← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 642–681 · переход к 647.

стр. 642

بالذكر ولا بالقراءة ولا يفعلون ذلك جماعة (١). وقوله ﷺ : "ويتدارسونه بينهم" يشعرك بأنه ليس المراد يجتمعون للتلاوة صوتا واحدًا متراسلين لأن الدراسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد فليس بمروي عنهم، وقال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا أنس بن مالك يقول: الاجتماع يكره بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن، بدعة ما كان أصحاب رسول الله ﷺ ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا يخلوا كل بنفسه ويقرأ ويذكر ثم ينصرفون (٢)، وقد ذكر ابن بطال في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا: الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها، كيف تلقوها من صاحب الشريعة فإنهم أعرف بالمقال وأنقد بالحال، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره وتأوله بعض أصحابه، ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة أو رباط ونحوهما، ويكون الحديث خرج مخرج الغالب (٣). وقوله ﷺ : "إلا حفتهم الملائكة" يلتفون بهم ويدورون حولهم للتبرك

стр. 643

والرغبة فيما عندهم (١). قوله ﷺ : "ونزلت عليهم السكينة" قيل: المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليهم، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهذا حسن (٢). قوله ﷺ : "وغشيتهم الرحمة" أي: سترتهم ولابستهم، والرحمة ضد القسوة. قوله ﷺ : "وذكرهم الله فيمن عنده" يعني: الملائكة المقربين من رحمته المواظبين بالطاعة، ويقرب منه قوله تعالى: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه"، ومعنى "فيمن عنده" دنو المنزلة والقرب من رحمة الله تعالى، دل الحديث على فضيلة حلق الذكر وهي: كل جماعة اجتمعوا لله تعالى في قراءة قرآن أو سماع حديثه أو تعلم علم الشريعة. والله أعلم. قوله ﷺ : "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" معناه: أن العمل هو الذي يبلغ العبد درجات الآخرة من الطاعة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، فينبغي أن لا يتكل الإنسان على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، قال ابن مسعود ﵁: يأمر الله بالصراط

стр. 644

فيضرب على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا أوائلهم كلمح البصر ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم يمر الرجل سعيا حتى يمر الرجل مشيًا حتى يمر الرجل يتلبط على بطنه فيقول: يارب لم بطأت بي فيقول: "إنما لم أبطئ، إنما بطأ بك عملك"، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: لَعَمْرُكَ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ ... فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالَا عَلَى النَّسَبِ لَقَدْ رَفَعَ الإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ... وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبِ قاله ابن رجب أيضًا (١). ١٠٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَإِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع وَإِن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأرْض حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على سَائِر الْكَوَاكِب وَإِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلا درهما إِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا يعرف إِلَا من حَدِيث عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل وَإِنَّمَا يرْوى عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي ﷺ وَهَذَا أصح، قَالَ المملي ﵀: وَمن هَذِه الطَّرِيق رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ فِي

стр. 645

الشّعب وَغَيرهَا وَقد رُوِيَ عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس عَن يزِيد بن سَمُرَة عَنهُ وَعَن الأوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزِيد بن سَمُرَة عَن كثير بن قيس عَنهُ قَالَ البُخَارِيّ وَهَذَا أصح وَرُوِيَ غير ذَلِك وَقد اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث اخْتِلَافا كثيرا ذكرت بعضه فِي مُخْتَصر السّنَن وبسطتة فِي غَيره وَالله أعلم (١). قوله: وعن أبي الدرداء، أبو الدرداء، اسمه: عويمر، وقيل: عامر، وتقدم الكلام على مناقبه ﵁، وسيأتي الكلام عليه أيضًا مبسوطًا. قوله ﷺ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا" أي: يطلبه، فاستعار له اللمس "سهل الله له طريقا إلى الجنة"، تقدم الكلام عليه، ويحتمل أن يكون المراد: الطريق الحسية والمعنوية، وهي الطريق الموصلة إلى تكرير وحفظ ومطالعة ومراجعة ومذاكرة ومدارسة ونحو ذلك (٢). قوله: "وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع" الحديث، اختلف الناس في المراد بالملائكة، فقيل: المراد بهم عموم

стр. 646

الملائكة، وقيل المراد: الكرام الكاتبون (١)؛ وقوله: "لتضع أجنحتها لطالب العلم" قيل معناها: أنها تتواضع لطالب العلم توقيرا لعلمه وتليين الجانب له والانقياد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ (٢) أي: تواضع لهم، وقيل: معنى وضع الجناح هو عبارة عن ترك الطيران والنزول للذكر كما في الحديث الآخر: "إلا نزلت عليهم السكينة وحفت بهم الملائكة"، وقيل: معناه بسط الأجنحة حقيقة وهي فرشها تحت قدمي طالب العلم لتحمله عليها وتبلغه حيث يقصد من البلاد أو المواضع في طلب العلم (٣)، وقيل: المراد بذلك المعونة وتيسير السعي في طلب العلم (٤)، وقيل: تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الأيدي (٥) لأن جناح الطائر يده (٦).

