← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 6242–6281 · переход к 6247.

стр. 6242

قال الشيخ أبو العباس القرطبي (١): عن الأمر على جهة الندب لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال وذلك لأنها أقوى في الغالب وأسبق بالأعمال وأمكن في الأشغال ثم هي مشتقة من اليمن والبركة وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها كما ذم أهل النار حين نسبهم إلى الشمال فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾ (٢): ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ (٣) وقال عكس هذا في أصحاب الشمال، وعلى الجملة فاليمين ومن نسب إليها وما اشتق منها محمود لسانا وشرعا ودنيا وآخرة والشمال على النقيض من ذلك وإذا كان هذا فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق [والسيرة الحسنة] عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة اهـ قاله في الديباجة. ٣٢١٠ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة أراها في الإناء فقال أهرقها قال فإني لا أروى من نفس واحد قال فأبن القدح إذا عن فيك [ثم تَنَفَّسْ] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (٤).

стр. 6243

قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب" قال الحليمي (١): ذكر [كليب الجرمي] أنه شهد عليا ﵁ ينهى القصابين عن النفخ في السلخ أي في سلخ جلد الذبيحة وهو نظير النفخ في الطعام والشراب [الذى جاء] النهي عنه لأن [النكهة ربما] كانت [كريهة فكرهت] اللحم وغيرت رائحته (٢) وقد عرف بالتجارب ا هـ. لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الطعام أو الشراب فليصبر حتى يبرد، وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبعه أو بخلال أو نحوه (٣). وكما يكره النفخ في الطعام يكره أن يشمه كما يشم السباع، فقد روى البيهقي عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال ﷺ : "لا تشموا الطعام كما تشمه السباع ولا تقطعوا الخبز بالسكين كما تقطعه الأعاجم" (٤) أ. هـ، قاله في الديباجة.

стр. 6244

قوله: [فقال رجل] القذاة أراها في الإناء فقال: "أهرقها" القذاة هو ما يقع في العين من الأذى وفي الشراب والطعام من تراب أو تبن أو غير ذلك. قوله: فإني لا أروى من نفس واحد قال: "فأبن القدح إذا عن فيك" الحديث، أي: أبعده من بان عنه إذا فارقه أو بعد عنه والبين الوصل ومنه قوله تعالى: "لقد تقطع بينكم" قاله عياض (١)، وقال غيره: فأبن القدح، الحديث، أي: افصله عنه عند النفس لئلا يسقط فيه شيء من الريق وهو من البين البعد والفراق قاله ابن الأثير (٢). تنبيه: قال النووي (٣): روينا من حديث أنس ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الشرب ثلاثا"، يعني: يتنفس خارج الإناء، وروينا من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم" رواه الترمذي وحسنه والطبراني من حديث عطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس يرفعه وقال: غريب، أ. هـ، وابن عطاء لم يسم وفي الحديث "مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا" العب: الشرب بلا تنفس. فائدة: أما التنفس خارج الإناء فسنة معروفة كما هو مذكور في الأحاديث الواردة بذلك، قال العلماء ﵃: والنهي عن التنفس في الإناء هو على طريق

стр. 6245

الأدب والحكمة في منع التنفس في الإناء مخافة من تقذيره ونتنه ومخافة أن يبرز من رطوبة فمه ما يقع في الإناء أو تكون نكهته مغيرة فتعافه النفس فيتأذى بذلك من شرب بعده للرائحة المتعلقة بالماء لرقته ولطفه فإنه تسرع إليه الروائح فحسن أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه وأن لا يتنفس فيه والله أعلم (١). وقال الحليمي (٢): إنما نُهي عن التنفس في الإناء لأن البخار الذي يرتفع من المعدة أن ينزل من الرأس كل منهما كريه، فإما أن يعلقا بالماء، وإما أن يفسد السؤر على [سير] الشارب لاستقذاره، أ. هـ. تنبيه: النفس ثلاثة أنفاس في الشرب يحصل له فيها [عشر] حسنات تسمية في الابتداء ثلاثا وحمد الله في الآخر ثلاثا وإبانة القدح عن فيه مرتين وتنفيسه مرتين امتثالا للأمر [قال] في الإحياء يقول في أول نفس الحمد لله ويزيد في الثاني رب العالمين ويزيد في الثالث الرحمن الرحيم. واختلف العلماء في هذه الثلاثة [أنفاس] أيها تكون أطول، قيل: الأولى ليتمحص، الثاني والثالث: للسنة لأنه إذا أطال (المرة الأولى) قد يحصل له الري منها فيبقى [ما عداها] اتباعا للسنة، وقد تكون الشربة الأولى أقصر والثانية أزيد منها والثالثة أزيد منها ليجمع بين السنة والطب لأنه إذا شرب قليلا وصل [إلى جوفه] من غير إزعاج (٣). ومن حديث الليث بن سعد عن

стр. 6246

عقيل عن ابن شهاب "أن النبي ﷺ كان إذا شرب تنفس ثلاثة أنفاس" "وكان ينهي عن العب نفسا واحدا"، ويقول: "ذلك شرب الشيطان" قال البيهقي: هذا مرسل وفي حديث آخر "ولا تعب عبا [فإن الكباد من العب" رواه معمر عن ابن أبي حسين مرسلا] وروى الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي هريرة بإسناد رجاله ثقات أن النبي ﷺ كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات وفي آخرها ثلاث [تحميدات] (١) فأما استحباب التثليث [ ... ] (٢) لأن يمص الماء مصا ولا يعبه عبا كما في حديث آخر وهو [أنه كان إذا شرب تنفس ثلاثا ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ لأن إبانة الإناء أهنأ في الشرب، وأحسن] في الأدب وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس في الإناء، واستوفى ريه، حمله ذلك على فوات حكمة النهي، وَتَكَاثرَ الماءُ في حلقِه، وأثقلَ معدتَه، وربما] شرق به.

