← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 607–646 · переход к 612.

стр. 607

جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب قد جمعته من سبعمائة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة (١). وكان قتيبة بن سعيد صاحب مالك بن أنس وشيخ أحمد بن حنبل يقول: أحمد بن حنبل إمام الدنيا، وقد ألف الناس في فضائله وأفردوا لها كتابًا كبيرًا، واختلف ولداه الإمامان أبو عبد الرحمن عبد الله، والثاني بأصبهان صالح، في أي شهر ولد الإمام أحمد؟ فحدثنا غير واحد من شيوخنا عن الثقة أبي علي الحداد فذكره إلى أن قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: سمعت عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يقول: سمعت والدي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائتان أولها في شهر ربيع الآخر، قال عبد الله: وتوفي في يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكانت له ثمان وسبعون سنة، قال عبد الله: خضب أبي رأسه ولحيته بالحاء وهو ابن ثلاث وستين سنة، وسنده إلى أبي نعيم فذكره إلى أن حدثنا أبو الفضل صالح بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي يقول: ولدت سنة أربع وستين ومائة في أولها في شهر ربيع الأول، قال أبو الفضل: وتوفي أبي في يوم الجمعة لثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول من

стр. 608

سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان سنه من يوم ولد إلى أن توفي سبعة وسبعين سنة، قال (ابن دحية) صاحب العلم المشهور: وقول أبي الفضل هو الصواب لأنه الذي يقتضيه الحساب أنه ولد على قوليهما سنة أربع وستين، وإنما اختلفا في الشهر فقط، وقيده بظاهر الحديث من الجانب المغربي من بغداد على دجلة وقد زرته غير مرة (١)، انتهى، وسيأتي الكلام على مناقبه أبسط من هذا. قوله: ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، ابن ماجه: الإمام الحافظ العلامة المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني المتقن الحجة ذو الرحلة الواسعة والعلوم النافعة، سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرها من البلاد جماعة يطول ذكرهم، قال الرافعي في أماليه: كان ابن ماجه من أئمة الحديت المعتبرين الموثوق بقولهم وكتابهم، صنف التفسير والتاريخ وجامع السنن، وكان يقول: عرضت هذه السنن على الحافظ أبي زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي فنظر فيها وقالوا: ما أظن أن وقع هذا في أيدي الناس إلا بتعطيل هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال لعله لا يكون فيه تمام الثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، وكان لأبي زرعة المنتهى في الحفظ، وكان لقب لأبيه بفتح الميم والجيم، وبينهما ألفٌ وفي آخره هاء ساكنة، قال أبو يعلى الخليلي وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: قال

стр. 609

الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ: كتاب السنن لابن ماجه كتاب حسن لولا ما كدره من الأحاديث الواهية، وليست بالكثيرة، وعدد كتب الكتاب المذكور اثنان وثلاثون كتابًا، قال أبو الحسن بن القطان: في السنن ألف وخمس مائة باب وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث، ولد أبو عبد الله في سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين (١)، والله أعلم، قاله في الديباجة. ٩٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (٢). قوله: عن عبد الله بن مسعود، تقدم. قوله ﷺ "ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها" لأنه أول من سن القتل بابن آدم الأول هو قابيل، أي: على قابيل أول ولد لآدم ﵇، بسبب أنه سن القتل في بني آدم بقتله أخاه هابيل ظلمًا (٣)، وهو أول من عصى على وجه الأرض، وقتل وكفر من الإنس، ولما فعل ذلك بأخيه هرب وبنى قرية يقال لها جمرة، وقابيل: هو أول من عبد النار،

стр. 610

وأنه أشقى البرية كلها وأن عليه نصف عذاب الخلق كلهم (١). وروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك على الأرض من دم إلا حقه منه لأنه لأول من سن القتل، والثلث: قاتل علي بن أبي طالب وهو ابن ملجم، لعنه الله" (٢). وفي الحديث يقاسم ابن أدم أهل النار قسمة صحاحًا (٣) يعني: قابيل الذي قتل أخاه قابيل أي: أنه تقاسم قسمة صحيحة، فله نصفها ولهم نصفها؛ الصحاح: بالفتح بمعنى الصحيح يقال: درهم صحيح وصحاح، ويجوز أن يكون بالضم كطوال في طويل، ومنهم من يرويه بالكسر، ولا وجه له، قاله

стр. 611

ابن الأثير في النهاية (١). وقابيل: هو أول من يساق إلى النار، قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (٢) وهما: قابيل وإبليس، فإن ابن آدم الأول المذكور هنا قابيل أخاه هابيل لما تنازعا تزويج إقليميا فأمرهما آدم ﵇ أن يقربا قربانا فمن يقبل قربانه كانت له فتقبل قربان هابيل فحسده قابيل فقتله بغيًا وعدوانًا (٣). قال الماوردي في سبب هذا القتل منها قولان، أحدهما: أن قابيل وتوئمته كانتا من ولادة الجنة، وهابيل وتوأمه كانتا من ولادة الأرض، والثاني: أن توأمة قابيل كانت أحسن من توأمة هابيل فاختصما إلى آدم ﵇ فأمرهما أن يقربا قربانا، وكان هابيل راعيا فقرب سخلة، وكان قابيل حراثًا فقرب حزمة زرع فنزلت نار من السماء رفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فكان ذلك علامة القبول (٤)، انتهى. وقيل: ولدت حواء لآدم ﵇ أربعين [بطنًا] (٥) في كل بطن ذكر وأنثى،