стр. 647

قوله ﷺ : "وأن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض"، "من في السموات" يعني: الملائكة ومن فيها من الأنبياء، وإنما يستغفر له أهل السموات وهم الملائكة لأنهم عرفوا بتعريفهم وعظموا قولهم وهم أنهم يقولون الملائكة عباد الله ويمنعون من قال هم بنات الله وأنهم آلهة فيكون نفع عليهم عائد إليهم فيدعون لهم مكافأة بصنيعهم. قوله: "ومن في الأرض" يعني: من عليها من السموات، وإنما يستغفر لهم أهل الأرض، وأما بنو آدم فبقاؤهم وصلاحهم مربوط برأيهم وفتواهم، وأما غير بنو آدم من الحيوان فما من شيء على وجه الأرض إلا وله مصلحة موجودة بوجود العلم مفقودة بفقد العلم، من ذلك بيان الحلال من الحيوانات والحرام منها وما لا يجوز قتلها وما يجوز قتلها، وكيفية قتلها يعني: من يعقل ومن لا يعقل لأن من لا يعقل ينتفع بالعالم لكونه يعلم الناس إحسان القتلة والذبحة والرفق بكل شيء، ويحتمل أن يكون استغفار هذه الأنصاف المذكورة بعضها بالحقيقة وبعضها بالمجاز وهو أن يكتب الله تعالى له بعدد كل حيوان من الأنواع المذكورة مغفرة وحكمة أي: صلاح العالم بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا له مصلحة موجودة، ويحتمل أن يكون استغفار له في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (١).

стр. 648

قوله: "حتى الحيتان في الماء" إنما خص الحيتان بالذكر لأنها ليست داخلة في جملة من في السموات ولا في جملة من في الأرض، إذ هي في الماء، ولهذا قيل: "حتى الحيتان في الماء" والماء كان موجودًا قبل السموات والأرض، كما قيل: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (١) قبل خلق السموات والأرض بخمسين عامًا، ولهذا المعنى: إذا مات العالم بكى عليه كل الخلق حتى الطير في الهواء والسمك في الماء قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فأهل الذكر في الآية هم العلماء فهم يسألون عن النوازل وبفتواهم يعبد الله ويطاع ويمتثل أمره ويجتنبه نهيه، وورد عنه ﷺ أنه قال: "لمجلس علم عند الله تعالى خير من عبادة ألف سنة لا يعصى الله فيها طرفة عين"، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣) الآية، إن الخشية لله أفضل من الذكر باللسان، لأن الخشية لله هي المقصود والمطلوب، ولا يراد الذكر إلا لأجلها، وهي لا تحصل إلا للعلماء لأنه قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ وإنما للحصر، وقال تعالى: ﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) فأي هذا الخير وهذا الفضل من الذكر باللسان ولا خلاف بين الأمة أن الخير المتعدي أفضل من الخير القاصر على المرء نفسه

стр. 649

فبان أن هذا أفضل الذكر (١)، والعالم أفضل من العامل لخمسة أشياء، أحدهما: أن العلم قد يكون بغير عمل ولا يكون العمل عملا بغير علم؛ والثاني: مقام العلماء مقام الأنبياء ومقام العمل مقام الأولياء؛ والثالث: العمل لازم والعلم متعدي كالسراج؛ والرابع: ينفع العلم بغير عمل ولا ينفع العمل بغير العلم؛ وأيضًا العمل منا والعلم من الله تعالى. قوله ﷺ : "وفضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب"، قيل: المراد بالعالم: من له اعتقاد صحيح يؤدي فرائض الله تعالى ولا يشتغل بنوافل كذا مما هو فرض على الكفاية، قال في شرح السنة (٢): فضل العلم من حيث أن نفعه يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه: إحياء الدين وهو تلو النبوة، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" أي: كبير. قوله: وقد روى الأوزاعي، تقدم الكلام على الأوزاعي قريبًا. ١٠٧ - وَعَن معَاذ بن جبل ﷺ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه لمن لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأَهله قربَة لأنه معالم الْحَلَال وَالْحرَام ومنار سبل أهل الْجنَّة وَهُوَ الأنيس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالسِّلَاح على الْأَعْدَاء والزين عِنْد الأخلاء

стр. 650

يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة قَائِمَة تقتص آثَارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيهمْ ترغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ويستغفر لَهُم كل رطب ويابس وحيتان الْبَحْر وهوامه وسباع الْبر وأنعامه لِأَن الْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْجَهْل ومصابيح الْأَبْصَار من الظُّلم يبلغ العَبْد بِالْعلمِ منَازِل الأخيار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة التفكر فِيهِ يعدل الصّيام ومدارسته تعدل الْقيام بِهِ توصل الْأَرْحَام وَبِه يعرف الْحَلَال من الْحَرَام وَهُوَ إِمَام الْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء رَوَاهُ ابْن عبد الْبر النمري فِي كتاب الْعلم من رِوَايَة مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَطاء الْقرشِي حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه عَن الْحسن عَنهُ وَقَالَ هُوَ حَدِيث حسن وَلَكِن لَيْسَ لَهُ إِسْنَاد قوي وَقد روينَاهُ من طرق شَتَّى مَوْقُوفا كَذَا قَالَ ﵀ وَرَفعه غَرِيب جدا وَالله أعلم (١). قوله: عن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية" تقدم الكلام على العلم وتعلمه. قوله: "والزين عند الأخلاء"، الأخلاء: جمع خليل، وهو الصديق. قوله ﷺ : "ترغب الملائكة في خلتهم"، بضم الخاء أي: في مصاحبتهم. قوله ﷺ : "يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه"، الهوام:

стр. 651

جمع هامة [ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من أحناش الأرض (١)]. قوله: "وسباع البر وأنعامه"، والأنعام: الإبل والبقر والغنم [واحدها نعم، وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والأنعام يذكر ويؤنث، قال اللّ تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ (٢) وقال في موضع آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ (٣) (٤)]. قوله: "به توصل الأرحام"، والأرحام: الأقارب، وصلتهم الإحسان إليهم بما تيسر على حسب حاله وحالهم إما بجاه أو مال أو كلمة طيبة (٥). قوله: حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، بفتح المهملة وشدة الميم المكسورة، منسوب إلى بني العم بطن من تميم، والله أعلم. قوله: وقال: هو حديث حسن، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري (٦): ولعله الحسن اللفظي لا الحسن المصطلح بين أهل هذا الشأن أي: المحدثين. ١٠٨ - وَعَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي ﵁ قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد متكئ على برد لَهُ أَحْمَر فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله إِنِّي جِئْت أطلب الْعلم