стр. 6247

٣٢١١ - وعنه ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه كلاهما من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري المعافري (١). قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب" الحديث، ثلمة القدح موضع الكسر أي من حاشيته وهو بالثاء المثلثة وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء وقد جاء في لفظ الحديث أنه مقعد الشيطان ولعله أراد به موضع عدم النظافة لأن الثلمة مركب الشيطان كما يكون عليها من الأوساخ. تنبيه: والمضبب الذي فيه ضبة وهي صفيحة يسمر فيها موضع الشق من الإناء ونحوه، روى البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله ﷺ [عند أنس بن مالك ﵁: وكان قد انصدع، فسلسله بفضة. قال أنس ﵁]: لقد سقيت رسول الله ﷺ من هذا القدح أكثر من كذا وكذا" (٢)، والصدع الشق، والفاعل له أنس كما قاله ابن الصلاح (٣)، أ. هـ.

стр. 6248

قوله: من رواية قرة بن عبد الرحمن بن حيويل المصري المعافري، وأن ينفخ في الشراب، سيأتي الكلام على النفخ في الشراب والطعام من حديث ابن عباس الذي بعده والله أعلم. قوله: من رواية [قرة] بن عبد الرحمن بن حيويل المصري [المعافري] (١) [أبو محمد المصري ويقال أنه مدني الأصل روى عن الزهري وأبي الزبير وربيعة وعامر بن يحيى المعافري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم وعنه الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز والليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومحمد بن شريح ومحمد بن شعيب بن شابور وغيرهم قال أبو مسهر عن يزيد بن السمط كان الأوزاعي يقول ما أحدًا أعلم الزهري من قرة بن عبد الرحمن وقال الجوزجاني عن أحمد منكر الحديث جدًّا وقال بن أبي خيثمة عن بن معين ضعيف الحديث وقال أبو زرعة الأحاديث التي يرويها مناكير وقال أبو حاتم والنسائي ليس بقوي وقال الآجري عن أبي داود في حديثه نكارة يقال له بن كاسر المد وقال أيضا سألت أبا داود عن عقيل وقرة فقال عقيل أحلى منه وقال بن عدي لم أر له حديثا منكرًا جدًّا وأرجو أنه لا بأس به روى له مسلم مقرونا بغيره]. ٣٢١٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه ولفظه إن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب الرجل من في السقاء وأن

стр. 6249

يتنفس في الإناء قال الحافظ وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي النهي عن التنفس في الإناء من حديث أبي قتادة (١). قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم الكلام عليه. قوله: "أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه" والتنفس: خروج النفس من الفم وكل ذي رئة متنفس ودواب الماء لا رئة لها، والحكمة في النهي أنه أبعد عن تقذير الإناء وعن خروج شيء تعافه النفس من الفم [لأن الماء للطافته ورقته تسرع إليه الاستحالة بالروائح الكريهة [فإذا تنفس فيه] أثر فيه النكهة فيتأذى الشارب بعده] فإذا أبانه عند إرادة التنفس أمن من ذلك كما جاء في الترمذي والنهي محمول على الكراهة وحديث الترمذي في النفس الواحد دليل الجواز وعدم التحريم وتقدم الكلام على النفخ في الإناء فمن آداب الأكل أن لا ينفخ في الطعام الحار ولا في الشرب بل يصبر حتى يستحق أكله فيأكله لأن النفخ إنما يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة

стр. 6250

الشراب فليصبر حتى يبرد وإن كان من أجل قذى يبصره فليمطه بأصبع أو بخلاف ونحوه ولا حاجة به إلى النفخ فيه بحال. قلت: يستثنى من النهي عن النفخ في الطعام النفخ في الشعير رواه البخاري وغيره عن [أبي حازم] أنه سأل سهلا هل رأيتم في زمن النبي ﷺ النقي؟ قال: لا ولكنا كنا ننفخه [وفيه ما كان عليه السلف من التخشن في مأكلهم وترك الترقيق لها والتباين فيها]، وكانوا في سعة من [تنخيله] لأن ذلك مباح لهم فآثروا التخشن وتركوا التنعيم ليقتدي بهم من يأتي بعدهم (١) أ. هـ، قاله في الديباجة. ٣٢١٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول هو أمرأ وأروى رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (٢). ٣٢١٤ - وروي أيضا عن ثمامة عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يتنفس ثلاثا وقال هذا صحيح (٣) قال الحافظ عبد العظيم وهذا محمول على أنه كان