стр. 612

قال الكسائي: إلا شيث ﵇ فإنها حملت به وحده (١) لأن نور المصطفى ﷺ يصل إليه، وكان آدم ﵇ يزوج كل بطن بأنثى من بطن آخر ولا يزوج أحدا من نفس البطن، فأراد آدم ﵇ أن يزوج أخت قابيل لهابيل فحسده قابيل وقتله، كما تقدم، والحسد أول معصية عصى الله بها في السماء وأول معصية عصى الله بها في الأرض، أول من حسد في السماء إبليس حسد آدم ﵇ فلم يسجد له، وأول من حسد في الأرض قابيل فقتل هابيل، فكان الحسد حاملا لإبليس على الكفر وحاملا لقابيل على القتل (٢). تتمة: قال أبو حامد الغزالي ﵀ (٣): والحسد أنواع، الأول: أن يتمنى زوال النعمة عن غيره وحصولها، الثاني: أن يتمنى مجرد زوالها وإن لم تحصل له إما لأن عنده مثلها أو لكونه لا يطلبها لنفسه، وهذا أشر من الأول؛ الثالث: أن يكره حدوث النعمة لغيره وهو حرام، ويجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويستحب أن يحمد الله تعالى على حصول النعمة لغيره كما يحمد الله تعالى عليها إذا حصلت له، قال جبريل ﵊ حين شرب اللبن ليلة الإسراء الحمد لله، لو شربت الخمر لغوت أمتك، الرابع: أن لا يكره النعمة لغيره إذا كانت مساوية للنعمة التي عليه ويكره له حصول منزلة ودرجة أعلى من منزلته ودرجته ويرضى

стр. 613

بالمساواة ولا يرضى بالزيادة، فهذه الأنواع كلها حرام يشملها اسم الحسد، والحسود غير راض بقسمة الله تعالى وحكمته في الخلق، فمن أعطى شيئا من هذه الأشياء فليشكر الله تعالى، ومن وجد في قلبه مرضا من هذه الأمراض فعليه بالتوبة حتى يزول فإن لم يعالجه أثم، والله أعلم، انتهى. تتمة: وروى أن آدم ﵊ نزل إلى مكة وجعل قابيل وصيا على أهل بيته فقتل قابيل هابيل، فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ قال قابيل: لا أدري، فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه فم ذلك الوقت ما شربت الأرض دما، ثم إن آدم ﵇ بقي مائة عام لا يبتسم حتى جاءه ملك فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: ما يبكيك، قال: اضحك؛ وقال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل هربت منه الطير والوحش وشاكت الأشجار وحمضت الفواكه وتملحت المياه واغبرت الأرض؛ وفي حديث وهب: تأبل آدم على ابنه المقتول كذا وكذا عاما لم يصب حواء، أي: امتنع من غشيانها أعواما وتوحش عنها، والفعل منه أبل يأبل إبالة إذا تنسك وترهب. فائدة: الحكمة في أن الله تعالى بعث إلى قابيل لما قتل أخاه هابيل غرابا ولم يبعث له الطيور ولا من الوحش لأن القتل كان مستغربا جدًا إذ لم يكن معهودًا قبل ذلك فناسبه الغراب؛ وروى أن قابيل حمل أخاه ومشى حتى أروح فلم يدر ما يصنع به فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر ثم بحث في الأرض بمنقاره ودفن أخاه فاقتدى به قابيل فكان بعث الغراب حكمة ليرى

стр. 614

ابن آدم كيفية المواراة وهو معنى: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) (١)، واختلف في أول من سن القبر، فقيل: الغراب لما قتل قابيل هابيل لقوله تعالى تعلم الدفن ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به، والأول أصح (٢). لطيفة: أسند عن أبي مرواح قال: بعث نوح ﵇ بالغراب والحمامة حيث استقرت السفينة على الجودي تلتمسان له الجد، يعني: الأرض، فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها وأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين، قال: فدعا للحمامة بالبركة وأما الغراب فلعنه وقال له قولًا شديدًا (٣)، انتهى. تتمة: قالوا ولم يمت آدم ﵇ حتى رأى من نسله أربعين ألفا، ولم يبق من نسله أحد إلا نسل نوح ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ (٤) الآية، ذرية نوح ﵇ سام وحام ويافث، أبو الروم، قال سمعت وهب بن منبه يقول: إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإن حام بن نوح ﵇ أبو السودان، وإن يافث بن نوح أبو الترك، وأن يأجوج ومأجوج هم بنوهم (٥)، وقال بعض الفقهاء: ومن

