← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 5752–5791 · переход к 5757.

стр. 5752

افتقر أي لصق بالتراب وأترب إذا يسر قيل لم يتعمد النبي ﷺ الدعاء عليهما بالفقر ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها ولا يريدون وقوع الْأَمر وقيل تربت يداك إن لم تفعل ما أمرتك به (وانتفعت) بعظتي والأصح والأقوى الذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها افتقرت ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدين حقيقة معناها الأصلي فيذكرون تربت يمينك أو يداك وقاتله اللّه مكا أشجعه وثكلته أمه وويل أمه وما أشبه هذا من ألفاظهم يقولونها عند إنكار الشيء أو الزجر عنه أو الذم عليه واستعظامه أو الحث عليه أو الإعجاب به واللّه أعلم وذكر أبو عبيدة في ذلك ثلاثة أقوال أحدها أن تربت بمعنى افتقرت وأنها كلمة تقولها العرب ولا يقصدون الدعاء على الشخص كقولهم عقرى خلقى والثاني: المعنى نزل بك الفقر عقوبة أن تعديت ذات الدين إلى ذات الجمال والمال والثالث: أن تربت بمعنى استغنيت من الغنا واختار القول الأول وخطأ الأخير والذي اختاره أبو عبيدة هو الصحيح والذي خطأه كما قال فإنه لا يعرف تربت بمعنى استغنى (١) ا. هـ قاله في الحواشي عقري حلقي لم يرد وقوع العقر ولا وجع الحلق ولكنها كلمة تقولها العرب عند انكار الشيء أو الزجر عنه أو الذم عليه والحث عليه أو الإعجاب. ٢٩٥٦ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ من تزوج امْرَأَة لعزها لم يزده اللّه إِلَّا ذلا وَمن تزَوجهَا لمالها لم يزده اللّه إِلَّا فقرا وَمن تزَوجهَا لحسبها لم

стр. 5753

يزده اللّه إِلَّا دناءة وَمن تزوج امْرَأَة لم يرد بهَا إِلَّا أَن يغض بَصَره ويحصن فرجه أَو يصل رَحمَه بَارك اللّه لَهُ فِيهَا وَبَارك لهَا فِيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١). قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: ﷺ "من تزوج امرأة لعزها لم يزده اللّه إلا ذلا ومن تزوجها لمالها لم يزده اللّه إلا فقرا" الحديث فذكره إلى أن قال: "من تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك اللّه له فيها" والمراد بالرحم القرابة سواء كان وارثا أو غير وارث. قوله: وفي حديث أنس "من تزوج امرأة لعزها لم يزده اللّه إلا ذلا ومن تزوجها لمالها لم يزده اللّه إلا فقرا" قال يحيى بن يحيى النيسابوري: كنت عند سفيان بن عيينة إذا جاءه رجل فقال: يا أبا محمد أشكوا إليك من فلانة يعني امرأته أنا أذل الأشياء عندها وأحقرها فأطرق سفيان مليا ثم رفع رأسه فقال لعلك رغبت إليها لتزداد (بذلك) عزا فقال (نعم) يا أبا محمد فقال: من ذهب إلى العز ابتلى بالذل ومن ذهب إلى المال ابتلي بالفقر ومن ذهب إلى

стр. 5754

الدين يجمع (اللّه له العز والمال مع الدين، ثم أنشأ يحدّثه، فقال: كنا إخوة أربعة، محمد وعمران وإبراهيم وأنا فمحمد أكبرنا وعمران أصغرنا، وكنت) أوسطهم فلما أراد محمد أن يتزوج رغب في الحسب فتزوج من هي أكثر من حسبا فابتلاه اللّه بالذل وعمران رغب في المال فتزوج من هي أكثر منه مالا فابتلاه اللّه بالفقر أخذوا ما في يديه ولم يعطوه شيئًا فتعبت في أمرهما فقدم علينا معمر بن راشد فشاورته وقصصت عليه قصة إخوتي فذكرني حديث يحيى بن أبي جعدة قال النبي ﷺ : "تنكح المرأة على أربع دينها وحسبها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين" الحديث وحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" فاخترت لنفسي الدين وتخفيف الظهر اقتداء بسنة رسول اللّه ﷺ فجمع اللّه لي العز والمال مع الدين (١) ا. هـ. ٢٩٥٧ - وَعَن عبد اللّه بن عَمْرو ﵄ قالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ : "لَا تزوجوا النِّسَاء لحسنهن فَعَسَى حسنهنَّ أَن يرديهن وَلَا تزوجوهن لأموالهن فَعَسَى أموالهن أَن تطغيهن وَلَكِن تزوجوهن على الدّين وَلأمة خرماء سَوْدَاء ذَات دين أفضل" رَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم (٢). قوله: ﷺ "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن" الطغيان تجاوز.

стр. 5755

الحد قال اللّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ (١) يقال: طغى البحر إذا هاج موجه وطغى الدم تبيغ. قوله: "ولكن تزوجوهن على الدين" أي على ابتغاء الدين أو للدين وهذه الحروف يقوم بعضها مقام بعض وإذا (كان) أقوم الدواعي الدين كان العقد أدوم وعاقبته أحمد. قوله: "ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل" يقال: خرمته أخرمه إذا قطعته ونقصته وما خرم على الطريق أي ما عدل ورجل أخرم إذا قطع طرف أنفه والمرأة خرماء (٢) فالأمة الخرماء أفضل من حمراء سليمة ليست ذات دين فحذف لفهم المقصود ثم يجوز أن يريد أن الأمة على نقصانها رقا وخلقة إذا كانت ذات دين أفضل من الحرة السليمة إذا لم تكن ذات دين (٣) الحديث (رواه ابن ماجة من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف). قال الرافعي في أماليه (٤): الدين هنا يمكن حمله على الملة والتوحيد أي ارغبوا عن تزويج الكتابيات فهو مكروه والأظهر حمله على الطاعات والأعمال الصالحة والعفة وهذا هو الذي يعنيه الفقهاء بقولهم أن الدين من خصال الكفاءة وقيل المراد بالدين هنا الطاعة والخضوع ومنه قوله تعالى:

стр. 5756

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ويقال: دان أن له أي إطاعة ولفظ الدين مشترك بين معان كثيرة يطول ذكرها واللّه أعلم. ٢٩٥٨ - وَعَن معقل بن يسَار ﵁ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللّه ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول اللّه إِنِّي أصبت امْرَأَة ذَات حسب ومنصب وَمَال إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلد أفأتزوجها فَنَهَاهُ ثمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ أتاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ لَهُ تزوجوا الْوَدُود الْوَلُود فَإِنِّي مُكَاثِر بكم الأُمَم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (٢). قوله: وعن معقل بن يسار ﵁ تقدم. قوله: "قال جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ فقال يا رسول اللّه إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها فنهاه" الأعرابي تقدم الكلام عليه وهو الذي سكن البادية وتقدم الكلام على الحسب في أحاديث الباب والحسب هنا الفعل الحسن من الشخص ومن آبائه مأخوذ من