стр. 6251

يبين القدح عن فيه كل مرة ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء. قوله: وعن أنس بن مالك ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا" الحديث، قال الحافظ: وهذا محمول على أنه كان يبين القدح عن فيه كل مرة ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء، انتهى. وهذه الثلاثة أمور إنما تحصل إذا شرب من ثلاثة أنفاس [خارج] القدح فأما إذا تنفس في الماء وهو [يشرب] وحكمة التثليث أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرا في برد المعدة [وضعف الأعصاب وحاصله] أنه أهنأ وأمرأ وأروى وأبرأ. قوله ﷺ : "ويقول هو أمرأ وأروى" الحديث، وأروى من الري أي أكثر ريا وأمرأ وأبرأ مهموزان ومعنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش، وقيل: أي أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، ومعنى "أمرأ" أي أكمل إنسياغا، وقيل: هما بمعنى واحدا أي أحسن شربا والباء تبدل من الميم في مواضع وأمرأ من قولهم هنيئا مريئا [يقال: استمرأت الطعام:] إذا استحسنته واستطبته، وعلى هذا المعنى سار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى الشراب مصدرا لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب فتأمله [فإنه

стр. 6252

حسن معني، وفصيح لغة]، فإنه يقال شرب [شربا و] شرابا بمعنى واحد، قال النووي (١): قوله "أروى" أكثر ريا وأمرأ وأبرأ [مهموزان ومعنى أبرأ أي أبرأ من ألم العطش وقيل أبرأ أى أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد ومعنى أمرأ أى أجمل انسياغا والله أعلم]. ٣٢١٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها رواه البخاري ومسلم وغيرهما (٢). قوله: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية" يعني: أن تكسر أفواهها فيشرب منها، وفي رواية أخرى "اختناثها" أن يقلب رأسها ثم يشرب منها، الحديث. ٣٢١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب من في السقاء فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت عليه حية رواه البخاري مختصرا دون قوله فأنبئت إلى آخره ورواه الحاكم بتمامه وقال صحيح على شرط البخاري (٣).

стр. 6253

قوله: وعن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب من في السقاء فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت عليه حية" الحديث، إنما نهى عن ذلك لخمسة معان، أحدها: أنه ربما كانت في السقاء هامة أو قذاة فانسربت في الحلق، والثاني: أنه ربما وقع الشرق باندفاق الماء، الثالث: أنه لا يمكن مص الماء [من فم السقاء وإنما نهى عن ذلك] للعب الذي يؤدي إلى الكبد، والرابع: أنه يغير ريح السقاء، والخامس: أنه يتحامل الثاني رجوع شيء من فم الأول [فيتقذره غيره] أ. هـ. ٣٢١٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية فإن رجلا بعدما نهى رسول الله ﷺ عن ذلك قام من الليل إلى السقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية رواه ابن ماجه من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام وبقية إسناده ثقات خنث السقاء واختنثه إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه (١).

стр. 6254

٣٢١٨ - وعن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه أن النبي ﷺ دعا بإداوة يوم أحد فقال اخنث الإداوة ثم اشرب من فيها رواه أبو داود عن عبيد الله بن عمر عنه ومن طريقه البيهقي وقال الظاهر أن خبر النهي كان بعد هذا قال الحافظ ورواه الترمذي أيضا وقال ليس إسناده بصحيح (١). عبيد الله بن عُمر يضعف في الحديث ولا أدري سمع من عيسى أم لا والله أعلم. قوله: وعن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله: "نهى رسول الله ﷺ عن [اختناث الأسقية] " الحديث، قال ابن بطال (٢): هذا النهي نهي أدب لا نهي تحريم. [روي] عن أبي سعيد الخدري [أن رجلا شرب] من فم السقاء فانسابت حية في بطنه فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وهذا [يدل] على أن [من فعل ذلك أنه] ليس بحرام، وأجاز مالك الشرب من أفواه الأسقية تقول العرب خنثت السقاء واخنثته إذا [ ... ] (٣)، وقد خرج الزبيري

стр. 6255

وغيره أنه ﵇ قام إلى قربة فخنثها وشرب من فيها وهذا إن صح [محمله] أنه ﵇ علم انه لم يكن هناك شيء يستقذر بل ما يستقذر من غيره فإنه يستطاب منه وتطيب به الأشياء وحديث ابن عباس الذي بعده بمعناه. خنث السقاء وأخنثته: إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه، قاله الحافظ، والاختناث بالخاء المعجمة ثم مثناة فوق ثم نون ثم ألف مثلثة، وقد فسر في الحديث، وأصل هذه الكلمة التكسر والإنطواء ومنه سمى الرجل المتشبه بالنساء في طبعه وكلامه وحركاته مخنثا (١). واتفقوا على أن النهي عن اختناثها نهي تنزيه لا تحريم، ثم قيل سببه إنه لا يؤمن أن كون في السقاء ما يؤذيه فيدخل في جوفه ولا يدري، وقيل: لأنه يقذره على غيره وقيل: لأنه ينتنه أو لأنه مستقذر، وقد روى الترمذي وغيره عن كبشة بنت ثابت وهي أخت حسان بن ثابت قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فشرب من قربة معلقة قائما فقمت إلي فيها فقطعته، قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٢) وفعلته لوجهين، أحدهما: تصون موضعها أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يتبدل أو يمسه كل أحد، والثاني: أن تحفظه