стр. 652

فَقَالَ مرْحَبًا بطالب الْعلم إِن طَالب الْعلم تحفه الْمَلَاِئِكَة بأجنحتها ثمَّ يركب بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يبلغُوا السَّمَاء الدُّنْيَا من محبتهم لما يطْلب رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وروى ابْن مَاجَه نَحوه بِاخْتِصَار وَيَأْتِي لَفظه إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). قوله: عن صفوان بن عسال المرادي، وعسال: بفتح العين المهملة وسين مشددة وهو مرادي كوفي، غزا مع رسول الله ﷺ ثنتي عشر غزوة، ومن مناقبه أن عبد الله بن مسعود روى عنه وروى عنه جماعة من التابعين، روي له عن رسول الله ﷺ عشرون حديثًا (٢). قوله ﷺ : "مرحبا بطالب العلم" وفي حديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ " رواه الترمذي، وحديث أبي هارون العبدي، واسمه: عمارة بن جوين، عن أبي سعيد الخدري أيضًا قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال: "إن الناس لكم تبع، وإن رجالًا يأتوكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرًا"، وفي رواية: "يأتيكم رجال من قبل

стр. 653

المشرق" رواه الترمذي في العلم (١)، وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى (٢): ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ (٣) قيل: المراد بالسائل هنا السائل عن الدين، أي: لا تنهره بالغلظة وأجبه برفق ولين، قاله سفيان، قال ابن العربي: وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية، وقد كان أبو الدرداء ينظر في أصحاب الحديث وببسط ردائه لهم ويقول: مرحبًا بأحبة رسول الله ﷺ ، وكان أبو سعيد الخدري ﷺ إذا رأى الشباب قال: مرحبًا وأهلا بوصية رسول الله ﷺ مرحبًا، أمرنا رسول الله ﷺ أن نوسع لكم في المجلس ونفقهكم. قوله ﷺ : "إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها" الحديث، حفته الملائكة أي: أطافوا به واستداروا حوله للتبرك والرغبة فيما عنده، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٤). ١٠٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم وَوَاضِع الْعلم عِنْد أَهله كمقلد الْخَنَازِير الْجَوْهَر واللؤلؤ وَالذَّهَب رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَغَيره (٥).

стр. 654

قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب" الحديث، وذكر أبو عمر في كتاب العلم، وقال في بعض طرقه: "اطلبوا العلم ولو بالصين" فهذا الحديث يدل على أن طلب العلم فرض على كل مكلف ذكرا أو أنثى، فالحديث شامل لفرض العين وفرض الكفاية، ومعلوم أن فرض الكفاية لا يجب على الجميع، فظاهره مشكل لكن الصحيح في الأصول أن فرض الكفاية يخاطب به الجميع ثم يسقط بفعل البعض، فذهب الإشكال، والله أعلم، واعلم أن طلب العلم فريضة على قدر ما يحتاج إليه الإنسان في خاصة نفسه من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة إن وجبت والحج إن استطاع إليه سبيلا دون فروض الكفايات، فتعلم أحكامه فرض عين لابد لكل مكلف من معرفته وأمر معاشه ما له بد من بيع وشراء ونحو ذلك، قال السيد الجليل الزاهد مالك بن دينار: من طلب العلم لنفسه فالقليل منه يكفيه، ومن طلب للناس فحوائج الناس كثيرة (١). وقال النووي في مقدمة شرح المهذب (٢): فرض العين هو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي يتعين عليه فعله إلا به ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها، وفيه جماعات الحديث المروي في مسند أبي يعلى الموصلي هو

стр. 655

حديث أنس: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتًا فمعناه صحيح، وحمله آخر على فرض الكفاية؛ وأما أصل واجب الإسلام وما يتعلق بالعقائد فيكفى فيه التصديق بكل ما جاء به رسول الله ﷺ واعتقاده اعتقادًا جازمًا سليمًا من كل شك، ولا يتعين على المصدق تعلم أدلة المتكلمين، هذا هو الصحيح الذي عليه السلف والفقهاء المحققون من المتكلمين وغيرهم، فإن النبي ﷺ لم يطالب أحدا بشيء سوى ما ذكرناه وكذلك الخلفاء ومن سواهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير الفقهاء والمتفقهين الكف عن الخوض في دقائق الكلام مخافة من الاختلاط، انتهى. وقال ابن عبد البر (١): قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض عين على كل امرئ في خاصة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه عن أهل ذلك الموضع، والذي يلزم الجميع فرضه ولا يسع الإنسان جهله الشهادة باللسان والإقرار بالقلب بأن الله وحده لا شريك له ولا شبيه له ولا مثل، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه حق وأن البعث بعد الموت حق وأن القرآن كلام الله وما فيه حق من عند الله يجب الإيمان بجميعه وأن الصلوات الخمس فرض، ويلزمه من عملها ما لا يتم إلا به من طهارتها وسائر أحكامها، وأن صوم رمضان فرض ويلزمه علم ما يفسد صومه وما لا يتم إلا به، وإن كان ذا مال لزمه فرضا أن يعرف ما

