← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6067–6106 · переход к 6072.

стр. 6067

النبي ﷺ أنه أعاد الصلاة التي صلى فيه ومن لم يجوز الصلاة فيه أخذ بعموم تحريمه ﵇ لبسه على الرجال والله أعلم قاله الكرماني (١)، وفيه اختلاف كثير بين العلماء، فالحاصل أن صلاته ﵇ في الثوب الحرير دال على جوازه ونزعه محتمل للتحريم وغير التحريم، وقيل: إنما لبسه استمالة لقلب المهدي وهو المقوقس صاحب الإسكندرية أو أكيدر دومة وهذا القائل يزعم أنه كان بعد التحريم وغير أولى بأهل العلم وأنى يلبس رسول الله ﷺ لباسا حرمه الله تعالى على ذكور أمته من غير استثناء أو ذكر خصوصية له ثم إنه لم يرد فيما ادعاه نقل والوجه فيه أن يحمل على أنه كان قبل التحريم وإنما نزعه نزع الكاره لما رأى فيه من الرعونة قاله شهاب الدين التوربشتي (٢). وقال البيضاوي في شرح المصابيح: الظاهر أنه كان قبل بعثه (٣). قوله ﷺ : "ثم قال لا ينبغي هذا للمتقين" أي للمؤمنين فإنهم هم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له، أ. هـ قاله العراقي (٤) وقال غيره (٥): المتقي اسم فاعل من الوقاية وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعالى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك.

стр. 6068

واختلف في الصغائر، وقيل: الصحيح أن المتقى لا يتناول الصغائر لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر كذا في الكشاف (١)، وقد يخرج بقوله للمتقين الصبيان فإنهم ليسوا أهل تكليف وغير مأمورين بالتقوى انتهى، قاله العراقي (٢). وقوله: "لا ينبغي هذا للمتقين" في معنى النهي في الدلالة على التحريم فأقيم مقام النهي في إطلاق اسمه عليه والله أعلم (٣). قال أبو العباس القرطبي (٤): وهذا دال على تحريم لبس الحرير على الرجال وأما النساء فلا يدخلن في هذا لأن اللفظ غير متناول لهن على الراجح في الأصول، قال النووي: وقد انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال وتقدم ذلك عن النووي. والمهدي للفروج، والحرير هو صاحب الإسكندرية، وقيل: صاحب دومة وهو أكيدر أو غيره على اختلاف فيه قاله في شرح مشارق الأنوار (٥) وأكيدر بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة مكسورة ودومة هي بضم الدال وفتحها لغتان مشهورتان وزعم ابن دريد أنه لا يجوز إلا الضم وأن المحدثين يفتحونها وأنهم غالطون في ذلك وليس كما قال بل هما لغتان مشهورتان، وقال

стр. 6069

الجوهري (١): أهل الحديث يقولونها بالفتح وأهل اللغة يفتحونها ويقال فيها أيضا دوماء وهي مدينة بها حصن عادي وهي في بربه في أرض نخل وزرع يسقون بالنواضخ وحولها عيون قليلة وغالب زرعهم الشعير وهي عن المدينة على نحو ثلاث عشرة مرحلة وعن دمشق على نحو عشر مراحل وعن الكوفة على نحو عشر مراحل أيضا والله أعلم. وقال بعضهم: هي من بلاد الشام بقرب تبرك بينها وبين دمشق خمسة ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة وبالعراق أيضا بقرب عين التمر موضع يقال له دومة، وأما أكيدر فقد تقدم ضبطه وهو أكيدر بن عبد الملك والكندي وذكر في شرح السنة (٢): أكيدر دومة رجل من العرب يقال له غسان، وقال الشافعي في المختصر (٣): يقال إنه من غسان أو كندة، قال الخطيب البغدادي في كتابه الأسماء المبهمة (٤) كان نصرانيا ثم أسلم قال: وقيل مات نصرانيا، وقال أبو عبد الله بن مندة وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في معرفة الصحابة (٥) أن أن أكيدر هذا أسلم وأهدي إلى النبي ﷺ حلة سيراء فوهبها لعمر بن الخطاب (٦) ﵁، السيراء بكسر السين وفتح الياء والمد فهو فعلاء من السير

стр. 6070

السير القد، هكذا يروي على الصفة وقال بعض المتأخرين إنما هو حلة سيراء على الإضافة واحتج بأن سيبويه قال (١): لم يأت فعلاء صفة ولكن اسما والحلة السيراء الحرير الصلب (٢)، وقيل: المضلع بالقز (٣) وشرح السيراء بالحرير الصافي ومعناه حلة حرير (٤)، وقيل: غير ذلك وقد رواه بعضهم حلة سيراء بالتنوين على الصفة وبعضهم بالإضافة (٥) ذكره في مختصر الكفاية في باب ذكر الإبريسم (٦)، قال ابن الأثير في كتابه في معرفة الصحابة: وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: أهدى أكيدر دومة إلى النبي ﷺ جبة من سندس فتعجب الناس من حسنها فقال رسول الله ﷺ : "لمناديل سعد في الجنة ألين من هذا" (٧) وفي الصحيحين أيضا من حديث

стр. 6071

البراء قال: اهدى لرسول الله ﷺ ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله ﷺ : "تعجبون من هذه المناديل، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ [بخصوصه] ها هنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا تأخذه في الله لومة لائم وختم الله له بالشهادة، وآثر رضى الله ورسوله على رضى قومه وعشيرته وحلفائه ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات ونعاه جبريل إلى النبي ﷺ يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك (١)، أ. هـ. قال ابن الأثير في كتابه معرفة الصحابة (٢): أما الهدية والمصالحة فصحيحان أما الإسلام فغلط قاله إنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير ومن قال أسلم فقد أخطأ خطئا فاحشا، قال: و وكان أكيدر نصرانيا فلما صالحه النبي ﷺ عاد إلى حضنه وبقي فيه ثم حاصره خالد بن الوليد في زمن أبي بكر الصديق فقتله مشركا نصرانيا يعني لنقضه العهد وقد ذكر البلادي أن أكيدر لما قدم على النبي ﷺ وعاد إلى دومة فلما توفي رسول الله ﷺ . ارتد أكيدر ومنع ما قبله فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله وعلى هذا القول لا ينبغي أيضا أن يثبت في الصحابة هذا كلام ابن الأثير.

