← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6102–6141 · переход к 6107.

стр. 6102

لعبد الله بن مسعود: أرأيت (القردة والخنازير من نسل القردة والخنازير التي كانت قبلها؟ قال عبد الله:) (١) لم يمسخ الله أمة فيجعل الله لها نسلا ولكنها من نسل قردة وخنازير قد كانت قبل ذلك. انتهى. قوله ﷺ : "وليصيبنهم خسف" قال في التنقيح على المصابيح (٢): والخسف يكون في الأرض انتهى. تتمة: قد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله تعالى يقول: كان الخسف لمن قبلنا بالإعدام ولكرامة هذه الأمة على الله تعالى ولشفاعة نبينا محمد- ﷺ فينا رفع الله عنا خسف الظاهر لأنه ﵊ طلب من الله تعالى أن لا يخسف بأمته كما فعل بمن مضى فأسعفه الله تعالى فيما طلب في الظاهر أتبع ذلك الستر، وأما خسف الباطن فلم يرفعه على ما ورد وذلك موجود ظاهر لا يرتاب أحد فيه ولا يشك ألا ترى إلى الخنزير وحالته وما هو فيه من التنجيس والتقذير فتنظر إلى شراب الخمر هل تجد بينهما فرقا إلا في الصورة الظاهرة والمعاني قد جمعت بينهما وكذلك أيضا إذا نظرت إلى الثعبان تجده ناعما أملس مليح المنظر فإذ قربته قتلك بسمه وأنت ترى كثيرا من أهل الوقت كذلك فتنظر في أحدهم ترى العبارة العذبة والكلام الطيب وكأنه أعظم الناس في المحبة فإذا اطمأننت إليه أو ركنت إلى جانبه أو رغبت عنه أهلكك بحسب حاله وحالك إما في مالك أو في عرضك أو دينك، وذلك سمه فأنى فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى

стр. 6103

إلى السبع وحالته وإيذائه ورعبه للناس وخوفهم منه إذا سمعوا بحسه فضلا عن رؤيته بل من الناس من لا يستطيع رؤيته إلا ويهلك وهو مطبوع على الضرر الكلي ألا ترى إلى حاله إذ قد يكون شبعانا ريانا ومع ذلك إذا رأى آدميا أو ماشيته لم يملك نفسه إلا أن ينقض عليه يعبث به ويقتله ثم يمضي ويتركه على ذلك الحال لا حاجة له به لشبعه فتنظر إلى هؤلاء الظلمة وما وسع عليهم في دنياهم لم تبق له أمنية إلا وهي حاصلة فضلا عن الضرورات ثم فضلت الأموال عندهم ليس لهم حاجة يربرون على بعضها بالربا وعلى بعضها في المحرمات وفي البنيان والإسراف ثم مع ما بأيديهم من كثرة الأموال لا يقدر أحد منهم في الغالب أن يترك للضعيف المسكين درهما يكتسب فيه لنفسه وعياله بل يضربون على الشيء اليسير الضرب المؤلم ويؤذون على ذلك بالحبس والغرامة وغير ذلك مما عندهم من أنواع العذاب والرعب للمساكين وكثير من الضعفاء المساكين لا يستطيعون رؤيتهم لشدة سطوتهم فأي فرق بينهم وبين السبع إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى إلى الكلاب وحالتها وإيذائها وتسليطها على رعب المساكين مرة برؤيتها ومرة بصوتها ومرة بتقطيعها الثياب وإيذائها في البدن وقد يؤول من قامت عليه من الآدميين صبيا صغيرا أو كبيرا أو ضعيفا إلى الإعدام البتة، وقد يكون فيها من هو كلب فيهلك من قرب منه مرة واحدة وقد وقع [ ... ] (١) مشهور متعارف فانظر إلى هؤلاء الحرس الجبابرة في إرعابهم المسلمين وتسلطهم عليه بالأذية العظيمة في الدين والبدن والمال

стр. 6104

والروح والرعب الحاصل عند رويتهم للصبيان الصغار والكبار الضعفاء المساكين فأي فرق بينهم وبين الكلاب إلا في الصورة الظاهرة والمعاني الجامعة بينهما ألا ترى إلى العقرب وحالتها وإيذائها وكثرة تعقدها وسمها وأنها ليس لها صدر فانظر إلى بعضهم تجده كذلك ضيق الصدر منعقد الوجه لا يستطيع [ ... ]، (١) وجهه وضيق صدره فإن قربته وأنت لا تتحفظ على نفسك منه حصل لك منه الأذية العظمى أو في مالك أو بدنك أو عرضك وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما أ. هـ كلامه وهذا كثير لا يمكن حصره ولا عده وإنما ذكر ﵀ هذا تمثيلا لمن له لب فينظر إلى كيفية الخسف الواقع لكل إنسان بحسب حاله وحال ذنبه فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف القلوب وترك الاستحياء من عمل الذنوب قاله صاحب تهذيب النفوس في كتابه. قوله ﷺ : "وخسف وقذف" تقدم الكلام على الخسف، والكلام الآن على القذف، قال في التنقيح: والقذف يريد به الريح الشديدة الباردة أو قذف الأرض الموتى بعد الدفن أو رمي أهلها بالحجارة (٢). قوله: "ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور" الريح العقيم ما ليس فيه نفع وخير [وهي: التي لا تلقح شجرا ولا تنشر سحابا ولا رحمة فيها ولا بركة أ. هـ قاله الثعلبي في تفسيره (٣)] يعني: كل ما جاء

стр. 6105

في القرآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب وكل ما كان بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ (١) فهو رحمة، وروي [ابن عباس عن] رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أرسل الله ريحا إلا بمكيال ولا قطرة من المطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ: بريح صرصر عاتية" وقال الله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (٢) أي: بطغيانهم يعني الفاعلة (٣)، وعاد: قبيلة وهم قوم هود ﵇ وقصة عاد مشهورة مذكورة في التفاسير وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها والله أعلم. قوله: "بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا وقطيعة الرحم" سيأتي الكلام على شرب الخمر في بابه وكذلك قطيعة الرحم والربا. ٣١٣٨ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ قَالَ حَدثنِي أَبُو عَامر وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ وَالله يَمِين أُخْرَى مَا كَذبَنِي أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيَكُونن من أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَذكر كلَاما قَالَ يمسخ مِنْهُم قردة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (٤).