стр. 656

تجب فيه الزكاة؟ ومتى تجب؟ وفي كم تجب؟ ولزمه أن يعلم بأن الحج فرض عين مرة واحدة في دهره إن استطاع إليه سبيلًا، إلى أشياء يلزمه حملها ولا يعذر بجهلها نحو تحريم الزنا والربا وتحريم الخمر والخنزير وأكل الميتات والأنجاس كلها والغصب والرشوة في الحكم والشهادة بالزور وأكل أموال الناس بالباطل وما كان مثل هذا كله مما نطق به الكتاب وأجمعت الأمة عليه ثم سائر العلم وطلبه، والتفقه فيه وتعليم الناس إياه وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم فرض على الكفاية يلزم الجميع فرضه، فإذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين لا خلاف بين العلماء في ذلك، والله أعلم. انتهى. فروع، الأول: لا يلزم الإنسان تعلم كيفية الوضوء والصلاة وشبهها إلا بعد وجوب ذلك الشيء، فغن كان بحيث لو صبر إلى دخول الوقت لم يتمكن من تمام تعلمها مع الفصل في الوقت، فهل يلزمه التعلم قبل الوقت؟ تردد في فيه الغزالي، والصحيح: ما جزم به غيره، وهو أنه يلزمه تقدم التعلم كما يلزمه السعي إلى الجمعة كمن بعد منزله قبل الوقت ثم إن كان الواجب على الفور، وكان يعلم الكيفية على الفور وإن كان على التراخي كالحج فعلى التراخي ثم الذي يجب من ذلك كله ما يتوقف إذ أن الواجب عليه غالبًا دون ما يطرأ نادرًا، فإن وقع وجب التعلم حينئذ؛ الثاني: في وجوب تعلم أدلة القبلة أوجه، أحدها: فرض عين، والثاني: فرض كفاية، وأصحها فرض كفاية إلا من سافر سفرًا فتتعين لعموم حاجة الأسفار إلى ذلك، الثالث: البيع والنكاح وشبهه لأصله، الرابع: يلزم المكلف معرفتها بحل وبحرم من

стр. 657

المأكول والمشروب والملبوس ونحو ذلك ما لا غناء به عنه غالبا، وكذلك أحكام عشرة النساء إذا كان له زوجة وحقوق المماليك إن كان له ونحو ذلك، الخامس: قال الشافعي والأصحاب: على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الصغار بما سيتعين عليهم بعد البلوغ فيعلمه الولي الطهارة والصلاة والصيام ونحوها، ويعرفه تحريم الزنا واللواط والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة والنميمة وشبهها ويعرفه أن البلوغ يدخل في التكليف، وقيل: هذا التعليم مستحب، والصحيح: وجوبه ودليل وجوب تعلم الولد الصغير والمملوك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (١) قال علي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة معناه: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، ثم أجرة التعليم في مال الصبي لأنه يعود عليه نفعه، السادس: علم القلب، وهو معرفة أمراضه كالحسد والعجب وشبهها، فقال الغزالي: معرفة حدودها وأشباهها وطبها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رزق المكلف قلبا سليما من هذه الأمراض كفاه ذلك، ولا يلزمه تعلم دوائها، وإن لم يسلم نظر إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم لزمه التطهير كما يلزم ترك الزنا ونحوه من غير تعلم أدلة الترك، فإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور تعين

стр. 658

حينئذ، والله أعلم، قاله في الديباجة (١). قوله ﷺ : "وواضع العلم عند أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب" الحديث، وقال في الإحياء: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: إني رأيت أني أقلد أعناق الخنازير، فقال: أنت تعلم الحكمة غير أهلها، قال الغزالي في الإحياء: في الكلام على قواعد العقائد في القسم الثالث: لو قال قائل: رأيت فلانا يقلد الدر في أعناق الخنازير وكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها، فالمستمع قد سبق إلى فهمه ظاهرة، والمحقق إذا نظر علم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنازير فتفطن لدرك السر فيتفاوت الناس لذلك، ومن ذلك قول الشاعر: رجلَانِ خياط وَآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل انتهى، قاله في الديباجة (٢)، وسيأتي الكلام على الجملة قريبا مبسوطًا؛ وروى عنه ﷺ أنه قال: "لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب" خرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس (٣)، والمراد بذلك: العلم لمن ليس أهلا له.

стр. 659

١١٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من جَاءَهُ أَجله وَهُوَ يطْلب الْعلم لَقِي الله وَلم يكن بَينه وَبَين النَّبِيين إِلَّا دَرَجَة النُّبُوَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١). قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على ترجمته ﵁. قوله ﷺ : "من جاء أجله وهو يطل العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة"، وروي الدارمي عن الحسن مرسلًا قال: قال رسول الله ﷺ : "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة في الجنة" (٢) ويكفيه أن الله تعالى يغفر له ما مضى من ذنوبه كما رواه الدارقطني مرفوعًا: "من طلب العلم كان كفارة له" (٣) كذا رواه عن النبي

стр. 660

- ﷺ ، وروى أيضًا هو عن ابن مسعود موقوفا قال: "منهومان لا يشبعان: صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان، أما صاحب العلم فيزداد رضي من الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان"، ورواه البيهقي مختصرًا عن النبي ﷺ (١).