стр. 6256

للتبرك به والاستشفاء والله أعلم، فهذا الحديث يدل على أن النهي ليس للتحريم ذكره النووي في شرح مسلم (١) وورد في حديث أن النبي ﷺ قال "لا يشربن أحدكم قائما" (٢) وفي الرواية الأخرى أن رسول الله ﷺ شرب من زمزم وهو قائم، وفي صحيح البخاري أن عليا شرب قائما وقال: "رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت" (٣) وروي عن عمرو بن شعيب عن أبي عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤). اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة والصواب فيها أن النهي محمول على التنزيه لا التحريم كما قاله النووي في حديث كبشة وأما شربه ﷺ قائما فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض وهذا الذي ذكرته يتعين المصير إليه وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط غلطا فاحشا (٥). فإن قيل: كيف يكون الشرب قائما مكروها وقد فعله النبي ﷺ ؟ فالجواب: أن فعله ﷺ إذا كان بيانا للجواز لا يكون مكروها بل البيان واجب

стр. 6257

عليه ﷺ فكيف يكون مكروها وقد ثبت عنه ﷺ أنه توضأ مرة مرة وطاف على بعيره مع الإجماع على أن الوضوء ثلاثا ثلاثا والطواف ماشيا أكمل ونظائر هذا غير منحصرة فكأنه ﷺ ينبه على جواز [الشئ مرة أو مرات] ويواظب على الأفضل منه وهكذا كان أكثر وضوئه ﷺ ثلاثا وأكثر طوافه ماشيا وأكثر شربه جالسا وهذا واضح [لا يتشكك] فيه من [له أدني] نسبة إلى علم فيجوز الشرب قائما والأفضل والأكمل الشرب قاعدا والله أعلم (١).

стр. 6258

[الترغيب في الأكل من جوانب القصعة دون وسطها] ٣٢١٩ - عن عبد الله بن بسر ﵁ قال كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرد فيها فالتفوا عليها فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ فقال أعرابي ما هذه الجلسة قال رسول الله ﷺ إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا ثم قال رسول الله ﷺ كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها رواه أبو داود وابن ماجه ذروتها بكسر الذال المعجمة هي أعلاها (١). قوله: عن عبد الله بن بسر ﵁ تقدم. قوله ﷺ : "كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرد فيها فالتفوا عليها" الحديث، القصعة بفتح القاف مفرد القصاع هي تسع ما يشبع عشرة كذا قاله الكسائي فيما حكاه الجوهري وغيره عنه (٢)، وقيل: الصحفة كالقصعة وجمعها صحاف فالجفنة بفتح الجيم أعظم القصاع، كانت العرب تدعوا

стр. 6259

السيد المطعام جفنة لأنه يضعها ويطعم الناس فيها فسمي باسمها ثم بعدها القصعة تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المئكلة تشبع الرجلين ثم الصحيفة تشبع الرجل. قوله: "أتي بتلك القصعة يعني وقد أثرد فيها" وإنما ذكر الثريد على عادة العرب فإن أفضل الطعام عندهم الثريد وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (١) رواه الجماعة إلا أبا داود [ووجه التفضيل أنه قال في] حديث آخر "سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم" (٢).

стр. 6260

..........................................................

стр. 6261

أنشد سيبويه: [إذا ما الخبز تأدمه بلحم] ... فذاك [أمانة الله الثريد] قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه والمراد بالفضيلة نفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعه وغيره ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة (١)، أ. هـ. وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسار مؤنته وسهولة إساغته وعظم بركته ولأنه جل أطعمتهم وأكثرها بالنسبة لهم ولعوائدهم وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، [قاله] أبو العباس القرطبي (٢). وقال ابن بطال (٣): الثريد أزكى الطعام وأكثره بركة وهو طعام العرب وقد شهد له النبي ﷺ بالفضل على سائر الطعام وكفى بذلك تفضيلا له وشرفا انتهى.

стр. 6262

فالثريد أبلغ أنواع الأطعمة في الإشباع فكان أبلغ لهذا المعنى [وهو] أزكى الأطعمة لأنه إذا فت القرص أكل منه جماعة وإذا كان وحده ربما أكله واحد ولا يشبع منه. قوله: "فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ فقال أعرابي: ما هذه الجلسة، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا" العنيد: [الجائر عن] القصد [الباغي] الذي يرد الحق [مع العلم به، وفى] خطبة أبي بكر وسترون بعدي ملكا عضوضا وملكا عنودا، العنود والعنيد بمعنى واحد، وهما فعول وفعيل بمعنى فاعل أو مفاعل، قاله في النهاية (١)، وفي الحديث أيضا عن عبد الله بن بسر قال: أهديت للنبي ﷺ شاة فجثى على ركبتيه فأكل فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: "إن الله جعلني عبدا كريما ولم يجعلني عبدا جبارا عنيدا" انفرد به ابن ماجه، وعن أبي جحيفة أن رسول الله ﷺ قال: "لا آكل متكئا" رواه الجماعة سوى مسلم (٢) قال علماء الدين: يكره الأكل متكئا وهو الأكل قاعدا على قاعدته مطمئنا فعل أهل الكبر بأن يكون مستوفزا وتفسير هذا مأخوذ من حديث ابن عباس إن الله أرسل إلى نبيه ﷺ ملكا ومعه جبريل فقال الملك: عن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا أو ملكا فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير له فأشار جبريل بيده أن تواضع فقال النبي ﷺ : "بل أكون عبدا نبيا" وما أكل