стр. 6106

قوله: وعن عبد الرحمن بن غنم (١)، وهو: عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ بن ربيعة بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية، فذكره إلى أن قال: ابن الأشعري، الشامي، ذكره ابن يونس وابن مندة وآخرون في الصحابة وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا: تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد رسول الله ﷺ ولم يره وقالوا: الأولون قدم على رسول الله ﷺ في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصحابه، كان يسقط فلسطين وقدم دمشق ودقم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين روى عن النبي ﷺ مرسلا وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا ذر وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام، [بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس وأبوه [غنم بن سعد ممن قدم مع أبي موسى الأشعري من الأشعريين على رسول الله ( ﷺ )] وصحب رسول الله ( ﷺ ) وقتل في بعض المغازي بعد رسول الله ( ﷺ )] وعليه تفقه عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر، قال ابن سعد: طعن هو ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة في يوم واحد، توفي ﵁ سمة ثمان وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة.

стр. 6107

قوله: حدثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري، وفي رواية: حدثني أبو مالك الأشعري ولم يشك أبو مالك ويكنى أبا مالك الأشعري وروي عنه جابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن غنم، واختلف في اسم أبي عامر فقيل الحارث وقيل عبيد وقيل عمرو وقيل كعب بن عاصم، روى عن رسول الله قال الحافظ عبد الحق: ولم يخرج البخاري عن أبي مالك الأشعري شيئا في صحيحه فإن أراد بذلك أن البخاري ما خرج له بالجزم فنعم وإلا فقد خرج له على الشك وفي هذا من الفوائد أن البخاري رواه عن شيخه هشام بن عمار فقال فيه قال هشام ولم يقل حدثنا فزعم أبو محمد بن حزم أنه منقطع لم يسمعه منه. قوله: فإنه سمعه منه إلا أنه أخذه عنه حال المذاكرة لا حال التحديث وهذه عادة البخاري مبالغة في الاحتياط وقد وصله الإسماعيلي في صحيحه وأبو نعيم في المستخرج وأبو داود في [سننه بأسانيد] صحيحة لا مطعن فيها. قوله: والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول: "ليكونن من أمتي أقوام" فقوله: والله يمين أخرى أيضا تأكيد لحلف على صحة الخبر وفي هذا الحديث من أعلام النبوة الإخبار بهذه الأمور التي وقعت كما قال ﷺ ، وفيه: أنهم داخلون مع ذلك في مسمى الأمة لكن قوله: "يستحلون "يخرجهم فإن من استحل ما حرمه الله مما أجمعوا عليه وعلم من الدين بالضرورة كفر اللهم إلا أن يكون معناه يستحلونه بالتأويل الباطل كما قال في الخمر يسمونها بغير اسمها فإن من يجعل النبيذ خمر أيطلق عليه الخمرية فيحمل

стр. 6108

على الشبهة وفيه التصريح بتحريم الحرير ردا على من خالف وحمله على الكراهة وهو قول نقله ابن العربي في أحكامه وغيرها من جملة تسعة أقوال ثم انعقد الإجماع على خلافه. وأما قوله: "الحر والحرير" بالكسر وبالمهملتين وبتخفيف الراء فرج المرأة أي الزنا وأصل حرح بكسر الحاء وسكون الراء وجمع أحراح ومنهم من شدد الراء وليس بجيد فعلى التخفيف يكون في حرح لا في حرر وذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء والصواب الحر بالحاء والراء والتخفيف قال الحربي: التخفيف [ ... ] (١). والمشهور الخز بالخاء والزاي المعجمتين، وكذا قال ابن الجوزي وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف. قوله: وكذا (جاء في كتابي البخاري وأبي داود ولعله حديث آخر كما ذكره أبو موسى وهو حافظ عارف بما روى وشرح فلا يتهم) في النهاية عن المديني (٢) قال ابن بطال (٣): وأما الحر فهو الفرج وليس كما تأوله من صحفه فقال: الخز من أجل مقارنته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع أنه ليس في الخز تحريم فإن لحمته صوف ففيه خلاف والأصح جوازه لحديث أبي داود في ذلك ما لم يزد الحرير عليه وزنا وقد جاء في الحر

стр. 6109

التحريم ومعنى يستحلون الحر أي يستحلون المنهي عنه. خاتمة: قال الحسن في الثياب ينسجها المجوس لم ير بها بأسا وقال ابن بطال (١): اختلف العلماء في الصلاة في ثياب الكفار فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نسجوه وكره مالك الصلاة فيما لبسوه، وقال: إن صلى فيه يعيد في القوت وأجاز ذلك الكوفيون والثوري والشافعي وقالوا: لا بأس بلبساها وإن لم تغستل حتى يتبين فيها النجاسة إلا أن أبا حنيفة قال: أما السروايل والإزار فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد الغسيل، أ. هـ.

стр. 6110

[الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في لباس أو كلام أو حركة أو نحو ذلك] ٣١٣٩ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (١) وَالطَّبَرَانِيّ (٢) وَعِنْده أَن امْرَأَة مرت على رَسُول الله ﷺ متقلدة قوسا فَقَالَ لعن الله المتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ والمتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ (٣) لعن رَسُول الله ﷺ المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء المخنث بِفَتْح النُّون وَكسرهَا من فِيهِ انخناث وَهُوَ التكسر والتثني كَمَا يَفْعَله النِّسَاء لَا الَّذِي يَأْتِي الْفَاحِشَة الْكُبْرَى.