стр. 661

تتمة: قال الخطيب البغدادي (١): يستحب لطالب العلم أن يكون عزبًا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن كمال الطلب، وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا (٢)، أي: تعلموا العلم قبل أن تصيروا سادة منظورًا إليكم فتستحيوا أن تتعلموا بعد الكبر فتبقوا جهالًا (٣)، وقيل: أراد قبل أن تتزوجوا وتشتغلوا بالزواج عن طلب العلم (٤). وفي كامل ابن عدي في ترجمة أحمد بن سلمة الكوفي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "ما أفلح صاحب عيال قط" (٥). وفي الإحياء في آفات النكاح قال (٦): رئي سفيان ابن عيينة على باب سلطان، فقيل: ما هذا موقفك؟ قال: وهل رأيت ذا عيال أفلح، ثم أسند، يعني: الخطيب البغدادي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد" (٧)، قال: واتفقوا على أن الهم

стр. 662

وأحزان وكثرة الأشغال والعلائق مورثة النسيان بالخاصة؛ لأن هموم الدنيا تورث ظلمة القلب، وهموم الآخرة تنور القلب، ونظير ذلك الفكرة في الصلاة في أمر الدنيا تمنع من كمال الأجر، وفي الآخرة تحمل على الخشوع وسكون الأعضاء، قال سحنون: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، وسئل الحسن: ما عقوبة العالم إذا آثر الدنيا؟ قال: موت قلبه. انتهى (١). وقال الإمام الشافعي: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نَبْل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن لم يصن نفسه ولم ينفعه علمه، قاله في النهاية (٢). وقال علي لكميل بن زياد: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق (٣). وقال الشافعي: من طلب الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعليه بالعلم (٤).

стр. 663

١١١ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من طلب علما فأدركه كتب الله لَهُ كِفْلَيْنِ من الْأجر وَمن طلب علما فَلم يُدْرِكهُ كتب الله لَهُ كفلا من الأجر. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات وَفِيهِمْ كَلَام (١). قوله: عن واثلة بن الأسقع، هو واثلة بن الأسقع بن كعب، تقدم. قوله ﷺ : "من طلب علمًا فأدركه كتب له كفلين من الأجر، ومن طلب علمًا فلم يدركه كتب له كفلا من الأجر" الحديث؛ الكفل: هو النصيب من الأجر أو الوزر (٢). قوله: ورواته فيهم كلام، قال أبو عمر (٣): أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديمًا في روايتها عن كلٍ، ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم في أحاديث الأحكام، والله أعلم. ١١٢ - وَرُوِيَ عَن سَخْبَرَة ﵁ قَالَ مر رجلَانِ صلى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يذكر فَقَالَ اجلسا فإنكما على خير فَلَمَّا قَامَ رَسُول الله ﷺ وتفرق عَنهُ أَصْحَابه

стр. 664

قاما فَقَالا يَا رَسُول الله إِنَّك قلت لنا اجلسا فإنكما على خير ألنا خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة قَالَ مَا من عبد يطْلب الْعلم إِلَا كَانَ كفَّارَة مَا تقدم. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ (١). سَخْبَرَة: بِالسِّين الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة الساكنة وباء مُوَحدَة وَرَاء بعْدهَا تَاء تَأْنِيث فِي صحبته اخْتِلَاف. وَالله أعلم. قوله: عن سخبرة، سخبرة بالسين المهملة المفتوحة والخاء المعجمة الساكنة وباء موحدة مفتوحة وراء بعدها تاء تأنيث، في صحبته خلاف، قاله المنذري. قوله ﷺ : "اجلسا فإنكما على خير" الحديث، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبي ﷺ : "كل على خير، هؤلاء يقرءون القرآن ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون ويعلمون، وإنما بعثت معلمًا فجلس معهم" (٢) ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وعن

стр. 665

عبد الله بن عمرو أيضًا قال: دخل النبي ﷺ المسجد وقوم يذكرون الله وقوم يتذاكرون الفقه، فقال النبي ﷺ : "كلا المجلسين على خير، أما الذين يذكرون الله ويسألون ربهم فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يعلمون الناس ويتعلمون، وإنما بعثت معلمًا وهذا أفضل فقعد معهم" (١) قال القرطبي. وقيل لابن سيرين في نومه: أما إنك لو أتيت الحلق التي يتذاكر فيها الفقه لوجدت جبريل ﵇ معهم (٢)، وقال صالح المري [سمعت الحسن البصري يقول]: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلم (٣). ١١٣ - وَعَن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : سبع يجرى للْعَبد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم علما أَو كرى نَهرا أَو حفر بِئْرا أَو غرس نخلًا أَو بنى مَسْجِدا أَو ورث مُصحفا أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته رَوَاهُ الْبَزَّار وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث قَتَادَة تفرد بِهِ أَبُو نعيم عَن الْعَزْرَمِي وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ثمَّ قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله الْعَزْرَمِي ضَعِيف (٤) غير

стр. 666

أَنه قد تقدمه مَا يشْهد لبعضه وهما يَعْنِي هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث الَّذِي ذكره قبله لَا يخالفان الحَدِيث الصَّحِيح فقد قَالَ فِيهِ إِلَّا من صَدَقَة جَارِيَة وَهُوَ يجمع مَا وردا بِهِ من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان انْتهى. قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم: وَقد رَوَاهُ ابن مَاجَه وَابن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قوله: عن أنس، تقدم الكلام على ترجمته. قوله ﷺ : "سبع يجرى للْعَبد أجرهن وَهُوَ فِي قَبره بعد مَوته من علم علمًا" الحديث، بدأ بالعلم للاهتمام به، والمراد بالعلم هو المنتفع به إما بإرشاد المتعلمين أو تصشيف في كتاب ينتفع مطالعه، والمراد بالعلم المنتفع به هو العلم المحمود وهو العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه والعلم بشريعة نبيه ﷺ ، ويدخل فيه: علم التفسير والحديث والفقه (١). قوله في آخر الحديث: "أَو ترك ولدا يسْتَغْفر لَهُ بعد مَوته"، وفي حديث آخر: "أو ترك ولدا صالحًا يستغفر له" وفي رواية: "أو له بدل يستغفر له"، والمراد بالاستغفار: الدعاء، والولد الصالح: الذي يدعو له بعد موته بالخير ويدعو له صفة للولد لا شرط له؛ لأن ثواب الولد الصالح يصل إلى والده