стр. 6072

لطيفة: لما أرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك تجده يصيد بقر الوحش فلما وصل إليها كان في ليلة مقمرة فأذن الله للبقرة الوحشية أن تأتيه من كل جانب تحك قصره بقرونها فأشرف عليها فقال: ما رأيت أكثر منها الليلة ولقد كنت أكم لها اليومين والثلاثة ولا أجدها ولكن قدر الله وما شاء فعل فأمر بفرسه فأسرج وركب هو وأخوه حسان وعليه قباء من الديباج المخوص بالذهب فلما نزل وافته خيل رسول الله فأخذته أسيرا وأرسلوا قباءه إلى رسول الله ﷺ فتعجب بعض أصحابه منه فقال ﵇: "لمناديل سعد في الجنة خير من هذا" ثم إن النبي عرض عليه الإسلام فأبى فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة والله أعلم ذكره الدميري في كتابه حياة الحيوان (١). ٣١١٩ - وَعَن أبي رقية ﵁ قَالَ سَمِعت مسلمة بن مخلد وَهُوَ على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أما لكم فِي العصب والكتان مَا يغنيكم عَن الْحَرِير وَهَذَا رجل يخبر عَن رَسُول الله ﷺ قُم يَا عقبَة فَقَامَ عقبَة بن عَامر وَأَنا أسمع فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَأشْهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا حرمه أَن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه العصب بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد مهملتين هُوَ ضرب من البرود (٢).

стр. 6073

قوله: وعن أبي رقية ﵁[هو هشام بن أبي رقية اللخمى المصري روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ومسلم بن مخلد وعنه الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث وغيرهما ذكره بن حبان في الثقات قال العجلي: "مصري، تابعي، ثقة"، وذكره يعقوب بن سفيان في "ثقات تابعي مصر"، وقال ابن يونس: عمر دهرا طويلا توفي سنة [١١٥ هـ] (١)]. قوله: قال سمعت مسلمة بن مخلد وهو على المنبر يخطب الناس يقول: يا أيها الناس، أما لكم في العصب والكتان ما يغنيكم عن الحرير، الحديث، العصب ضرب من البرود، قاله المنذري، وقال بعضهم: العصب ضرب من ثياب اليمن مخططة بحمرة وقيل العصب برود اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ ثم ينسج وقال في النهاية (٢): العصب: برود يمنية يعصب غزلها: أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ.

стр. 6074

يقال: برد عصب، وبرود عصب بالتنوين والإضافة. وقيل: هي برود مخططة. والعصب: الفتل، والعصاب: الغزال، أ. هـ. قوله: وهذا رجل يخبر عن رسول الله ﷺ قم يا عقبة فقام عقبة بن عامر وأنا أسمع فقال إني سمعت رسول الله ﷺ : "يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لبس الحرير في الدنيا حرمه أن يلبسه في الآخرة" الحديث، وقد اختلف في معنى الكذب على رسول الله ﷺ السلف والخلف فذهب بعضهم إلى أنه عام في كل شيء كان في الدين أو غيره وذهب آخرون إلى أن ذلك خاص في الكذب عليه في الدين وتعمده الخبر عنه بتحليل حرام أو تحريم حلال أو إثبات شريعته أو نفيها بالكذب وإذا كان الكذب ممنوعا في الشرع جملة فهو على النبي ﷺ أشد لأنه حقه أعظم وحق الشريعة آكد وإباحة الكذب عليه ذريعة إلى إبطال شرعه وتحريف دينه والله أعلم ذكره القاضي عياض في شرح مسلم (١) وتقدم الكلام على معنى الحديث مبسوطا في أوائل هذا التعليق. ٣١٢٠ - وَعَن حُذَيْفَة ﵁ قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ أَن نشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَن نَأْكُل فِيهَا وَعَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ (٢). قوله: وعن حذيفة ﵁ تقدم الكلام على حذيفة. قوله: نهى رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها"

стр. 6075

الحديث، قال النووي (١): وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة على الرجل وعلى المرأة ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا ما حكاه أصحابنا العراقيون أن للشافعي قولا قديما أنه يكره ولا يحرم والإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل بملعقة من أحدهما والتجمر بمجمرة منهما والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمالات ومنها المكحلة والميل وطرف العالية وغير ذلك سواء الإناء الكبير والصغير ويستوي في التحريم الرجل و [المرأة] بلا خلاف وإنما فرق بين الرجل والمرأة في التحلي لما يقصد منها من التزين للزوج والسيد، قال الشافعي والأصحاب: لو توضأ أو اغتسل من إناء ذهب أو فضة عصى بالفعل وصح وضوءه وغسله هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة والعلماء كافة إلا داود الظاهري فقال: لا يصح والصواب الصحة وكذلك لو أكل منه أو شرب عصى بالفعل ولا يكون المأكول ولا المشروب حراما، هذا كله في حال الاختيار أما إذا اضطر إلى استعمال إناء فلم يجد إلا ذهبا أو فضة فله استعماله في حال الضرورة بلا خلاف وصرح به أصحابنا قالوا: كما تباح الميتة في حال الضرورة وأما اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال فللشافعي والأصحاب فيه خلاف، الأصح تحريمه، والثاني: كراهيته، فإن كرهناه استحق صانعه الأجرة ووجب على كاسره إرش النقص وإلا فلا، وأما إناء