стр. 6111

قوله: عن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" وفي رواية البخاري: "لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء" الحديث، المخنث من الرجال بفتح النون وكسرها من فيه الخناث وهو التكسر والتثني كما يفعله النساء لا الذي يأتي الفاحشة الكبرى، قاله المنذري، وقال النووي رحمه الله تعالى (١): قال أهل اللغة المخنث بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفتح أشهر وهو الذي خلقه خلق النساء في حركاته وهيئاته وكلامه ونحو ذلك وهو ضربان أحدهما: من يكون ذلك خلقة له لا يتكلفه لا صنع له فيه فهذا لا إثم عليه ولا ذم ولا عيب إذ لا فعل له فيه ولا كسب والثاني: من يتكلف ذلك فليس هو بخلقة فيه فهذا هو المذموم الآثم الذي جاءت الأحاديث الصحيحة بلعنه لعن الله المخنثين، سمي مخنثا لانكسار كلامه ولينه، فقد تخانث وتشبه بالنساء فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر لعنة الله عليه ورسوله فلا يقر عليها بل يؤدب بالضرب الوجيع والسجن الطويل والنفي حتى يرتدع عن ذلك ويكفي دليلا على ذلك ما خرجه البخاري عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من الرجال بالنساء، الحديث وقال: "أخرجوهم من بيوتكم" وأخرج فلانا وفلانا غير أنه لا يقتل (٢).

стр. 6112

٣١٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة الْمَرْأَة وَالْمَرْأَة تلبس لبسة الرجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (١). قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل" الحديث، وهو بدعة محرمة فلم يفعلها من له خلاق فيجب إنكارها والتحير منها والمعصوم من عصمه الله تعالى قاله ابن النحاس في تنبيهه (٢). ٣١٤١ - وَعَن رجل من هُذَيْل قَالَ رَأَيْت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ ومنزله فِي الْحل ومسجده فِي الْحرم قَالَ فَبينا أَنا عِنْده رأى أم سعيد بنت أبي جهل متقلدة قوسا وَهِي تمشي مشْيَة الرجل فَقَالَ عبد الله من هَذِه فَقلت هَذِه أم سعيد بنت أبي جهل فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيْسَ منا من تشبه بِالرِّجَالِ من النِّسَاء وَلَا من تشبه بِالنسَاء من الرِّجَال رَوَاهُ أَحْمد

стр. 6113

وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا الرجل الْمُبْهم وَلم يسم وَالطَّبَرَانِيّ مُخْتَصرا وَأسْقط الْمُبْهم فَلم يذكرهُ (١). قوله: وعن رجل من هذيل قال رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ومنزله في الحل ومسجده في الحرم قال: فبينا أنا عنده رأى أم سعيد بنت أبي جهل متقلدة قوسا وهي تمشي مشية الرجال، الحديث، تقدم في الحديث قبله أن هذا فعل من البدع المحرمة والله أعلم. ٣١٤٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ لعن رَسُول الله ﷺ مخنثي الرِّجَال الَّذين يتشبهون بِالنسَاء والمترجلات من النِّسَاء المتشبهات بِالرِّجَالِ وراكب الفلاة وَحده رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا طيب بن مُحَمَّد وَفِيه مقَال والْحَدِيث حسن (٢).

стр. 6114

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء والمترجلات من النساء" يعني اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهم وهيئتهم فأما في العلم والرأي فمحمود ويقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة ومنه أن عائشة كانت رجلة الرأي. لطيفة: من كتاب الأغاني (١) عن ابن مسكين الدارمي قال: كان بالمدينة مخنث يقال له النغاشي، فقيل لمروان بن الحكم وهو يوم ذاك أمير المدينة إنه لا يقرأ القرآن ولا يحفظ شيئا منه فبعث إليه فأحضره، وقال: اقرأ أم الكتاب فقال: فوالله ما معي بناتها فكيف بالأم أو قال: ما اقرأ البنات فكيف أقرأ الأم، فقال: أتهزأ لا أم لك وأمر به فقتل في موضع يقال له كبا في بطحان ثم قال: من جاءني بمخنث فله عشرة دراهم فأتي من الجملة بطويس وهي في بني الحارث بن الخزرج من الجملة فنفاه من المدينة فنزل السويداء وهي على ليلتين من المدينة في طريق الشام فلم يزل بها عمره وعمر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك [وقيل: إنه نزل أيضا] بالعقيق وكان طويس طويلا أحول لا يضرب بالعود وإنما ينفر بالدف وكان ظريفا عالما بأمر

стр. 6115

المدينة وأنساب أهلها وكان يتقى لسانه وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم، قبض رسول الله ﷺ وفطم يوم مات أبو بكر الصديق وختن يوم مات عمر بن الخطاب وزوج يوم قتل عثمان وولد له يوم قتل علي ﵁ حتى ضرب بشؤمه المثل فقلي أشأم من طويس وهو الذي عناه الحريري في مقاماته وطويس لقب له غلب على اسمه، وإنما اسمه عيسى بن عبد الله، وكنيته أبو عبد المنعم وهو ملى بني مخزوم، أ. هـ، قاله في تاريخ كنز الدرر والله أعلم (١). قوله: "وراكب الفلاة وحده" لأنه شيطان ورد الحديث بذلك (٢) ولأنه قد يموت فلا يجد من يكفنه ولا من يغسله ولا من يصلي عليه ولا من يواريه التراب ولا من يوصي إليه (٣) وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: "إلا طيب بن محمد" (يمامي، لا يكاد يعرف، وله ما ينكر قال أبو حاتم لا يعرف). ٣١٤٣ - وَعَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأمنت الْمَلَائِكَة رجل جعله الله ذكرا فأنث نَفسه وتشبه بِالنسَاء