стр. 6263

بعد هذه الكلمة طعاما متكئا، وقال ابن بطال بعد قوله ﷺ : "لا آكل متكئا" إنما فعل ذلك ﷺ تواضعا لله تعالى وتذللا، وقد بين هذا أيوب في حديثه عن الزهري أن النبي ﷺ أتاه ملك قبل تلك الساعة ولا بعدها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وملكا نبيا فنظر إلى جبريل ﵇ كالمستشير له [فأومأ إليه أن تواضع، فقال: "بل عبدا نبيا" فما أكل متكئا]، وقال مجاهد: لم يأكل النبي ﷺ متكئا قط إلا مرة ففزع فجلس، وقال: "اللهم أنا عبدك ورسولك" ثم قال: ومن أكل متكئا لم يأت حراما وإنما يكره ذلك لأنه خلاف التواضع الذي اختاره الله لأنبيائه [وصفوته] من خلقه وقد أجاز ابن سيرين والزهري الأكل متكئا (١). وقد فسر الخطابي (٢) الاتكاء بالتمكن في الجلوس من التربع وشبهه المتكئ المعتمد [على] الوطاء تحته قال: كل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ قال ومعناه لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد متكئا بل أقعد مستوفزا [وأقوم عنه مستعجلًا]، وروى البيهقي من حديث يحيى بن بكير أن النبي ﷺ قال: "آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" (٣) قال: وقد عد أبو العباس القرطبي ترك الأكل متكئا من خصائصه ﷺ ، ويحتمل أن يكون المختار لغيره أيضا أن يتركه لأنه من فعل المتعظمين وأصله مأخوذ من الأعاجم قال: فإن كانت برجل علة في شيء من يديه وكان

стр. 6264

لا يتمكن من الأكل إلا متكئأ لم يكن في ذلك كراهة، ثم روي بإسناده عن ابن عباس أنه كان يأكل متكئا أ. هـ قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها" قال المنذري: ذروتها بكسر الذال المعجمة هي أعلاها، قال العلماء: والذروة أعلا سنام البعير وذروة كل شيء أعلاه ومنه قوله ﷺ لمعاذ بن جبل: "ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " [وفي] حديث أبي موسى أتى النبي ﷺ بإبل غر الذرى أي بيض الأسنمة سمانها (١). قال الخطابي ﵀ (٢): نهى النبي ﷺ عن الأكل من أعلى الصحفة ومن ذروة الثريد سببه ما علله به من أن البركة تنزل في أعلاه، قال: وقد يحتمل ذلك وجها آخر وهو أن يكون النهي وقع فيما إذا أكل مع غيره وذلك [أن] وجه الطعام هو أفضله وأطيبه وإذا قصده بالأكل كل كان مستأثرا [به على أصحابه]، وفيه: من ترك الأدب وسوء العشرة ما لا خفاء به فأما إذا أكل وحده فلا تأثيره له أ. هـ. وما قاله فيه نظر فإن الظاهر العموم. ففي الإحياء في القسم الثاني من آداب الأكل: أن لا يأكل من ذروة القصعة ولا من وسط الطعام بل يأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل [الخبز] فيكسر الخبز (٣)، أ. هـ، قاله في الديباجة.

стр. 6265

٣٢٢٠ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه كلهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح ولفظ أبي داود وغيره قال رسول الله ﷺ إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها (١). قوله: عن ابن عباس ﵄، تقدم. قوله ﷺ : "البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من جانبيه" وفي بعض النسخ [حافتيه] "ولا تأكلوا من وسطه" وفي رواية أبي داود "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها" وفي بعض النسخ "أعلاه" تقدم الكلام على ذلك في الحديث

стр. 6266

قبله، قال النووي (١): سنن الأكل ثلاثة التسمية والأكل باليمين وتقدم الكلام على ذلك، والثالثة: الأكل مما يليه أي مما يقربه لا من كل جانب لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الإمراق وشبهها وهذا في الثريد، والإمراق وشبهها فإن كان تمرا أو أجناسا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي على عمومه حتى يثبت دليل مخصص والله تعالى أعلم. قوله: رووه كلهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، أ. هـ، أما عطاء بن السائب فهو (٢) [عطاء بن السائب بن مالك، ويقال: ابن زيد، ويقال: يزيد الثقفي أبو زيد، وقيل: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد الكوفي، روى عن: أبيه، وعبد الله بن أبي أوفى، وذر الهمداني، وأبي وائل، وسعيد بن جبير، وأبي عبد الرحمن السلمي، وطائفة سواهم، وعنه: سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة، وهؤلاء حديثهم عنه صحيح على ما ذكر بعض الحفاظ، وحماد بن زيد، وزائدة، وأبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة، وابن علية، وزياد البكائي، وعلي بن عاصم، ويحيى القطان، وهو أقدم شيخ للقطان، وروى عنه خلق سواهم، قال أحمد بن حنبل: عطاء بن السائب ثقة ثقة، رجل صالح، من سمع منه قديما كان صحيحا، وكان يختم كل ليلة، وقال أبو حاتم: محله الصدق قبل أن يختلط، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم، لكنه تغير،