стр. 6076

الزجاج النفيس فلا يحرم بالإجماع، وأما إناء الياقوت والزمرد والفيروزج ونحوها فالأصح عند أصحابنا جواز استعمالها ومنهم من حرمها والله أعلم. فرع: يجوز الاستنجاء بالحرير وكذا بالذهب في الأصح وحرمه الماوردي بالمطبوع (١) ويحرم البول في إناء الذهب كما جزم به النووي في باب الأواني في شرح المهذب (٢) ويحرم أيضا على الرجل لبس الديباج والجلوس عليه والديباج بفتح الدال وكسرها وجمعه دبابيج وديابيج وهو عجمي معرب وهذا النهي يتوجه إلى الرجال وأما الصبيان فقال أصحابنا يجوز إلباسهم الحلي والحرير في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه أصحها جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد التمييز وكذلك الاستبرق وحرام أيضا لأنه من الحرير والاستبرق غليظ الديباج والله أعلم. تنبيه: فإن قلت ما الفرق بينهما؟ قلت: الديباج الرقيق من الحرير والاستبرق الغليظ منه، فإن قلت: هما نوعان من جنس الحرير فما الفائدة في ذكرهما بعد ذكره؟ قلت: كأنهما صارا من جنسين آخرين مستقلين فخصصهما بالذكر والله تعالى أعلم، وأما كسوة الكعبة بالحرير فجائز وفي معنى ذلك اتخاذ خريطة من الحرير للمصحف وفي المساجد وجهان أصحهما يحرم ولا يجوز ذلك في البيوت ويجوز اتخاذ العلم من الحرير في الحرب كما قال الفوراني في العمدة وكذلك يجوز اتخاذ خيط للسبحة كما قال

стр. 6077

الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكذلك يجوز اتخاذ التطريف والتطريز على ما جرت به العادة ولو اتخذ ثوبا بعضه حرير وبعضه كتان فإن كان الحرير أكثر حرم وإن استويا جاز في الأصح والله أعلم (١) قاله في ابن العماد في شرح العمدة. ٣١٢١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يسْتَمْتع بالحرير من يَرْجُو أَيَّام الله رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه قصَّة (٢). قوله: عن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله تعالى" أي: يخاف وقائع الله، قاله الثعلبي في تفسيره (٣). ٣١٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنَّمَا يلبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا من لَا يَرْجُو أَن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة قَالَ الْحسن فَمَا بَال أَقوام يبلغهم هَذَا عَن نَبِيّهم فيجعلون حَرِيرًا فِي ثِيَابهمْ وَبُيُوتهمْ رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَنهُ (٤).

стр. 6078

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إنما يلبس. اللوحة الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة" تقدم الكلام على معنى ذلك. قوله: رواه أحمد من طريق مبارك بن فضالة [ضعفه النسائي وغيره، وقال أبو داود: شديد التدليس فإذا قال حدثنا فهو ثبت وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو زرعة ما روي عن الحسن فيحتج به وروى عنه عفان وكان يرفعه ويوثقه قاله أبو حاتم، وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه، وقال ابن معين: صالح وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة، ووثقه ابن خزيمة وابن حبان وأخرجا له في صحيحيهما غير ما حديث]. ٣١٢٣ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا استحلت أمتِي خمْسا فَعَلَيْهِم الدمار إِذا ظهر التلاعن وَشَرِبُوا الْخُمُور ولبسوا الْحَرِير وَاتَّخذُوا الْقَيْنَات وَاكْتفى الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء بِالنسَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عقيب حَدِيث ثمَّ قَالَ إِسْنَاده وَإسْنَاد مَا قبله غير قوي غير أَنه إِذا ضم بعضه إِلَى بعض أَخذ قُوَّة (١).

стр. 6079

قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "إذا استحلت أمتي خمسا فعليهم الدمار" والدمار هو [الهلاك]. قوله: "إذا ظهر التلاعن" الأولى: إذا ظهر التلاعن، اللعن: إذا لعن بعضهم بعضا، الثانية: "إذا شربوا الخمر" معروف، الثالثة: "لبس الحرير" أي على الرجال، الرابعة: "اتخاذ القينات" والقينات جمع قينة وهي الأمة المغنية. الخامسة: "اكتفاء الرجال بالرجال" المراد بذلك اللواط، "واكتفى والنساء بالنساء" المراد بذلك ساحقة المرأة بالمرأة والله أعلم. ٣١٢٤ - وَعَن صَفْوَان بن عبد الله بن صَفْوَان قَالَ اسْتَأْذن سعد ﵁ على ابْن عَامر وَتَحْته مرافق من حَرِير فَأمر بهَا فَرفعت فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ على مطرف من خَز فَقَالَ لَهُ اسْتَأْذَنت وتحتي مرافق من حَرِير فَأمرت بهَا فَرفعت فَقَالَ لَهُ نعم الرجل أَنْت يَا ابْن عَامر إِن لم تكن مِمَّن قَالَ الله أَذهَبْتُم طَيَّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا الْأَحْقَاف. وَالله لِأَن أضطجع على جمر الغضا أحب إِلَيّ أَن أضطجع عَلَيْهَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا الْمرَافِق بِفَتْح الْمِيم جمع مرفقة بِكَسْرِهَا وَفتح الْفَاء وَهِي شَيْء يتكأ عَلَيْهِ شَبيه بالمخدة (١).

