هـ واعلم أن جبريل ﵇ قد علم أن علم الساعة مما استأثر اللّه تعالى به لا يعرفه ملك مغرب ولا نبي مرسل ولذلك قال: ﷺ ما المسئول عنها بأعلم من السائل أي تساويا في عدم العلم بها وإنما سأله عنها ليسمع الأمة بما يجيب عنه فيعلموا أن العلوم المكنونة فيعلموا أن العلوم المكنونة مع معرفة أمارتها بمعزل عن درك العقول فيقفوا عن حد الأدب وينتهوا إلى معالم العبودية ولا يتطلعوا إلى البحث عنه والخوض فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٣)، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٤)، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا

стр. 5593

عِنْدَ رَبِّي﴾ (١) الآيات وفي صحيح مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا اللّه وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) الآية (٣). قوله: ﷺ قال "فأخبرني عن أماراتها" هو بفتح الهمزة أي شرطها وعلامتها التي تدل على اقترابها وربما روي أمارتها على الجمع يقال أمارة وأمارات وأمار بإثبات الهاء وحذفها نحو ضلالة وضلالات وضلال من باب ما بين الواحد وجمعه حذف الهاء نحو تمرة وتمر، وأما الأمارة بكسر الهمزة فهي الولاية، وقد ذكر النبي ﷺ للساعة علامتين في هذا الحديث الأولى قوله ﷺ "أن تلد الأمة ربتها" أي سيدتها ومالكتها تأنيث رب وفي رواية الأخرى ربها على التذكير أي سيدها وفي رواية الأخرى بعلمه والصحيح أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها قال أهل اللغة: بعل الشيء ربه ومالكه وقال ابن عباس: ﵄ والمفسرون في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ (٤). أي ربا والمراد بالبعل في الحديث الزوج ومعناه أن يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري وهذا أيضًا معنى صحيح وفي تفسير أن تلد الأمة ربتها أو ربها أوجه أحدها أن يكثر بيع السراري حتى تلد الأمة

стр. 5594

السرية بنتا لسيدها وبنت السيد في معنى السيد. الثاني: أن يكثر بيع السراري حتى تشتري الأمة أمها وتستعبدها جاهلة بأنها أمها. الثالث: أن معناه أن الإماء يلدن الملوك فتكون أمة من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهذا قول إبراهيم الحربي انتهى كلام الطوفي (١) وقيل المراد بذلك الهجوم على بيع أمهات الأولاد حتى تنتقل الأمة بالبيع إلى ولدها وهو لا يشعر فيستولى عليها وقيل فيه إشارة على كثرة العقوق حتى أن الرجل يعامل والدته معاملة الإماء وقيل غير ذلك واللّه أعلم وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى يكثر السراري ويكثر أولادهن فتكون الأمة ورقيقة لسيدها وأولاده منها بمنزلة فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها أي سيدها وقال الأكثرون: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالبا وقد يتصرف فيه حياته تصرف المالكين أما بتصريح أبيه له بالإذن وإما بعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال وفيه اختلاف كثير. العلامة الثانية قوله ﷺ : "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" والحفاة بحاء مهملة جمع حاف وهو الذي لا نعل له والعراة جمع عار والعالة جمع عائل وهو الفقير والعيلة الفقر وعال الرجل

стр. 5595

يعيل عيلة أي افتقر ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (١) ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٢) ورعاء الشاة بكسر الراء وبالمد جمع راع كصاحب وصحاب ويقال فيهم رعاة بضم الراء وزيادة تاء بالمد كقاض وقضاة وغاز وغزاة ورام ورماة ومعناه رعاء الغنم ومنه قوله: تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ هو (٣) ومعنى هذا قال الشيخ محي الدين النووي: أن أسافل الناس يصيرون أصحاب ثروة (٤) انتهى كلامه، وقال الطوفي في شرح الأربعين النووية قلت: ولعل هذا ينظر إلى قوله ﷺ "وإذا وسد الْأَمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" لأن أسافل الناس وأراذلهم ليسوا من أهل الإمارة والولاية فإذا تأمروا آثروا (٥) ا. هـ، وقال أبو سليمان الخطابي رحمة اللّه تعالى: يريد العرب الذين هم أرباب الإبل ورعاتها أي يتسع الإسلام ويفتتح هؤلاء البلاد ويسكتونها ويتطاولون في البنيان بعد أن كانوا أهل النجع لا تستقر بهم دار قاله البغوي (٦) فيه دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البنيان معروفا في زمن النبي ﷺ بل كان بنيانهم قصير بقدر الحاجة وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول اللّه ﷺ "لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان"