стр. 6116

وَامْرَأَة جعلهَا الله أُنْثَى فتذكرت وتشبهت بِالرِّجَالِ وَالَّذِي يضل الْأَعْمَى وَرجل حصور وَلم يَجْعَل الله حصورا إِلَّا يحيى بن زَكَرِيَّا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عَليّ بن يزِيد الْأَلْهَانِي وَفِي الحَدِيث غرابة (١). قوله: وعن أبي أمامة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث الباب. قوله: "والذي يضل الأعمى" يعني عن الطريق. قوله: "ورجل حصور" الحديث، الحصور أصله من الحصر وهو الحبس سمي بذلك لأنه حبس عن الجماع ومنع وهو فعول بمعنى مفعول والحصور في قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن هو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن وكذا كره الجوهري في صحاحه (٢)، وقال سعيد بن المسيب الحصور هو العنين الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى المحصور كأنه ممنوع من النساء، وفيه قول آخر: أن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة واختار قوم هذا القول لوجهين أحدهما أن الكلام خرج

стр. 6117

مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق والثناء، والثاني: أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام (١)، أ. هـ قال بعض العلماء: وينبغي أن يحمل الحديث على من يترك ذلك رغبة عن الزواج وعن فعل السنة. قوله ﷺ : "ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكريا ﵇". سؤال: فإن قيل فما معنى الحصور الذي سمى الله يحيى به؟ فالجواب عنه: أن يقال الحصور هو المنزه عن الشهوات وقيل الحصور الذي لا يأتي النساء وقيل الحصور المعصوم بالعصمة لا بالمعجزة. سؤال: فإن قيل ما الحكمة في أن الله سماه يحيى؟ فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه لما أحيى له رحم أمه بعد ما أيست من الولد فسمي بذلك يحيى، والثاني: أنه لما أراد أن تنقطع النبوءة من بيته فأحيا الله بيته بإبدائه النبوة منه فلذلك سمى يحيى، والثالث: سمي يحيى لأن له حياتين حياة في حال حياته وحياة في حال مماته فحياته الأولى حياة الطاعة وحياته الثانية حياة الشهادة لأنه قتل شهيدا والشهيد حي في الحقيقة قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ (٢) الآية، وحياة الطاعة هي حياة الحقيقة قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٣) الآية، يعني وقفناه للطاعة وقيل سمي يحيى لأنه

стр. 6118

يحيى إذا كتب مقلوبا فيكون يحيى يعني إن كان أول عمره إلى آخره وآخر عمره إلى أوله على نسق واحد في العبارة (١). سؤال آخر: فإن قيل: ما الحكمة في أن الله ابتلاهما بالقتل فزكرياء قطع بالمنشار وابنه يحيى قطع رأسه؟ فالجواب عنه: أن الله لما رضي عنها أراد أن يكرمهما بأرفع الدرجات بعد النبوة وهي الشهادة فأكرمهما بذلك ويقال ليرى الخلائق أنه ليس للدنيا عند الله خطر كما قال الحسن البصري: من هوان الدنيا أن يحيى بن زكريا الذي لم يعص ربه طرفة عين قتلته امرأة مفسدة ليعلم الخلائق أن لا خطر للدنيا وأحسن ما قيل في هذا: إن زكرياء ﵇ لما فر من قومه التجأ إلى الشجرة واختفى في وسطها فلما قطع بالمنشار دعا ربه فنودي لو التجأت إلينا دون الشجرة لم يسلط عليك من يقتلك فغذا التجأت للشجرة فكف عن صوتك (٢)، أ. هـ ذكره هذه الأسئلة النعيمي. تنبيه: قال في مرآة الزمان (٣): ذكر صاحب المنتظم (٤) عن ابن عباس قال: أوحى الله تعالى إلى محمد ﷺ أني قتلت بيحيى بن زكرياء سبعين ألفا وإني قاتل بابن فاطمة سبعين ألفا وسبعين ألفا (٥).

стр. 6119

تنبيه: زكرياء ﵇ فيه خمس لغات أشهرها زكرياء ﵇، الثانية: بالقصر وقرئ بهما في السبع، الثالثة والرابعة: زكرى وزكري بتشديد الياء وتخفيفها حكاهما ابن دريد وآخرون وحكاهما من المتأخرين ابن الجواليقي، والخامسة زكر كقلم حكاها أبو البقاء، قاله الجواليقي فمن مد قال في التثنية زكرياءان وفي الجمع زكرياءون، ومن قصر قال: زكريان وزكريون، ومن قال زكريان كمدنيان وزكريون كمدنيون، ومن خفف قال: زكران وزكرون، وأنه اسم أعجمي (١). فائدة: ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: كان زكرياء نجارا (٢). وهذه من الفضائل لقوله ﷺ في صحيح البخاري: "أفضل ما أكل الرجل من عمل يده" (٣) قال أهل التاريخ: كان زكرياء من ذرية سليمان بن داود وقتل زكريا بعد قتل يحيى ابنه صلوات الله وسلامه عليهما.

стр. 6120

٣١٤٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ أُتِي رَسُول الله ﷺ بمخنث قد خضب يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بَال هَذَا قَالُوا يتشبه بِالنسَاء فَأمر بِهِ فنفي إِلَى النقيع فَقيل يَا رَسُول الله أَلا تقتله فَقَالَ إِنِّي نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَقَالَ أَبُو أُسَامَة والنقيع نَاحيَة من الْمَدِينَة وَلَيْسَ بِالبَقِيعِ يَعْنِي أَنه بالنُّون لَا بِالْبَاء قَالَ الْحَافِظ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي يسَار الْقرشِي عَن أبي هَاشم عَن أبي هُرَيْرَة (١) وَفِي مَتنه نَكَارَة وَأَبُو يسَار هَذَا لَا أعرف اسْمه وَقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ لما سُئِلَ عَنهُ مَجْهُول وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ قد روى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث فَكيف يكون مَجْهُولا وَالله أعلم. قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: أتي رسول الله ﷺ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، الحديث، الحناء بكسر الحاء المهملة وتشديد النون وبالمد معروف، قيل: هو جمع معناه قال بعضهم: خضاب اليدين بالحناء مندوب إليه للنساء ليكون فرقا بين ألفهن وألف الرجال وهو حرام على الرجال من غير عذر ومن فعل ذلك كان متشبها بالنساء فهو داخل في الوعيد الوارد في المتشبهين بالنساء.