стр. 5757

الحساب وذلك أنهم إذا تفاخروا عد كلّ واحد منهم مناقبه ومآثر آبائه وحسبها والمراد بالمنصب (الأصل أو الشرف، يقال لفلان منصب وزان مسجد أي علو ورفعة وفلان له منصب صدق يراد به المنبت والمحتد). قوله: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" رواه أبو داود والنسائي ا. هـ وفي حديث آخر قال: ﷺ "والمولود من أمتي خير من الدنيا وما فيها" (١) وقال: "إني مكاثر بكم الأمم" وفي الحديث "لا تزوجن عاقرا فإني مكاثر بكم" (٢) العاقر المرأة التي لا تحمل والودود هي التي لم تخالط بردها غيرك وهي البكر التي لم تعرف غيرك من الود والمحبة يقال: وددت الرجل أوده إذا أحببته فعول بمعنى مفعول أو التي يكثر منها الود وكذلك الولود في الولادة وهو إشارة إلى التسبب بذلك في كثرة النسل ولهذا قال: ﷺ "فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة فإن بعض الأنبياء يأتي ومعه الرجل والرجلان وبعضهم أكثر تابعا وأكثرهم موسى ﵇ إلا ما كان من نبينا فإنه أكثرهم تابعا حتى إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا هذه الأمة منها ثمانون كما رواه ابن حبان في صحيحه. قال أبو الفرج بن الجوزي: النكاح مع خوف العنت واجب ومن غير

стр. 5758

خوف العنت سنة مؤكدة عند جمهور العُلماء ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أنه حينئذ أفضل من جميع النوافل لأنه سبب في وجود الولد وقال: ﵇ "تناكحوا تناسلوا" وفي حديث آخر "تناكحوا تكثروا" رواه الشافعي بلاغا وفي الحديث أيضًا "تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط" وقد طلب الأنبياء الأولاد وتسبب الصالحون إلى وجودهم ورب جماع حدّث منه ولو كالشافعي وأحمد كان خيرا من عبادة ألف سنة وقد جاء الخبر بإثابة المباضع والمنفق على الأولاد ومن يموت له ولد ومن يخلف ولدا (بعده) فمن أعرض عن طلب الولد خالف المسنون والأفضل (وحرم أجرا جسيما ومن فعل ذلك) فإنما يطلب طريق الراحة قال الجنيد رحمة اللّه عليه: الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام قال ابن الجوزي وهذا غلط فإن تسمية بالمباح عقوبه لا يحسن لأنه لا يباح شيء ثم يكون ما يتجدد منه عقوبة ولا يندب إلى شيء إلا وحاصله مثوبة ا. هـ (ذكره في تلبيس إبليس) (١). "فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" ليس المراد بالمكاثرة هنا (المفاخرة) المنهي عنها وإنما يفعله تنويها بقدرهم وتبشيرا لهم ليجتهدوا في نيل ما أخر لهم من المراتب والتشريف ببركة نبيهم وشرفه وعظيم قدره ﷺ لهذا قال: ﷺ "إني مكاثر بكم الأمم" ولم يقل الأنبياء واللّه أعلم قاله في شرح الإلمام.

стр. 5759

تنبيه: في تزويج البكر روى مسلم في صحيحه من حديث جابر قال: تزوجت امرأة في عهد النبي ﷺ فقال: يا جابر تزوجت قلت نعم فقال: بكرا أو ثيبا قلت ثيبا قال: "فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" وجاء "تداعبها وتداعبك" وجاء "تضحكها وتضحاكك" وجاء "فأين أنت من العذراء ولعابها" بكسر اللام من الملاعبة وفي رواية عند البخاري بضمها (١) إشارة إلى طلب النكهة وما يتعلق بذلك القتل ومص طيّب اللعاب. قال النووي (٢): وقد حمل الجمهور قوله تلاعبها وتلاعبك على اللعب المعروف وبعضهم على الريق وروى ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير" (٣). قال الجوهري (٤): نتقت المرأة إذا كثر ولدها فهي ناتق ومنتاق وفي هذه

стр. 5760

الأحاديث الحث على تزويج الإبكار لما في ذلك من الفوائد المذكورة في الملاعبة وحسن التبعل وطيب الأفواه وكثرة النسل وعدم الالتفات إلى الغير فقد يتعلق قلبها بمن فارقها أو بأولادها ولهذا جاء في حديث ضعيف "النهي عن اللبوت" وفي الخبر أن رجلًا جاء إلى النبي داود ﵇ وقال: إني أريد أن أتزوج فكيف أتزوج فقال: اذهب إلى سليمان فسله وكان سليمان ابن سبع سنين فخرج الرجل إلى سليمان فوجده يلعب مع الصبيان وهو راكب على قصبة فأتاه وقال: إني أريد أن أتزوج فكيف أتزوج قال: عليك بالذهب الأحمر والفضة البيضاء واحذر الفرس كي لا يضربك فلم يفهم الرجل جوابه وقد كان داود أمره أن يرجع إليه فرجع إليه وأخبره بمقالته فقال: له داود ما الذهب الأحمر قال: المرأة البكر والثيب هي الفضة البيضاء وقوله: احذر من الفرس كي لا يضربك أي إياك والعجوزات الأولاد وفي الخبر أيضًا أن رجلًا من بني إسرائيل قال: لا أتزوج حتى أشاور مائة إنسان فشاور تسعة وتسعين وبقي واحد فعاهد نفسه على أن أول من لقيه غدا أشاوره وأفعل برأيه فلما أصبح وخرج من منزله لقي مجنون راكبا على قصبة فاغتم لذلك ولم يجد بدا من الخروج من عهده فتقدم إليه فقال له المجنون احذر الفرس أن يضربك فقال له الرجل احبس فرسك حتى أسألك عن شيء فوقف فقال له إني كنت عاهدت أن أستشير أول من يستقبلني وأنت أول من استقبلني وأنا أريد أن أتزوج فكيف أتزوج فقال النساء ثلاث واحدة لك وواحدة عليك وواحدة لك وعليك ثم قال: احذر الفرس كي لا يضربك