стр. 5596

أخرجه البخاري (١) ا. هـ ذكره ابن رجب (٢) وقيل: هذا كما في حديث أشراط الساعة، ويتكلم فيه الرويبضة وهو الرجل التافه يتكلم في أمور العامة قيل الرويبضة هو تصغير الرابضة وهو راعي التربيض والتربيض الغنم والهاء للمبالغة ذكره البغوي في شرح السنة (٣) والمقصود من هذا الأخبار بتغير الأحوال وتبدلها وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يؤجر ابن آدم في كلّ شيء إلا فيما يضعه في هذا التراب" (٤) وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة واللّه أعلم. فائدة: ولعله ﷺ إنما اقتصر الحديث على هاتين الأمارتين تحذير الحاضرين وغيرهم منها أعنى كثرة اتخاذ السراري وبيعهن والتطاول في البنيان وتوسيد الْأَمر إلى غير أهله لاقتضاء الحال ذلك ولعلهم كانوا يتعاطون شيئًا من ذلك فزجرهم عنه ا. هـ قاله الطوفي (٥). قوله ﷺ : قال "ثم انطلق فلبثت مليًّا" قال النووي في شرح مسلم (٦): هكذا ضبطناه لبث آخره مثلثة من غير تاء وفي كثير من الأصول المحققة لبثت بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح وقوله: "مليا" بتشديد الياء أي قوتا

стр. 5597

طويلا وقال بعضهم: زمانا طويلا كثيرًا وكان ذلك ثلاثًا هكذا جاء مبنيا وفي رواية أبو داود والترمذي وغيرهما وظاهرها هذا أنه بعد ثلاث ليال وظاهر قال الطوفي (١): قلت ملى غير مهموز ومنه قوله: تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٢) لأنه من الملو أن الليل والنهار وأمالهم أن اللّه يملي للظالم ولا همز في شيء من ذلك انتهى. قوله ﷺ : قال: يا عمر أتدري من السائل قال اللّه ورسوله أعلم فيه دليل على استحباب تنبيه المعلم تلاميذه والرئيس من دونه على فوائد العلم وغرائب الوقائع طلبا لنفعهم فائدتهم ا. هـ ذكره الطوفي (٣) قوله: "فإنه جبريل" جبريل اسم أعجمي سرياني قيل معناه عبد اللّه وتقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة واللّه أعلم قيل أن النبي ﷺ لم يعرف جبريل حين سأله وإنما عرفه بعد ذلك بوحي أو نظر ويقال أنه ﵇ قال: ما جاءني في صورة لم أعرفها إلا هذه المرة وجبريل ﵇ لم يعلمهم شيئًا إنما الذي علمهم بالحقيقة هو النبي ﷺ لكن جبريل لما كان سؤاله سبب التعليم من النبي ﷺ نسب التعليم عليه مجازا من باب إطلاق اسم المسبب على السبب. قوله: "أتاكم يعلمكم دينكم" والدين الملة والشريعة ويستعمل أيضًا في الجزاء ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ (٤) أي يوم الجزاء وبمعنى

стр. 5598

العبادة وفي هذا الحديث أن الإسلام والإيمان والإحسان تُسمّى كلها دينا واللّه أعلم واعلم أنه لو كان لم يكن في السنة جميعها غير هذا الحديث لكان وافيا بأحكام الشريعة لاشتماله على جملها مطابقة وعلى تفاصيلها ضمنا وجمعه بين الطاعات المتعلقة بالقلب والبدن أصولا وفروعها ا. هـ قاله الطوفي (١) فاشتمل هذا الحديث على أنواع من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الإسلام قال القاضي عياض (٢): فإنه قال: أن هذا الحديث اشتمل جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة قال أبو العبَّاس القرطبي (٣): فيصلح في هذا الحديث أن يقال فيه أنه أم السنة لما تضمنه من علومها كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من معاني القرآن قلت: فلذلك افتتح به مسلم كتابه وفيه دليل على أن اللّه تعالى مكن الملائكة من أن يتمثلوا فيما شاءوا من صور بني آدم كما قد نص اللّه على ذلك في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤) وقد كان جبريل ﵇ يتمثل للنبي ﷺ في صورة دحية وكان لجبريل صورة خاصة خلق عليها لم يره النبي ﷺ عليها غير مرتين وهذا يدلّ على أنه ﷺ عرف جبريل لكن في آخر الْأَمر كما جاء التصريح في رواية البخاري. وقوله: "يعلمكم دينكم" يعني قواعد الدين وكلياته ا. هـ.