стр. 6121

قوله: فنفي إلى النقيع، الحديث، رواه أبو داود، قال: وقال أبو أسامة: والنقيع ناحية من المدينة وليس بالبقيع يعني أنه بالنون لا بالباء، فالنقيع في هذا الحديث بالنون وهو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلا من المدينة قاله الكمال الدميري (١). تنبيه: من الصغائر خضاب الرجل يديه ورجليه بالحناء من غير ضرورة وهو حرام صرح بتحريمه النووي في شرح المهذب ولم يحك فيه خلافا واستدل على تحريمه بأن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء (٢). فرع: في حد الكبيرة، قال النووي في الروضة (٣): في حد الكبيرة أوجه، أحدها: أنه المعصية الموجبة للحد، والثاني: أنه ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما وجد لهم، وهم إلى الترجيح الأول أميل لكن الثاني أوثق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، الثالث: كل فعل نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد من قتل أو غيره وترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية على ما ذكروا، أ. هـ. وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب (٤)، وقيل: هو كل ذنب أوعد الله عليه بالنار، قاله الحسن

стр. 6122

وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك في روايته (١)، قال النووي في الروضة (٢): وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن. وقال القرطبي في تفسيره (٣): كل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة، وأما الكبائر فالخلاف في حصرها منتشر جدا وهي مشتملة على كبيرة وأكبر منها، ومن ارتكب كبيرة واحدة فسق وردت شهادته ولا تقبل إلا بعد التوبة ومضي سنة والله أعلم. تنبيه: في ذكر الصغائر: واعلم أن الذنوب صغائر وكبائر وأنه كما يجب اجتناب الكبائر والموبقات كذلك يجب اجتناب الصغائر والمحقرات فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٤) الآية، والصغائر تكون محرمة وتكون مكروهة وكل فعل نهى عنه رسول الله ﷺ فهو دائر بين الكراهة والتحريم وهو الأغلب وقد خص قوم الصغائر بالمحرمات وهو الأكثر والذي يسكن إلى القلب أن كل من أتى فعلا نهى عنه رسول الله ﷺ فقد أتى معصية فإن اقترن بنهيه لعن أو وعيد شديد فهو كبير وتقدم وإلا فهو صغير.

стр. 6123

واعلم أن الصغائر لا مطمع في حصرها فمنها العبث في الصلاة، وقيل: أنه حرام وصوب النووي أنه من المكروهات. ومنها الضحك في الصلاة ومذهب أبي حنيفة أن القهقهة في الصلاة تبطل الوضوء ومنها النظر إلى الأجنبية بشهوة وبغيرها وسواء في ذلك وجهها وكفاها وسائر بدنها وإن أمن الفتنة على الصحيح. ومنها: الإشراف على بيوت الناس من غير إذن، ومنها: استماع الغيبة والسكون عن إنكارها مع الاستطاعة وذلك حرام، وقد عده بعضهم من الكبائر وليس ببعيد لأنه ترك النهي عن المنكر مع القدرة، وقد جاء في الحديث أن المغتاب والمستمع شريكان. ومنها البيع يوم الجمعة بعد الآذان الثاني إذا تأخر بسببه لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) الآية، قال النووي (٢) وغيره: البيع من الصنائع والعقود في معنى البيع. ومنها عدم إتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب منهما ويترجح أن يكون ذلك من الكبائر لأن الوعيد فيه شديد جدا. ومنها: من رأى مسيئا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه. ومنها: التغوط والبول مستقبل القبلة ومستدبرها في الصحراء وذلك حرام عند الشافعي رحمه الله تعالى. ومنها: بيع العبد المسلم لكافر.

стр. 6124

ومنها: بيع المصحف له وكذا سائر كتب العلم الشرعي. ومنها: النظر بالعين إلى ما لا يجوز. ومنها الضحك عند خروج الريح من الإنسان. ومنها: كثرة الخصومة بغير حق. ومنها: الجلوس مع الفساق. ومنها: معاشرة الأجنبية من غير جماع. ومنها: مسافرة المرأة بغير زوج أو محرم. ومنها: الكذب لا حد فيه ولا ضرر. ومنها: حلوان الكاهن وهو ما يعطاه على كهانته وقد نقل البغوي (١) والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه لنهيه ﷺ . قال النووي (٢): وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح. ومنها: خضاب الرجل والمرأة شعرهما بالسواد وهو حرام على الأصح المختار، قلت: وممن صرح بتحريمه أقضى القضاة الماوردي في الحاوي في باب النجاسة، قال (٣): إلا أن يكون في الجهاد قال: وقد ورد فيه وعيد شديد

стр. 6125

يقتضي أن يكون من الكبائر للأحاديث الواردة، وخرج الطبراني والحاكم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن الخضاب بالسواد، وفي رواية لهما: الخضاب بالسواد خضاب الكفار (١). ومنها: خضاب الرجل يديه بالحناء من غير ضرورة وهو حرام صرح بتحريمه النووي (٢) في شرح المهذب، ولم يحك فيه خلافا وتقدم واستدل على تحريمه بأن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وهذا يقتضي أن يكون من الكبائر لتشبهه بالنساء. وتصير الصغيرة كبيرة بأمور أربعة، منها: الإصرار على الذنب ويتحقق الإصرار بالإدمان وضابط الإدمان أن يأتي عليه وقت صلاة وهو مصر عليه، ومنها: استصغار العبد للمعصية لأن الذنب كلما استعظمه العبد صغره عفو الله تعالى وكلما استصغره العبد عظمه جلال الله تعالى لأن استعظام المعصية يشعر فشهود القلب شيئا من عظمة الله وجلاله وكبريائه ويدل على شؤم وكراهة في القلب واستصغار المعصية يدل على قلة المبالات بمن عصاه وعدم الاكتراث بشهوده ومخالفته، وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل شيء عملته مثل هذا وقيل أوحى الله تعالى إلى بعض