стр. 615

ذلك يأجوج ومأجوج والأتراك فمن يافث والسودان من حام والباقون من سام (١). قوله ﷺ : "إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها"، والكفل: بكسر الكاف، والمرد به: الجزء والنصيب، وقال الخليل: هو الضعف (٢) أي نصيبٌ من دم كل امرئ فقتل ظلمًا (٣)، قال: وهذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو: أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل منة اقتدى به في ذلك فعمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح: "من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة" وللحديث الصحيح أيضًا: "ما من داع يدعو إلى هدى، وما من داع يدعو إلى ضلالة" وتقدم ذلك (٤). وقال القرطبي: يدخل في عموم هذا الحديث نفس الذمي والمعاهد إذا قتل ظلما لأن نفسا نكرة في سياق النفي فهي للعموم، وقوله: "لأنه أول من سن القتل" نص على تعليل ذلك الأمر لأنه لما قال: "أول من قتل" كان قتله ذلك تنبيها لمن أتى بعده وتعليمًا له فيمن قتل كأنه اقتدى به في ذلك فكان

стр. 616

عليه من وزره، وهذا جارٍ في الخير والشر كما قرر (١). وَعَن وَاثِلَة بن الأسْقَع ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من سنّ سنة حَسَنة فَلهُ أجرهَا مَا عمل بهَا فِي حَيَاته وَبعد مماته حَتَّى تتْرك وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ إثمها حَتَّى تتْرك وَمن مَاتَ مرابطا جرى عَلَيْهِ عمل المرابط حَتَّى يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ. (٢) قَالَ الْحَافِظ: وَتقدم فِي الْبَاب قبله حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِبلَال بن الْحَارِث اعْلَم يَا بِلَال قَالَ مَا أعلم يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّه من أَحْيَا سنة من سنتي قد أميتت بعدِي كَانَ لَهُ من الأجر مثل من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن ابتدع بِدعَة ضَلَالَة لَا يرضاها الله وَرَسُوله كَانَ عَلَيْهِ مثل آثام من عمل بهَا لَا ينقص ذَلِك من أوزار النَّاس شَيْئا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه (٣). قوله: وروى عن واثلة بن الأسقع، هو: واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة أبو الأسقع، ويقال: أبو قِرصافة بكسر القاف،

стр. 617

ويقال: أبو الخطاب، ويقال: أبو شداد الليثي الكناني، أسلم قبل تبوك والنبي ﷺ يتجهز لها، وشهدها مع النبي ﷺ ، وكان من أهل الصفة فلما قبض النبي ﷺ خرج إلى الشام، وكان يشهد المغازي بدمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، روي له عن النبي ﷺ ستة وخمسون حديثا، روي له البخاري حديثا ومسلم آخر، سكن الشام ثم اسوطن بيت حيرين وهي بلدة بقرب بيت المقدس ودخل البصرة، وكان له دار، روى عنه: عبد الواحد بن عبد الله النصري بالصاد المهملة وأبو إدريس الخولاني ومكحول وغيرهم، توفي سنة ست أو خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة، قاله أبو مسهر، قال سعيد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح: الأول، قال قتادة: كان آخر أصحاب النبي ﷺ موتا بمكة عبد الله بن عمر، وكان آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله، وآخرهم موتًا بمصر سهل بن سعد، وآخرهم موتًا بالكوفة عبد الله بن أوفى، وآخرهم موتا بالبصرة أنس بن مالك، وآخرهم موتا بدمشق واثلة بن الأسقع، وآخرهم موتا بحمص عبد الله بن بسر يعني بعد أبي أمامة (١)، انتهى، قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك" الحديث، أي: أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها فله أجره، وتقدم الكلام على ذلك في البداءة بالخير، وقال بعض العلماء في قوله: "من سن سنة حسنة" أي: فعل فعلا بحيث يقتدى به، وكذلك إذا فعل فعلا قبيحًا

стр. 618

فاقتدى به، ويفيد الترغيب في الخير المتكرر إثمه بسبب الاقتداء، والتحذير من الشر المتكرر إثمه بحسب الاقتداء (١). والله أعلم. ٩٨ - وَعَن سهل بن سعد ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن هَذَا الْخَيْر خَزَائِن ولتلك الخزائن مَفَاتِيح فطوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي عَاصِم وَفِي سَنَده لين وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ بِقصَّة (٢). قوله: "عن سهل بن سعد" هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنًا، فسماه النبي ﷺ سهلًا. شهد سهل قضاء رسول الله في المتلاعنين، قال الزهرى: سمع من النبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سثة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه الزهري،