стр. 5599

٢٨٧٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ سلوني فهابوه أَن يسألوه فجَاء رجل فَجَلَسَ عِنْد رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه مَا الْإِسْلَام قَالَ لا تشرك بِاللّه شَيْئا وتقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكاة وتصوم رَمَضَان قَالَ صدقت قَالَ يَا رَسُول اللّه مَا الايمان قَالَ أَن تؤمن بِاللّه وَمَلَائِكَته وَكتابه وَرُسُله وتؤمن بِالْبَعْثِ الآخر وتؤمن بِالْقدرِ كلّه قَالَ صدقت قَالَ يَا رَسُول اللّه مَا الإِحْسَان قَالَ أَن تخشى اللّه كَأنَّك ترَاهُ فَإنَّك إِن لَا تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك قَالَ صدقت قَالَ يَا رَسُول اللّه مَتى تقوم السَّاعَة قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وسأحدّثك عَن أشراطها إِذا رَأَيْت الْمَرْأَة تَلد رَبهَا فَذَاك من أشراطها وَإِذا رَأَيْت الحفاة العراة الصم الْبكم مُلُوك الْأَرْض فَذَاك من أشراطها وَإِذا رَأَيْت رعاء البهم يتطاولون فِي الْبُنيان فَذَاك من أشراطها الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ وَهَذَا الحَدِيث لَهُ دلالات كثِيرَة وَلم نذكرهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَكَان حَسْبَمَا اتّفق فِي الْإِمْلَاء (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁: تقدمت ترجمته. قوله: "فجاء رجل فجلس عند ركبتيه" هذا الرجل هو جبريل ﵇ وجبريل ملك ملك يتوسط بين اللّه ورسله بالوحي. قوله: قال: يا رسول الله ما الإسلام قال "لا تشرك باللّه شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان" الحديث تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.

стр. 5600

قوله: قال: يا رسول ما الإيمان قال "أن تؤمن باللّه وملائكته وكتابه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر وتؤمن بالقدر كلّه" قال: صدقت. الحديث. قوله: "وتؤمن بالبعث الآخر" بكسر الخاء واختلف في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء اللّه والبعث فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب وقيل ليس المراد باللقاء رؤية اللّه تعالى فإن أحدا لا يقطع لنفسه برؤية اللّه تعالى لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ولا يدري الإنسان بماذا يختم له وأما وصف البعث بالآخر فقيل هو مبالغة في البيان والإيضاح وذلك لشدة الاهتمام به وقيل سببه أن خروج الإنسان على الدنيا بعث من الأرحام وخروجه من القبر إلى الحشر بعث فقيد البعث بالآخر ليتميز. وإليه الإشارة بقوله: وإن اللّه يبعث من في القبور ا. هـ قاله النووي في شرح مسلم (١) وأما اليوم الآخر فأوله من ساعة الموت إلى الحشر إلى الأبد إما في نعيم مخلد وجعلنا اللّه إياكم من أهله أو في عذاب سرمد أعاذنا اللّه وإياكم منه فيجب الإيمان بما بين الموت التي دخول إحدى الدارين. قوله: "وتؤمن بالقدر كلّه" وأما القدر فقد سبق معنى الإيمان به ذكره الطوفي (٢). قوله: قال يا رسول اللّه ما الإحسان، تقدم الكلام.