стр. 6126

أوليائه: لا تنظر إلى قلة الهدية (وانظر لعظم مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، وانظر إلى كبرياء من واجهته بها). ومنها السرور بالمعصية والفرح بارتكابها مثل أن يقول ظفرت بفلانة البارحة بعد طول امتناعها وتعززها فعانقتها وقبلتها على رغم أنف الحسود وخاصمني فلان فأظهرت مساوئه وفضحته على رءوس الأشهاد وجلس فلان في صدر الحلقة فأقمته منها وجلست مكانه وأغضبتني فلانة فطلقتها ثلاثا ولم التفت إلى حيضها وكان فلان يخطب فلانة وأجابوه فلما خطبتها أعرضوا عنه ورغبوا إلي وخزنت في سنة كذا وكذا غلة وكان بالغلاء فكسبت فيها كذا ولاقيت الركب إلى المكان الفلاني فاشتريت منه بكذا وبعته بكذا ونحو هذا الكلام فبمثل هذا تصير الصغيرة كبيرة ومثل هذا جدير أن يكون من الأخسرين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ومنه أن يستر الله عليه ذنبا فيصبح يذكره عند غيره وذلك جناية على ستر الله الذي أسدله عليه وتحريكا لرغبة الشر بمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله فهما جنايتان انضمتا إلى جناية تغلظت بهما فإن إنضاف إلى ذلك ترغيب السامع في تلك المعصية وتحسينها له ومدحها عنده صارت جناية رابعة وتفاحش الذنب أ. هـ. ومنها: أن يكون المذنب عالما يقتدي به من نظره فإن عليه إثمه وإثم من اقتدي به إلى يمم القيامة لقوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة سيئة" الحديث (١).

стр. 6127

فائدة: المكفرات للذنوب خمسة الاستغفار والحسنات والمصائب وعفو الله ومغفرته والنار. ٣١٤٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة الْعَاق لوَالِديهِ والديوث ورجلة النِّسَاء رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار فِي حَدِيث يَأْتِي فِي العقوق إِن شَاءَ الله وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد الديوث بِفَتْح الدَّال وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت هُوَ الَّذِي يعلم الْفَاحِشَة فِي أَهله ويقرهم عَلَيْهَا (١). قوله: وعن ابن عمر ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء" هذا الحديث فيه تأويلان كما سبق في نظائره والعقوق وسيأتي الكلام عليه في بابه، والديوث قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: بفتح الدال وتشديد الياء المثناة تحت، أ. هـ.

стр. 6128

ولم يتعرض للتاء هل هي بالمثناة أو بالثاء المثلثة فسألت شيخي الشيخ الإمام المحرر شيخ شمس الدين النواجي (١) عن ذلك فكشف [عليها] من كتبه فقال: بالثاء المثلثة واكتب فوقها صح فهو كذلك في نسخته التي قرأتها عليه ﵀ وسامحه فلم أر أحدا يحرر الألفاظ كتحريره والديوث هو الذي يعلم الفاحشة في أهله ويفرقهم عليها، أ. هـ. وقال في النهاية (٢): الديوث هو الذي لا يغار على أهله. وقيل هو سرياني معرب، ويقال أيضا القنذع بضم القاف والذال المعجمة هو الذي لا غيرة له قاله في الصحاح (٣)، ورجلة النساء هي المترجلة يقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في زيهم وهيأتهم، فأما في العلم والرأي فمحمود ومنه أن عائشة ﵂ كانت رجلة الرأي وتقدم.

стр. 6129

٣١٤٦ - وَعَن عمار بن يَاسر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا الديوث والرجلة من النِّسَاء ومدمن الْخمر قَالُوا يَا رَسُول الله أما مدمن الْخمر فقد عَرفْنَاهُ فَمَا الديوث قَالَ الَّذِي لَا يُبَالِي من دخل على أَهله قُلْنَا فَمَا الرجلة من النِّسَاء قَالَ الَّتِي تشبه بِالرِّجَالِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته لَيْسَ فيهم مَجْرُوح (١). قوله: وعن عمار بن ياسر ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا" الحديث، تقدم الكلام على الديوث وعلى رجلة النساء، وأما مدمن الخمر فيسأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى.

стр. 6130

[الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعا واقتداء بأشرف الخلق محمد ﷺ وأصحابه والترهيب من لباس الشهرة والفخر والمباهاة] ٣١٤٧ - عَن معَاذ بن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من ترك اللبَاس تواضعا لله وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ دَعَاهُ الله يَوْم الْقِيَامَة على رُؤُوس الْخَلائق حَتَّى يخيره من أَي حلل الْإِيمَان شَاءَ يلبسهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالْحَاكِم فِي موضِعين من الْمُسْتَدْرك وَقَالَ فِي أَحدهمَا صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ روياه من طَرِيق أبي مَرْحُوم وَهُوَ عبد الرَّحِيم بن مَيْمُون عَن سهل بن معَاذ وَيَأْتِي الْكَلام عَلَيْهِمَا (١). قوله: عن معاذ بن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : "من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها [ومعنى

стр. 6131

قوله حلل الإيمان: يعني ما يُعطى أهل الإيمان من حلل الجنة]. قوله: [قال الحافظ: روياه من طريق أبي مرحوم وهو عبد الرحيم بن ميمون عن سهل]. ٣١٤٨ - وَعَن رجل من أَبنَاء رَسُول الله ﷺ عَن أَبِيه ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من ترك لبس ثوب جمال وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ قَالَ بشر أَحْسبهُ قَالَ تواضعا كَسَاه الله حلل الْكَرَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَلم يسم ابْن الصَّحَابِيّ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق زبان بن فائد عَن سهل بن معَاذ عَن أَبِيه بِزِيَادَة (١). قوله: وعن رجل من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه" قال بشر: أحسبه قال: تواضعا: "كساه الله حلل الكرامة" الحديث، يعني يوم القيامة، روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لبس قميصا اشتراه بثلاثة دراهم ثم قطع كمه من رؤوس أصابعه (٢) وحكي عن الجريري (٣) قال: كان في جامع بغداد