стр. 6267

ورواية شعبة، والثوري، وحماد بن زيد عنه جيدة، وقال أبو بكر بن عياش: كنت إذا رأيت عطاء بن السائب وضرار بن مرة، رأيت أثر البكاء على خدودهما، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان عطاء بن السائب من خيار عباد الله، كان يختم القرآن كل ليلة، قرأ القرآن عطاء بن السائب على أبي عبد الرحمن السلمي، وكان من المهرة به، وصح أنه رأى عليا ﵁ قال أبو خيثمة زهير، عن أبي بكر بن أبي عياش عنه قال: مسح على رأسي ودعا لي بالبركة، قال ابن المديني: قلت ليحيى القطان: ما حدث سفيان وشعبة عن عطاء بن السائب صحيح هو؟ قال: نعم إلا حديثين كان شعبة يقول: سمعتهما بأخرة عن زاذان، قال القطان: وما سمعت أحدا يقول في عطاء شيئا قط في حديثه القديم وقد شهد الجماجم، وقال ابن معين: كل حديثه ضعيف إلا ما كان من حديث شعبة، وسفيان، وحماد بن سلمة، وروى ابن عيينة عن رجل قال: كان أبو إسحاق سألنا عن عطاء بن السائب ويقول: إنه من البقايا، قال ابن عيينة: وكان عطاء بن السائب أكبر من عمرو بن مرة، وقال عبد الله بن الأجلح: رأيت عطاء بن السائب أبيض الرأس واللحية، وروى قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب قال: شهدت الجماجم، فرأيت رجلا في السلاح ما يظهر منه إلا عينه، فجاء سهم فأصاب عينه فقتله، ورأيت رجلا حاسرا في وسطه منطقة، فرمى فأصابه سهم في منطقته ثم نبا عنها قال أبو بكر بن الأسود، وغيره: توفي عطاء سنة ست وثلاثين ومائة].

стр. 6268

[الترغيب في أكل الخل والزيت ونهس اللحم دون تقطيعه بالسكين إن صح الخبر] ٣٢٢١ - عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ سأل أهله الأدم فقالوا ما عندنا إلا الخل فدعا به فجعل يأكل به ويقول نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل قال جابر فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله ﷺ قال طلحة بن نافع وما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر رواه مسلم وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه منه نعم الإدام الخل (١). قوله: عن جابر هو ابن عبد الله ﵁ تقدم الكلام على مناقبه. قوله: أن رسول الله ﷺ سأل [أهله] الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل فدعا به فجعل يأكل به ويقول: "نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل نعم الإدام الخل" قال النووي ﵀ (٢): في هذا الحديث فضيلة الخل [وأنه يسمى أدما] وأنه أدم فاضل جيد، قال أهل اللغة: الإدام بكسر الهمزة ما يؤتدم به وجمع الإدام أدم بضم الهمزة والدال كإهاب وأهب وكتاب وكتب، ويقال للواحد أيضًا أدم والأدم بإسكان الدال مفرد كالإدام ومنه في [الحديث] الآخر: "نعم

стр. 6269

الأدم" والإدام بالكسر والأدم بالضم ما يؤكل مع الخبز، وفي الحديث استحباب الحديث على الأكل تأنيسا للآكلين وأما معنى الحديث فقال الخطابي والقاضي عياض رحمهما الله تعالى معناه: مدح الاقتصاد في المأكل ومنع النفس من ملاذ الأطعمة وأنه إذا كان شاكرا لربه مادحا له لما رزقه من الخل فهو على الملاذ من الأطعمة أشكر، وتقديره: ايتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده ولا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مشقة للبدن هذا كلام القاضي ومن تابعه الصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه وأما الاقتصاد في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد آخر والله أعلم. قوله: قال جابر فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من رسول الله ﷺ ، فهو كقول أنس: فما زلت أحب الدباء، وقد ذكر العلماء أن تأويل الراوي إذا لم يخالف الظاهر يتعين المصير إليه والعمل به عند جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين، وهذا كذلك بل تأويل الراوي هنا هو ظاهر اللفظ [فيتعين] اعتماده. ٣٢٢٢ - وعن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت دخل علي رسول الله ﷺ فقال هل عندكم من شيء فقلت لا إلا كسرة يابسة وخل فقال النبي ﷺ قربيه فما افتقر بيت من إدام فيه خل رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وروى ابن ماجه عن محمد بن زاذان قال حدثتني أم سعد ﵂ قالت دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها فقال هل من غداء قالت عندنا خبز

стр. 6270

وتمر وخل فقال رسول الله ﷺ نعم الإدام الخل اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يقفر بيت فيه خل (١). قوله: عن أم هانئ بنت أبي طالب (٢) ﵂، أم هانئ هذه [هة بنت] طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، وهانئ بمهزة في آخره لا خلاف فيه بين [أهل اللغة] والأسماء وكلهم مصرحون به وكل ما في أوله أب أو أم كأبي الفضل وأبي المكارم و [أم] الفضل وأم الخير وما أشبه ذلك فهو كنية، وأم هانئ اسمها فاختة على المشهور، وقيل: اسمها هند، قاله الإمامان الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما، وقيل: فاطمة حكاه ابن الأثير، أسلمت

стр. 6271

عام الفتح وكانت تحت هبيرة بن عمرو، فولدت له عمرا، وهانئا، ويوسف وجعدة روى لها عن النبي ستة وأربعون حديثا، قاله في الديباجة. قوله ﷺ : "ما أقفر بيت فيه أدم من خل" رواه الترمذي يعني: ما أقفر بيت أي ما خلا من الأدم [ولا] عدم أهله الأدم والقفار: الطعام بلا أدم، وأقفر الرجل إذا أكل الخبز وحده من القفر، والقفار هي الأرض الخالية التي لا ماء بها وقد تكرر [ذكر القفر] في الحديث، وجمعه [قفار] وأقفر فلان من أهله إذا انفرد والمكان من سكانه إذا خلا، قاله في النهاية (١). وامرأة قفرة قليلة اللحم وأقفر أكل خبزا قفارا قاله صاحب المغيث في تفسير غريب القرآن والحديث (٢). وفي رواية ابن ماجه: "نعم الأدم الخل، اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه خل" وروي أنه ﷺ قال: "خير خلكم [خل خمركم] " (٣) ولا بأس أن يشتري من أهل الذمة خلا لم يتعمدوا إفساده لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) أ. هـ قاله [في شرح المنهاج (٥)].