стр. 667

كلما عمل صالحًا، فهذا دعاء الولد يصل والده وينتفع به، وكذلك أمره ﵊ بالسلام على المقبرة والدعاء لهم، ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم، ويروي عنه ﵊ أنه قال: "الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها" (١) وسيأتي الكلام قريبًا على بقية ألفاظ الحديث. قوله: ورواه البيهقي، ثم قال: محمد بن عبيد الله العرزمي ضعيف، بفتح العين المهملة وسكون الراء وفتح الزاي وآخره ميم، نسبة إلى عرزم، قال ابن الأثير: وظني أنه بطن من فزارة، وجبانة عرزم بالكوفة معروفة، ولعل هذا البطن نزلوا بها فنسبت إليه (٢)، والله أعلم. ١١٤ - وَعَن عمر ﵁: قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا اكْتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صَاحبه إِلَى هدى أَو يردهُ عَن ردى وَمَا استقام دينه حَتَّى يَسْتَقِيم عقله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَالصَّغِير إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ حَتَّى

стр. 668

يَسْتَقِيم عمله. وإِسنادهما مُتَقَارب (١). قوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على مناقبه ﵁. قوله ﷺ : "مَا اكْتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صَاحبه إِلَى هدى أَو يردهُ عَن ردى"، الهدى: ضل الضلال. ١١٥ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر وَأبي هُرَيْرَة ﵄ أنَّهُمَا قَالا لباب يتعلمه الرجل أحب إِنِّي من ألف رَكْعَة تَطَوّعا وَقَالا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا جَاءَ الْمَوْت لطَالب الْعلم وَهُوَ على هَذِه الْحَالة مَاتَ وَهُوَ شَهِيد. رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط إِلَا أَنه قَالَ خير لَهُ من ألف رَكْعَة (٢). قوله: عن أبي ذر وأبي هريرة ﵄، تقدم الكلام على مناقبهما ﵄. قولهما: أنهما قالا: لباب يتعلمه الرجل أحب إليَّ من ألف ركعة تطوعًا،

стр. 669

وقد نص الأئمة الأربعة ﵃ على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، قال النووي في خطبة منهاجه (١): أما بعد، فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وإن أنفقت فيه نفائس الأوقات. فالاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وفضل العلم كبير قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، والصلاة أفضل من الصيام المتطوع به، فيكون العلم أفضل من النافلة بطريق الأولى، فإن العلم مصباح يستضاء به من ظلمة الجهل والهوى، فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر وبوار أي: هلاك فيعطب، قال ابن سيرين: إن قومًا تركوا العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا بغير علم، والله ما عمل أحد بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح (٤). وقد قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل فأول تلبيس إبليس على العباد إيثارهم العمل على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الحوارج وما علموا أن العلم عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح، انتهى، قاله ابن

стр. 670

الجوزي (١). ولهذا المعنى كان فضل العلم النافع الدال على معرفة الله وخشيتة ومحبته ومحبة ما يحب وكراهة ما يكره لاسيما عند غلبة الجهل والتعبد به أفضل من التطوع بأعمال الجوارح. قال الإمام الشافعيُّ: ليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم (٢). وقال أبو الدرادء: مذاكرة العلم خير من قيام الليل (٣). وفي الحلية عن سلمان الفارسي أن النبي ﷺ قال: "نوم على علم خير من صلاة على جهل" (٤). وقال ابن مسعود: أنتم في زمان العمل فيه أفضل من العلم، وسيأتي زمان العلم فيه أفضل من العمل، وكذلك الانشغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصوم والصلاة مع غش القلوب ودغلها (٥).

стр. 671

وروى أبو بكر الصديق عن النبي ﷺ أنه قال: "من تعلم بابا من العلم فعمل به أو علمه جاهلا يعمل به كان خيرًا له من أن لو كانت الدنيا ما بين المشرق والمغرب ذهبا حمراء فأنفقها في سبيل الله" قاله أبو الفرج بن الجوزي في منهاجه بغير سند (١). وعن ابن عباس ﵄: تذكر العلم بعض ليلة أحب إلي من قيام ليلة (٢). وعنه أيضًا ﵄ قال: من رأى الغدو إلى العلم ليس بجهاد فقد نقصى في رأيه وعقله (٣). وعن أبي الدرداء ﵁: قال: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة (٤). وعن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: أتهجد بالليل أو أكتب العلم؟ قال: اكتب العلم، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي: قلت وإنما قال له ذلك لأن كتابة العلم تتعدة نفعها إلى غيره فله أجره وأجر من انتفع بذلك في حياته وبعد موته أبدًا، وأما التهجد فليس له إلا أجره فقط (٥)، والله أعلم.