стр. 5601

قال: "أن تخشى اللّه كأنك تراه فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك" قال: صدقت الحديث. هذا من جوامع الكلم الذي أوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه، إلا التي به فقال ﷺ : "اعبد اللّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان" فإن التأميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع ربه عليه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومرأقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخضوع والخضوع غير ذلك وقد نبد أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم فيكون فكيف بمن لا يزال اللّه تعالى مطلعا عليه في سره وعلانيته واللّه أعلم. تنبيه: إذا سئلت عنه ما هو فقل الإحسان أن تأتي بقواعد الإيمان وخصال الإسلام كلها بشروطها وأدائها وحين إتيانك بها تستحضر عظمة الرب وجلاله وكثرة نعمه عليك وكأنك بين يديه وثمرة ذلك ارتعاد قلبك من خشية اللّه وهيبته وحياؤك من كثرة أياديه عليك وإحسانه وتقصيرك في حقه وتفريطك فهذه مقامات الدين الثلاث، الإيمان ومتعلقه ستة أشياء اللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر فالعلم بأحكام هذه الأشياء الستة هو أعلم المسمى بأصول الدين أما الإيمان فقد سبق القول في لفظه أنه التصديق المجرد وأنه مغاير للإسلام أما اللّه فيتعلق الإيمان

стр. 5602

بذاته وصفاته وأفعاله وأم الملائكة فيجب الإيمان بأنهم عباد مكرمون وإنهم خلقوا من نور أنهم مطيعون معصومون لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأما الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والقرآن الزبور والفرقان فيجب الإيمان بإنزالها وبما تضمنه من حكم وخبر والعمل بما فيها ما لم يثبت نسخه وأما الرسل فهو جمع رسول وهو النبي الذي أنزل عليه الرسالة والنبي أعم من وقد ذكر الملائكة على الرسل إتباعا لترتيب الوجود فإن الملائكة مقدمون في الخلق وللترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة فإنه يقال أرسل اللّه الملك إل الرسول لا تفضيلا للملائكة على الرسل كما هو زعم المعتزلة فيجب الإيمان بعد النظر في معجزاتهم بإرسالهم وبما أرسلوا به وأن إرسالهم واجب من اللّه لا عليه وأما اليوم الآخر فأوله من الساعة الموت إل الحشر إل الأبد أما في نعيم مخلد جعلنا اللّه وإياكم من أهله أو في عذاب سرمد أعاذانا اللّه إياكم منه فيجب الإيمان بما بين الموت إلى دخول إحدى الدارين. قوله: "تؤمن بالقدر" فقد سبق معنى الإيمان به ذكره الطوفي. قوله: الإحسان تقدم الكلام علي الإحسان وفيه أن تعبد اللّه كأنك تراه، العبادة هي الطاعة مع الخضوع فيحتمل أن يراد بها معرفة اللّه ويحتمل أن يراد بها الطاعة مطلقا فتدخل جميع وظائف الإسلام فيها ا. هـ قاله الكرماني (١) قوله: قال يا رسول اللّه متى تقوم الساعة قال "ما

стр. 5603

المسؤول عنها بأعلم من السائل" تقدم أيضًا الكلام على قوله: "ما المسؤل عنها بأعلم من السائل" في الحديث قبله. قوله ﷺ : "وسأحدّثك عن أشراطها" هو بفتح الهمزة واحدها شرط بفتح الشين والراء والأشراط العلامات وقيل أوائلها وقيل مقدماتها وقيل صغار أمورها قبل تمامها وكله مقارب والمراد أشراطها السابقة لا أشراطها المتقاربة المضايقة كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحوهما ا. هـ. قوله: ﷺ "إذا رأيت الأمة وفي بعض الروايات المرأة تلد ربها أي سيدها فذاك من أشراطها أي من علاماتها" وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الحديث قبله. قوله: وأن ترى الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها" الصم جمع الأصم وهو الذي لا يسمع وأراد به الذي لا يهتدي ولا يقبل الحق من صمم العقل لا صمم الأذن قاله في النهاية (١) والبكم جمع الأبكم وهو الذي خلق أخرس لا يتكلم وأرتاد بهم الرعاع الجهال لأنهم لا ينتفعون بالسمع ولا بالنطق كثير منفعة فكأنهم سلبوها كأنهم صم بكم كما قيل في قوله: تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٢) قال الطحاوي (٣): صم عن الهدى بكم