стр. 6080

قوله: وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان [هو صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي المكي القرشي كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء روى عنها وعن جده وعن أبي الدرداء وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وحفصة بنت عمر روى عنه الزهري وأبو الزبير ويوسف بن مالك وعمرو بن دينار قال ابن سعد كان قليل الحديث وقال العجلي مدني تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي ثقة]. قوله: استأذن سعد ﵁ على ابن عامر وتحته مرافق من حرير فأمر بها فرفعت، المرافق جمع مرفقة وهي شيء يتكأ عليه شبيه بالمخدة قاله النووي. قوله: فدخل عليه وهو على مطرف من خز" الحديث، والمطرف بكسر الميم وفتحها وضمها وإسكان الطاء وفتح الراء واحد المطارف وهي أردية من خز مربعة لها أعلام قال الفراء وأصله: الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف إذا جعل في طرفيه العلماء ولكنهم استثقلوا الضمة فكسروه ذكره في الصحاح وقيل المطرف الثوب الذي في طرفه علمان والميم مزيدة والخز هو الحرير الذي نسج قبل الصبغ وقيل الخز ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون ما ورد من النهي لأجل

стр. 6081

التشبه بالعجم وزي المترفين (١)، أما ما يعمل كله من الحرير فحرام وليس مرادا هنا قاله في شرح الإلمام. قوله: والله لأن أضطجع على جمر الغضا أحب إلي أن أضطجع عليها" والغضا شجر والغضاة كل شجرة لها شوك ومنه قولهم ذبب غضى قاله الجوهري في صحاحه (٢). ٣١٢٥ - وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ رأى رَسُول الله ﷺ جُبَّة مجيبة بحرير فَقَالَ طوق من نَار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات مجيبة بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم بعدهمَا يَاء مثناة تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة أَي لهَا جيب بِفَتْح الْجِيم من حَرِير وَهُوَ الطوق (٣). قوله: وعن معاذ بن جبل ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة بحرير فقال: "طوق من نار". قوله: مجيبة، أي لها جيب من حرير وهو الطوق قاله المنذري، وروي مسلم أن جبة رسول الله ﷺ كانت مكفوفة الجيب والكمين والفرجين

стр. 6082

بالديباج (١) وتقدم الكلام على الديباج وروي أبو داود أنه ﷺ نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة وفي الصحيحين نحوه (٢)، وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، قال النووي (٣): وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وعن مالك رواية يمنعه وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز وإن عظم وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصحيح والله أعلم والمراد الأصابع المعتادة ولا التفات إلى قياس بعض الحنفية على ذلك الذهب فجوزوا منه أربع أصابع وليس هذا موضع قياس بل التحريم أصل في الجميع فيقتصر على مورد النص والله أعلم قاله في شرح الإلمام وضبطه في الكافي بأربع أصابع مضمومة للخبر وضبطه بعضهم بالعادة فإن زاد حرم وعبارة الروضة يجوز المطرف والمطرز بشرط الاقتصار على عادة التطريف ويشترط أن لا يجاوز الطراز أربع أصابع فإن زاد فيهما حرم (٤)، أ. هـ. فرع: يجوز ما طرز أو طرف بحرير قدر العادة ذكره في هادي النبيه على التنبيه.

стр. 6083

٣١٢٦ - وَعَن جوَيْرِية ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من لبس ثوب حَرِير فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله يَوْمًا أَو ثوبا من النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَفِي رِوَايَة من لبس ثوب حَرِير فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله يَوْم الْقِيَامَة ثوب مذلة من النَّار أَو ثوبا من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار عَن حُذَيْفَة مَوْقُوفا من لبس ثوب حَرِير ألبسهُ الله يَوْمًا من نَار لَيْسَ من أيامكم وَلَكِن من أَيَّام الله الطوَال (١). قوله: وعن جويريه (٢) ﵂، جويريه مصغر الجارية بالجيم الخزاعية، كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ بذلك وكانت امرأة حلوة مليحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قال ابن هشام: لما انصرف رسول الله ﷺ من

стр. 6084

غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث دفعها إلى رجل من الأنصار وديعة وقدم رسول الله ﷺ المدينة فأقبل أبوها الحارث ابن أبي ضرار بفداء ابنته بالعقيق فلما نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء أخذ بعيرين منهما فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أصبت ابنتي وهذا فداؤها وأنت أكرم الناس وأوصل الناس فقال رسول الله ﷺ : "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا"، فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له فدفعها إلى أبيها ثم خطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها فزوجه إياها وقيل إنها وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها على تسع أواق فذكر الحديث إلى أن قالت لرسول الله ﷺ فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسى على تسع أواق فأعني على كتابتي فقال لها رسول الله ﷺ فهل لك خير من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أأؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله، فقال: قد فعلت، قال: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ فأعتقوا ما في أيديهم من نساء بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه إياها فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، قاله في مجمع الأحباب وكانت جويرية تحت مسافع بن صفوان فلما غزى رسول الله ﷺ غزاة المريسيع في سنة خمس من الهجرة قصد النبي ﷺ بني المصطلق بن خزاعة على مائهم

стр. 6085

فقتل زوجها وسبيت جويرية فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها على تسع أواق فذكر ذلك كما تقدم في مجمع الأحباب وتزوجها رسول الله ﷺ سنة ست من الهجرة وهي ابن عشرين سنة وقيل تزوجها رسول الله ﷺ وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها، وفي هذه الغزوة سقط عقد عائشة فأقام رسول الله ﷺ بالناس على التماسه وليسوا على ماء فنزلت آية التيمم في شعبان من سنة خمس، وقال الشعبي: كانت جويرية من ملك اليمن فأعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها وتوفيت سنة ست وخمسين ودفنت بالبقيع. قوله ﷺ : "من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله تعالى ثوب مذلة من النار" ثوب المذلة هو [كناية عن شُمول الذُّلّ به شُمولَ الثوب البدَن؛ أي: يصغّرُه في العيون ويحقّره في القلوب]. ٣١٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يلبس حَرِيرًا وَلَا ذَهَبا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (١).