стр. 5761

ومضى فقال الرجل: آه لم أسأله عن تفسيره فلحقه فقال يا هذا احبس فرسك فحبسه (فدنا منه) وقال: فسره لي فإني لا أفهم مقالتك قال: التي هي لك فهي البكر فقلبها لك وحبها لك ولا تعرف أحدا غيرك وأما التي عليك فالمتزوجة ذات الولد تأكل مالك وتبكي على الزوج الأول وأما التي لك وعليك فالمتزوجة وليس لها ولد فإن كنت خيرا لها من الأول فهي لك وإلا فهي عليك ثم مضى فلحقه وقال: ويحك تكلمت بكلام الحكماء وأنت عملك عمل المجانين قال: يا هذا إن بني إسرائيل أرادوا أن يجعلوني قاضيا فأبيت فلحوا علي فجعلت نفسي مجنون حتى نجوت منهم قاله أبو الليث السمرقندي والحديث الذي قبله في كتاب البستان (١). خاتمة: فيها بشرى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إني لأنكح النساء وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة قيل ولم ذاك يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج اللّه من ظهري من يكاثر به محمد الأمم يوم القيامة فهذا أعظم ملذوذات الدنيا رجع مجردا للآخرة يتقربون به إلى ربهم فسبحان من منَّ عليهم وسقاهم من كأس نبيهم ﷺ (٢) انتهى. [ترغيب الزوج في الوفاء بحق زوجته وحسن عشرتها والمرأة بحق زوجها وطاعته وترهيبها من إسقاطه ومخالفته].

стр. 5762

٢٩٥٩ - قَالَ الْحَافِظ قد تقدم فِي بَاب التَّرْهِيب من الدّين حَدِيث مَيْمُون عَن أَبِيه ﵁ عَن النَّبِيّ ﷺ أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة على مَا قل من الْمهْر أَو كثر لَيْسَ فِي نَفسه أَن يُؤَدِّي إِلَيْهَا حَقّهَا خدعها فَمَاتَ وَلم يؤد إِلَيْهَا حَقّهَا لَقِي اللّه يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ زَان الحَدِيث وَتقدم فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَحَدِيث صُهَيْب الْخَيْر. ٢٩٦٠ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه ﷺ يَقُول كلكُمْ رَاع ومسؤول عَن رَعيته الإِمَام رَاع ومسؤول عَن رَعيته وَالرجل رَاع فِي أَهله ومسؤول عَن رَعيته وَالْمَرْأَة راعية فِي بَيت زَوجهَا ومسؤولة عَن رعيتها وَالْخَادِم رَاع فِي مَال سَيّده ومسؤول عَن رَعيته وكلكم رَاع ومسؤول عَن رَعيته رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١). قوله: وعن ابن عمر ﵄ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : يقول "كلكم راع ومسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" الحديث قال العُلماء ﵃: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره والرعية هو كلّ ما شمله حفظ الراعي ونظره والمراعاة الملاحظة ففيه أن كلّ من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته وفيه بيان ولاة

стр. 5763

الْأَمر من هم وبدأ بأعمهم ولاية وهو الإمام الأعظم وأوسطهم هو الرجل في أهله وأخصهم المرأة في بيت زوجها والخادم في مال سيده (١). قوله: "وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" شمامل لما فصل قبل ذلك ا. هـ ذكره في الحدائق (٢) فمن علم أن الله سائله يوم القيامة عن رعيته وأهله وخدمه كيف تقر عينه بإهمالهم وتركهم كالبهائم المرسلة لا يزمهم بزمام الشرع يقيدهم بقيد السنة ولا يعلمهم ولا يأمرهم بالتعليم بل لو اشتغل أحدهم بأداء صلاة وفوته درهمًا أو آخر حاجته قليلا لاشتغاله بأداء الواجب لقامت قيامته وقابله بما أمكنه وليس هذا من الدين شيء فلينظر كلّ امرئ لنفسه فرب هالك بإهماله ذنوب غيره ولا يشعر فينبغي للإنسان أن يأمر زوجته وولده وخادمه بأداء الواجبات وترك المحرمات بالرفق فإن أبوا ضربهم فإن لم ينتهوا فارق زوجته وباع الخادم وهجر الولد حيث يجوز الهجر وقد ورد في حديث أن ابن عمر ﵄ هجر ابنا له إلى أن مات فإن فعل ذلك فقد خلص نفسه وقام بما يجب عليه من الإنكار وخرج من العهدة فيهم فقد برئي من الإثم واللّه الموفق فرحم اللّه امرءا رأى عيبا فستره أو زللا فغفره أو وهما فحلم على صاحبه وعذره (٣).

стр. 5764

تنبيه: قال الخطابي (١): أصل الرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد له وجرى اسمها على هؤلاء المذكورين على سبيل التسوية لكن المعاني فيهم مختلفة فأما رعاية الإمام فهي ولاية أمور الرعية والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم وأما رعاية الرجل أهله فالقيام عليهم والسياسة لأمرهم وتوفية حقوقهم في النفقة والعشرة وأما رعاية المرأة فحسن التدبير في أمر بيت زوجها والتعهد لمن تحت يده من عياله وأضيافه وأما رعاية الخادم فهو حفظ ما في يده من مال سيده والنصيحة له فيه والقيام بما استكفاه من الشغل والخدمة واستدل الزهري به على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه قاله الكرماني (٢). ٢٩٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا وخيركم خيركم لنسائهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (٣).

стр. 5765

قوله: وعن أبي هريرة ﵁: تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخيركم خيركم لنسائهم" ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقا ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص بل في حال دون حال ونحوه (أو) أن المراد من أفضل كذا أو من خيرها (أو من خيركم فحذفت من وهي مرادة) كما يقال فلان أعقل الناس أي من أعقلهم وهي جملتهم ا. هـ قاله الكرماني (١). ٢٩٦٢ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن من أكمل الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا أحْسنهم خلقا وألطفهم بأَهْله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا كَذَا قَالَ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَلَا نَعْرِف لأبي قَلَابَة سَمَاعا من عَائِشَة (٢). قوله: وعن عائشة ﵂ تقدم الكلام عليها.

стр. 5766

قوله ﷺ : "إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله" والمراد بأهله هنا الزوجة. ٢٩٦٣ - وَعَن عَائِشَة أَيْضًا ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول اللّه ﷺ خَيركُمْ خَيركُمْ لأهله وَأَنا خَيركُمْ لأهلي رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١). قوله: عن عائشة أيضًا ﵂ تقدم الكلام عليها. قوله: ﷺ "خياركم خياركم لأهله" تقدم أن المراد بالأهل الزوجة وتقدم الخلاف فيه وهو إشارة إلى صلة الرحم والحث عليها. ٢٩٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ خَيركُمْ خَيركُمْ لأهله وَأَنا خَيركُمْ لأهلي رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ خَيركُمْ خَيركُمْ للنِّسَاء وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (٢).