стр. 5604

عن الخير ويحتمل أن يريد الذين لا ينطقون في المشاهد والجماعات ولا يشيرون ولا يشارون لجهلهم وخمولهم وضعتهم في العرب وسوء حالهم وقيل صم بكم لشغلهم عن الآخرة باللذات ا. هـ قاله عياض (١) وقيل المراد أنهم بكم عن معرض أحوال الظلمة ودفعهم المظالم كما هو الآن في أيامنا هذه وهذا بخلاف العرب فإنهم في الزمن الذي كانوا فيه ملوك الأرض كانت الأرض ممتلئة عدلا وأمنًا كما هو من المذكورين اليوم ظلما وجورا وقيل أراد بالصم البكم أهل البادية من العرب ا. هـ قاله في شرح المصابيح وهو إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة يرجع إلى أن الْأَمر توسد إلى غير أهلها كما قال النبي ﷺ : "إذا وسد الْأَمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والحفاة رؤس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولون في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا رأس الناس من كان فقيرا عائلا فصار ملكا على الناس سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا معاملهم بل همته في حيازته المال والبنيان ولا يبالي بما فسد من دين الناس ولا بمن ضاع من أهل حاجتهم فإذا صار ملوك الناس رؤسهم على هذه الحال وانعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب

стр. 5605

وكذب الصادق وإئتمن الخائن وخون الأمين وتكلم الجاهل وسكت العالم وعدم بالكلية وهذا كلّه من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور وفي صحيح الحاكم عن عبد اللّه بن عمرو مرفوعًا أن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار ويرفع الأشرار (١) ا. هـ ذكره ابن رجب الحنبلي (٢). قوله: ﷺ "وإذا رأيتُ رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها" أي من علاماتها رعاء البهم بفتح الباء وإسكان الهاء وهي الصغار من أولاد الضأن الغنم والمعز جميعا وقيل أولاد الضان خاصة واقتصر عليه الجوهري في صحاحه والواحدة بهمة قال الجوهري (٣): وهي تقع على المذكر والمؤنث والسخال أولاد المعزي قال فإذا أجمعت بينهما قلت بهام وبهم أيضًا وقيل أن البهم يختص بأولاد المعز وإليه أشار القاضي عياض واللّه أعلم. فائدة: وقد وردت أحاديث وآثار من علامات الساعة فمنها طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والدجال ويأجوج ومأجوج وكثرة الهرج وهو القتل وتضييع الأمانات وذهاب العلم وكثرة الجهل وتقارب الزمان وموت الفجأة وانتفاخ الأهلة ورفع الأشرار ووضع الأخيار وفيض المال حتى لا يقبله أحد

стр. 5606

وأن يحسر الفرات عن جبل ذهب وأشراط الساعة كثيرة معروفة وهي مستوفاة في كتب الحديث فمن أراد شيئًا من ذلك فليراجع مظانها واللّه أعلم. ٢٨٧٨ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول اللّه ﷺ خرج يَوْمًا وَنحن مَعَه فَرَأى قبَّة مشرفة فَقَالَ مَا هَذِه قَالَ أَصْحَابه هَذِه لفُلان رجل من الْأَنْصَار فَسكت وَحملهَا فِي نَفسه حَتَّى إِذا جَاءَ صَاحبهَا رَسُول اللّه ﷺ وَسلم عَلَيْهِ فِي النَّاس فَأَعْرض عَنهُ صنع ذَلِك مرَارًا حَتَّى عرف الرجل الْغَضَب فِيهِ والإعراض عَنهُ فَشَكا ذَلِك إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ وَاللّه إِنِّي لأنكر رَسُول اللّه ﷺ قَالُوا خرج فَرَأى قبتك فَرجع إِلَى قُبَّته فَهَدمهَا حَتَّى سواهَا بِالْأَرْضِ فَخرج رَسُول اللّه ﷺ ذَات يَوْم فَلم يرهَا قَالَ مَا فعلت الْقبَّة قَالُوا شكا إِلَيْنَا صَاحبهَا إعراضك عَنهُ فَأَخْبَرنَاهُ فَهَدمهَا فَقَالَ أما إِن كل بِنَاء وبال على صَاحبه إِلَّا مَا لا إِلَّا مَا لا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَة أخصر مِنْهُ وَلَفظه قَالَ مر رَسُول اللّه ﷺ بقبة على بَاب رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ مَا هَذِه قَالُوا قبَّة بناها فلَان فَقَالَ رَسُول اللّه ﷺ كلّ مَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ وبال على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة فَبلغ الْأَنْصَارِيّ ذَلِك فوضعها فَمر النَّبِيّ ﷺ بعد فَلم يرهَا فَسَأل عَنْهَا فَأخْبر أَنه وَضعهَا لما بلغه فَقَالَ يرحمه اللّه يرحمه اللّه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد مُخْتَصرًا أَيْضًا أَن رَسُول اللّه ﷺ مر ببنية قبَّة لرجل من الْأَنْصَار فَقَالَ مَا هَذِه قَالُوا قبَّة فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ كلّ بِنَاء وَأَشَارَ بِيَدِهِ على رَأسه أَكثر من هَذَا فَهُوَ وبال على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة (١).