стр. 672

قوله: عن أبي ذر، اسمه: جندب بن جنادب الغفاري، قال أبو الفرج: في اسمع اختلاف كبير، وكان يتعبد قبل مبعث النبي ﷺ بمكة قديمًا، وقال: كنت في الإسلام رابعًا، ورجع إلى قومه فأقام عندهم حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم هاجر إلى المدينة، وكان شجاعًا ينفرد وحده فيفسح الطريق، وقال: صليت قبل أن ألقى رسول الله ﷺ بثلاث سنين، قيل: لمن؟ قال: لله ، قيل: فأين كنت تتوجه؟ قال: حيث وجهني الله، وقيل: ما أقلت الغبراء أي: حملت، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر، والغبراء: الأرض، والخضراء: السماء، توفي أبو ذر بالمدينة بفلاة من الأرض، وشهده عصابة من المؤمنين فقال لهم وهو محتضر: لو كان عندي ثوب يسعني كفنًا أو لامة أي: ثوب يسعني لما تكفنت إلا في ثوب هو لي أو لها، وإني أنشدكم الله تعالى لا يكفنني منكم رجل كان أميرا ولا عريفا ولا بريدا ولا نقيبًا، ولم يكن في القوم أحدٌ إلا وقد أصاب من ذلك إلا فتى من الأنصار، فقال: أنا أكفنك في ردائي هذا وفي ثوبين من ثيابي من غزل أمي، قال: أنت فكفني فكفنه الأنصار، ودفنه مع النفر الذي معه في سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود (١)، قاله في مختصر مجمع الأحباب. ١١٦ - وَعَن أبي ذَر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا ذَر لِأن تَغْدُو فتعلم آيَة من كتاب الله خير لَك من أَن تصلي مائَة رَكعَة وَلِأن تَغْدُو فتعلم بَابا من

стр. 673

الْعلم عمل بِهِ أَو لم يعْمل بِهِ خير لَك من أَن تصلي ألف رَكْعَة. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (١). قوله ﷺ لأبي ذر: "لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي ألف ركعة" الحديث، أي: تطوعًا، الغدو: هو الذهاب أول النهار. ١١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَا ذكر الله وَمَا وَالاهُ وعالمًا ومتعلمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن (٢).

стр. 674

قوله: وعن أبي هريرة، وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا. تتمة تتعلق بمناقبه ﵁: قال عمر بن حبيب حضرت مجلس الرشيد فجرت مسألة فتنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه عن أبي هريرة، فقال بعضهم: كان أبو هريرة متهما فيما يرويه عن رسول الله ﷺ ، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله ﷺ وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي الله ﷺ وعن غيره فنظر إليّ الرشيد نظر المغضب فقمت من المجلس وانصرفت إلى منزلي فلم ألبث حتى قيل: صاحب الرشيد بالباب فدخل إلي وقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم إني دفعت عن صاحب نبيك ﷺ وأجللت نبيك ﷺ أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه القطع، فلما رآني قال: يا عمر بن حبيب، في ما تلقاني أحد من الرد مثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عليه فيه ازدراء على رسول الله ﷺ وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذا بين فالشريعة باطلة والفرائض والأحكام والصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود وكله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه، وقال: يا عمر بن حبيب أحييتني أحياك الله، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم (١)، مات سنة ست أو سبع

стр. 675

ومائتين، وعمر بن حبيب هذا هو العدوي القاضي البصري من بني عدي، ولي قضاء البصرة (١)، قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله" الحديث، فالدنيا وكل ما فيها ملعونة، أي: مبعدة عن الله تعالى لأنها تشغل عنه إلا العلم النافع الدال على الله تعالى وعلى معرفته وطلب قربه ورضاه وذكر الله وما والاه مما يقرب إلى الله تعالى، فهذا هو المقصود من الدنيا، فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوام ذكره، قال ابن مسعود: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢) أي: يذكر فلا ينسى، وإنما شرع الله تعالى إقام الصلاة للذكر وكذلك الحج والطواف، وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله تعالى ذكرا فيها، فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها، قاله ابن رجب (٣). قوله ﷺ : "ومما والاه" أي: طاعة الله تعالى والسلامة، من اللعن الذي هو الإبعاد خير كبير، وهو أخذ الفضلين السلامة والغنيمة، انتهى، قاله في حدائق الأولياء (٤).

стр. 676

١١٨ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من تعلم بَابا من الْعلم ليعلم النَّاس أعطي ثَوَاب سبعين صديقا. رَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مُسْند الفردوس وَفِيه نَكَارَة (١). ١١٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من رجل تعلم كلمة أَو كلِمَتَيْنِ أَو ثَلاثًا أَو أَرْبعا أَو خمْسا مِمَّا فرض الله فيتعلمهن ويعلمهن إِلَّا دخل الْجنَّة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَمَا نسيت حَدِيثا بعد إِذْ سَمِعتهنَّ من رَسُول الله ﷺ . رَوَاهُ أَبُو نعيم وَإِسْنَاده حسن لَو صَحَّ سَماع الْحسن من أبي هُرَيْرَة (٢). ١٢٠ - وَعنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أفضل الصَّدَقَة أَن يتَعَلَّم الْمَرْء الْمُسلم علما ثمَّ يُعلمهُ أَخَاهُ الْمُسلم. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق الْحسن أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة (٣). ١٢١ - وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رجل آتاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل آتاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٤) الْحَسَد يُطلق وَيُرَاد بِهِ تمني زَوَال النِّعْمَة

стр. 677

عَن الْمَحْسُود وَهَذَا حرَام وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْغِبْطَة وَهُوَ تمني مثل مَا لَهُ وَهَذَا لا بَأْس بِهِ وَهُوَ المُرَاد هُنَا. قوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" الحديث، قال الحافظ: الحسد يطلق ويراد به: تمني زوال النعمة عن المحسود، وهذا حرام؛ ويطلق ويراد به الغبطة وهو: تمني مثل حاله، وهذا لا بأس به وهو المراد هنا، انتهى. وفسره غيره مبسوطًا فقال: الحسد قسمان حقيقي ومجازي، فالحقيقي: تمني زوال النعمة عن صاحبها وهذا حرام بإجماع المسلمين مع النصوص الصريحة، وأما الحسد المجازي: فهو الغبطة وهو: أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير تمني زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهو مستحب، والمراد في الحديث: لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين، قاله النووي (١). فهذا حسد منافسة وغبطة يدل على علو همة صاحبه وكبر نفسه وطلبها التشبيه بأهل الخير والفضل، وحق لمن نال من النفائس العالية ما يحق لمثله أن يحسد ويغبط بمثله، فمن اتصف بذلك فهو محسود إذ حصل على النعمة التامة الحقيقية، وكل ذي نعمة محسود عليها فيا طرباه دنيا وأخرى (٢).