стр. 6272

تنبيه: ليس لنا خل متفق على طهارته إلا إذا أصفى من عناقيده قبل التخمر بحيث يبقى ما [ئعا خالصا] أو حيث طهرت الخمر طهر ظرفها [حتى] ما أصابه الخمر من أعاليه حال الغليان، (١) أ. هـ. قال أبو العباس القرطبي في قوله ﷺ : "نعم الإدام الخل" الإدام ما يؤتدم به أي يؤكل به الخبز مما يطيبه سواء كان مما يصنع به كالإمراق والمائعات أو لا يصطبغ كالجامدات كاللحم والجبن والبيض والزيتون وغير ذلك هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفا وخلفا، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في البيض واللحم المشوي وشبه ذلك مما لا يصطبغ به ليس شيء من ذلك بإدام وينبيء على هذا من حلف لا يأكل إداما فأكل شيئا من هذه الجامدات يحنث عند الجمهور ولا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف والصحيح ما صار إليه الجمهور بدليل قوله ﷺ وقد وضع تمرة على كسرة "هذه إدام هذه" وبدليل قوله ﷺ لما سئل عن إدام أهل الجنة أول ما يدخلونها فقال: "زيادة كبد الحوت"، وكذلك قوله ﷺ : "سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم" والله أعلم. تنبيه: فالخل من الأدم التي يعم نفعها، وقيل: في تفسير قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٢) أنه الخل [وفيه منافع الدين] مع الدنيا [وذلك] لأنه [بارد يطفئ حرارة] الشهوة ويقطعها، وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كان عامة أدم أزواج رسول الله ﷺ بعده الخل [ليقطع]

стр. 6273

عنهن ذكر الرجال وخلق ابن آدم مجبولا على الشهوات الرجال منهم والنساء، فكلما وجدوا عونا على ما [يطفئ] ذلك منهم كان عونا لهم وكل شيء [هو عون للدين فالبركة حالة به وإذا بورك في الشيء] سعد به أهله، قاله في نوادر الأصول (١). تتمة: قال في الإحياء (٢): وأعلى الأدم اللحم والحلاوة والمراد با [ ... ] (٣) وأدناه -يعني الإدام- الملح و [الخل] وأوسطه المزورات بالأدهان [من غير لحم] وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع [من] الإدام على الدوام بل الامتناع عن [الشهوات] فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان وأكله [اقتضى] ذلك بطرًا في نفسه وقسوة في قلبه وأنسًا له بلذات الدنيا حتى يألفها ويكره الموت ولقاء الله تعالى وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنًا عليه، وإليه أشار يحيى بن معاذ بقوله: يا معاشر الصديقين جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس، وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل اتفاقا، أ. هـ. فائدة: وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل" (٤).

стр. 6274

قال النووي (١): كان النبي ﷺ يحب الحلواء والعسل، قال العلماء: الحلواء بالمد هي هنا كل شئ حلو وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام، وفي تاريخ أصبهان للحافظ أبي نعيم في ترجمة أحمد بن الحسن من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ "أول نعمة ترفع من الأرض العسل" (٢). قال أبو سليمان (٣): عجبه ﷺ الحلواء ليس على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها وتأنق الصنعة في اتخاذها كفعل أهل الشره والنهم، [وإنما هو أنه] كان ﷺ إذا قدمت إليه الحلواء نال منها نيلا صالحًا فيعلم بذلك أنه أعجبه طعمها، وفيه دليل على اتخاذ الحلاوات والأطعمة من أخلاط شتى، أ. هـ. ٣٢٢٣ - وعن أبي أسيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه الترمذي وقال حديث غريب والحاكم وقال صحيح الإسناد (٤).

стр. 6275

قوله: وعن أبي أسيد ﵁ أبو أسيد، قال الدارقطني وابن عبد البر: هو بفتح الهمزة، وقيل: بالضم ولا يصح وقال غيره: اسمه عبد الله بن ثابت الأنصاري (١). قوله ﷺ : "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" شجرة الزيتون شجرة مباركة لا تكاد تنبت إلا في البقاع الشريفة المباركة [وهي الشجرة التي سمع موسى منها]، وقيل: إنها تعمر ثلاثة آلاف سنة، وعن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ أن آدم ﵇ وجد ضربانا في جسده فاشتكي إلى الله فنزل جبريل ﵇ بشجرة الزيتون وأمره [أن يغرسها] ويأخذ ثمرتها فيعصرها وقال له إن في دهنها شفاء من كل داء إلا السام، والسام هو الموت وزيتها دهن مبارك، قال ﷺ : "عليكم بالزيت فإنه يكشف المرة ويذهب بالبلغم ويشد العصب ويذهب بالإعياء و [يحسن] الخلق ويطيب النفس ويذهب [الهم] " وقال: "كلوا الزيت [وادهنوا به فإنه يخرج] من شجرة مباركة" وهو حار رطب موافق وجع المفاصل، أ. هـ قاله في عجائب المخلوقات والله أعلم (٢).