стр. 5607

قَوْله: "إِلَّا مَا لا" أَي إِلَّا مَا لَا بُد مِنْهُ مِمَّا يستره من الْحر وَالْبرد وَالسِّبَاع وَنَحْو ذَلِك. قوله: وعن أنس (١) ﵁: هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام كنيته أبو حمزة الأنصاري الخزرجي البخاري خادم النبي ﷺ أمه أم سليم امرأة طلحة خدم النبي ﷺ عشر سنين مدّة إقامته بالمدينة. قوله: أن رسول اللّه ﷺ خرج يومًا ونحن معه فرأى قبة مشرفة وفي لفظ فرأى قبة مضروبة في المسجد والقبة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب ا. هـ قاله في النهاية (٢). قوله: ﷺ "أما إن كلّ بناء وبال على صاحبه" الحديث الوبال في الأصل الثقل والمكروه والمراد في الحديث العذاب في الآخرة. قوله: "إلا مالا إلا مالا" أي إلا ما لا بد للإنسان منه مما يستره من الحر والبرد والبياع ونحو ذلك ا. هـ قاله المنذري. قوله: "يرحمه اللّه يرحمه اللّه" كلمة دعاء فيا سعادة من دخل في دعوته الجامعة.

стр. 5608

٢٨٧٩ - وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ كُل بُنيان وبال على صَاحبه إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا وَأَشَارَ بكفه وكل علم وبال على صَاحبه إِلَّا من عمل بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَله شَوَاهِد (١). قوله: وعن واثلة بن الأسقع ﵁: (هو أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة، بكسر القاف، واثلة بن الأسقع بن عبد العزى أسلم والنبى ﷺ يتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة). قوله ﷺ : "كلّ بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا وأشار بكفه" الحديث تقدم تفسير الوبال. قوله: "وأشار بكفه" وإشارته بكفه كانت مختلفة بما كان منها في ذكر التوحيد والتشهد فإنه كان يشير بالمسبحة وحدها وما كان في غير ذلك فإنه كان يشير بكفه كلها ليكون بين الإشارتين فرق قاله في النهاية (٢). ٢٨٨٠ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِذا أَرَادَ اللّه بِعَبْد شرا خضر لَهُ فِي اللَّبن والطين حَتَّى يَبْنِي. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الثَّلَاثَة بِإِسْنَاد جيد (٣).

стр. 5609

قوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: ﷺ "إذا أراد اللّه بعبد شرا خضر له في اللبن والطين حتى يبني" الحديث خضر معناه زين له وفي الحديث من خضر له في شيء فليرمه أي بورك له فيه ورزق منه وحقيقته أن تجعل حالته خضراء. ٢٨٨١ - وروى فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أبي بشير الْأَنْصَارِيّ أَن رَسُول اللّه ﷺ قَالَ إِذا أَرَادَ اللّه بِعَبْد هوانا أنْفق مَاله فِي الْبُنيان (١). قوله: وروى في الأوسط من حديث أبي بشير الأنصاري (٢) ولفظه "إذا أراد اللّه بعبد هوانا أنفق ماله في البنيان" أبو بشير الأنصاري اسمه (محمد بن بشير بوزن عظيم، الأنصاري - ذكره البخاري في الصحابة).