стр. 5767

٢٩٦٥ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ إِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع فَإِن أقمتها كسرتها فدارها تعش بهَا رَوَاهُ ابْن حبَان في صَحِيحه (١). قوله: وعن سمرة بن جندب ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "إن المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها" الحديث الضلع بكسر الضاد وفتح اللم وبسكونها أيضًا والفتح أفصح قاله المنذري والضلع واحدة الأضلاع وقد ثبت أن حواء ﵍ استخرجت من ضلع آدم

стр. 5768

- ﵇ فأشار ﵇ بذلك إلى المرأة خلقت خلقًا فيه إعوجاج لا يستطيع أحد من خلق اللّه تعالى أن يقيمه ويغيره عما جبل عليه فلا يتهيأ الانتفاع بها إلا بمدارتها والصبر على إعوجاجها ا. هـ. ذكره في شرح مشارق الأنوار (١). ٢٩٦٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ اسْتَوْصُوا بِالنسَاء فَإِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع وَإِن أَعْوَج مَا فِي الضلع أَعْلَاهُ فَإِن ذهبت تُقِيمهُ كسرته وَإِن تركته لم يزل أَعْوَج فَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيره وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِن الْمَرْأَة خلقت من ضلع لن تستقيم لَك على طَريقَة فَإِن استمتعت بهَا استمتعت بهَا وفيهَا عوج وَإِن ذهبت تقيمها كسرتها وَكسرهَا طَلاقهَا (٢). الضلع بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام وبسكونها أَيْضًا وَالْفَتْح أفْصح. والعوج بِكَسْر الْعين وَفتح الْوَاو وَقيل إِذا كَانَ فِيمَا هُوَ منتصب كالحائط والعصا قيل فِيهِ عوج بِفَتْح الْعين وَالْوَاو وَفِي غير المنتصب كَالدّين والخلق وَالْأَرْض وَنَحْو ذَلِك يُقَال فِيهِ عوج بِكَسْر الْعين وَفتح الْوَاو قَالَه ابْن السّكيت. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: ﷺ "استوصوا بالنساء خيرا" أي أوصيكم بهن خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن وفيه الحث على الرفق بالنساء واحتمالهن قوله ﷺ .

стр. 5769

فصل يذكر فيه خلق آدم وتزويجه بحواء وخروجهما من الجنة وتوبة اللّه عليهما وغير ذلك مما يتعلق بالحديث قال الإمام أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "خلق اللّه آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر ذلك فمنهم الأبيض ومنهم الأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١) ولهذا اختلفت ألوان بنيه وروى عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خلق اللّه الصالحين من عذبها والكافرين من ملحها وروى عنه أنه قال: الروم والعرب من الأبيض والترك من الأحمر والحبش من الأسود (٢) واختلفوا فيمن جاء بالطين الذي خلق اللّه منه آدم على قولين أحدهما إبليس قاله ابن مسعود (٣) وابن عباس (٤) قال: ولذلك قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (٥) ومعناه أنا

стр. 5770

جئت به فكيف أسجد له؟ (١). والثاني: ملك الموت فروي السدي عن أشياخه قال لما أراد اللّه تعالى أن يخلق آدم بعث جبريل ﵇ إلى الأرض ليأتيه بطين منها ليخلق منه آدم فجاء إليها فناشدته اللّه وقالت أعوذ باللّه منك أن تنقصنى وتشيننى وتكون سببا لإدخال جزء مني إلى النار فرق لها جبرائيل ﵇ واستحي ورجع إلى اللّه تعالى وقال: إنها قالت كذا وكذا واستعاذت بك فأعذتها فبعث إليها إسرافيل ﵇ فاستعاذت منه فأعاذها فبعث إليها ميكائيل ففعلت مثل ذلك فبعث إليها ملك الموت فقالت له مثل ذلك كذلك واستعاذت باللّه منه فقال وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولا أنفذ أوامر ربي فأخذ من وجهها تربة بيضاء وحمراء وسوداء ولم يأخذ من مكان واحد بل من عذبها وملحها وكل شيء أخذه من عذبها صار في الجنة وإن كان ابن كافر وكل شيء أخذه من ملحها صار إلى النار وإن كان ابن مؤمن فلما جاء ملك الموت بالطين إلى بين يدي اللّه وأخبره بما قالت وما قال وهو أعلم قال اللّه تعالى: [وعزتي وجلالي لأسلطنك عليها إذ أطعتني وخالفتها] (٢) ولا يختلفون أنه خلقه يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات النهار (٣) واختلفوا كم أقام مصورا على أقوال أحدها هل بعد أربعين سنة قاله ابن عباس والثاني: أربعين ليلة قاله

стр. 5771

الضحاك والثالث: لم يقدر شيء قاله مقاتل والأول أظهر لوجهين أحدها لأنها تمام الخلق ومنتهى الأشد ولهذا لم يبعث اللّه نبيا إلا بعد أربعين سنة قاله السدي والثاني لتدور الأفلاك بالنجوم السبعة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (١) فتستحكم أجزاؤه ويكمل خلقه وقال بعضهم: أمطر عليه الحزن أربعين سنة والسرور يومًا واحد وقد نص ابن عباس على أربعين سنة فقال خمر اللّه تعالى طينة آدم قبل التصوير أربعين سنة واختلفوا أين صوره؟ قال ابن عباس: في السماء على باب الجنة المدة (التي ذكرها) وقال السدي: ألقاه بين مكة والطائف وكان إبليس إذا مر به فزع وضرب برجله فيظهر له صوت وصلصلة فيزداد فزعه قال مقاتل: كان يدخل في فيه ويخرج من دبره ويقول لأمر ما خلقت ولئن فضلت على لأهلكنك ا. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (٢) وسأل عبد اللّه بن سلام رسول اللّه ﷺ كيف خلق اللّه تعالى آدم ﵇ قال: خلق آدم وجبهته من تربة الكعبة وصدره وظهره من بيت المقدس وفخذيه من أرض اليمن وساقيه من أرض مصر وقدميه من أرض الحجاز ويده اليمنى من أرض المشرق ويده اليسرى من أرض المغرب ثم ألقاه على باب الجنة كلما مر عليه ملك من الملائكة عجب من حسن صورته وطول قامته ولم يكونوا قبل ذلك رأوا أشياء يشبهه من الصور (٣) ا. هـ.