стр. 6086

قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا" اليوم. الآخر هو يوم القيامة وتقدم الكلام على لبس الحرير والذهب. ٣١٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يشرب الْخمر حرم الله عَلَيْهِ شربهَا فِي الْجنَّة وَمن مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يتحلى بِالذَّهَب حرم الله عَلَيْهِ لِبَاسه فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ (١). قوله: وعن عبد الله بن عمرو ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة ومن مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة" المراد بذلك إذا لم يتب من ذلك قبل مماته.

стр. 6087

٣١٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ رأى خَاتمًا من ذهب فِي يَد رجل فَنَزَعَهُ وَطَرحه وَقَالَ يعمد أحدكُم إِلَى جَمْرَة من نَار فيطرحها فِي يَده فَقيل للرجل بَعْدَمَا ذهب رَسُول الله ﷺ خُذ خاتمك انْتفع بِهِ فَقَالَ لَا وَالله لَا آخذه وَقد طَرحه رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ مُسلم (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده، الحديث يعمد بكسر الميم في المضارع وبفتحها في الماضي ومعناه يقصد، أجمع المسلمون على تحريم خاتم الذهب على الرجال وأجمعوا على إباحته للنساء وكذا لو كان بعضه ذهبا وبعضه فضة حتى لو كان سر الخاتم ذهبا أو كان مموها بذهب يسير فهو حرام على الرجال لعموم الحديث الآخر في الذهب والحرير "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل إناثها" وخواتيم الذهب وسائر أنواع الحلي منه ومن الفضة حل لها سواء المتزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة هذا مذهب جمهور العلماء، وحكي القاضي (٢) عن قوم إباحته للرجال والنساء (٣) وعن ابن الزبير

стр. 6088

تحريمه عليهما، ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال (١)، أ. هـ، وفي هذا الحديث إزالة المنكر باليد لمن قدر عليها وفيه تصريح بأن النهي عن خاتم الذهب للتحريم كما سبق وفيه المبالغة من الصحابة ﵃ إلى امتثال أمر رسول الله ﷺ واجتناب نهيه وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة ثم إن هذا الرجل إنما ترك الخاتم على سبيل الإباحة لمن أراد أخذه من الفقراء وغيرهم وحينئذ يجوز أخذه لمن شاء فإذا أخذه جاز تصرفه فيه ولو كان صاحبه أخذه لم يحرم عليه الآخذ والتصرف فيه بالبيع وغيره ولكن تورع عن أخذه وأراد الصدقة به على من يحتاج إليه لأن النبي ﷺ لم ينهى عن التصرف فيه بكل وجه إنما نهاه عن لبسه وبقى ما سواه من تصرفه على الإباحة، والله أعلم. ٣١٣٠ - وَعَن أبي سعيد ﵁ أَن رجلا قدم من نَجْرَان إِلَى رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ خَاتم من ذهب فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِنَّك جئتني وَفِي يدك جَمْرَة من نَار رَوَاهُ النَّسَائِيّ (٢).

стр. 6089

قوله: وعن أبي سعيد ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، الحديث، ونجران بلدة معروفة بين الحجاز والشام واليمن كذا قاله ابن الأثير (١) وهو على سبع مراحل من مكة كانت منزلا للنصارى، وأما نجران فليست من الحجاز ولكن صالحهم رسول الله ﷺ على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه ونقضوا العهد فأمر بإخراجهم فأجلاهم عمر ﵁ قاله في المهذب (٢) وهو الصواب ففيه النهي عن خاتم الذهب على الرجال وهو إجماع من المسلمين كما تقدم في الحديث قبله وقد أجمع المسلمون أيضا على جواز خاتم الفضة للرجال فإن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق والورق الفضة وكره بعض علماء الشام المتقدمين لبسه لغير ذلك سلطان ورووا فيه أثرا وهو شاذ مردود قال الخطابي رحمه الله تعالى (٣): ويكره للنساء خاتم الفضة لأنه من شعار الرجال فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفره بزعفران وشبهه وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل لا أصل له والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة والله أعلم. تتمة: بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر بلغني إنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم

стр. 6090

وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا طسا واكتب عليه رحم الله من عرف قدر نفسه وما يؤل إليه والله أعلم (١). ٣١٣١ - وَعَن خَليفَة بن كَعْب ﵁ قَالَ سَمِعت ابْن الزبير يخْطب وَيَقُول لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تلبسوا الْحَرِير فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَزَاد فِي رِوَايَة وَمن لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة لم يدْخل الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٢) (٣). قوله: وعن خليفة بن كعب (٤) ﵁[هو خليفة بن كعب التميمي أبو ذبيان البصري روى عن أبي الزبير والأحنف بن قيس وعنه حفصة بنت سيرين وشعبة وجعفر بن ميمون الأنماطي. قال النسائي ثقة له عندهم حديث واحد في لباس الحرير، وذكره ابن حبان في الثقات]. قوله: سمعت ابن الزبير يخطب ويقول: لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁.تقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا الحرير

стр. 6091

فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" الحديث، هذا مذهب عبد الله بن الزبير ﵁ وأجمعوا بعده على إباحة الحرير للنساء وهذا الحديث الذي احتج به إنما ورد في لبس الرجال لوجهين، أحدهما: أنه خطاب للذكور ومذهبنا ومذهب محققي الأصوليين أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق، والوجه الثاني: أن الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا وقبله صريحة في إباحته للنساء وأمره ﷺ عليا وأسامة أن يكسوه نساءه مع الحديث المشهور أنه ﷺ قال في الحرير والذهب: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل إناثها" وتقدم، فيباح لهن الحرير وجميع أنواعه وخواتيم الذهب وسائر الحلي منه ومن الفضة وسواء المزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة وهذا الذي ذكرناه من تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكي القاضي عياض عن قوم إباحته للرجال والنساء، وعن ابن الزبير تحريمه على الرجال والنساء كما تقدم ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال ويدل عليه الأحاديث المصرحة بالتحريم. ٣١٣٢ - وَعَن عقبَة بن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يمْنَع أهله الْحِلْية وَالْحَرِير وَيَقُول إِن كُنْتُم تحبون حلية الْجنَّة وحريرها فَلَا تلبسوها فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (١).