стр. 678

تنبيه في الفرق بين الغبطة والحسد: والغبطة والنفاسة وإن كانا من الحسد فقد يكون لهما وجه يبيحهما الشرع، والفرق بين الغبطة والحسد: أن الغابط يود أن يكون له مثل نعمة المغبوط من غير أن تنقص من نعمته شيء وهو الذي يبيحه الشرع المطهر، والحاسد الذي يود أن تزول نعمة المحسود ومن غير أن يناله منها شيء هو الذي يحرمه الشرع (١)، انتهى. قوله ﷺ : "ورجل آتاه الله مالا فسلكه على هلكته في الحق" أي: إنفاقه في الطاعات، والحق هنا واحد الحقوق وهو يستعمل في المندوب كما يستعمل في الواجب، ومنه الحديث وهو قوله ﷺ : "إن في المال حقا سوى الزكاة" (٢) وقال ابن بطال: إنفاق المال في حقه على ثلاثة أقسام: الأول: أن ينفق على نفسه وأهله ومن يلزمه النفقة عليه غير مقتر يجب لهم ولا مسرف في ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٣) وهذه النفقة أفضل من الصدقة ومن جميع النفقة. والقسم الثاني: أداء الزكاة وإخراج حق الله تعالى لمن وجب عليه النفقة. والقسم الثالث: صلة الأهل البعداء ومواساة الصديق وإطعام الجائع وصدقة التطوع كلها، فهذه صدقة مندوب إليها مأجور عليها لقوله ﷺ :

стр. 679

"الساعي على الأرملة واليتيم والمجاهد في سبيل الله" (١)، ولا يخفى أن الرجل خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فالمرأة كذلك (٢)، والله أعلم. قوله ﷺ : "ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" الحديث، اعلم أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) قال الإمام مالك ﵀ (٤): الحكمة عندي المعرفة بدين الله والفقه فيه والإتباع له، وروى ابن وهب عن مالك أيضًا قال (٥): الحكمة نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد، وتقدم ذلك في أوائل هذا التعليق، وقال الإمام أبو حنيفة: الحكمة هي العلم بأحكام الدين. بدلائلها، وقال الإمام الشافعي: الفقيه العالم بالأحكام الشرعية والحكيم العالم بأدلتها (٦)، قال الغزالي: الفقيه العالم بظواهر الأحكام والحكيم العالم بأسرارها أيضًا، فكل حكيم فقيه وليس كل فقيه حكيم، مثاله: أن الفقيه يعلم وجوب الصوم بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨) والحكيم يعلم مع ذلك أن سر الصوم قهر النفس وكسر

стр. 680

الشهوات والتخلق بأخلاق الله وأخلاق الملائكة وغير ذلك من الأسرار المذكورة في مواضعها وغير أهل الحكمة هو الذي لا يفهمها ولا يعقلها (١). وقال ابن دريد (٢): الحكمة كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم ومنه قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٣) أي: الحكمة، وقيل: الحكمة العلم الديني، وقيل: هي [سداد] القول وإحكام الفعل، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٤) قال يعنى المعرفة بالقرآن (٥)، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٦) قال: الفقه والعقل والإصابة في القول (٧). وقال في حدائق الأولياء (٨): والمراد بالحكمة هنا الفقه (في الدين) كما فسرها به والقضاء والتعليم هو فائدة الحكمة (واليقين) والفقه في الدين، وقيل: الحكمة السنة. قوله ﷺ : "فهو يقضي بها ويعلمها احتسابًا" ومعناه: يعمل بها ويعلمها

стр. 681

احتسابا أي: يقضي بذلك على نفسه وغيره ويعلمها لإخوانه (١)، انتهى. تنبيه: فإن قلت: لم ذكر مالا في قوله: "ورجل آتاه الله مالًا" والحكمة في قوله: "ورجل آتاه الله الحكمة"؟ قلت: لأن الحكمة المراد بها معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها، أي: الشريعة فأراد التعريف بلام العهد بخلاف المال، ولهذا يدخل فيه أي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم، قال ابن بطال: وفيه من الفقه، أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي ربه تعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل حاله، انتهى، قاله الكرماني في شرح البخاري (٢). ١٢٢ - وَعَن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ مثل مَا بَعَثَني الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة طيبَة قبلت المَاء وأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير فَكَانَ مِنْهَا أجادب أَمْسَكت المَاء فنفع الله بهَا النَّاس فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسقوا وزرعوا وَأصَاب طَائِفَة أُخْرَى مِنْهَا إِنَّمَا هِيَ قيعان لا تمسك مَاء وَلا تنْبت كلأ فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله تَعَالَى ونفعه مَا بَعَثَنِي الله بِهِ فَعلم وَعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسًا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٣). قوله: عن أبي موسى، اسمه: عبد الله بن قيس تقدم الكلام على مناقبه.
следующие страницы →