стр. 5772

سؤال: لم خلق آدم من التراب دون غيره ولم خلقت حواء من الضلع دون غيره ولم سميت حواء قيل لأنه لم يكن قبل آدم شيء إلا التراب دون غيره فخلقه منه ثم خلق حواء من آدم لأنه أراد أن يكونا من جنس واحد (وأراد أن يكون آدم أصل الجنس وأيضًا أراد أن يخلقها مختلفة ليدل على قدرته فخلق واحدا) من التراب وواحدا من العظم وواحدا من الريح وواحدا من الماء وواحدا من النار فبين عجائب لطفه أن خلق واحدا من أب دون أم وآخر من أم دون أب وآخر من أب وأم وأخر من غير أب وأم وخلق حواء من الضلع ليعلم أنهن خلقن من العوج فلا يطمع في تقويمهن. واختلفوا لم سمي آدم على قولين أحدهما أنه خلق من أديم الأرض وهو وجهها قاله ابن مسعود وزيد بن ثابت ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال الواحدي (١): قال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وهو وجهها وقال: هكذا قال أهل اللغة آدم مشتق من أديم الأرض لأنه خلق من تراب وأديم الأرض وجهها كما تقدم وقال النضر بن شميل: سمي آدم لبياضه. والثاني: أنه مشتق من الأدمة وهي سمرة اللون رواه مجاهد عن ابن عباس والتراب بلسان العبرية يقال له آدم والمشهور كنية آدم أنه أبو البشر وهذا كلّه تصريح منهم بإن آدم اسم عربي مشتق وإلا فالعجمي لا اشتقاق له ا. هـ، وروى الوائلي عن ابن عباس أنه قال كنية آدم أبو محمد وقال قتادة: ولا

стр. 5773

يكنى في الجنة إلا آدم يقال: له يا أبا محمد لشرف نبينا ﷺ وقال سهل التستري: ألفه من الألفة ودالة من الدوام ميمه من الموت وقيل إن اللّه تعالى ذكره في القرآن في سبعة عشرين موضعًا (١) واللّه أعلم. واختلفوا متى خلقت حواء ﵍ من ضلع آدم ﵇ فقيل قبل دخوله الجنة فدخلاها وقيل في الجنة قال النووي (٢): وفي الحديث دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم أن حواء ﵍ خلقت من ضلع آدم الأيسر في المشهور وقيل سميت حواء لأنها خلقت من حي وسميت امرأة لأنها خلقت من المرء قال النووي (٣): روينا عن ابن عباس قال: سميت حواء لأنها أم كلّ حي فإن قيل لأنها ولدت لآدم ﵇ أربعين ولدا في عشرين بطنا في كلّ بطن ذكر وأنثى قال القاضي عياض: ومعنى هذا الحديث انها أم بنات آدم فأشبهنها وروى عطاء عن ابن عباس قال: لما سكن اللّه آدم الجنة أقام مدّة فاستوحش فشكى إلى اللّه الوحدة فنام فرأى في منامه امرأة حسناء ثم انتبه فوجدها جالسة عنده فقال: من أنت؟ فقالت: حواء خلقني اللّه لتسكن إليّ وأسكن إليك قال: وخلقت من ضلع آدم ويقال لها القصيراء قال الجوهري: القصيراء في أسفل الأضلاع وقال علماء التفسير: من آخر أضلاعه وهي

стр. 5774

القصيراء ومعنى خلقت أي خرجت كما تخرج (النخلة) من النواة وقال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنة فخلقت حواء من قصيراه من شقه الأيمن ولو تألم لم يعطف الرجل على امرأة أبدًا (١) ولما رآها آدم قال: أثا بثاء منقوطة بثلاث من فوق وتفسيره بالسريانية امرأة وأخرجه ابن سعد عن مجاهد ولما خلقت قالت له الملائكة أتحبها قال: نعم قالوا لها فتحبيه قالت لا وفي قلبها أضعاف ما في قلبه منها فلو صدقت امرأة في حب زوجها لصدقت حواء وفي التوراة فقال آدم: هذه عظام من عظامي ولحم من لحمي ودم من دمي قال كعب: ومن أجل ذلك يترك الرجل أباه وأماه ويتبع امرأة انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (٢) وقال الفراء: خلقت حواء من الطينة التي خلق منها آدم (٣) فهي أخت أبينا في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٤) أي خلق من جنسها (فمن) عنده للجنس لا للتبعيض وفي الحديث "أكرموا عماتكم النخيل أو النخل" قيل لم يرد مناسبة القرابة وإنما أراد المشاكلة في أنها إذا قطع رأسها يبس أسفلها ولم تحمل شيئًا فالإنسان إذا قطع رأسه مات وقيل سماها النبي ﷺ عمة لأنها خلقت من فضل الطينة التي خلقت منها آدم ﵇ فهي أخت أبينا (٥) وقال السمرقندي قص آدم ﵇ أظفاره

стр. 5775

وحلق شعره وأزال وسخ بدنه من ذلك في الأرض فخلق اللّه تعالى من ذلك النخلة الجريد من أظفاره والليف من الشعر والخشب من الطين الذي خرج من جسده والتفث الشعث من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١) أي ليزيلوا شعثهم بعد التحلل من الحج والعمرة فعلى هذا القول تكون النخلة خالة وعمة أيضًا (٢).

стр. 5776

فصل في تزويج آدم بحواء ﵍ ذكر مقاتل في كتاب المبتدأ قال: لما أراد اللّه تعالى أن يزوج حواء من آدم قال: يا آدم لابد من المهر فقال: يا رب وما مهرها قال: أن تصلي على ولدك محمد عشر مرات فقال مقاتل فذلك قوله ﷺ "من صلى علي مرة صلى اللّه به عليه عشرة مرات" (١) وعن ابن عباس قال: "لما زوج اللّه حواء من آدم ﵉ قال: الحمد للّه ردائي والخلق عبيدي ومحمد حبيبي وإنما زوجت الأشياء نيستدل على وحدانيتي وأنا اللّه ولا معقب لحكمي ولا دافع لفضلي (اشهدوا يا ملائكتى وسكان سمواتى وحملة عرشى أنى قد زوجت أمتي حواء وبديع فطرتي وصنع قدرتي آدم) على مهر تمجيدي وتقديسي وهو آية الكرسي فلا تنسيا عهدي واذكرا وصيتي وادخلا جنتي وكلا رغدا من نعمتي والسلام عليكما من رحمتي ثم أمر جبرائيل ﵇ أن يأتي بطبقين من النثار فأتى جبريل بطبقين أحدهما من نور العرش والآخر من نور الكرسي" (٢). تنبيه: يستحب عقد النكاح يوم الجمعة بحضرة الجماعة من أهل الخير والصلاح وأن يكون في المسجد قاله ابن الصلاح ويشهده قوله ﷺ "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف وافعلوه في المساجد"رواه الترمذي (٣) وأراد ﷺ

стр. 5777

بجعله في المساجد زيادة الشهرة والتماس البركة وندب إلى (الضرب) عليه بالدف ليشهد ويخرج عن صورة الزنا فالزاني يسر الزنا بخلاف النكاح فإنه يفعل جهرة ويدل على هذا التأويل الحديث الآخر لا تقوم الساعة إلا على أولاد الزنا (١) ويؤيده قوله: ﷺ "لا تقوم الساعة حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد" (٢) ذكره ابن العماد في بعض مصنفاته (٣).