стр. 6132

رجل لا يكاد تجده إلا في ثوب واحد في الشتاء والصيق فسئل عن ذلك فقال: قد كنت ولعت بكثرة لبس الثياب فرأيت ليلة فيما يرى النائم كأني دخلت الجنة فرأيت جماعة من أصحابنا من الفقراء على مائدة فأردت أن أجلس معهم فإذا جماعة من الملائكة أخذوا بيدي وأقاموني وقالوا لي هؤلاء ثوب واحد وأنت لك قميصان فلا تجلس فانتبهت ونذرت أن لا ألبس إلا ثوبا واحدا إلى أن ألقى الله تعالى (١). قوله: ورواه البيهقي من طريق زبان بن فائد. ٣١٤٩ - وَعَن أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ واسْمه إِيَاس ﵁ قَالَ ذكر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَوْمًا عِنْده الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا تَسْمَعُونَ أَلا تَسْمَعُونَ إِن البذاذة من الْإِيمَان إِن البذاذة من الْإِيمَان يَعْني التقحل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَقد تكلم أَبُو عمر النمري فِي هَذَا الحَدِيث البذاذة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وذالين معجمتين هِيَ التَّوَاضُع فِي اللبَاس برثاثة الْهَيْئَة وَترك الزِّينَة وَالرِّضَا بالدون من الثِّيَاب (٢).

стр. 6133

قوله: وعن أبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري واسمه إياس ﵁ وقيل: عبد الله بن ثعلبة ويقال ثعلبة بن عبد الله البلوي الأنصاري له صحبة وهو ابن أخت أبي بردة روى له الجماعة سوى البخاري له في الكتب الستة عند أبي داود والله أعلم. قوله ﷺ : "ألا تسمعون ألا تسمعون إن البذاذة من الإيمان" يعني التقحل، أ. هـ. قوله: "إن البذاذة من الإيمان" قال الحافظ: البذاذة وفسرها فقال: هو التواضع في اللباس برثاثة الهيئة وترك الزينة والرضة بالدون من الثياب، أ. هـ. فقوله: "البذاذة من الإيمان" أي: خلوقة الثوب يعني ترك الزينة واختيار الفقر بلبس الخلق من الثياب من كمال الإيمان والإيمان هو الباعث عليه (١)، أ. هـ أراد التواضع في اللباس وترك التبجح به من الإيمان، قال أهل اللغة المتقحل هو الرجل اللابس الجلد من خشونة العيش وترك الترفه فالمراد بالتفحل الفحولة وهي ضد الأنوثة وهو ترك التزين لأن التزين والتصنع في الزي من شأن الإناث (٢)، وقال ابن الأثير (٣): البذاذة هي رثاثة الهيئة وترك فاخر الثياب أراد ﷺ : التواضع في اللباس وترك التبجح والتفحل.

стр. 6134

وذكر أبو داود في حديث عبد الله بن بريدة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ كان ينهي عن كثير من الإرفاه (١). قال الخطابي (٢): معنى الإرفاة الاستكثار من الزينة وأن لا يزال يهييء نفسه وأصله من الرفة وهو أن ترد الإبل الماء كل يوم فإذا وردت يوما ولم ترد يوما فذلك الغب وقد أغبت فهي مغبة، كره رسول الله ﷺ الإفراط في التنعم والتدلك والدهن والترجيل في نحو ذلك من أمر الرأس وأمر بالقصد في ذلك وليس معناه ترك الطهارة والتنظف فإن الطهارة والنظافة من الدين أ. هـ. ففيه مدح البذاذة والتعريض بأن الترفه مجانبة للإيمان وهو كذلك فطوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد يوم لم يره (٣). فائدة: فأما البذاذة في اللباس ولبس الدون فهو سيما الزاهدين، فإن قال قائل: هذا لباس الزاهدين ولسنا منهم فنقول له إن لم تكن زاهدا فكن متبعا إن كنت مؤمنا قال تعالى إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الآية وقال ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى يكن هواه تبعا لما جئت به (٤).

стр. 6135

فإن كنت متبعا للنبي ﷺ الذي أوجب الله علينا اتباعه فالبس ما وجدت كما كان النبي ﷺ يلبس ما وجد فقد كان ﷺ يلبس الغالي مرة والدون مرة والواسع مرة والضيق مرة والصوت مرة والشعر مرة ولا يتوقف في شيء. ٣١٥٠ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله يحب المتبذل الَّذِي لَا يُبَالِي مَا لبس رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (١). وروي البيهقي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب المبتذل الذي لا يبالي ما لبس" فهكذا فكن وإن كان علمك لم يهدك إلى هذا القدر فنعوذ بالله من علم لا ينفع.

стр. 6136

لطيفة: قد حكى عن شيخ الإسلام قاضي القضاة عز الدين بن عبد السلام ﵀ أنه كان يلبس ما وجد حتى ربما خرج وعلى رأسه كلوثة الجند وحضر الدرس وهي عليه وربما لبس قباء ونحوه مع أن هيبته في قلوب الأمراء والسلاطين مشهورة وسطوته عليهم بالحق مشهودة وخضوعهم لكلمته وانقيادهم لأمره لا ينكر ولقد سأله سائل وهو في الطريق فقطع نصف عمامته ودفعها له ثم مر فسأله آخر فأعطاه النصف الآخر، فقال له بعض من معه خذ عمامتي فأبى عليه فقال له يا سيدى تمشي هكذا بين الناس مكشوف الرأس فلم يرد عليه جوابا ومشى لسبيله وشق الطريق من باب زويلة إلى بين القصرين والناس يتزاحمون عليه ويتبركون به ويستفتونه والله أعلم (١). ٣١٥١ - وَعَن أبي بردة ﵁ قَالَ دخلت على عَاثِشَة ﵂ فأخرجت إِلَيْنَا كسَاء ملبدا من الَّتِي تسمونها الملبدة إزارا عَظِيما مِمَّا يصنع بِالْيمن وَأَقْسَمت بِاللّه لقد قبض رَسُول الله ﷺ فِي هذَيْن الثَّوْبَيْنِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أخصر مِنْهُ الملبد المرقع وَقيل غير ذَلِك (٢). قوله: وعن أبي بردة ﵁ تقدم الكلام عليه.