стр. 619

وأبو حازم، وغيرهما (١). قوله: أن النبي ﷺ قال: "إن هذا الخير خزائن، لتلك الخزائن مفاتيح" الحديث. قال العلماء ﵃: قد جعل الله لكل مطلوب مفتاحا يفتح به، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم، وأن من أنفع أبواب العلم باب معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يوفق لمعرفتها والعمل بها إلا من وفقه الله تعالى، فإن الله جعل لكل خير وشر مفتاحًا وبابًا يدخل منه إليه كما جعل الشرك والكفر والإعراض عما بعث الله به رسوله ﷺ والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار، وجعل مفتاح الصلاة والطهور كما قال ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور"، قال ابن العربي قوله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور"، من مجاز التشبيه؛ لأن الحديث لما كان مانعًا من الصلاة كان كالقفل الموضوع على الحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق، وهذه استعارة بديعة، وكذلك قوله: "مفتاح الجنة الصلاة" بيَّن فيه أن أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة، وقد ذكر البخاري عن وهب بن منبه أنه قال: "مفتاح الجنة لا إله إلا الله، وما من مفتاح إلا له أسنان" (٢) يعني: العبادات؛ فإن جئت بالمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح، ويتفاضل الإنسان في الفعل في الصغر والكبر والتأصيل والتفريع،

стр. 620

فكذلك العبادات، انتهى؛ وجعل مفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسنة السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح كل خير الرغبة في الله تعالى والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل، وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي مفتاح الكبر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخذ المالى من غير حله، وجعل الخمر مفتاح كل إثم، وجعل النظر مفتاح النظر، وجعل مفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار، ومفتاح التقوى لا حول ولا قوة إلا بالله، ومفتاح الجنة والولاية الذكر، وجعل مفتاح إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يصدق بها إلا من له بصيرة صحيحة وعقل يعرض به عما في نفسه وما في الوجود من خير أو شر، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعله الله له، وكان أنس بن مالك يقول: إن الله جعل للخير مفاتيح وللشر مفاتيح وإن ثابت البناني من مفاتيح الخير (١)، انتهى، قاله في حادي الأرواح (٢).

стр. 621

قوله: "فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر"؛ طوبى عند النحويين فعلى من الطيب، قلبت الياء فيه واوًا لانضمام ما قبلها وهو طيب العيش له، وقيل: طوبى هي الخير وأقصى الأمنية، وقيل: طوبى اسم الجنة، وقيل: اسم شجرة وقيل غير ذلك (١). قوله: "وويل لعبد جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير"، الحديث؛ الويل: دعاء بالهلكة، يقال لكل واقع في هلكة، والويل والحزن والهلاك: المشقة من العذاب (٢)، وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا أبسط من هذا. ٩٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله مَا من دَاع يَدْعُو إِلَى شَيْء إِلَّا وقف يَوْم الْقِيَامَة لَازِما لدعوته مَا دَعَا إِلَيْهِ وَإِن دَعَا رجل رجلا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات (٣). قوله: عن أبي هريرة؛ هو أحفظ هذه الأمة، وقال النبي ﷺ فيه: "أبو هريرة وعاء العلم"، ودعا له النبي ﷺ أن يرزقه علما لا ينسى، وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (٤)، قال أبو هريرة: حفظت من رسول الله ﷺ وعائين، فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا

стр. 622

الماء، الوعاء: ما يوضع فيه الشيء؛ وبثثته حتى نشرته وفرقته، والمراد: الحديث الذي رواه والبلعوم مجرى الطعام، ولقائل أن يقول: كيف استجاز كتم الحديث عن رسول الله ﷺ ، وقد قال ﷺ : "بلغوا عني ولو آية"، وكيف يقول رسول الله ﷺ ما إذا قتل راويه وكيف يستجيز المسلمون من الصحابة الإخبار قتل من يروي عن رسول الله ﷺ ؟ فالجواب: أن هذا الذي كتمه ليس أمر الشريعة فإنه لا يجوز كتمانها، وقد كان أبو هريرة يقول: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) (١) فكيف يظن به أنه يكتم شيئًا من الشريعة بعد هذه الآية وبعد أمر رسول الله ﷺ أن يبلغ عنه، وقد كان يقول لهم: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وإنما هذا المكتوم مثل أن يقول: فلان منافق وستقتلون عثمان وهلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش بنو فلان، فلو صرح بأسمائهم لكذبوه وقتلوه، حكاه أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، قاله في حاشية كتاب المشارق (٢)، تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "ما من داع يدعوا إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازمًا لدعوته ما دعا إليه وإن دعا رجل رجلًا"، ومعنى الحديث، والله أعلم، أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل

стр. 623

به إلى يوم القيامة وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله ويدل لذلك من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (١)، وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (٢). * * *

стр. 624

كتاب العلم الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين تقدم الكلام على الكتاب وأنه في اللغة مأخوذ من الكتب وهو الضم، يقال: تكتبت بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كتيبة، وللكتابة بالقلم كتابة لاجتماع الحبر، والباب في اللغة: ما يتوصل به إلى المقصود، وفي الاصطلاح: ما افتتح به أحكام مندرجة تحت اسم خاص، وقد يدرج في الباب ما لا يصدق عليه اسم الترجمة لتعلقه بها (١). والله أعلم. قوله: الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه، قد تظاهرت الآيات والأخبار والآثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في أسبابه وتعليمه، فأما الآيات: قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (٢)، وقال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (٣)، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (٤) وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 625

مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (١)؛ وأما الأحاديث فسنذكر الأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، فالعلم: معرفة المعلوم على ما هو عليه، فإذا قلت: عرفت زيدًا فالمراد: شخصه، وإذا قلت: علمت زيدًا، أردت العلم بأحواله من فضل ونقص، انتهى (٢). ١٠٠ - عَن مُعَاوِيَة ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدِّين" رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه (٣) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى وَزَاد فِيهِ وَمن لم يفقهه لم يبال بِهِ (٤). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٥) وَلَفظه سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين و (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (٦) وَفِي إِسْنَاده راو لم يسم.