стр. 6276

٣٢٢٤ - وروي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا قال كلوا الزيت وادهنوا به فإنه طيب مبارك رواه الحاكم شاهدا (١). قوله: عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا قال: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه طيب مبارك" تقدم الكلام على مناقب أبي هريرة، وأما الحديث المرفوع فهو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة قولا أو فعلا أو تقديرًا، ويدخل فيه المتصل والمنقطع والمرسل ونحوه، قاله في التنقيح على المصابيح (٢)، وأما قوله "كلوا الزيت وادهنوا به" فتقدم الكلام عليه في الحديث قبله. ٣٢٢٥ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة رواه ابن ماجه والترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق وكان عبد الرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وهو كما قال (٣).

стр. 6277

٣٢٢٦ - وعن صفوان بن أمية ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال انهسوا اللحم نهسا فإنه أهنأ وأمرأ رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والحاكم وقال صحيح الإسناد ولفظه قال رآني رسول الله ﷺ وأنا آخذ اللحم عن العظم بيدي فقال يا صفوان قلت لبيك قال قرب اللحم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ قال الحافظ عبد العظيم رواه الترمذي عن عبد الكريم بن أبي أمية المعلم عن عبد الله بن الحارث عنه قال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم قال الحافظ عبد الكريم هذا روى له البخاري تعليقا ومسلم متابعة وقد روى من غير حديثه فروى أبو داود والحاكم من حديث عبد الرحمن بن معاوية عن عثمان بن أبي سليمان عنه وعثمان لم يسمع من صفوان والله أعلم (١). قوله: عن صفوان بن [أبي] (٢) أمية ﵁[هو أبو وهب، وقيل: أبو أمية

стр. 6278

صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القريشى الجمحى المكى، أسلم بعد أن شهد حنينًا مع النبى ﷺ كافرًا، وكان من المؤلفة، وشهد اليرموك، توفى بمكة سنة اثنتين وأربعين، وقيل: توفى في خلافة عثمان، وقيل: عام الجمل سنة ست وثلاثين. روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن الحارث، وابن المسيب، وطاوس، وعطاء، وقُتل أبوه يوم بدر كافرًا]. قوله ﷺ : "انهسوا اللحم نهسا فإنه أهنأ وأمرأ" وفي رواية الحاكم قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا آخذ اللحم عن العظم بيدي فقال: "يا صفوان" قلت: لبيك، قال: "قرب اللحم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ" هما فعلا تفضيل من هنأ الطعام ومرأ إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل (١): الهنئ ما يلذ للأكل والمرئ ما تحمد عاقبته والله أعلم. ٣٢٢٧ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه صنيع الأعاجم وانهشوه نهشا فإنه أهنأ وأمرأ رواه أبو داود وغيره عن أبي معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عنها وأبو معشر هذا اسمه نجيح لم يترك ولكن هذا الحديث مما أنكر عليه وقد صح أن النبي ﷺ احتز من كتف شاة فأكل ثم صلى والله أعلم (٢).

стр. 6279

قوله: وعن عائشة ﵂، تقدم الكلام على مناقبها. قوله ﷺ : "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه صنيع الأعاجم وانهشوه نهشا فإنه أهنأ وأمرأ" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله في آخر الحديث: عن أبي معشر، وأبو معشر هذا اسمه نجيح [لم يترك]، قال الحافظ: وقد صح أن النبي ﷺ احتز من كتف شاة فأكل ثم صلى، فيه جواز قطع اللحم بالسكين وذلك تدعوا إليه الحاجة كصلابة اللحم أو كبر [القطعة] ويكره من غير حاجة (١).

стр. 6280

[الترغيب في الاجتماع على الطعام] ٣٢٢٨ - عن وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده ﵁ قال قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال تجتمعون على طعامكم أو تتفرقون قالوا نتفرق قال اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وروى ابن ماجه أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ كلوا جميعا ولا تتفرقوا فإن البركة مع الجماعة. وفيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير واهي الحديث (١). قوله: عن وحشي عن أبيه عن جده ﵁ هو: وحشي بن حرب بن وحشي ابن حرب [جده وحشى بن حرب الحبشى] مولي جبير بن معطم (٢)، وقيل:

стр. 6281

مولي طعيمة بن عدي، وكان عبدا أسود، روي عن أبيه عن جده هذا الحديث الواحد، وكذلك والده حرب ليس له غيره وجده وحشي بن حرب [الحبشي] أبو دسمة مولي جبير بن مطعم، وقيل: مولي طعيمة بن عدي كان عبدا أسود من سودان مكة، روى عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وهو قاتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وكان ممن خرج مع خالد بن الوليد إلى اليمامة شهد معه الشام وشهد معه اليرموك كان يسكن حمص وهو أول من لبس الثياب المدلوكة وأول من جلد [في الخمر بحمص] قتل خير الناس وشر الناس، وكان يقول: هذه بهذه، روى له البخاري والترمذي والبيهقي قاله في الديباجة. وذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: وحشي [ابن حرب] شامي [تابعى لا بأس به] وذكر عن صدقة بن خالد أنه قال [لا تشتغل به ولا بأبيه] (١). قوله: قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، فذكره إلى أن قال: "اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه" تقدم الكلام على التسمية. ٣٢٢٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة رواه البخاري ومسلم (٢).
следующие страницы →