стр. 6137

قوله: "قال دخلت على عائشة ﵂ فأخرجت إلينا كساء ملبدا من التي تسمونها الملبدة إزارا عظيما مما يصنع باليمن" الحديث الملبد المرقع وقيل غير ذلك قاله المنذري وقال بعض العلماء: الملبد بفتح الباء هو المرقع ومنه قيل للرقعة التي يرقع بها قب القميص اللبدة وقيل خطب عمر وهو خليفة وعليه إزار وعليه اثنا عشر رقعة وقيل لما مات أبو الدرداء وجدوا في ثوبه أربعين رقعة يقال لبدت القميص ألبده بالتخفيف ولبدته ألبده بالتشديد وقيل هو الذي (ثخن) وسطه حتى صار كاللبد والله أعلم (١). قولها ﵂: "وأقسمت بالله لقد قبض رسول الله ﷺ في هذين الثوبين" القسم هو الحلف بالله تعالى. ٣١٥٢ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ توفّي رَسُول الله ﷺ وَإِن نمرة من صوف تنسج لَهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (٢). قوله: وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ تقدم. قوله: "توفي رسول الله ﷺ وإن نمرة من صوف تنسج له" الحديث، قال العلماء النمرة شملة من صوف تلبسها الأعراب (٣).

стр. 6138

٣١٥٣ - وَعَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ أكل خشنا وَلبس خشنا لبس الصُّوف واحتذى المخصوف قيل لِلْحسنِ مَا الخشن قَالَ غليظ الشّعير مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يسيغه إِلَّا بجرعة من مَاء رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ كِلَاهُمَا من رِوَايَة يُوسُف بن أبي كثير عَن نوح بن ذكْوَان وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ يُوسُف لَا يعرف ونوح بن ذكْوَان قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِشَيْء (١). قوله: وعن أنس ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "أن رسول الله ﷺ أكل خشنا ولبس خشنا" قيل للحسن ما الخشن قال: غليظ الشعير إلى أخره.

стр. 6139

قوله: "لبس الصوف" وقال ابن الجوزي (١): من الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف (وبما روى) في فضيلة لبس الصوف فأما (لبس) رسول الله ﷺ الصوف فقد كان يلبسه في بعض الأوقات ولم يكن لبسه شهوة عند العرب ولا يخلو لابس الصوف من أحد أمرين إما أن يكون متعودا لبس الصوف وما يجانسه من غليظ الثياب فلا يكره ذلك لأنه لا يشتهر به وإما أن يكون مترفا لم يتعوده فلا ينبغي له لبسه لوجهين أحدهما: أنه يحمل بذلك نفسه على ما لا تطيق ولا يجوز له ذلك والثاني أنه يجمع لبسه بين الشهرة وإظهار الزهد وقد جاء في حديث عن عباد بن كثير عن أنس قال: قال رسول الله "من لبس الصوف لتعرفه الناس كان حقا على الله تعالى أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه" (٢) وفي الحديث أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال قال: رسول الله ﷺ : "إن الأرض لتعج إلى ربها من الذين يلبسون الصوف (رياء) " (٣) وأخبرنا عن عبد الوهاب بن المبارك الحافظ فذكره إلى أن قال: حدثنا أحمد بن سعيد قال: سمعت

стр. 6140

النضر بن شميل يقول قلت لبعض الصوفية تبيع جبتك الصوف فقال إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد (١). قال (أبو) جعفر بن جرير الطبري (٢): ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والطتان مع وجود السبيل إليه من جله ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء. قال أبو الفرج بن الجوزي (٣): وكان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد ولقاء الإخوان ولم يكن يتخير الأجود عندهم قبيحا ا. هـ قاله في تلبيس إبليس. قوله: "واحتذى المخصوف" الحديث أما احتذاء المخصوف وهو النعل الذي يجعل بعض جلوده فوق بعض ويخصف فإنه لباس أهل التواضع روى الزمخشري في الفائق وغيره (٤) عن زياد بن علاقة قال: كان بين رجل منا ورجل من الأنصار شيء فشجه فأتى النبي ﷺ فقال:

стр. 6141

يا خير من يمشي بنعل فرد ... أوهبه لنهدة ونهد لا يسبين سلبي وجلدي فقال: رسول الله ﷺ : "لا" (١) أراد الفرد السمط وهي التي لم تخصف والعرب تتمدح برقة النعال وإنما ينتعل السبتية الرقاق (الأسماط) ملوكهم وسادتهم فكأنه قال: يا خير الأكابر وإنما لم يقل فردة لأنه أراد بالنعل السبت كما تقول فلان يلبس الحضرمي الملسن فتذكر. وقوله: أوهبه إما أن يكون بدلا من المنادى أو منادي ثانيا وحذف حرفه. والنهد في نعت الخيل الجسيم المشرف والنهدة الأنثى وهو نهد إذا نهض (٢) ا. هـ. وقال بعضهم أيضا: المخصوف بالخاء والصاد المهملة والمخصوف المنسوج من الخوص والخصف ضم الشيء إلى الشيء ويخصف نعله أي يطبق طاقة على طاقة وأصل الخصف الضم والجمع كما تقدم ومنه قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (٣) أي يطبقان ورقة ورقة على بدنهما وقيل يخصفان أي يلزفان بعضه على بعض لستر عورتهما قاله الكرماني (٤).
следующие страницы →