стр. 5778

فصل في خروج آدم وحواء من الجنة وبكائها وتوبة اللّه عليهما قال ابن عباس: ﵁ بكى آدم وحواء ﵉ على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا ولم يقرب آدم حواء مائة سنة (١) وبقيت حواء شاخصة ببصرها إلى السماء دهرا وقد وضعت يدها على رأسها فأورثت ذلك بناتها عند المصائب إلى آخر الدهر (٢) وروى هشام عن الحسن البصري قال: اهبط آدم من الجنة فبكى ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء ولا يلتفت إلى المرأة ولا يضع يده عليها (٣) وعن وهب بن منبه قال: بقي من دموع آدم في الأرض إلى أن كف عن البكاء مائة سنة يشرب منها الطير والسباع والوحوش وله رائحة كالمسك يقال لو وضع بكاء يعقوب على يوسف مع بكاء داود ﵇ وبكاء جميع الخلق له حج بكاءآدم ﵇ وبكت لآدم الأنعام والسباع في الآكام وصارت الأرض كدرة لشدة حزن آدم حتى بكى الملائكة المكرمين فقالوا أقل عثرته فإنه قد احترق قلبه لطول بكائه وحزنه فرحم اللّه آدم لطول بكائه وحزنه ونادى جبريل وقال له: هذا آدم بديع فطرتي قد أبكي أهل سمواتى وأرضي ولا يذكر غيرى ولا يخاف سواى وهو أول من دعاني بأسمائي الحسنى وأنا

стр. 5779

الرحمن الذي سبقت رحمتي غضبي وقد قضيت أن من دعاني بها متضرعا أن تدركه رحمتي وهذه كلمات قد خصصته بها فأنزل إليه فأخذ جبريل ﵇ الكلمات من ربه ولها نور وهو ضاحك مستبشر وهبط إلى الأرض وقال لآدم: السَّلام عليك يا طويل البكاء يا كثير الأسى فلم يسمعه آدم لغليان صدره فنادى بصوت رفيع السَّلام عليك يا آدم قد آن لك أن تقبل توبتك ثم نشر جناحه فأمره على وجهه وصدره حتى كف عن بكائه وسمع الصوت فقال لبيك يا خليلي أبنداء السخط تنادي أم بنداء الغفران قال: بل بنداء الرحمة والغفران فقد بكيت الملائكة المقربين وشمت فيك إبليس اللعين دونك هذه الكلمات فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (١) وبعث اللّه تعالى ميكائيل إلى حواء فبشرها بتوبتها وتوبة آدم فانطلقت إلى ساحل البحر تغتسل وتقول أليس اللّه قد قبل توبتك يا آدم فمتى الملتقى وتبكي فكل قطرة من دموعها في البحر انقلبت لؤلؤا ومرجانا فلما اغتسلت انصرفت إلى موضعها تنتظر أن ترى آدم وسأل آدم جبريل ﵇ عليها فأخبره بأن الله قد قبل توبتها وبشره بأن اللّه يبني له بيتا يطوف به ويسعى وتؤدي صلاته فيه كما رأى الملائكة تفعله حول البيت المعمور وأنه سيعرض عليه اللعين إبليس هناك فيرجمه كما رجمته الملائكة حين امتنع من السجود فأصل رمى الجمار من هناك وأنه يجتمع هناك بحواء ﵍ فضحك آدم ووثب قائما وأمر اللّه

стр. 5780

تعالى الملائكة وجميع الحيوانات أن يقربوا من آدم ويهنؤه فاتته جميع الأشياء زمرة بعد زمرة حتى الذرة والبعوضة فذلك قوله فتاب عليه وأنه التواب الرحيم (١). فإن قيل لم قال اللّه تعالى فتاب عليه ولم يقل فتاب عليهما. فجواب: أن هذا مخرجه مخرج الإيجاز وإن كان المراد به الاثنين كما قال اللّه تعالى واللّه ورسوله أحق أن يرضوه وكذا وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها (٢) واللّه أعلم ا. هـ قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "استوصوا بالنساء" وفي الحديث الآخر الذي سيأتي استوصوا بالنساء خيرا الاستيصاء قبول الوصية أي أوصيكم أيها الرجال بهن خيرا فاقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها فاصبروا عليهن وارفقوا بهن وأحسنوا إليهن فإنهن خلقن من ضلع والضلع استعير للمعوج أي خلقهن خلقا فيه إعوجاج فكأنهن خلقن من أصل معوج فلا يتهيأ والانتفاع بهن إلا بمداراتهن والصبر على إعوجاجهن وقيل أراد به أن أول النساء وهي حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم (٣).

стр. 5781

قوله ﷺ : "إن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته" وهو من التقويم أصله تقومه. قوله: "وإن تركته لم يزل أعوج" أي معوجا وفي رواية مسلم أن المرأة خلقت من ضلع لن يستقيم لك على طريقه وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها (١) الحديث الضلع بكسر الضاد وفتح اللام وسكونها أيضًا والفتح أفصح ا. هـ قاله المنذري والضلع مفرد الضلوع وفائدة هذه المقدمة بيان أنها خلقت من الضلع الأعوج وهو الذي في أعلى الضلوع أو بيان أنها لا تقبل الإقامة لأن الأصل في التقويم هو أعلى الضلع لا أسفله وهو في غاية الإعوجاج (٢). قوله: "فإن استمعت بها وفيه عوج" العوج بكسر العين وفتح الواو وقيل إذا كان فيما هو منتصب كالحائط والعصى قيل فيه عوج بكسر العين وفتح الواو قاله ابن السكيت ا. هـ نقله المنذري وضبطه بعضهم هنا بفتح العين وضبطه بعضهم بكسرها ولعل الفتح أكثر وضبطه الحافظ أبو القاسم بن عساكر وآخرون بالكسر وهو الأرجح وقال أهل اللغة العوج بالفتح في كلّ منتصب كالحائط والعود وشبهه وبالكسر ما كان في بساط أو أرض أو معاش أو دين ويقال فلان في دينه عوج بالكسر هذا كلام أهل اللغة وقال صاحب المطالع (٣)