стр. 626

قوله: عن معاوية؛ هو: معاوية بن أبي سفيان، فيمن نزل الشام من الصحابة، وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم، وذكروا أن عمر بن الخطاب لما دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب، ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكفن في قميص كان رسول الله ﷺ كساه إياه، وأن يجعل مما يلي جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله ﷺ فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بي وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين (١)، وقال ابن قتيبة في المعارف (٢): لم يولد لمعاوية في خلافته ولد، وكان معاوية صاحبه (وصهره ﷺ ) وكاتبه وأمينه على وحي الله تعالى (٣)، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا، والله أعلم. قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" الحديث، فيه: فضيلة العلم والفقه في الدين والحث عليه، وسببه: أنه قائد إلى الله تعالى (٤). وأقيم قوله ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" مقتضاه: أن من لم يفقهه في الدين لا يراد به خيرًا، وكفى بذلك حسرة وشقاوة (٥).

стр. 627

وقوله: "من يرد الله به خيرًا" مشتق من الإرادة وهي عند الجمهور صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل: اعتقاد النفع أو الضر، وقيل: ميل يتبعه الاعتقاد، وهذا لا يصح في الإرادة القديمة، وقوله: "خيرًا" أي: منفعة وهي اللذة (١)، فالمعنى: من يرد الله به جميع الخيرات (٢)، و"يفقهه في الدين" أي: يفهمه، إذ الفقه الفهم، وفي بعض الروايات: "من يرد الله به خيرًا يفهمه في الدين "وكلاهما صحيح المعنى (٣)، فأصل الفقه في اللغة: الفهم، والتفقه: أخذ الفقه شيئًا فشيئًا، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (٤). فالفقه: الفهم، كما تقدم والتبصر بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فرب سامع لم يفهم ورب سامع فهم، ورب فاهم وغيره أفهم منه، قيل: استفتى الحسن البصري في مسألة فأجاب، فقيل له: إن فقهاءنا لا يقولون مثل هذا فقال: وهل رأيت فقيها قط، الفقيه القائم ليله الصائم نهاره الزاهد في الدنيا الذي لا يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله فإن قبلت منه حمد الله تعالى وإن ردت عليه حمد الله تعالى (٥)، وفقه عن الله أمره ونهيه وعلم من صفاته ما يحبه ويكرهه، فذلك هو العالم الذي قيل فيه: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"،

стр. 628

فإذا لم يكن بهذه الصفة فهو من المغرورين (١)، انتهى، قاله في الديباجة. قوله: في رواية أبي يعلى: "ومن لم يفقهه لم يبل به" معناه: أنه لا يبالي به، المراد به عدم الالتفات له (والقبول بنفي السبب وإرادة المسبب). ١٠١ - وَعَن عبد الله يَعْنِى ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فقهه فِي الدّين وألهمه رشده" رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ (٢). قوله: عن عبد الله بن مسعود (٣)، تقدم الكلام على مناقبه.

стр. 629

قوله ﷺ : "إذا أراد به خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده" تقدم الكلام على معنى الخيرية في الحديث قبله، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، يقال: فقه الرجل بالكسر يفقه فقها إذا فهم وعلم، وفقه بالضم إذا صار عالمًا ويفقهه في الدين أي: يجعله فقيها عالما بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز (١). قال الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي (٢): الفقه هو انكشاف الغطاء عن الأمور، فإذا عبد الله بما أمر ونهى بعد أن فهمه وعدله وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى فهي العبادة الخالصة، وذلك أن الذي يؤمر بالشيء زين ما أمر وشين ما نهى عنه عمل على بصيرة وعلى عليه أقوى ونفسه بها أسخى وحمد على ذلك وشكر، والذي يعمى عن ذلك فهو حامد القلب كسلان الجوارح، ثم إن الإنسان إذا أخذ حظًا وافرًا من الفقه ينبغي أن