стр. 5610

٢٨٨٢ - وَعَن عبد اللّه بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ من بنى فَوق مَا يَكْفِيهِ كلف أَن يحملهُ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة الْمسيب بن وَاضح وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا أنكر عَلَيْهِ وَفِي سَنَده انْقِطَاع (١). قوله: وعن عبد اللّه بن مسعود ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: في الحديث "من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة" الحديث وفي رواية "جاء يوم القايمة حامله على عنقه" قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: كره بعض الناس أن ينفق الرجل ماله في البناء واحتجوا بالحديث المذكور وروى عن الحسن البصري أن رجلًا قال له أني بنيت دارا فأدخلها وادع لي بالبركة فقام الحسن مع أصحابه ونظر في الدار وقال: خربت دار نفسك وعمرت دار غيرك غرك من الأرض ومقتك من في السماء وقال بعضهم: لا بأس به لأن اللّه تعالى قال: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ

стр. 5611

سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ (١) فأخبر أن بناء القصور من نعماء اللّه تعالى وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢) وذكر أن ابنا لمحمد بن سيرين بني دارا وأنفق عليها مالا كثيرًا وذكر ذلك لأبيه فقال ما أرى بأسا أن يبني الرجل بماله ما ينفعه وروى عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أنعم اللّه على عبد نعمة أحب أن يرى أشر النعمة عليه الحديث ثم أن من أثر النعمة البناء الحسد والنعمة الحسنة ألا ترى أنه لو اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وأن كان دون ذلك وكذلك البناء أو في الثياب فهو غير حرام بعد أن يتجنب ثلاثة أشياء أولها أن يكتبها من حرام أو شبهة والثاني أن لا يظلم مسلما ولا معاهدا الثالث أن لا يضيع فريضة اللّه تعالى انتهى. قوله: رواه الطبراني من رواية المسيب بن واضح (ضعفه الدَّارقُطْنِي، وقال أبو حاتم: صدوق يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل، ووثقه النسائي وابن حبان، وروى له غير ما حديث في صحيحه). ٢٨٨٣ - وَعَن أبي الْعَالِيَة أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁: بنى غرفَة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ اهدمها فَقَالَ أهدمها أَو أَتصدق بِثَمَنِهَا فَقَالَ اهدمها. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ مُرْسل جيد الْإِسْنَاد (٣).

стр. 5612

قوله: وعن أبي العالية (بالعين المهملة والياء المثناة من تحت، الرياحي، بكسر الراء وبالياء المثناة من تحت، واسمه رفيع، بضم الراء، ابن مهران، بكسر الميم، البصرى التابعى). قوله: أن العبَّاس بن عبد المطلب بني غرفة فقال: له النبي ﷺ أهدمها الحديث العبَّاس بن عبد المطلب (١) هو عم رسول اللّه ﷺ هو أبو الفضل الهاشمي كان أسن من رسول اللّه ﷺ بسنتين أو ثلاث وأمه نتيلة بضم النون وفتح التاء المثناة فوق وهو أول أعرابية كست الكعبة الحرير قالوا وسببه أن العبَّاس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسوها فوجدته ففعلت وكان العبَّاس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام وكان أبيه عمارة المسجد الحرام والسقاية وحضر ليلة العقبة مع رسول اللّه ﷺ حين بايعت الأنصار قبل أن يسلم العبَّاس فشدد العقد مع الأنصار وأكدها وخرج مع المشركين إلى بدر مكرها وأسر وفدى نفسه وابن اخيه عقيلا ونوفل بن الحارث وأسلم عقب ذلك وقيل أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه مقيما بمكة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللّه ﷺ وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة قالوا وأراد القدوم إلى المدينة فقال له النبي ﷺ مقام بمكة خير وكان رسول اللّه

стр. 5613

- ﷺ يعظمه ويكرمه ويبجله وكان وصلا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأي وكمال عقل جوادا أعتق سبعين عبدا وكانت الصحابة تعظمه وتكرمه وتبجله وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه وكان للعباس عشر بنين وثلاث بنات الفضل وعبد اللّه وعبيد اللّه وقثم وعبد الرحمن وعبد والحارث وكثير وعون وتمام وءامنه وأم حبيب وصفية روي له عن النبي خمسة وثلاثون حديثًا اتفقا على حديث وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة وفي كتاب الترمذي أن رسول اللّه ﷺ قال: للعباس "والذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم وللّه ولرسوله" ثم قلا: "أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه" (١) وصنو بكسر الصاد أي مثل أبيه وثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون توفي العبَّاس بالمدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين وقيل أربع وثلاتين وهو ابن نحو ثمان وثمانين سنة وقبره مشهور بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة وتقدم الكلام عليه مبسوطا في صلاة التسبيح.