стр. 6092

قوله: وعن عقبة بن عامر ﵁ تقدم. قوله: أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: "إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا" الحديث، والمراد بأهله ﷺ زوجاته وإنما كان ﷺ يمنع أهله ذلك تورعا لا أنه حرام عليهن الحرير والحلية كما تقدم في الأحاديث الصحيحة بإباحة ذلك للنساء والله أعلم. فائدة: في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى النبي ﷺ في غزاة لهما فرخص لهما في قميص الحرير ورآه عليهما (١) وشرط الجواز أن لا يمكن دفع القمل بتنظيف الثياب والجسد ونحو ذلك، قال الجاحظ (٢): من الناس من يكون قمل الطباع فلا يزول القمل عن جسده إلا بلبس الحرير، كما اتفق للزبير وعبد الرحمن بن عوف، فإن الجسد [إذا] كان بطبعه يربي القمل، عم الحكم بعموم العلة سفرا وحضرا، وذكر الزمخشري في كتابه الفائق (٣) أن لبس الحرير لمنع البراغيث أيضا فعلى هذا إذا كثرت البراغيث جاز لبسها ليلا للنوم فيها لأن ضرر

стр. 6093

البراغيث أشد من ضرر القمل فيجوز النوم ليلا في ثياب الحرير قياسا على لبسها لدفع القمل والأصحاب في مواضع كثيرة قاسوا عليها خص، وهذا قياس في معنى الأصل والأصل المراد به حديث عبد الرحمن والزبير، أ. هـ قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (١). ٣١٣٣ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله من ترك الْخمر وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأسقينه مِنْهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس وَمن ترك الْحَرِير وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأكسونه إِيَّاه فِي حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَيَأْتِي فِي بَاب شرب الْخمر أَحَادِيث نَحْو هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٢). قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : قال الله : "ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لاكسونه إياه في حظيرة القدس" وحظيرة القدس بالظاء المشالة الجنة لأنها محل الطهارة من أجناس الدنيا. ٣١٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من سره أَن يسْقِيه الله الْخمر فِي الْآخِرَة فليتركها فِي الدُّنْيَا وَمن سره أَن يكسوه الله الْحَرِير فِي

стр. 6094

الْآخِرَة فليتركه فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق وَله شَوَاهِد (١). ٣١٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ويل للنِّسَاء من الأحمرين الذَّهَب والمعصفر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٢). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ويل للنساء من الأحمرين الذهب والمعصفر" ويل اسم واد في جهنم وقيل اسم حجر فيها، وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام على الذهب، وأما المعصفر فعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ -عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما" رواه مسلم وفي رواية: رأني رسول الله ﷺ وعلي ثوبان معصفران، فقال: " [أأمك] أمرتك بهذا" قلت: أغسلهما؟ قال: "بل احرقهما" وفي راوية علي أن رسول الله ﷺ

стр. 6095

نهى عن لبس القسي و [والمعصفر]. واختلف العلماء ﵃ في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بالعصفر فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك لكنه قال غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها وقال أحمد وجماعة من العلماء: هو مكروه كراهية تنزويه وحملوا النهي الي ورد على هذا لأنه ثبت أن النبي ﷺ لبس حلة حمراه ففيه دليل على استحباب لبس الأحمر وقد اختار البيهقي تحريم المعصفر قال: وقد صحت الأحاديث فيه وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي، وفي رواية فهو مذهبي وقد صح الحدي وقال الخطابي (١): النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسخ فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي والله أعلم، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة ليكون موافقا لحديث ابن عمر نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران وقد أتقن البيهقي [المسألة في] كتابه معرفة السنن نهي الشافعي الرجل عن المزعفر وأباح له المعصفر قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدا يحكي عن النبي ﷺ النهي عنه إلا ما قال علي ﵁: نهاني ولا أقول نهاكم، قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على

стр. 6096

النهي على العموم ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي هذا الذي ذكره مسلم ثم أحاديث ثم قال: فلو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء الله (١)، قال البيهقي: قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر قال: وأمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر فمتابعتها في المعصفر أولى به، قال: وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الحليمي من أصحابنا ورخص فيه جماعة والسنة أولى بالاتباع والله أعلم (٢). قال ابن عبد البر (٣): كان النبي ﷺ يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة ويقول هي زينة الشيطان وقال مالك الأشتر لعلي: أي الألوان أحسن؟ قال: الخضرة لأنها (لون) (٤) ثياب أهل الجنة وروي البيهقي في الشعب وابن عدي في الكامل عن عبد الله بن محمد بن مسلم فذكره إلى أن قال عن رافع بن زيد الثقفي عن النبي ﷺ أنه قال: الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذو شهرة وبهذا السند إلى أنس قال: كنا نتحدث أن أحب الألوان إلى (رسول) (٥) الله ﷺ الخضرة (١)، أ. هـ.