стр. 630

لا يقتصر عليه ويكن ينظر في علم الزهد وفي كلام الحكماء وشمائل الصالحين، فإن الإنسان إذ تعلم الفقه ولم ينظر في الزهد والحكمة قسى قلبه وساء خلقه والقلب القاسي بعيد من الله تعالى، انتهى، قاله في شرح مشارق الأنوار. والمراد بقوله: "يفقهه في الدين" ما شرعه الله لعباده من الأحكام؛ والعباد: جمع عبد، وقيل المراد بالفقه: فهم الأشياء كما تقدم، قال ابن بطال (١): التفهم للعلم هو الفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالتفهيم ولذلك قال علي ﵁: والله ما عندنا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مؤمن، فجعل الفهم درجة أخرى بعد حفظ كتاب الله تعالى، لأن بالفهم له تتبين معانيه وأحكامه، وقد نفى ﵊ العلم عمن لا فهم له فقال: "رب حامل فقه لا فقه له"، وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلوب يدرك فهم المعاني، فمن أراد الفهم فليحضر خاطره ويفرغ ذهنه وينظر إلى بساط الكلام ومخرج الخطاب ويتدبر اتصاله بما قبله وانفصاله منه، ثم يسأل ربه ﵎ أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب ووقف على أغراضها في تخاطبها وله عودة قريحة وثاقب ذهن، ألا ترى أن ابن عمر ﵁ فهم من بساط الحديث ونفس القصة أن الشجرة هي النخلة لسؤاله ﷺ لهم عنها حين أتى الجمار وقوي ذلك عنده بقوله : ﴿ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: هي النخلة، شبهها الله تعالى بالمؤمن، انتهى.

стр. 631

١٠٢ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ أفضل الْعِبَادَة الْفِقْه وَأفضل الدّين الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي ليلى (١). قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر مبسوطا في أول هذا التعليق. قوله ﷺ : "أفضل العبادة الفقه"، الفقه: التوصل إلى علم غائب بعلم حاضر، أي: يجعله عالما بالأحكام الشرعية فقيها ذا بصيرة فيبصر قلبه ينبوع الحكمة (٢)، قال الشافعي: الْعِلمُ زَيْنٌ وَتَشْرِيفٌ لِصَاحِبِهِ (٣). قوله: "وأفضل الدين الورع"، تقدم الكلام على الدين في الحديث قبله، والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه، يقال: ورع الرجل يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة فهو ورع، وورع من كذا ثم استعير للكف عن

стр. 632

المباح والحلال، قاله في النهاية (١)، وسيأتي الكلام على الورع في باب منفرد يبسط في الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: في إسناده محمد بن أبي ليلى، وأما ابن أبي ليلى الفقيه المكرر في كتب الفقه الذي له مذهب معروف فاسمه: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري القاضي الكوفي، يروي عن شعبة وغيره وخلق، سيء الحفظ، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، روي له الأربعة (٢). وأما: عبد الرحمن بن أبي ليلى فهو من أجلّ التابعين، قال عبد الرحمن بن الحارث: ما شعرت أن النساء ولدت مثله، قال عبد الملك بن عمير: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى. في حلقه فيها نفر من أصحاب النبي ﷺ يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب، مات سنة ثلاث وثمانين، واسم أبي ليلى: يسار، وقيل: بلال، وقيل: داود، وقيل: لا يعرف اسمه، وأبو ليلى صحابي، قتل مع علي بصفين، وعبد الرحمن ثقة إمام، ذكره العقيلي في كتابه لأنه كان يصحب الأمراء مع أنه كان يقول: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ كلهم من الأنصار إذا سئل عن شيء أحدهم أحب أن يكتبه صاحبه، وقال ابن سيرين: جلست إلى ابن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه كأنه أمير (٣).

стр. 633

١٠٣ - وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فضل الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة وَخير دينكُمْ الْوَرع رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأوْسَط وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن (١). قوله: عن حذيفة بن اليماني، تقدم. قوله ﷺ : "فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع"، يريد ﵊ أن العالم وإن كان فيه تقصير في عبادته أفضل من جاهل مجتهد في العبادة لأن العالم يعرف ما يأتي به وما يجتنب، والعابد الجاهل

стр. 634

منهوك فربما أتى بالشيء وهو يظن أنه صواب وهو خطأ، وتقدم الكلام على الورع في الحديث قبله. ١٠٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَلِيل الْعلم خير من كثير الْعِبَادَة وَكفى بِالْمَرْءِ فقها إِذا عبد الله وَكفى بِالْمَرْءِ جهلا إِذا أعجب بِرَأْيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط (١) وَفِي إِسْنَاده إِسْحَاق بن أسيد وَفِيه تَوْثيق لين وَرفع هَذَا الحَدِيث غَرِيب قَالَ الْبَيْهَقِيّ ورويناه صَحِيحا من قَول مطرف بن عبد الله بن الشخير ثمَّ ذكره وَالله أعلم. قوله: عن عبد الله بن عمرو، يعني: ابن العاص، تقدم. قوله ﷺ : "قليل العلم خير من كثير العبادة" الحديث، اعلم: أن العلم أنواع، وكل ذلك بحمد الله تعالى حسنٌ، وليس كالفقه، وينبغي أن يكون تعلم الفقه أهم إليه من غيره، لأن من تعلم الفقه تيسر عليه سائر العلوم، والفقه هو قوام الدين، ففرض على كل إنسان أن يتعلم قدر ما يحتاج إليه لأمر دينه مما لابد له منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر شرائع الإسلام