стр. 5782

قال أهل اللغة: العوج بالفتح في كلّ شخص وبالكسر فيما ليس بمرئى كالرأي والكلام قال: وانفرد عنهم أبو عمرو الشيباني فقال كلاهما بالكسر ومصدرهما بالفتح معا حكاه عنه ثعلب ومنه الحديث حتى يقيم به الملة العوجاء يعني ملة إبراهيم التي غيرتها العرب عن استقامتها فالمرأة كالضلع إن رمت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ومما أنشدوا في المعنى: هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أيجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتداراها (١) فيستحب ملاطفة النساء والإحسان إليهن وملاعبتهن والصبر عليهن وسعة خلقه عليهن وتحمل إسائتهن والصبر على عوج خلقهن واحتمال ضعف عقلهن وكراهة طلاقهن بلا سبب ففيه الحث على الرفق بهن وأنه لا مطمع في استقامتهن لهذا الحديث (٢) ويستحب أن لا يزيد على امرأة واحدة لأنه ربما لا يتسع خلقه على الصبر على أكثر من واحدة قال اللّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٣) (٤). فإن قيل: فالنبي ﷺ نكح زيادة على الواحدة فهلا استحب لغيره الزيادة إلى أربع فعنه ثلاثة أجوبة:

стр. 5783

أحدهما: أنه ﷺ واسع الخلق كثير الحلم يسع خلقه كلّ أحد بخلاف غيره. والثاني: أنه ﷺ إنما كان يزيد على الواحدة لتنقل عنه الشريعة قال اللّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (١). والثالث: قيل إنما كان يزيد على الواحدة براءة له ﷺ مما نسب إليه من تعلم السحر وغيره لأن النساء تتوفر دواعيهن على نقل ما يجدنه في بيوتهن وعلى الإخبار بحال الزوج فلما لم تقل واحدة منهم أنه يفعل السحر في الخلوة ولا يعلمه بشر دل على ذلك على صدقة وكذب ما نسب إليه ﷺ ا. هـ. ٢٩٦٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ﷺ لا يفرك مُؤمن مُؤمنَة إِن كره مِنْهَا خلقا رَضِي مِنْهَا آخر وَقَالَ غَيره رَوَاهُ مسلم (٢). يفرك بِسُكُون الْفَاء وَفتح الْيَاء وَالرَّاء أَيْضًا وَضمّهَا شَاذ أَي يبغض. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يفرك مؤمن مؤمنة" الحديث يفرك بسكون الفاء وفتح الياء والراء أيضًا وضمها شاذ أي يبغض ا. هـ قاله المنذري وضبطه بعضهم فقال بفتح الأول والثالث وقد يضم ثالثه أصله في النساء فركت المرأة زوجها (إذا أبغضته) قال أهل اللغة: فركه بكسر الراء يفركه بفتحها والفرك بفتح الفاء وإسكان الراء البغض يستعمل في الرجل أيضًا ولكن قليلا وقد

стр. 5784

حكى (عاما) ومنه قيل إنها حسناء لا تفرك (١) وكذلك فركها زوجها ولم يسمع هذا الحديث في غير الزوجة يقال رجل مفرك بالتشديد للذي يبغضه النساء حكاه الجوهري (٢) كأنه حث على حسن العشرة منه حديث ابن مسعود أتاه رجل فقال تزوجت امرأة شابة وإني أخاف أن تفركني فقال: إن الحب من اللّه تعالى والفرك من الشيطان ا. هـ قاله في النهاية (٣) قال القاضي عياض ﵀ (٤): هذا ليس على النهي بل هو على الخبر أي لا يقع منه بغض تام لها أي أن بغض الرجال للنساء خلاف بغضهن لهم ولهذا قال: إن كره منها خلقا رضي منها آخر قال النووي (٥): وما قاله ضعيف أو غلط بل الصَّواب أنه نهى ألا لا ينبغي أن يبغضها لأنه إن وجد فيها خلقا يكره وجد فيها خلقا مرضيا بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينه أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك وهذا الذي ذكرته من أنه نهى يتعين لوجهين أحدهما أن المعروف في الروايات لا يفركها بإسكان الكاف لا برفعها وهذا يتعين فيه النهي ولو روى مرفوعًا لكان نهيا بلفظ الخبر والثاني: أنه وقع خلافه فبعض الناس يبغض زوجته ولو كان خبرا لم يقع خلافه وهذا واقع وما أدري ما حمل القاضي على هذا التفسير (٦) ا. هـ والله أعلم.

стр. 5785

٢٩٦٨ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول اللّه مَا حق زَوْجَة أَحَدنَا عَلَيْهِ قَالَ أَن تطعمها إِذا طعمت وتكسوها إِذا اكتسيت وَلَا تضرب الْوَجْه وَلَا تقبح وَلَا تهجر إِلَّا فِي الْبَيْت رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ إِن رجلًا سَأل رَسُول اللّه ﷺ مَا حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فَذكره لا تقبح بتَشْديد الْبَاء أَي لا تسمعها الْمَكْرُوه وَلَا تشتمها وَلَا تقل قبحك اللّه وَنَحْو ذَلِك (١). قوله: وعن معاوية بن حيدة ﵁ تقدم. قوله: قال قلت يا رسول اللّه ما حق زوجة أحدنا عليه قال "أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت" ففيه وجوب النفقة والكسوة للزوجة هو على قدر وسع الرجل وذلك بحسب الحاجة وعلى قدر الحال قال اللّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٢) الآية وفي صحيح مسلم ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف قال الخطابي (٣): وإذا جعل النبي ﷺ حقا فهو ألزم حضر أو غاب وإذا لم يجده في وقته كان دينا عليه كسائر الحقوق الواجبة سواء فرض لها القاضي عليه أيام غيبته أو لم يفرض ا. هـ

стр. 5786

قال الشافعي ﵀: والنفقة نفقة المقتر ونفقة المعسر فأما ما يلزم المقتر (لامرأته) إن كان الأغلب ببلدها أنها لا تكون إلا مخدومة (عالها وخادما واحدا بما لا يقوم بدن على أقل منه وذلك) مد بمد النبي ﷺ في كلّ يوم من طعام البلد الأغلب من قوت مثلها ولخادمها مثله ومكيلة من أدم بلادها زيتا كان أو سمنا ويفرض لها دهن ومشط أقل ما يكفيها ولا يكون ذلك لخادمها وفي كلّ جمعة رطل لحم وفرض لها من الكسوة ما يكسي مثلها ببلدها عند المقتر وإن كان زوجها موسعا فرض لها مدان ومن الادام واللحم ضعف ما لامرأة المقتر وكذلك في الدهن والمشط وجعل لخادمها مدا وثلثا وإنما جعلت أقل الفرض مدا بالدلالة عن رسول اللّه ﷺ في دفعه إلى الذي أصاب أهله في شهر رمضان عرقا فيه خمسة عشر صاعا لستين مسكينا وإنما جعلت أكثر ما افترض مدين لأن أكثر ما أمر به النبي ﷺ في فدية الأذى مد (ان) لكل مسكين والفرض على (الوسط) الذي ليس بالموسع والمقتر مد ونصف ولخادمها مد (هذا كلام الشافعي ومذهبه) (١). قوله: "ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" الحديث فيه إيجاب النفقة والكسوة لها وفيه دلالة على جواز ضربها في غير الوجه وقد نهى النبي ﷺ عن ضرب الوجه نهيا عاما فلا يضرب آدمي ولا بهيمة على الوجه (٢) جاء التصريح بالأذن قرآنا (قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي

стр. 5787

ضربًا غير مبرح أي لا يظهر له أثر على البدن يعني) بجرح أو كسر وقد قال ﷺ فيمن ضرب زوجته لا تجدون أولئك خياركم وقد نهى في حديث آخر فيحتمل أن يكون النهي قبل نزول الآية (بضرب) النساء (ثم لما ذئرت النساء أذن) في ضربهن أنزل القرآن (مؤيدا) له في ذلك ثم لما بالغوا (في الضرب أخبر النبي ﷺ ) أن الصبر عليهن وترك الضرب أفضل (١) وهذا كلّه إذا (منعت) المرأة حق زوجها وليس له ضربها على ترك الصلاة (ولا) غيره من الآداب بل يأمرها (باللين) ويعلمها من غير ضرب (فإن) ذلك للحكام وقد قال العُلماء في قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ (٢) أي أول النشوز فإن لم ينتهوا فاهجروهن في المضاجع فإن لم ينتهوا فاضربوهن قال البغوي (٣): في هذا الحديث دليل على جواز ضرب النساء على ما أتين به من الفواحش وعلى ما تركن من الفرائض وكذلك إذا خرجت (بغير إذنه) من بيته أو أدخلت بيته (غير ذي) محرم لها أو خانته خيانة ظاهره فله تأديبها لأنه قيم عليها ومسئول عنها وروى أن معاذا رءا امرأته تنظر من كسوة في خباء فضربها. قوله: "ولا تقبح" معناه ولا تسمعها المكروه ولا تشتمها أي كأن يقول لها قبحك اللّه أو يذكر معايبها وما أشبه ذلك من الكلام (٤) قال في النهاية يقال قبحت فلانًا إذا قلت له قبحك اللّه من القبح وهو الإبعاد ومنه ولا تقبحوا

стр. 5788

الوجه وقيل لا تنسبوه إلى القبيح ضد الحسن لأن اللّه تعالى صوره وقد أحسن كلّ شيء خلقه (١). قوله: "ولا تهجر إلا في البيت" أي لا تهجرها إلا في المضجع ولا تتحول عنها أو تحولها إلى دار أخرى (٢) قال اللّه تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (٣) ولما في وحدتها من الوحشة ومنهم من حمل الآية على ترك النكاح والله أعلم. ٢٩٦٨ - م - وَعَن عَمْرو بن الْأَحْوَص الجشمي ﵁: أَنَّه سمع رَسُول اللّه ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع يَقُول بعد أَن حمد اللّه وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر وَوعظ ثمَّ قَالَ أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّمَا هن عوان عنْدكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئا غير ذَلِك إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينه فَإِن فعلن فاهجروهن فِي الْمضَاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فَإِن أطعنكم فَلا تَبْغُوا عَلَيهِنَّ سَبِيلا أَلا إِن لكم على نِسَائِكُم حَقًا ولنسائكم عَلَيْكُم حَقًا فحقكم عَلَيْهِنَّ أَن لا يوطئن فرشكم من تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لمن تَكْرَهُونَ أَلا وحقهن عَلَيْكُم أَن تحسنوا إلَيْهِنَّ فِي كسوتهن وطعامهن رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (٤).

стр. 5789

عوان بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو أَي أسيرات. قوله: وعن عمرو بن الأحوص الحشمي ﵁ الجشمي منسوب إلى جشم جد قبيلة وهو بضم الجيم وفتح الشين. قوله: أنه سمع رسول اللّه ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه وذكر ووعظ" أي ذكرههم بما يخاف ويحذر منه من القبر والحشر وعذاب جهنم والوعظ هو الخوف وأصل الوعظ التخويف وتقدم الكلام على حجة الوداع. قوله: "ثم قال ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم" الحديث عوان جمع عانية وهي الأسيرة فالمرأة عند الرجل بمثابة الأسير والعاني الأسير من العنوة وهي النهر والذل ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (١) أي خشعت وذلت (٢) وذلك أنها محبوسة لحق الزوج وله التصرف فيها والسلطنة عليها شبه رسول اللّه ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير (٣) ومعنى الحديث افعلوا بهن خيرا في أسرهن عندكم وملازمتهن الحجال إذا هن أسيرات في ملازمة بيوتكم.

стр. 5790

قوله ﷺ : "فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح" وقد تقدم وأما المبرح الضرب فهو الشديد الشاق ومعناه اضربوهن ضربا ليس بشديد ولا شاق وإنما هو للتأديب والبرح المشقة الشديدة والمبرح بضم الميم وفتح الباء الموحّدة وكسر الراء المشددة ومعناه واضربوهن ضربا با لا يظهر تأثيره وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب على وجه الرفق فإن ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب ووجبت الكفارة من ماله (١). فائدة: عن عبد اللّه بن زمعة (٢) عن النبي ﷺ قال: "لا يجلد أحدكم أمته جلد البعير ثم يجامعها في آخر اليوم" أخرجاه بلفظ "لا يجلد أحدكم أهله جلد العبد" (٣) وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة قال شارح الإلمام: (وهو غريب) جدًّا اللفظ الذي ذكره الشيخ وهو هذا الحديث والمراد بالشيخ الشيخ تقي الدين صاحب الإلمام في شيء من الكتب ولا مناسبة هنا

стр. 5791

ولعله سبق قلم. قوله: "لا يجلد" بضم اللام وكسرها وهو نهي تحريم وقيل تنزيه ويدل عليه قوله يجامعها والمعنى النهي عن الضرب الشديد الموجب للنفرة لأنه ربما أدى ذلك إلى الفراق بل يتذكر ما بينهما من المودة ويبقى للصلح موضعا فإن للعشرة حقا (يمنع) الأذى وفيه جواز ضرب العبد أشد من ضرب الزوجة ولكن للتأديب لا لحظ النفس وأما إن وجد ما ذكره الشيخ ففيه النهي عن جلد الأمة كما يجلد البعير فإن البعير يضربه ليروضه وليس له رقة البشرية (١) واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي لا تطلبوا طريقا تحتجون به عليهن وتؤذهن به (٢) واللّه أعلم. قوله ﷺ : "فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون" الحديث معناه أن لا تأذن لأحد من الرجال الأجانب أن يدخل فيتحدّث إليهن على عادة العرب (٣) وقال بعضهم: معنى هذا لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه وقال بعضهم أيضًا: لا يبحن الإضطجاع فيها والتحدّث مع الرجال ولم يرد زناها ولو كان المراد بوطيء الفرش الزنى لما قيد بالكراهة (٤) وقال
следующие страницы →