стр. 5614

قوله: رواه أبو داود في المراسيل وهو مرسل جيد الإسناد. فائدة حقيقة المرسل قول التابعي قال: رسول اللّه ﷺ أو فعل كذا وهو حجة هند أبي حنيفة والشافعي لا يحتج به إلا إذا اقترن بأحد أمور إما أن يسند من طريق أخرى إما أن يكون على وفق المراد القياس وإما أن يعمل به أكثر الصحابة أما مراسيل سعيد بن المسيب عندنا حسنة وهذا لا يفيدهم لجواز أن يريد بحسنها أنها تفيد الترجيح فإن قالوا قد قال في موضع آخر: ومراسيل سعيد بن المسيب عندنا حجة قلنا مراده بذلك بعض مراسيله لا كلها فإن البيهقي والخطيب البغدادي قالا ترك الشافعي جملة من مراسيل سعيد بن المسيب لم يعمل بها وعمل بعدة من مراسيل غيره فعلم بذلك الشافعي لم يعمل بمراسيل سعيد على الإطلاق ولم يرد مراسيل غيره على الإطلاق وأما مراسيل الصحابة فجماهير العُلماء على أنه حجة وخالف الإستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فقال: ليس بحجة لجواز أن يكون سمعه من تابعي آخر وأجيب عن ذلك بأن الصحابة بالاستقراء لم يرووا عن التابعين شيئًا مضافا إلى رسول اللّه ﷺ فإن قيل قد روت الصحابة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وليسا من الصحابة، قلنا الحكم للأعم الأغلب ولا نظر إلى فرد من الأفراد (١) ذكره ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام له. ٢٨٨٤ - وَعَن جَابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "كُلّ مَعْرُوف صَدَقَة وَمَا أنْفق الرجل على أَهله كتب لَهُ صَدَقَة وَمَا وقى بِهِ الْمَرْء عرضه كتب لَهُ بِهِ

стр. 5615

صَدَقَة وَمَا أنْفق الْمُؤمن من نَفَقَة فَإِن خلفهَا على اللّه وَاللّه ضَامِن إِلَّا مَا كَانَ في بُنيان أَو مَعْصِيّة" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم كِلَاهُمَا عَن عبد الحميد بن الْحسن الْهِلالِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ وَيَأْتِي الْكَلام على عبد الْوَاحِد (١). قوله: وعن جابر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "كل معروف صدقة" الحديث المعروف تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة" قال: هو ما يعطي الشاعر وذو اللسان المتمنى وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب النكاح ومن قاله. ٢٨٨٥ - وَعَن حَارِثَة بن مضرب قَالَ أَتَيْنَا خبابا نعوده وَقد اكتوى سبع كيات فَقَالَ لقد تطاول مرضِي وَلَوْلا أنِّي سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول لَا

стр. 5616

تَتَمَنَّوْا الْمَوْت لتمنيت وَقَالَ يُؤجر الرجل فِي نَفَقَته كلهَا إِلَّا فِي التُّرَاب أَو قَالَ فِي الْبناء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (١). قوله: وعن حارثة بن مضرب. مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء العبدي الكوفي التابعي (سمع عمر بن الخطاب، وعليًا، وابن مسعود، وأبا موسى الأشعري، وعمارًا، وغيرهم، ﵃. قال يحيى بن مَعين وغيره: هو ثقة). قوله: "قال أتينا خبابا نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال لقد تطاول مرضي" الحديث وخباب هو (خباب بن الأرت بن جندلة بن خزيمة، وهو عربي لحقه سباء في الجاهلية فبيع بمكة، وقيل: هو حليف بنى زهرة، وقيل: هو مولى أم أنمار بنت سباع الخزاعية، فهو تميمى النسب، خزاعى الولاء، زهرى الحلف، وكان خباب من السابقين إلى الإسلام، وممن تعذب في اللّه تعالي، وكان سادس ستة في الإسلام، وشهد مع رسول اللّه ﷺ بدرًا، وأُحُدًا، والمشاهد كلها مع رسول اللّه ﷺ . رُوى له عن رسول اللّه ﷺ اثنان وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديث).
следующие страницы →