стр. 6097

فروع: ذكرها في مختصر الكفاية: يباح لبس الكتان والصوف والوبر والشعر ونحوها وإن كثرت قيمتها لأن نفاستها بالصنعة وكان لا يبعد تخريج وجه في تحريم ما نفاسته بصنعته كما قيل بمثله في الأواني ولكن المذاهب نقل ولا يكره لبس الناعم منه بل في التتمة والبحر أن لبس الخشن مكروه لا لغرض شرعي مع الاستغناء عنه لأنه تعذيب النفس وسواء غير المطبوع والمصبوغ وسواء الأحمر والأخضر والأسود وسواء نسج قبل الصبغ أو بعده هذا ظاهر كلام الأصحاب، وفي تعليق القاضي حسين: إن صبغ بعده لمنع الوسخ جاز أو للزينة لم يجز للرجل لأنه لباس النساء وفي

стр. 6098

الصحيحين أنه ﷺ لبس حلة حمراء (١)، وفي الصحيحين أيضا: "إن أعجب اللباس إليه ﷺ الحبرة" (٢) قيل: وهي شملة فيها بياض وحمرة وروي الترمذي وأبو داود أنه ﷺ لبس بردين أخضرين (٣)، وروي مسلم أنه ﷺ دخل مكة عام الفتح وعليه عمامة سوداء ولبسها على المنبر أيضا (٤)، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة لبس الأسود، وأما الأصفر فقد نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل (٥)، هذا دليل لمذهب الشافعي وموافقيه في تحريم لبس الثوب المزعفر على الرجل، أ. هـ وأما ما ورد عن ابن عمر أنه كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلء ثيابه من الصفرة ويقول: رأيته ﷺ يصبغ بها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته، ورواه أبو داود والنسائي (٦)، وفي

стр. 6099

الصحيحين عن ابن عمر قال: وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها (١) فقيل: أراد خضاب لحيته بالصفرة وقيل أراد لبس ثياب صفرة. وبالجملة فالمزعفر حرام على الرجال صرح به في النساء ونقل البيهقي وغيره عن الشافعي أنه نهى الرجل عن الزعفران وأباح له المعصفر وتقدم ذلك في غير كلام مختصر الكفاية، قال البيهقي: والصواب منع المعفر وبه قال الحليمي للأحاديث الصحيحة ولو بلغت الشافعي لقال بها ومذهبه اتباع الحديث أ. هـ. ٣١٣٦ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أريت أَنِّي دخلت الْجنَّة فَإِذا أعالي أهل الْجنَّة فُقَرَاء الْمُهَاجِرين وذراري الْمُؤمنِينَ وَإِذا لَيْسَ فِيهَا أحد أقل من الْأَغْنِيَاء وَالنِّسَاء فَقيل لي أما الْأَغْنِيَاء فَإِنَّهُم على الْبَاب يحاسبون ويمحصون وَأما النِّسَاء فألهاهن الأحمران الذَّهَب وَالْحَرِير الحَدِيت رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَغَيره من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن زيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (٢).

стр. 6100

قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أريت أني دخلت الجنة فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المؤمنين وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء فقيل لي أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون" أي: يخلص بعضهم من بعض ومنه تمحيص الذنوب وهو إزالتها قاله في النهاية (١) وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الزهد إن شاء الله تعالى. قوله: من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد [قال الدارقطني: عبيد الله بن زحر، عن علي بن زيد نسخة باطلة]. ٣١٣٧ - وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يبيت قوم من هَذِه الْأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحون وَقد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبنهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلَان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلَان وليرسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كَمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي أهلكت عادا على قبائل فِيهَا وعَلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وَقَطِيعَة الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا

стр. 6101

جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله ﷺ في حديث أبي أمامة ﵁: "يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير" الحديث، وعن مجاهد أنه قال: المسخ بمعنى الختم والطبع على القلب لا مسخ الصور والله أعلم. واختلف في القردة والخنازير، قال أبو الليث السمرقندي (٢): اختلف الناس في الخلق الذين مسخهم الله تعالى (قال بعضهم: إن القردة والخنازير من نسل قوم قد مسخهم الله، وكذلك الفأرة والدعموص وغيرهما من الأشياء التي جاءت فيها الآثار أنهم مسخوا، وقال عامة) (٣) أهل العلم هذا لا يصح بل كانت القردة وغيرها قد خلقوا قبل ذلك والذي مسخهم الله تعالى ليس لهم فرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام، روى المسور بن الأحنف قال: قيل

стр. 6102

لعبد الله بن مسعود: أرأيت (القردة والخنازير من نسل القردة والخنازير التي كانت قبلها؟ قال عبد الله:) (١) لم يمسخ الله أمة فيجعل الله لها نسلا ولكنها من نسل قردة وخنازير قد كانت قبل ذلك. انتهى. قوله ﷺ : "وليصيبنهم خسف" قال في التنقيح على المصابيح (٢): والخسف يكون في الأرض انتهى. تتمة: قد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله تعالى يقول: كان الخسف لمن قبلنا بالإعدام ولكرامة هذه الأمة على الله تعالى ولشفاعة نبينا محمد- ﷺ فينا رفع الله عنا خسف الظاهر لأنه ﵊ طلب من الله تعالى أن لا يخسف بأمته كما فعل بمن مضى فأسعفه الله تعالى فيما طلب في الظاهر أتبع ذلك الستر، وأما خسف الباطن فلم يرفعه على ما ورد وذلك موجود ظاهر لا يرتاب أحد فيه ولا يشك ألا ترى إلى الخنزير وحالته وما هو فيه من التنجيس والتقذير فتنظر إلى شراب الخمر هل تجد بينهما فرقا إلا في الصورة الظاهرة والمعاني قد جمعت بينهما وكذلك أيضا إذا نظرت إلى الثعبان تجده ناعما أملس مليح المنظر فإذ قربته قتلك بسمه وأنت ترى كثيرا من أهل الوقت كذلك فتنظر في أحدهم ترى العبارة العذبة والكلام الطيب وكأنه أعظم الناس في المحبة فإذا اطمأننت إليه أو ركنت إلى جانبه أو رغبت عنه أهلكك بحسب حاله وحالك إما في مالك أو في عرضك أو دينك، وذلك سمه فأنى فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى

стр. 6103

إلى السبع وحالته وإيذائه ورعبه للناس وخوفهم منه إذا سمعوا بحسه فضلا عن رؤيته بل من الناس من لا يستطيع رؤيته إلا ويهلك وهو مطبوع على الضرر الكلي ألا ترى إلى حاله إذ قد يكون شبعانا ريانا ومع ذلك إذا رأى آدميا أو ماشيته لم يملك نفسه إلا أن ينقض عليه يعبث به ويقتله ثم يمضي ويتركه على ذلك الحال لا حاجة له به لشبعه فتنظر إلى هؤلاء الظلمة وما وسع عليهم في دنياهم لم تبق له أمنية إلا وهي حاصلة فضلا عن الضرورات ثم فضلت الأموال عندهم ليس لهم حاجة يربرون على بعضها بالربا وعلى بعضها في المحرمات وفي البنيان والإسراف ثم مع ما بأيديهم من كثرة الأموال لا يقدر أحد منهم في الغالب أن يترك للضعيف المسكين درهما يكتسب فيه لنفسه وعياله بل يضربون على الشيء اليسير الضرب المؤلم ويؤذون على ذلك بالحبس والغرامة وغير ذلك مما عندهم من أنواع العذاب والرعب للمساكين وكثير من الضعفاء المساكين لا يستطيعون رؤيتهم لشدة سطوتهم فأي فرق بينهم وبين السبع إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى إلى الكلاب وحالتها وإيذائها وتسليطها على رعب المساكين مرة برؤيتها ومرة بصوتها ومرة بتقطيعها الثياب وإيذائها في البدن وقد يؤول من قامت عليه من الآدميين صبيا صغيرا أو كبيرا أو ضعيفا إلى الإعدام البتة، وقد يكون فيها من هو كلب فيهلك من قرب منه مرة واحدة وقد وقع [ ... ] (١) مشهور متعارف فانظر إلى هؤلاء الحرس الجبابرة في إرعابهم المسلمين وتسلطهم عليه بالأذية العظيمة في الدين والبدن والمال

стр. 6104

والروح والرعب الحاصل عند رويتهم للصبيان الصغار والكبار الضعفاء المساكين فأي فرق بينهم وبين الكلاب إلا في الصورة الظاهرة والمعاني الجامعة بينهما ألا ترى إلى العقرب وحالتها وإيذائها وكثرة تعقدها وسمها وأنها ليس لها صدر فانظر إلى بعضهم تجده كذلك ضيق الصدر منعقد الوجه لا يستطيع [ ... ]، (١) وجهه وضيق صدره فإن قربته وأنت لا تتحفظ على نفسك منه حصل لك منه الأذية العظمى أو في مالك أو بدنك أو عرضك وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما أ. هـ كلامه وهذا كثير لا يمكن حصره ولا عده وإنما ذكر ﵀ هذا تمثيلا لمن له لب فينظر إلى كيفية الخسف الواقع لكل إنسان بحسب حاله وحال ذنبه فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف القلوب وترك الاستحياء من عمل الذنوب قاله صاحب تهذيب النفوس في كتابه. قوله ﷺ : "وخسف وقذف" تقدم الكلام على الخسف، والكلام الآن على القذف، قال في التنقيح: والقذف يريد به الريح الشديدة الباردة أو قذف الأرض الموتى بعد الدفن أو رمي أهلها بالحجارة (٢). قوله: "ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور" الريح العقيم ما ليس فيه نفع وخير [وهي: التي لا تلقح شجرا ولا تنشر سحابا ولا رحمة فيها ولا بركة أ. هـ قاله الثعلبي في تفسيره (٣)] يعني: كل ما جاء

стр. 6105

في القرآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب وكل ما كان بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ (١) فهو رحمة، وروي [ابن عباس عن] رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أرسل الله ريحا إلا بمكيال ولا قطرة من المطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ: بريح صرصر عاتية" وقال الله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (٢) أي: بطغيانهم يعني الفاعلة (٣)، وعاد: قبيلة وهم قوم هود ﵇ وقصة عاد مشهورة مذكورة في التفاسير وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها والله أعلم. قوله: "بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا وقطيعة الرحم" سيأتي الكلام على شرب الخمر في بابه وكذلك قطيعة الرحم والربا. ٣١٣٨ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ قَالَ حَدثنِي أَبُو عَامر وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ وَالله يَمِين أُخْرَى مَا كَذبَنِي أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيَكُونن من أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَذكر كلَاما قَالَ يمسخ مِنْهُم قردة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (٤).

стр. 6106

قوله: وعن عبد الرحمن بن غنم (١)، وهو: عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ بن ربيعة بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية، فذكره إلى أن قال: ابن الأشعري، الشامي، ذكره ابن يونس وابن مندة وآخرون في الصحابة وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا: تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد رسول الله ﷺ ولم يره وقالوا: الأولون قدم على رسول الله ﷺ في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصحابه، كان يسقط فلسطين وقدم دمشق ودقم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين روى عن النبي ﷺ مرسلا وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا ذر وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام، [بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس وأبوه [غنم بن سعد ممن قدم مع أبي موسى الأشعري من الأشعريين على رسول الله ( ﷺ )] وصحب رسول الله ( ﷺ ) وقتل في بعض المغازي بعد رسول الله ( ﷺ )] وعليه تفقه عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر، قال ابن سعد: طعن هو ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة في يوم واحد، توفي ﵁ سمة ثمان وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة.
следующие страницы →