стр. 635

ولأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض خاص، فإن تعلم الزيادة فهو أفضل وإن ترك فلا إثم عليه، انتهى، قاله أبو الليث السمرقندي (١). قوله: "وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله"، تقدم الكلام على الفقه في الأحاديث قبله. قوله: وفي إسناده إسحاق بن أسيد، هو: إسحاق بن أسيد (الخراساني: نزيل مصر قال أبو حاتم لا يشتغل به ومشاه غيره). قوله: قال البيهقي: ورويناه من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين، الحرشي بفتح الحاء المهملة والراء وشين معجمة، العامري أبو عبد الله البصري، أخو يزيد وهانئ، وكان من سادات التابعين، وكان ثقة، له فضل وورع وأدب، وكان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه، وقال: اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا فرفع ذلك إلى زياد، فقال: قتلت الرجل؟ فقال: لا، ولكن دعوة وافقمت أجلًا، وكان ﵁ يلبس المطارف والبرانس ويركب الخيل ويغشى السلطان، وهو مع ذلك قرة عين، مات سنة خمس وتسعين، وله كرامات، وربما (أضاء) سوطه وغيره، ورأى الأموات يقظة على قبورهم، وكلم بعضهم، ومناقبه كثيرة مذكور في الحلية وطبقات ابن سعد (٢)، انتهى.

стр. 636

فصل ١٠٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : من نفس عَن مُؤمن كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده وَمن أَبْطَأَ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه. رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١).

стр. 637

فصلٌ قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" الحديث، هذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، ومعنى تنفيس الكربة أو الغمة بضم الكاف وسكون الراء، وجمعها كرب بضم الكاف وفتح الراء، قال الجوهري (١): الكربة بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب على وزن الضرب فتقول منه كربة الغم إذا اشتدَّ عليه. وقوله: "نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص لهذا المعنى كقوله ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" (٢)، وقوله ﷺ : "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" (٣) والكرب: هو الشدة العظيمة التي ترفع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها مأخوذ من تثفس الخناق كأنه يرجى له الخناق، حتى تأخذ نفسا، والتفريج أعظم من ذلك وهو أن يزيل عنه الكربة

стр. 638

فتفرج فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج كما في الحديث: "أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة" (١)، ويدخل في هذا إعانة المسلم، وتفريج الكرب عنه، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو لمساعدته أو إشارته ورأيه ودلالته، والله أعلم (٢). قوله ﷺ : "وَمن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة " الحديث، الستر المندوب إليه هنا، المراد به: الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى أولى الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها وهو بَعْدُ متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها ممن قدر على ذلك فلا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة (٣). قوله ﷺ : "وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة" (أي: من

стр. 639

كان له دين على فقير فساهله بأن يمهله من وقت أداء دينه إلى وقت يحصل له مال، أو يترك بعض دينه، ويطلب الباقي (١). قوله ﷺ : "وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علمًا"، ونكر "علمًا" ليتناول كل نوع من أنواع علوم الدين، ويندرج تحته قليلة وكثيرة (٢)، وفي الحديث: دليل على شرف العلم وفضله، وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل في سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم، ويدخل فيه سلوك الطريق المعنوية إلى حصول العلم مثل حفظه ودراسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ونحو ذلك من الطردق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم (٣). قوله: "سهل الله له به طريقا إلى الجنة"، قد يراد بذلك أن الله تعالى يسهل له العلم الذي يطلبه وسلك طريقه وييسره عليه، فإن العلم طريق موصل إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ (٤) قال بعض السلف: فهل من طالب علم فيعان عليه، وقد يراد أيضا أن الله تعالى ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببا لهدايته ولدخوله الجنة، وقد ييسر الله لطالب العلم

стр. 640

علوما أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى الجنة كما قيل: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم"، وكما قيل: "ثواب الحسنة حسنة بعدها"، وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به، فإن العلم يدل على الله تعالى من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه وصل على الله إلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطريق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى الله إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، والله أعلم؛ قاله ابن رجب (١). ففي هذا الحديث فضل إزالة الكربة عن المدين وفضل الستر عليه وفضل إنظاره وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد: العلم الشرعي بشرط أن يقصد بذلك وجه الله تعالى، وإن كان هذا شرطا في كل عبادة لكن عادة لا يقيدون هذه المسألة به لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه بعض الناس ونحوهم، والله أعلم (٢). قوله ﷺ : "وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيُوت الله يَتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا نزلت عَلَيْهِم السكينَة" الحديث، هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل

стр. 641

على تعلم القرآن وتعليمه فلا خلاف في استحبابه، وقد كان النبي ﷺ يأمر من يقرأ القرآن فيستمع لقراءته كما أمر ابن مسعود أن يقرأ وقال: "إني أحب أن أسمعه من غيري" (١)، وروي يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ قال: كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقًا حلقًا يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله (٢)؛ وروى عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "ما من قوم صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا في صلاتهم يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه إلا وكل الله بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره" (٣) وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لدراسة القرآن؛ وقد روى عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال: أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان فأخذ الناس بذلك، وعن ابن وهب قال: قلت لمالك أرأيت القوم يجتمعون فيقرأون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا كان يصنع الناس، إنما كان يقرأ الرجل على الرجل يعرضه وكانوا لا يرفعون أصواتهم

стр. 642

بالذكر ولا بالقراءة ولا يفعلون ذلك جماعة (١). وقوله ﷺ : "ويتدارسونه بينهم" يشعرك بأنه ليس المراد يجتمعون للتلاوة صوتا واحدًا متراسلين لأن الدراسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد فليس بمروي عنهم، وقال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا أنس بن مالك يقول: الاجتماع يكره بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن، بدعة ما كان أصحاب رسول الله ﷺ ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا يخلوا كل بنفسه ويقرأ ويذكر ثم ينصرفون (٢)، وقد ذكر ابن بطال في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا: الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها، كيف تلقوها من صاحب الشريعة فإنهم أعرف بالمقال وأنقد بالحال، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره وتأوله بعض أصحابه، ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة أو رباط ونحوهما، ويكون الحديث خرج مخرج الغالب (٣). وقوله ﷺ : "إلا حفتهم الملائكة" يلتفون بهم ويدورون حولهم للتبرك

стр. 643

والرغبة فيما عندهم (١). قوله ﷺ : "ونزلت عليهم السكينة" قيل: المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليهم، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهذا حسن (٢). قوله ﷺ : "وغشيتهم الرحمة" أي: سترتهم ولابستهم، والرحمة ضد القسوة. قوله ﷺ : "وذكرهم الله فيمن عنده" يعني: الملائكة المقربين من رحمته المواظبين بالطاعة، ويقرب منه قوله تعالى: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه"، ومعنى "فيمن عنده" دنو المنزلة والقرب من رحمة الله تعالى، دل الحديث على فضيلة حلق الذكر وهي: كل جماعة اجتمعوا لله تعالى في قراءة قرآن أو سماع حديثه أو تعلم علم الشريعة. والله أعلم. قوله ﷺ : "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" معناه: أن العمل هو الذي يبلغ العبد درجات الآخرة من الطاعة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، فينبغي أن لا يتكل الإنسان على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، قال ابن مسعود ﵁: يأمر الله بالصراط

стр. 644

فيضرب على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا أوائلهم كلمح البصر ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم يمر الرجل سعيا حتى يمر الرجل مشيًا حتى يمر الرجل يتلبط على بطنه فيقول: يارب لم بطأت بي فيقول: "إنما لم أبطئ، إنما بطأ بك عملك"، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: لَعَمْرُكَ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ ... فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالَا عَلَى النَّسَبِ لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبِ قاله ابن رجب أيضًا (١). ١٠٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَإِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع وَإِن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأرْض حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على سَائِر الْكَوَاكِب وَإِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلا درهما إِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا يعرف إِلَا من حَدِيث عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل وَإِنَّمَا يرْوى عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي ﷺ وَهَذَا أصح، قَالَ المملي ﵀: وَمن هَذِه الطَّرِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فِي

стр. 645

الشّعب وَغَيرهَا وَقد رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس عَن يزِيد بن سَمُرَة عَنهُ وَعَن الأوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزِيد بن سَمُرَة عَن كثير بن قيس عَنهُ قَالَ البُخَارِيّ وَهَذَا أصح وَرُوِيَ غير ذَلِك وَقد اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث اخْتِلَافا كثيرا ذكرت بعضه فِي مُخْتَصر السّنَن وبسطتة فِي غَيره وَالله أعلم (١). قوله: وعن أبي الدرداء، أبو الدرداء، اسمه: عويمر، وقيل: عامر، وتقدم الكلام على مناقبه ﵁، وسيأتي الكلام عليه أيضًا مبسوطًا. قوله ﷺ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا" أي: يطلبه، فاستعار له اللمس "سهل الله له طريقا إلى الجنة"، تقدم الكلام عليه، ويحتمل أن يكون المراد: الطريق الحسية والمعنوية، وهي الطريق الموصلة إلى تكرير وحفظ ومطالعة ومراجعة ومذاكرة ومدارسة ونحو ذلك (٢). قوله: "وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" الحديث، اختلف الناس في المراد بالملائكة، فقيل: المراد بهم عموم

стр. 646

الملائكة، وقيل المراد: الكرام الكاتبون (١)؛ وقوله: "لتضع أجنحتها لطالب العلم" قيل معناها: أنها تتواضع لطالب العلم توقيرا لعلمه وتليين الجانب له والانقياد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ (٢) أي: تواضع لهم، وقيل: معنى وضع الجناح هو عبارة عن ترك الطيران والنزول للذكر كما في الحديث الآخر: "إلا نزلت عليهم السكينة وحفت بهم الملائكة"، وقيل: معناه بسط الأجنحة حقيقة وهي فرشها تحت قدمي طالب العلم لتحمله عليها وتبلغه حيث يقصد من البلاد أو المواضع في طلب العلم (٣)، وقيل: المراد بذلك المعونة وتيسير السعي في طلب العلم (٤)، وقيل: تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الأيدي (٥) لأن جناح الطائر يده (٦).
следующие страницы →